حكم إمامة المرأة بالرجال
أيها الإخوة الكرام! كنا توقفنا في باب الإمامة عند قوله: [ولا تصح إمامة المرأة بالرجال].
وهذا أمر لا خلاف فيه؛ لأن الله قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:34]، فالمرأة لا يجوز لها أن تؤم الرجل، ولذلك لو تتبعت الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة؛ لوجدت أن كثيراً منها يختلف فيها الذكور عن الإناث، فليس للمرأة أن تؤذن، ولا أن تخطب الجمعة، ولا أن تصلي بالرجال، ولا أن تعتلي منصب القضاء، بل إن بول الجارية يغسل، وبول الذكر ينضح وذلك قبل الفطام، لحديث أم قيس في البخاري: (بول الصبي ينضح وبول الجارية يغسل).
وفي العقيقة للذكر شاتان، وللأنثى شاة واحدة.
وفي الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11].
وفي الشهادة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282].
وفي الدية: أجمع العلماء على أن دية الذكر مثلي دية الأنثى، فهذه أحكام شرعية، وربنا عز وجل قال في آل عمران: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:36]، فهذا حكم مجمع عليه.
حكم إمامة من به سلس البول
قال رحمه الله: [ولا تصح إمامة من به سلس البول) لأنه أخل بشرط من شروط الصلاة وهو الطهارة، فإن صاحب سلس البول مريض، وكذا من به انفلات الريح والمستحاضة، وهؤلاء أهل أعذار، وأهل الأعذار لا يجوز لهم إمامة الصحيح أو السليم المعافى؛ لذلك لما سألني أحد الإخوة: عن حكم إمامة الرجل الكسيح يعني: المشلول، قلت: لا يجوز له أن يكون إماماً، إلا إذا اعتلاه مرض يرجى برؤه، وفرق بين هذا وهذا؛ لأن الذي يؤم الناس ينبغي أن يكون صحيحاً معافى، فالذي به سلس بول، وهو انفلات الماء لضعف المثانة حيث أنها لا تتحكم في البول؛ فيقطر منه البول بعد الوضوء، فهذا مريض بسلس البول.
وهناك أناس -عافانا الله وإياكم- عندهم انفلات ريح أو سلس بول، فهم من أهل الأعذار، فمن كان به سلس بول فإنه يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، ويصلي حتى وإن خرج منه البول بعد ذلك؛ شريطة أن يتحفظ على فرجه حتى يعزل بين البول وبين ملابسه بحافظة، هذا كلام العلماء، لكن من به مرض سلس البول لا يجوز له أن يكون إماماً.
حكم إمامة الأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة
قال رحمه الله: [ولا تصح إمامة الأمي الذي لا يحسن الفاتحة، أو يخل بحرف منها إلا بمثله] يعني: مريض سلس البول لا يتقدم فيؤم الناس، وكذا الألتغ الذي يقلب الحروف لا ينبغي أن يؤم غيره.
كذلك الأمي الذي لا يجيد قراءة الفاتحة، ويخل بحرف من حروفها، كمن قرأ: (الذين) ولم يخرج مخرج الذال؛ فيكون قد أخل بحرف من الحروف، فعلى المصلي أن يتقن قراءة الفاتحة قراءة صحيحة، واللحن الخفي لا يخل في القراءة بخلاف اللحن الجلي، كأن يقرأ قول الله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة:7]، برفع: (أنعمتُ)، أي: أنه نسب النعمة إلى نفسه، فإذا قال: (أنعمتُ)؛ بطلت الصلاة، فهذا مثل لحركة بطلت بها الصلاة، فلا بد أن يجيد الإمام قراءة الفاتحة ولا يلحن في قراءة حرف واحد من حروفها.
وكذا في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:4]، وهناك من يثبت ياء، فيقول: (مالكي يوم الدين)، فأثبت ياء بحركتين، فأبطل بذلك الفاتحة.
ولا يصح أن يسكن لفظ (مالكَ) أو يفتح؛ لأن (مالك) لفظ مكسور، إن وقف سكن، وإن وصل كسر، فهذا لحن أيضاً في حروف الفاتحة.
فعلى الإمام أن يجلس بين يدي قارئ للقرآن يصحح له الفاتحة ويقرأها قراءة صحيحة مائة بالمائة، ولا يكون إماماً إلا وهو يجيد قراءة الفاتحة إلخ.
ثم قال: إن لحن الإمام في الفاتحة لحناً جلياً يراد بأنه إذا أقرَّ على هذا الخطأ بطلت الصلاة؛ لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة.
حكم ائتمام المتوضئ بالمتيمم
ثم قال: [ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم] لأن المتيمم العادم للماء كالمتوضئ القادر على الماء، والدليل أن عمرو بن العاص رضي الله عنه صلى بأصحابه في غزوة ذات السلاسل وهو متيمم، فقد أصابته جنابة فتيمم، وأم الناس وهم متوضئون، وبعد الصلاة علموا أنه على جنابة وصلى بهم متيمماً، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو! صليت بهم جنباً، قال: نعم يا رسول الله! تذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29]، والجو كان بارداً برداً شديداً، وفي هذه الحالة لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم من صلى خلف عمرو أن يعيد الصلاة إقراراً منه على ائتمام المتوضئ بالمتيمم.
حكم إمامة المفترض بالمتنفل
قال رحمه الله: [ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل، لما روى جابر أن معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة، متفق عليه.
وروى الأثرم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه في الخوف ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين أيضاً ثم سلم].
صلاة الخوف في الحرب لها صور متعددة: منها: أن الإمام يصلي ركعتين بطائفة، وركعتين بطائفة أخرى، يصلي ركعتين بالطائفة الأولى فرضاً بالنسبة له والطائفة الثانية يصلي بهم ركعتين نفلاً وهم مفترضون.
والصورة الصحيحة: أن يصلي ركعتين، يصلي ركعة بطائفة ثم يقوم وتقوم معه الطائفة الأولى، ثم يظل قائماً إلى أن تأتي الطائفة الأولى بركعة وهو قائم، ثم يسلمون ويتقدمون وترجع الأخرى، وتأتي معه بركعة التي قام فيها، ثم يصلي ركعة ويجلس للتشهد، فتقوم الطائفة الثانية تأتي بالركعة وهو جالس للتشهد، ويجلسون ويتشهدون ويسلمون.
نأتي بطائفتين والإمام أمامهم، ثم يصلي بطائفة والطائفة الثانية في الأمام تحرس، والإمام في الخلف هو والطائفة الأولى، فطائفة تحرس وطائفة تصلي، وبالنسبة للطائفة التي تصلي مع الإمام في الخلف تسمى الطائفة الأولى، يصلي بهم الإمام ركعة كاملة، ثم يقوم ليأتي بالركعة وهم معه، ويظل قائماً، وهم يأتون بركعة بمفردهم حتى ينتهوا من الركعتين، ثم يتقدمون.
ثم بعد أن ينتهوا ينفصلوا عن الإمام ويتقدموا للحراسة بدلاً من الطائفة الثانية، وتعود الطائفة الثانية مع الإمام الواقف تأتي معه بركعة، ثم يجلس هو للتشهد، ثم تقوم الطائفة الثانية وتأتي بركعة ثانية ثم تجلس معه للتشهد، ولا تسلم حتى يسلم الإمام.
فأحد صور صلاة الخوف: أن يصلي الإمام ركعتين مفترضاً وركعتين متنفلاً.
ثم قال رحمه الله: [ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين أيضاً ثم سلم، والثانية منهما تقع نافلة، وقد أم بها مفترضين، ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال؛ فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى كالمتنفل خلف المفترض، وعنه: لا يجوز؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه) متفق عليه]، يعني: رواية عن أحمد أنه لا يجوز، والرواية الأخرى يجوز، والراجح وخلاصة القول: أنه يجوز للمفترض أن يأتم بالمتنفل، وهذا مذهب الشافعي وهو الراجح، وأدلته أقوى وأوضح، لحديث معاذ، وحديث صلاة الخوف.
موقع المأمومين من الإمام
قال رحمه الله: [وإذا كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام] أي: يقف بجواره تماماً، أن تكون القدم ملاصقة لقدم الإمام لحديث ابن عباس في البخاري؛ وكثير من الناس يعتقد أنه إذا صلى مع الإمام فينبغي أن يتراجع قليلاً، وحديث ابن عباس في البخاري هو: (أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عن يساره، فأداره النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه)، أي: إذا صلى المأموم بجوار الإمام منفرداً فينبغي أن يقف عن يمين الإمام، وابن عباس وقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فجذبه النبي صلى الله عليه وسلم من أذنه وفتلها، وجعله عن يمينه، وفي هذا جواز أن يعدل الإمام وقفة المأموم.
قال رحمه الله: [فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح] وهذه المسألة مهمة جداً، فإن بعض الناس في مسجد العزيز في يوم الجمعة يصلون أمام الإمام لغير ضرورة، وأنا أحذر من هذا الصنيع، إذا وقف المأموم أمام الإمام لم تصح الصلاة، إلا لضرورة، وهي ضيق المكان، أما إذا كان المكان واسعاً أو توجد شوارع حول المسجد؛ فلا يجوز للمأموم -لأنه تابع- أن يتقدم على الإمام، فضلاً عن أن البعض يصلي في أماكن ليس فيها اتصال صفوف، فيقف لوحده في حجرة في المسجد أو خارجه ويتابع إمام المسجد في الصلاة، وهذا لا يصح، لأنه لا بد من اتصال الصفوف وأن يرى كل صف الذي قبله، وهذه من الأمور المهمة التي نفرط فيها كثيراً.
وهنا ثلاث حالات: الأولى: إذا كان المأموم واحداً، ووقف عن يسار الإمام، قال: لم تصح، والصحيح أنها تصح؛ لأن ابن عباس لما وقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم جذبه، وما أمره أن يعيد ما صلى عن يساره، هذا هو الكلام المعتبر، لكن إن وقف وحده خلف الإمام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، فإن كان بمفرده لا بد أن يكون بجواره، أما إن اكتمل الصف وهو عاجز عن أن يقف مع آخر؛ فيسقط عنه الأمر، فلو دخلت المسجد فوجدت أن الصف قد اكتمل قف بمفردك خلف الصف وصلاتك صحيحة، وهذا هو القول الراجح.
أما من قال بجذب واحد من الصف الممتلئ فليس معه دليل فضلاً عن الخلل الذي أحدثه في الصف الأول وهو فرجة.
ثانياً: يتسبب في أن يرجع رجلاً من الصف الأول إلى الصف الثاني، وهو جاء مبكراً يريد الصف الأول وأجره، فيُرَدُّ إلى الصف الثاني.
أما أصول الفقه وأقوال الفقهاء فتؤيد ما قلناه من أن المكلف لا يكلف إلا ما في طاقته، إذ لا تكليف إلا بمقدور، فلو أن شخصاً مصاباً بكسور لا يلزم بالقيام في الصلاة على أساس أن القيام ركن فيها.
وفي مسألتنا هذه وهي إتيان الفرد لصلاة الجماعة مع اكتمال الصف، فينفرد بسبب عدم القدرة على الدخول في الصف، والحديث في البخاري حجة وكذا حديث أنس مع الطفل اليتيم والمرأة، يقول أنس: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وبجواري غلام يتيم، ووقف من خلفنا أم سليم بمفردها)، فـ أم سليم وقفت خلف الصف لوحدها كما في الحديث، فدل ذلك على أن صلاة المرأة منفردة خلف الصف تصح وصلاة الرجل منفرداً خلف الصف يصح كذلك، وأم سليم لم تجد من يقف بجوارها؛ فهي لا تكلف إلا قدر استطاعتها، وابن حجر يعلق على ذلك قائلاً: والدليل على هذه القضية حديث أنس.
وليس من المعقول ولا من المنقول أن تكلفني ما فوق طاقتي.
وهل على من أتى ولم يجد فرجة في الصف السابق أن ينتظر حتى يأتي شخص آخر معه في الصف، وإلا فعليه أن ينتظر؟ وإن لم يأت أحد فماذا يعمل؟ وجذب أحد المصلين إلى الصف الثاني ليس عليه دليل.
وإذا دخل اثنان معاً المسجد وفي الصف السابق فرجة لواحد فقط، فيسد أحدهما الفرجة والثاني يقف بمفرده في الصف، فإما أن يقف الاثنان في الصف الثاني ويدعا الفرجة دون أن تسد وهذا لا يصح، وصلاة أحدهما تبطل؛ لأنه إذا رأى المأموم فرجة وتركها، ووقف منفرداً بطلت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يقف بمفرده خلف الصف وفي الصف السابق فرجة فأمره بإعادة الصلاة؛ لأنه وجد فرجة ولم يسدها بل أنشأ صفاً جديداً، هذا فقه الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله).
وإذا تيسر له أن يقف بجوار الإمام فهذا هو الأولى إذا كان سيتخطى الرقاب مسافة طويلة، فهذا عاجز وليس عليه حرج، بل يسقط للعجز.
حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل صلى خلف الصف: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، وأمره أن يعيد صلاته.
إذاً: المواضع المنهي عن الوقوف للمأموم: عن يسار الإمام أو أمامه أو منفرداً خلف الصف.
قال رحمه الله: [إلا أن تكون امرأة فتقف وحدها خلفه؛ لما روى أنس أنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه وال
كيفية ترتيب الرجال والصبيان والنساء في المسجد الواحد
قال رحمه الله: [فإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء] وأنبه على ظاهرة خطيرة في مساجدنا وهي أن الصف الأول للرجال، وبعد الرجال الصبيان ثم النساء، وهذا الكلام غير صحيح أبداً، والدليل على ذلك عدة أحاديث عند البخاري، منها: أن الغلمان الصغار كانوا يقفون مع الرجال في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن يخصص صفاً للصغار، فهذا كلام غير صحيح؛ لأنه ثبت أن غلاماً يتيماً صلى بجوار أنس بن مالك، فلو كان الأمر كذلك -ولا يجوز للصغير أن يقف بجانب الكبير- لما أوقف أنس ذلك الصغير بجانبه.
وحديث آخر عند البخاري عن ابن عباس يقول: (كنت غلاماً لم أناهز الحلم -أي: لم أحتلم- فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في منى في حجة الوداع إلى غير جدار، فقمت في الصفوف).
وأكثر من سبعة أحاديث أوردها البخاري مستدلاً على أن الغلام يقف في الصف، ولا نقيم صفاً لهم، إنما الصف الأول هو الذي ينبغي أن يكون فيه أولو الأحلام والنهى والحفظة؛ بحيث إذا اعترض الإمام شيء استخلف من الصف الأول من يقوم مقامه، وبعد ذلك فإن الغلمان يدخلون بين الصفوف، وهذا كلام الألباني رحمه الله، قال الألباني: الغلام لما يقف بجوار الكبير فسيتعلم منه كيف يصلي، أما عندما نعمل لهم صفاً مستقلاً خلف صف الرجال فسيلعب الأطفال بدلاً من أن يتعلموا الصلاة، وذكر الإمام البخاري في باب الأذان في أكثر من حديث يستدل به على أن الغلمان يصلون مع الرجال داخل الصفوف وهو: (تقدم الرجال ثم الصبيان) وهذا كلام مرجوح، قال رحمه الله: [ثم الخناثى ثم النساء؛ والأصل في ذلك ما روي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه قال: (ألا أحدثكم بصلاة رسول الله! أقام الصلاة فصف الرجال، ثم صف خلفهم الغلمان)]، وهذا حديث ضعيف، رواه أبو داود.
أنا أستدل بما عند البخاري، والمذهب يستدل بحديث ضعيف، احذر أن تأخذ بهذا الحديث الضعيف الذي فيه أنه رصَّ الرجال ثم الغلمان، أنا أحيلك إلى البخاري في تحقيق هذه المسألة الهامة.
والخنثى: هو الرجل الذي جمع بين الذكورة والأنوثة.
إدراك المأموم للجماعة
قال رحمه الله: [ومن كبر قبل سلام الإمام؛ فقد أدرك الجماعة] والمذهب على أن من أدرك الإمام ولو في التشهد؛ فقد أدرك الجماعة، وهذا هو الصحيح، والعلامة ابن حجر في فتح الباري جاء بهذا الكلام في أكثر من حديث؛ لأن البعض يقول: إدراك الجماعة بإدراك ركعة، وهذا غير صحيح، مثال ذلك: إذا أدركت الإمام يوم الجمعة في التشهد ودخلت معه؛ فقد أدركت الجمعة بإدراك التشهد، فتصليها ظهراً، لكن سقطت عنك الجمعة.
مثال آخر: سافرت مائتين وخمسين كيلو، فجئت أصلي فأدركت الإمام وهو في التشهد الأخير، فدخلت معه، فيلزمني أن آتي بأربع ركعات؛ لأنني صليت خلف مقيم.
فإدراكي التشهد يلزمني أن أصلي أربعاً، مع أنني مسافر، قال الفقهاء: إذا أدرك المسافر الإمام المقيم وهو في التشهد الأخير فعليه الائتمام به ويصلي أربعاً، فمن أدرك التشهد فقد أدرك الجماعة، والحديث في البخاري وقد علق عليه ابن حجر تعليقاً وافياً، قال: إن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، والمفروض أن يحسب الثلث داخل في الوقت وثنتين خارج الوقت، لكن من فضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يعطيهم أجراً كاملاً.
وهذا الحديث الذي وقع فيه صاحب كتاب (عمر أمة الإسلام)، وهو أن اليهود عملوا من الفجر إلى الظهر، والنصارى من الظهر إلى العصر، والمسلمين عملوا من العصر إلى المغرب، فصاحب العمل أعطى من عمل من الفجر إلى الظهر أجراً، وأعطى الذي عمل من الظهر إلى العصر أجراً، وأعطى الذي عمل من العصر إلى المغرب أجرين، فاعترض الأولان، وقالوا: كيف يأخذ ضعفينا وقد عمل أقل منا، أي: أن اليهود عملوا أطول وقتاً منا، لكن الله أعطى الأمة الإسلامية مثل ما أعطى الأمتين معاً، فلما اعترضوا قال لهم: ذلك فضلي أوتيه من أشاء، هل ظلمتكم؟ قالوا: لا.
والإمام البخاري يأتي بهذا الحديث، وصاحب كتاب (عمر أمة الإسلام) قال: إن عمر أمة الإسلام تساوي عمر أمة اليهود والنصارى مجتمعتين.
قال رحمه الله: [ومن كبر قبل سلام الإمام؛ فقد أدرك الجماعة؛ لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام فأشبه ما لو أدرك ركعة، ولأنه إذا أدرك جزءاً من الصلاة فدخل مع الإمام؛ لزمه أن ينوي الصفة التي هو عليها، وهو كونه مأموماً فيدرك فضل الجماعة.
ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وإلا فلا]، وهذه المسألة فيها خلاف، ورأي الجمهور أن من أدرك الإمام راكعاً؛ فقد أدرك الركعة، وحد الإدراك أن يدرك معه تسبيحة واحدة مطمئناً؛ لحديث أبي بكرة: لما جاء متأخراً، فكبر خلف الإمام وركع، وسار وهو راكع حتى وصل الصف وأدرك الركعة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً ولا تعد)؛ وصاحب تحفة الأحوذي وغيره قالوا بعدم اعتمادها ركعة إلا بإدراك الفاتحة، لكن قول الجمهور أرجح، وأدلته كالشمس واضحة في رابعة النهار.
قال: [لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أدركتم السجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)، رواه أبو داود] أي: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن إدراك الركوع إدراك للصلاة.
ودليلنا أيضاً: ما عليه جمهور العلماء عدا الأحناف: أن من أدرك الإمام راكعاً في صلاة الجمعة في الركعة الثانية فقد أدرك ركعة فليصل جمعة، ومن أدركه ساجداً فلم يدرك فليصل ظهراً، فجعلوا إدراك الركوع يوم الجمعة إدراك الجمعة؛ فيصلي ركعتين، وهذا قول جمهور العلماء، ولا خلاف بينهم في هذا القول.
الرد على من يقوم بنشر أوراق فيها وصايا منامية
أيها الإخوة الكرام! هذه ورقة تخرج علينا كل سنة، ويوزعها من لهم أغراض: فتاة تبلغ من العمر ست عشرة سنة، مريضة جداً، والأطباء عجزوا عن علاجها، والورقة توزع في القرى، وتدخل على السفهاء والجهلاء، وفي ليلة القدر بكت، ونامت في منامها، فجاءتها السيدة زينب وأيقظتها وأعطتها شربة ماء، ولما استيقظت من نومها وجدت نفسها شفيت تماماً بإذن الله، ووجدت قطعة قماش مكتوب عليها: أن تنشر هذه الرسالة وتوزعها على اثني عشر شخصاً.
وصلت الرسالة إلى عميد بحري ووزعها؛ فحصل على ترقية خلال اثني عشر يوماً، ووصلت إلى تاجر فأهملها؛ فخسر كل ثروته خلال اثني عشر يوماً، ووصلت إلى عامل فوزعها؛ فحصل على ترقية وحلت كل مشاكله خلال اثني عشر يوماً.
أرجو منك يا أخي المسلم أن تقوم بنشرها وتوزيعها على اثني عشر فرداً، والرجاء عدم الإهمال.
ملحوظة: قم بنشر هذه الرسالة وفقنا الله وإياكم لخير الأمة.
إمضاء الفتاة.
أهذا خير الأمة يا عبد الله! أنا لا أدري ماذا أقول في هذه السفاهة؟! وهذا لا يحتاج إلى تعليق حقيقة، لكن أردت أن أبين إلى متى الاستخفاف بعقول الناس، وربما يقول قائل: يا شيخ! هذا كلام معروف، لكن ثق وتأكد أن هناك من يصورها وهم طبقة من المثقفين.
الرد على القصة التي فيها التوسل بالإمام الغزالي
مات في البلدة -وهو العمدة- فقام أحد الناس على القبر فقال: الرسول صلى الله عليه وسلم قابل موسى عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج، فقال موسى له: يا محمد! -عليه الصلاة والسلام- أنت تقول: علماء أمتك أنبياء بني إسرائيل! قال: موسى! نعم، قال موسى: كيف ذلك يا محمد؟! فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يقول لموسى: قل: يا يا شيخ محمد يا غزالي! فسيجيبك في علم الغيب، فنادى موسى وقال: يا شيخ محمد يا غزالي! فقال: نعم يا موسى! وبجواره أساتذة وعلماء ودكاترة في الجامعة، ولم يقل له أحد: يا مخرف اسكت! ماذا تقول يا رجل؟ فمعنى ذلك: أن الناس خلقوا قبل أن يوجدوا على الأرض، وهذه نظرية ابن عربي، فإنه يرى أننا قبل أن نكون خلقاً على الأرض كنا خلقاً في السماء، يعني: الأشباح خلقت قبل أن توجد، فموسى عليه السلام نادى على الشيخ الغزالي باسمه فرد عليه في الملأ الأعلى في علم الغيب.
وهذا كثير جداً، وحدث عنه ولا حرج.
وأنا كنت بعيداً في آخر الدفن، ولو كنت قريباً لحدث ما لا يحسبوه، لقلت له: يكفي يا مخرف! ممكن يحدث عواقب وأنا أعرف هذا، لكن تعجبت ممن بجواره، وهو رئيس قسم في أصول الدين بجانبه، ولم يعلق عليه، فهل يقبل هذا الكلام؟ وأذكر لكم فيما أذكر أن الشيخ عبد اللطيف مشتهري رئيس الجمعية الشرعية السابق، جاءه رجل فقال له: يا شيخ! هل إسماعيل عليه السلام دفن في الحجر؟ -بعض الناس يقول هذا الكلام- ولا دليل عليه، قال له: لماذا؟ قال: خطيب الجمعة اليوم قال لنا: إن إسماعيل دفن في الحجر، قال الشيخ: أنتم سكتم؟ قال: المسجد كله لم يتكلم أحد، فقال: خلاص، كأنه يقول: يا بهائم أنا مالي، نسأل الله العافية.
والشاهد من الكلام: أنه ليس أي كلام يقال يؤخذ، لو سمع الناس الخطيب أو غيره قال كلاماً أخطأ فيه فالمفروض عليهم تنبيهه وردُّ كلامه، لأن هذا دين فلا بد من قول كلمة الحق، ومع ذلك رواد المسجد كله ساكت على كلام لا يغني ولا يسمن من جوع.
يا عبد الله! الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجلس وينام في حجره علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فنام علي حتى غربت الشمس فقام، وقال: يا رسول الله! أنا لم أصل العصر، فأمر الشمس فعادت فقام وصلى ثم غربت بعد ذلك، وهذا الحديث في صحيح البخاري.
ذكر بعض قصص الوضاعين للأحاديث النبوية
وللأسف فإن هناك من يفتري على البخاري وينسب إليه الأحاديث كشخص في جامعة القاهرة علق حديثاً في ورقة طولها عشرة أمتار وكتب في آخره رواه البخاري، وهو ليس بحديث؛ فقلت له: يا ضلالي! حرام عليك، البخاري ما ذكر هذا الحديث.
وأغلب القصاصين يذكرون قصصاً واهية، كما في قصة أحدهم أنه جلس في الحرم يقول: حدثني أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين، فنظر أحدهما إلى الآخر: هل حدثنا هذا الرجل، فقال أحمد بن حنبل: يا هذا! أنا ابن حنبل وهذا ابن معين، ما حدثناك! قال: ألستما عاقلان؟! أليس في العالم كله إلا ابن حنبل وابن معين! أنا سمعت من ابن حنبل آخر وابن معين آخر، فهذا معناه أنه يكذب.
كذلك نوح بن أبي مريم وضع أربعة آلاف حديثاً من عنده في فضل القرآن الكريم، وفضل بعض سور القرآن، فقيل له: لم فعلت ذلك يا نوح! قال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن؛ فأردت أن أرغبهم في قراءته، وكان الدافع لذلك هو زيادة الأجر في قراءة سورة معينة أو آية من كتاب الله لم يرد بذلك الشرع المطهر، فهذا وضع هذه الأحاديث بدافع أن يحبب الناس في قراءة القرآن الكريم؛ لذلك فإن حركة الوضع في السنة حركة مقصودة، فمنها: إسرائيليات وأحاديث ضعيفة، ولذلك تجد المتعصبين -كالأحناف- أرادوا أن يقدحوا في المذهب الشافعي فإذا ببعضهم يضع حديثاً قال فيه: قال صلى الله عليه وسلم: سيولد في أمتي رجل هو أضر عليها من إبليس اسمه محمد بن إدريس، والذي وضع هذا الحديث أراد أن يقدح في المذهب الشافعي؛ فوضع هذا الحديث، وحدث ولا حرج.
أسباب وضع الأحاديث النبوية
وأسباب وضع الأحاديث كثيرة: منها التعصب المذهبي، والتعصب القبلي، والتعصب للغة، والتعصب لشخص، وبعض الحركات التي أرادت أن تثبت نفسها مثل الصوفية، فإنها وضعت أحاديث في فضل كذا وكذا، والشيعة وضعت أحاديث في فضل كذا وكذا، وبعض أهل السنة وضعوا أحاديث في أبي بكر وعمر؛ رداً على الشيعة.
ووضعوا أيضاً في فضل اللغة وفضل العواصم وفضل البلاد وفضل التجارة، فمثلاً: شخص يبيع عنباً وبلحاً ولم ير أي تحسن في البيع والشراء؛ فيقول: قال صلى الله عليه وسلم: (خيار أمتي في البطيخ والعنب)، (من أسمك فليتمر)، أي: عندما تأكلوا سمك كلوا التمر، (الهريسة تشد الظهر)، وحدث ولا حرج عن الحركات التي تسببت في هذا الكلام من وضع أحاديث لا صحة لها ألبتة.
فإن كانوا قديماً يقولون: سموا لنا رجالكم، فنحن اليوم أولى؛ لأن عندنا سوقاً مفتوحاً لكل من هب ودب يضع فيه أحاديث، حتى أن بعضهم قال: (إن آدم لما أكل من الشجرة نظر إلى العرش فوجد مكتوباً عليه: محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رب! من محمد؟ قال: يا آدم! محمد من أجله خلقتك، وخلقت الجنة والنار، قال: يا رب! بحق إيماني بمحمد اغفر لي ذنبي).
وهذا كلام لا أدري من أين جاءوا به؟ فيا عبد الله! لا تقبل الكلام إلا بدليل أو بحديث مخرج ثابت النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
الرأي في قول العالم عن نفسه: إنه ليس بعالم ولا طويلب علم
السؤال
ما رأيك في شيخ يقول قبل درسه أو خطبته: إنه ليس بعالم ولا بطويلب علم، ولكني أقول: إن العصمة دفنت يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب
هذا الخطيب الذي يقول عن نفسه أول ما يبدأ: أنا لست بعالم ولا طويلب علم، هذا من باب هضم النفس، لكن لا يكون هذا دائماً كل ما يبدأ بالخطبة أو الدرس يقول هذا الكلام؛ فيحمل على غير مقصده.
حكم نكاح الولي إذا كان لا يصلي
السؤال
ما صحة عقد نكاح قائم إذا كان الولي لا يصلي؟
الجواب
العقد صحيح.
زمن الراتبة التي بعد الصلاة
السؤال
الرواتب البعدية هل لها أوقات تخرج عنها مثل سنة المغرب؟ وكم لها من الوقت بعد الصلاة؟
الجواب
تمتد سنة المغرب إلى وقت العشاء.
أيهما أفضل في التشهد قول: السلام عليك أيها النبي أم السلام على النبي
السؤال
بالنسبة للتشهد في الصلاة هل نقول: السلام عليك أيها النبي، أم نقول: السلام على النبي؟
الجواب
في هذه المسألة راجح ومرجوح: فالراجح أن تقول: السلام عليك، وفي رواية ابن مسعود أنهم كانوا يقولون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: السلام على النبي، لكن الراجح عند العلماء أن تقول: السلام عليك بصيغة الخطاب.
حكم الصلاة في غرفة فيها صور أو لُعَبِ الأطفال المجسمة
السؤال
هل تصح الصلاة في غرفة بها صور أو لعب الأطفال المجسمة لحيوانات؟
الجواب
لا يجوز أن تصلي في غرفة بها صور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مزق قراماً لـ عائشة كان عليه تصاوير، وقال: (شغلني في الصلاة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة)، وفي الحقيقة الصورة تشمل الجميع.
المواضع التي يتخلى فيها الرقيب والعتيد عن الإنسان
السؤال
هل إذا كان الإنسان في مكان فيه صور يغادر المكان الملكان الرقيب والعتيد؟
الجواب
لا، لن يتركوك، لأن هناك فرقاً بين الحفظة والكتبة، فالكتبة معك دائماً، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، إلا في حال قضاء الحاجة.
حكم الصلاة خلف إمام يقنت في صلاة الفجر
السؤال
هل تجوز الصلاة خلف إمام يقنت في صلاة الفجر فقط؟
الجواب
نعم، يجوز، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
حكم الزواج بامرأة صالحة وأبوها غير ملتزم بالدين
السؤال
أخت ذات دين وخلق كريم، وأمها امرأة صالحة، توفي أبوها منذ عامين سابقين، ولكنه كان يمارس ألعاب النردشير، ويشاهد برامج الدش التي لا ترضي الله، أريد أن أتقدم لخطبتها فما رأي الإسلام في ذلك؟
الجواب
أنت تقول: إنه توفي، فلا بأس بذلك ما دام أنه قد مات والبقاء لله وإنا لله وإنا إليه راجعون، ما دام أنها على دين وخلق وأمها صالحة.
تقييم كتاب صفوة التفاسير للصابوني
السؤال
ما رأيك في كتاب صفوة التفاسير للشيخ الصابوني؟
الجواب
صفوة التفاسير هناك استدراك لشيخنا العلامة ابن باز على بعض ما فيه من مختصرات، وما هو عليه من عقيدة الأشعرية في باب الأسماء والصفات، فانتبه إلى مثل هذا، ولشيخنا العلامة ابن باز كتاب اسمه: تنبيهات هامة على ما كتبه الشيخ محمد علي الصابوني في صفات الله عز وجل، وهذا كتاب موجود في السوق، وينصح بقراءته قبل قراءة صفوة التفاسير.
وفي الحقيقة هناك كتب في التفاسير مطلوب منك أن تعرف منهج المفسر، مثل الرازي والزمخشري، والنسفي وسيد قطب، وبعض الكتب التي ينبغي ألا تقرأها إلا إذا كنت عارفاً بما فيها؛ لأن فيها أشياء إن أخذتها على علتها ضعت، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:26]، قال الرازي في هذه الآية: الغيب هو يوم القيامة، و (عالم الغيب) يعني: عالم يوم القيامة، فلا يظهر على غيبه أحداً ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:27]، يعني: أن الرسل يعلمون متى يوم القيامة، وهذا قول خطير.
حكم من دخل المسجد ولم يجد فيه ماء
السؤال
ما حكم من دخل المسجد ولم يجد ماءً، فهل يتيمم؟
الجواب
إذا دخلت المسجد ولم تجد ماء فلا تيمم بل اطلب الماء في البقعة المحيطة.
تقييم كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم
السؤال
ما رأيك في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم تأليف: حسنين هيكل؟
الجواب
كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لـ حسنين هيكل عليه ملاحظات كثيرة جداً.
حكم الصلاة خلف إمام يلحن في الفاتحة لحناً جلياً
السؤال
ما حكم صلاة المأموم إذا صلى وراء إمام يخطئ في قراءة الفاتحة خطأً كبيراً؟ مع العلم بأن الإمام ليس الإمام الراتب للمسجد، ويصلي بالناس بعض الفروض فقط؟
الجواب
لماذا تسمحوا له ليصلي بالناس ما دام أنه غير راتب وهو لا يجيد قراءة الفاتحة؟ فهذا ينصح ويقال له: قراءتك باطلة، فننصحك بالتراجع، ولا بد من هذا.
أما المأموم فإنه يجب عليه إعادة الصلاة.
تقييم كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب
السؤال
ما رأيك في كتاب في ظلال القرآن لـ سيد قطب؟
الجواب
هذا موضوع طويل، وهل هذا وقته؟ ومن ليس عليه استدراكات؟ لا شك أن فيه بعض الأمور وبعض العبارات الموهمة للتشبيه، وكذا بعض الأمور العقائدية الآدابية التي لا تليق مثال ذلك: قول البعض: وكان موسى عصبي المزاج، هل يقال عن نبي هذا الكلام؟ مثال آخر: في سورة يونس، ومساجد المسلمين الآن في بلاد المسلمين معابد للأصنام، والكلام هذا في الظلال وقد قرأته بنفسي.
فلا تقدس الرجال، وأنا أعرف أن البعض سيتضايق ويقول: كيف ينتقد الشيخ في ظلال القرآن لـ سيد قطب؟ والمتضايقون هم الحزبيون المرجفون الواهمون، فكل إنسان يؤخذ من قوله ويترك إلا محمد صلى الله عليه وسلم، والعصمة ليست لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نحمل الكلام على محمله الحسن، ونرشد ونقول: عندما تقرأ الفقرة الفلانية انتبه، ولن أقول: الشيخ حلولي اتحادي زنديق وغيره من الكلام الكبير الذي لا نتحمله، إنما ننبه حين القراءة من بعض الألفاظ التي خرجت من مؤلفه رحمه الله تعالى والتي قد تكون بدون قصد، ونحملها على وجه حسن، إلى غير ذلك.
لكن لا تقدس آراء الرجال، وهذا الكلام في كتب جاءت من السعودية في هذا الكلام، وبعض أساتذة الجامعة أعطوا التلاميذ استدراكات، فمثلاً: تفسير النسفي عليه استدراكات خطيرة جداً.
المهم: أن تقرأ في باب العقيدة منهج السلف الصالح، لا تقرأ أي شيء غيره، فتفسير ابن كثير غير المحقق فيه قصص واهية كثيرة جداً وإسرائيليات.
مثلاً: قصة أن رجلاً أعرابياً جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتوسل به أن يغفر له ذنوبه، ثم رحل وأخذ ينادي ويقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي فداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم فسمعه رجل كان بجوار القبر فنام بجوار القبر، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال: الحق الأعرابي وبشره أن الله قد غفر له.
فذكر المؤلف هذه القصة دون أن يبين صحتها، والحكم عليها، فإن هذا الكلام يوهم التوسل بالأموات.
يا إخواني! نحن ضد تجريح العلماء، لكن مع وضع المنهج السليم في أقوال أهل العلم في موضعها.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
آمين آمين آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
العدة شرح العمدة [19]
المريض من أهل الأعذار والرخص، وله أحكام خاصة به في الصلاة والجمع والطهارة وغيرها، فمن لم يستطع الوضوء فليتيمم، ومن لم يقدر أن يصلي قائماً فقاعداً أو على جنب، كما يجوز له الجمع بين الصلاتين.
الرد على العلمانيين في ذمهم المذهب الحنبلي
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قيماً، وهدانا صراطاً مستقيماًَ، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب الصلاة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
الحقيقة أن الإمام ابن حنبل ظلم بيننا الآن، وأنا في الطريق قال لي أحد الإخوة: إن بعض الناس يعيرونني ويقولون لي: يا حنبلي! ولفظة حنبلي عندنا يفهم منها أنه متشدد، أو متنطع، وهذا من صنع المستشرقين، وهو طعم شربناه وأكلناه؛ لأننا مستهدفون.
حدث ولا حرج عن العلمانية، وعن الاستشراق، وعمن صنع عند الغرب ورضع من عصارته: طه حسين، رفاعة الطهطاوي، قاسم أمين، علي مبارك، أحمد عبد المعطي حجازي، لويس عوض، محمد سعيد عشماوي، وإذا ظللت أذكر هذه الأسماء ستنتهي المحاضرة وأنا لم أنته بعد من سردها.
أسماء ترتبت ورضعت ولها أذناب: نصر أبو زيد، سيد القمي، وما أدراك؟ هؤلاء الذين أرادوا أن يكون لهم ذكر؛ فطعنوا في الشريعة، حتى قال قائلهم -وهذا قاسم مشترك عندهم جميعاً-: إن القرآن كتاب يخضع للزمان والمكان والتقييم البشري.
يعني: كتاب أدب، يمكن أن نرفض منه أو نقبل على حسب الأحوال الزمانية والمكانية، لا يوجد عندهم شيء اسمه ثوابت، إنما كل العقيدة والشريعة متغيرات على حسب الزمان والمكان.
لذلك إخوتي الكرام! أقول: من هذه الأقوال الظالمة: ذم المذهب الحنبلي، إن ابن حنبل إمام أهل السنة، ومذهبه آخر المذاهب رحمه الله تعالى، وأكثرها إحاطة بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك قال عنه الشافعي: تركت في بغداد -يوم أن جاء إلى مصر- شاباً إذا قال: حدثنا؛ استمع الناس له، كاد يكون إماماً في بطن أمه.
ابن حنبل إمام أهل السنة قال عنه علي بن المديني شيخ البخاري: لقد حفظ الله الإسلام برجلين: بـ أبي بكر رضي الله عنه يوم الردة، وبـ أحمد يوم المحنة رحمه الله تعالى.
لكننا الآن إذا أردنا أن نعير شخصاً نقول له: أنت حنبلي، ولماذا تدرسون في العزيز بالله الفقه الحنبلي يا حنابلة؟! شرف لنا أن نكون من أتباع مذهب أحمد، ولسنا ندعو إلى المذهبية أبداً ولا إلى التعصب لمذهب، لكن مذهب أحمد أكثر المذاهب إحاطة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، علاوة على أن للإمام أكثر من رواية، وهذا يدل على ثراء المذهب، فما من رواية إلا يقابلها رأي في المذهب الآخر.
فمن الظلم التعسفي وملامح الغربة في بلادنا هذه: أن يكون لقب الحنبلي دليل اتهام، وإنما لفظ الحنبلي دليل شرف؛ لأنه يتبع السنة، وليس هذا قدحاً، فكلهم من رسول الله ملتمس، ونحن مع الدليل حيث دار.
أبو حنيفة رحمه الله أسس مذهبه على بضعة أحاديث، أدرك البعض ولم يصله البعض، وكلما كان الإنسان متقدماً كان أقل في الإحاطة، فـ ابن حنبل رحمه الله تعالى أكثر إحاطة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك إذا كان المذهب مرجوحاً نقول: هذا مرجوح، والدليل ليس معه؛ لأننا كما قلنا: نمقت التعصب المذهبي، والدين بالدليل، والعلم قال الله قال رسوله.
تعلمون أن محنة الإمام كانت في مسألة خلق القرآن في زمن الخليفة المأمون في بغداد في العصر العباسي، يوم أن أقنع المعتزلة المأمون بفكر الاعتزال، وهو أن القرآن مخلوق، ومن قال: إن القرآن مخلوق فهو زنديق؛ لأن القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، ومعنى أنه مخلوق: أن الصفة لم تكن موجودة ثم وجدت، أي: أن الله كان لا يتكلم ثم تكلم.
ثم ما من أمر مخلوق إلا ومصيره إلى الفناء وحاشا لله عز وجل أن يفنى! وكذلك كل أمر مخلوق ناقص؛ ولذا يشعر بالنقص، ولذلك أبى الإمام أن يقولها، وأرسل إليه الخليفة.
قال: يا أحمد! قلها، قال: لن أقولها؛ لأنه يعلم أن زلة العالِم زلة عالَم، فأرسل إليه المأمون وقد قرر أن يقتله: ائتوني بـ ابن حنبل، وفي الطريق إليه قال: اللهم لا تجمع بيني وبين المأمون بعد اليوم في الدنيا أبداً، فجاءه الصارخ بصوت مرتفع: يا أحمد! أبشر؛ فإن المأمون قد مات.
ثم أدخلوه السجن في عهد المعتصم وجلدوه، وأبى أن
باب صلاة المريض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: المريض من أهل الأعذار والرخص، وله كيفية خاصة للصلاة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صلاة المريض.
والمريض إذا كان القيام يزيد في المرض صلى جالساً، فإن لم يطق فعلى جنبه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك) فإن شق عليه فعلى ظهره، فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ إيماءً، وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه.
وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشاءين في وقت إحداهما، فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند فعلها، ويعتبر استمرار العذر حتى يشرع في الثانية منهما، ولا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء، وإن أخر اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية، وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها، ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر، ويجوز في المطر بين العشاءين].
انتهى! هذا باب صلاة المريض، ثم صلاة المسافر، ثم صلاة الجمعة، ثم صلاة العيدين والخوف، وننتهي من كتاب الصلاة، ثم ننتقل إلى كتاب الجنائز، ثم إلى كتاب الزكاة، ثم إلى كتاب الصوم، ثم إلى كتاب الحج والعمرة إن شاء الله عز وجل.
بالنسبة لصلاة المريض إن كان عاجزاً عن القيام فهناك قاعدة مهمة جداً في الفقه، وهي: أن تحصل من الواجبات ما تستطيع، مثال ذلك: رجل لا يستطيع أن يسجد على الأرض لألم في ظهره، نقول له: قم واركع، وعند السجود أومئ برأسك فقط.
حصل من الواجبات ما تستطيع، حصلت القيام وحصلت الركوع، وأنت عاجز عن السجود؛ فأومئ برأسك في السجود، لكن البعض الآن عاجز عن السجود فيجلس ويهدر أركاناً كثيرة، ونقول: حَصِّل من الواجبات ما تستطيع، وقد يكون مصاباً بجرح فيربط على مكان الجرح في حال غسل الجنابة، ويمسح عليه ويعمم الجسد بالماء إلا هذا الموضع؛ فيحَصِّل من الواجبات ما يستطيع.
قال في الشرح: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً).
قلنا: القيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة في الفرض، فإن صلى جالساً في الفرض مع قدرته بطلت الصلاة، وإني أرى الكثير يتحرك ويذهب إلى المخبز ويأتي بخبز ويذهب إلى عمله، فإذا جاءت الصلاة جلس وقال: أنا متعب.
طيب! يا عبد الله! أنت تتحرك بصفة طبيعية، إذاً: لا يجوز لك أن تجلس إلا إذا كنت عاجزاً عن القيام، فالجلوس مع القدرة يبطل الصلاة، بعكس النافلة.
قلت: (فإن لم تستطع فقاعداً)، والقعود هنا عكس القيام، والجلوس عكس الاتكاء؛ لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران:191].
وفي الحديث الآخر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس وقال: ألا وقول الزور)، فالجلوس يكون من اتكاء، والقعود يكون من قيام، فالتعبير الصحيح: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)، والبعض يقعد بالافتراش، والصواب أن يجلس متربعاً، ثم يومئ برأسه عند الركوع، ثم يسجد على الأرض إن استطاع، وإن لم يستطع يومئ.
قال: (فإن لم تستطع فعلى جنبك)، الأول: قائماً، والثاني: قاعداً، ثم على جنب، والجنب متجه إلى القبلة، يستقبل بوجهه القبلة وهو على جنبه، وأجمعوا على أن من لم يطق القيام فرض عليه أن يصلي قاعداً، فإذا شق عليه -يعني: الصلاة على جنبه- صلى على ظهره، ووجهه ورجلاه إلى القبلة؛ لأن ذلك أسهل عليه.
مثال ذلك: رجل يشق عليه أن يصلي على جنبه، يجعل القدمين إلى القبلة، ويستلقي على ظهره مستقبل القبلة، بحيث إذا اعتدل قام إلى القبلة، وهذه طريقة أخرى.
ولذلك قلت: هناك خلاف بالنسبة للقبر، هل الميت يوجه إلى القبلة هكذا، يعني: وجهه إلى القبلة، أم ينام بحيث تكون رجلاه إلى القبلة وهو على ظهره، بحيث لو قام كالنائم تماماً، الحالتان هنا ثابتتان.
قال: (فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما)، يعني: وإيماء الركوع يكون أعلى من إيماء السجود؛ اعتباراً بأصلهما.
قال: (وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه) كالنائم، ثم يقضي ما فاته من صلوات، بمعنى: رجل يغيب عن الوعي مدة طويلة، فغاب عن الوعي من الظهر إلى العشاء، ثم فاق بعد العشاء، فإنه يصلي ما فاته بالترتيب؛ لأنه مكلف منذ لحظة رجوع العقل، وإذا غاب العقل سقط التكليف؛ لذلك هناك خلاف بين العلماء في حكم صلاة السكران، رجل شرب الخمر بإرادته، وأخذت بعقله؛ فقال لزوجته: أنت طالق، ما حكم صلاته؟ هنا اختلف العلماء: فمن العلماء من قال: يقع عقوبة له؛ لأنه تناول الخمر بإرادته.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لا يقع؛ لأن العقل مناط التكليف، وإثم الخمر مسألة، ووقوع الطلاق مسألة أخرى، وهو لم يرد الطلاق.
كذلك يقول: إن الطلاق يتعدى إلى الغير، أي: أن ضرره يتعدى للزوجة، فما ذنب الزوجة أن تطلق والزوج سكران؟! فـ شيخ الإسلام يدافع عن تلك القضية فيقول: لا يقع طلاق السكران حتى
العدة شرح العمدة [20]
للمسافر أحكام خاصة به من قصر الصلاة والفطر في رمضان وغيرها، والقصر في السفر له شروط وأحكام، والسفر الذي يرخص القصر فيه هو ما سمي سفراً عرفاً وإن لم يحدد بمسافة معينة، واختلف في المدة التي تقصر فيها الصلاة.
باب صلاة المسافر
(باب صلاة المسافر).
سمي السفر سفراً لعلتين: العلة الأولى: لأنه يسفر عنه أخلاق الرجال، يعني: يظهر المعادن؛ لذلك لا تعرف الرجل إلا في السفر.
العلة الثانية: لأنه إذا سافر برز خارج البلدة، فمنه سفور المرأة يعني: ظهور المفاتن، فحينما تخرج من محيط بلدك تبرز أي: تظهر، فسمي السفر سفراً لهاتين العلتين.
قال رحمه الله تعالى: [والمسافر إذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً -وهي مسيرة يومين قاصدين- وكان مباحاً فله قصر الرباعية خاصة].
مذهب الإمام أحمد في هذا مرجوح؛ لأنه قيد القصر بمسافة قدرها ستة عشر فرسخاً.
أي: أربعة أبرد أو ثمانية وأربعون ميلاً، أو اثنان وثمانون كيلو، والراجح عند العلماء -وهو اختيار شيخ الإسلام - مطلق السفر، أي: ما يسميه الناس سفراً يجوز لك أن تقصر فيه الصلاة، ولا تقيده بمسافة؛ لأن من قيد لا دليل معه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قصر في فتح مكة تسعة عشر يوماً، فإن كنت أنا مسافراً من (القاهرة) إلى (أسيوط) وسأمكث في (أسيوط) أسبوعاً -أي: حددت مدة الإقامة- هل يجوز لي أن أقصر؟
الجواب
لا؛ لأني نويت أن أقيم أكثر من رأي الجمهور: أربعة أيام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة تسعة عشر يوماً؛ لأنه لا يدري متى سيرحل؟ ربما سيرحل بعد ساعة، وربما يرحل غداً أو بعد غد أو بعد شهر، فطالما أنك مسافر ولا تعلم متى الرحيل فإنه يجوز لك أن تقصر الصلاة، لكن إن حددت مدة الإقامة وهي أكثر من أربعة أيام فليس لك أن تقصر الصلاة، وإنما تتم منذ نزولك إلى البلدة؛ لأنك الآن في حكم المقيم.
ووهم البعض فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر وهو يرى مشارف المدينة.
قلت: قصر لأنه على متن السفر، وليس لأن هذه المسافة هي التي يجوز فيها القصر، فلا نقل: إنك قصرت على هذه المسافة، ولكن نقول: إنك قصرت لأنك فارقت البلد وشرعت في السفر.
من العلماء والصحابة من قال: إن مدة القصر تسعة عشر يوماً، فمن زاد عن هذه المدة فليس له أن يقصر، قلت: الراجح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر هذه المدة لأنه أقامها، ولو أقام عشرين يوماًً لقصر، ولو أقام واحداً وعشرين يوماً لقصر؛ فلا يجوز أن نقول: إن القصر تسعة عشر يوماً.
قال: [والمسافر إذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً، وهي مسيرة يومين قاصدين، وكان مباحاً؛ فله قصر الرباعية خاصة].
أي: أن الإمام أحمد يشترط لقصر الصلاة في السفر: أولاً: المسافة.
ثانياً: أن يكون السفر مباحاً.
فمن سافر للمصيف عند الإمام أحمد: لا يقصر، والراجح: أنه يقصر، وهذا اختيار شيخ الإسلام وقد حقق المسألة.
قال الإمام أحمد: لأن الرخص لا تعطى إلا للمؤمن التقي، ولا تعطى للفساق، مثال ذلك: رجل سافر ليشاهد حفل رقص في مكان ما، فهل يجوز له أن يقصر الصلاة؟
الجواب
لا، فعند أحمد: لا بد أن يكون السفر مباحاً أو يكون سفر طاعة، فإن كان سفر معصية فعند أحمد لا يجوز له أن يقصر، والرأي الراجح: أنه يقصر وعليه إثم المعصية، فهذه مسألة وتلك مسألة ثانية.
قال رحمه الله: [فله قصر الرباعية خاصة]، فلا قصر للثلاثية ولا الثنائية، لا يقصر الفجر ولا المغرب، وإنما القصر للظهر والعصر والعشاء.
شروط قصر الصلاة
(ويشترط للقصر شروط: منها: أن يكون طويلاً قدره أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، كل فرسخ ثلاثة أميال.
قال القاضي: الميل اثنا عشر ألف قدم، وذلك نحو يومين قاصدين)، وبالكيلو متر: اثنان وثمانون كيلو.
فإن قيل: من أقام أكثر من أربعة أيام لا يسمى مسافراً؟
الجواب
لأن المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة، فاعتبرت الثلاثة الأيام أقصى مدة، وبعد ذلك يعتبر في حكم الإقامة، وهذا استنباط جمهور العلماء، ولا يعد سائق القطار مسافراً؛ لأنه أصبح عملاً دائماً بالنسبة له، والسفر حالة عارضة أو طارئة.
مثال ذلك: رجل على باخرة يقضي على متنها عشرين يوماً من كل شهر، فهذا أصبح في حكم المقيم؛ لأن السفينة الآن هي محل الإقامة، ولذلك قال ابن تيمية: كساعي البريد الذي يوصل البريد من مركز إلى مركز، هذا ليس له قصر؛ لأن تنقله أصبح مهنة، وهذه المسألة فيها خلاف لكن هذه هي الآراء الراجحة.
قال: (الشرط الثاني: أن يكون سفره مباحاً، فإن سافر في معصية كالآبق، وقاطع الطريق، والتجارة في الخمر لم يقصر، ولم يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأنه لا يجوز تعليق الرخص بالمعاصي؛ لما فيه من الإعانة عليها والدعاية إليها، والشرع لا يرد بذلك.
الشرط الثالث: أن القصر في الرباعية خاصة إلى ركعتين، فلا يجوز قصر الفجر ولا المغرب إجماعاً؛ لأن قصر الصبح يجحف بها، وقصر المغرب يخرجها عن كونها وتراً.
الشرط الرابع: شروعه في السفر بخروجه من بيوت قريته أو خيام قومه؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:101]، ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج).
العبد الآبق: هو الذي فر من سيده، يعني: عصى سيده.
أقول: كثر جهل المسلمين، فالكثيرون اليوم لا يفهمون أن القصر للرباعية فقط، ولا قصر للفجر ولا للمغرب.
ومن شروط قصر الصلاة: أن يخرج من محل الإقامة، فلا قصر في محل الإقامة، مثلاً: أنت من الزيتون وتريد أن تسافر إلى الإسكندرية، فإذا أردت أن تصلي في الزيتون تتم؛ لأنه لا قصر في محل الإقامة، لا قصر إلا إذا ضرب في الأرض، ويجوز له أن يجمع.
قال: (إلا أن يأتم بمقيم)، المسافر إذا ائتم بمقيم فعليه أن يتم، أما ابن حزم فله رأي آخر، ولغيره رأي كذلك، وهذا هو الراجح.
إذا ائتم المسافر بمقيم عليه أن يتم، وإن أدرك المقيم في التشهد الأخير لابد أن يتم، فطالما أنه مؤتم عليه أن يتبع الإمام في الإتمام.
الأحوال التي لا يجوز فيها قصر الصلاة
قال: (إلا أن يأتم بمقيم فعليه الإتمام؛ لأن ابن عباس سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين حال الانفراد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة.
رواه الإمام أحمد، وهو ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه قول جماعة من الصحابة، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف من الصحابة؛ فكان إجماعاً.
أو لا ينوي القصر مع نية الإحرام؛ فإنه يلزمه الإتمام)، بمعنى: إذا كبر تكبيرة الإحرام وقد نوى أن يتم، ولم ينو القصر، فهل يجوز له أن ينوي القصر بعد أن نوى الإتمام؟
الجواب
لا بد أن يتم؛ لأنه لم ينو القصر.
قال: (لأن الإتمام هو الأصل، فإطلاق النية ينصرف إليه، كما لو نوى الصلاة مطلقاً انصرف إلى الانفراد الذي هو الأصل.
أو ينسى صلاة حضر فيذكرها في السفر)، يعني: يستثنى من القصر أحوالاً لا يجوز له فيها أن يقصر: أولاً: إذا ائتم بمقيم.
ثانياً: إذا لم ينو القصر.
ثالثاً: إذا نسي صلاة في الحضر وتذكرها في السفر، فمثلاً: نسيت صلاة الظهر هنا وتذكرت في سفري أنني لم أصل الظهر؛ فليس لي أن أقصرها في السفر.
قال: (أو صلاة سفر فيذكرها في الحضر، فإن عليه الإتمام)، يعني: كنت مسافراً فنسيت أن أصلي في البلد التي سافرت إليها، فتذكرتها في الحضر حين عدت من سفري، فلا أقصرها، بل علي الإتمام، وهذا الرأي مرجوح؛ لأنه وجبت عليه في السفر ركعتان، فتكون في الحضر كما هي؛ ولذلك توجد رواية أخرى عن أحمد: أنه إن نسي صلاة رباعية في السفر فله أن يقصرها في الحضر.
قال: (لأن صلاة الحضر وجبت أربعاً، وصلاة السفر -إذا ذكرها في الحضر- وجبت أربعاً؛ لأن المبيح للقصر هو السفر، وقد زال؛ فيلزمه الإتمام؛ لأنه الأصل).
اختلاف العلماء في كون قصر الصلاة في السفر رخصة أم عزيمة
هل قصر الصلاة في السفر رخصة أم عزيمة؟ المسألة خلافية.
قال بعض السلف: من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين، وكأنهم يرون أن القصر عزيمة وليس رخصة؛ لأن الرخصة معناها: أن تقبلها أو لا تقبلها، لكن حينما نقول: القصر عزيمة فإنه يلزمك أن تقصر الصلاة.
وقد استدل الفريق الأول على أن القصر عزيمة بقول أمنا عائشة: فرضت الصلاة في السفر ركعتين ركعتين، ثم زيدت في الحضر.
فالأصل أنها ركعتان، وزادت في الحضر إلى أربع إلى غير ذلك من أدلة، لكن إن صليت مأموماً فهذه مسألة أخرى.
والثابت: أن الصحابة كانوا يقصرون في السفر، والنبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر، ولم يثبت أن أحداً من الصحابة سافر ولم يقصر إلا عثمان، واعتذر له بأربعة اعتذارات عن فعله.
قال: (وللمسافر أن يتم)، إذاً: الإمام أحمد يرى أن القصر رخصة.
قال: (لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:101]، مفهومه: أن القصر رخصة يجوز تركها، وعن عائشة أنها قالت: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أفطرت وصمت، وأتممت وقصرت، فقال: أحسنت)، رواه أبو داود الطيالسي)، وهو منكر؛ ولذلك سقط به الاستدلال.
قال الناظم: والمنكر الفرد به راو غدا تعديله لا يحمل التفردا يعني: انفرد به راو وهو غير ثقة وعدل، فإذا انفرد به راوٍ من طريق واحد يعتبر الحديث منكراً.
فإذا انفرد به راوٍ لا تنسحب إليه العدالة فهو منكر.
قال الإمام أحمد: (والقصر أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه داوموا عليه، وعابوا من تركه، قال عبد الرحمن بن يزيد: صلى عثمان أربعاً فقال عبد الله: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين، ثم انصرفت بكم الطرق، ولوددت أن حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، متفق عليه)، يرى الإمام أحمد أن القصر أفضل؛ لأنه ثبت أن الصحابة جميعاً كانوا يقصرون في السفر، ولم يثبت عن واحد منهم أنه أتم إلا عثمان في منى، وقد تأول الجميع فعله رحمه الله تعالى.
فإن قال قائل: إن كنت مسافراً ودخلت المسجد فوجدت الجماعة في التشهد الأخير، أأدخل مع الجماعة أم أنتظر؟
الجواب
ادخل مع الجماعة في الحال؛ لحديث: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، حتى ولم تدرك إلا التشهد، فالمختار: أن من أدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الصلاة، فالسفر ليس رخصة لك في أن تترك الجماعة.
وإن قال قائل: أنا مسافر وأريد أن أقيم عشرة أيام.
أأقصر في أربعة أيام وأتم في ستة أيام؟
الجواب
ليس لك ذلك، بل تتم منذ نزولك من أول يوم؛ لأنك أصبحت في حكم المقيم.
قال: (ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم)، يعني: أكثر من أربعة أيام.
(فإن لم يجمع على ذلك قصر أبداً)، يعني: إن لم يدر متى سيعود يقصر أبداً طالما أنه في سفر، فإن نوى الإقامة مدة أكثر من أربعة أيام فإنه يصبح في هذه الحالة في حكم المقيم.
قال: (لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة فصلى إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها؛ لأنه قدم لصبح رابعة إلى يوم التروية، فصلى الصبح ثم خرج، فمن أقام مثل إقامته قصر، ومن زاد أتم.
قال أنس: أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة، ومعناه: ما ذكرناه؛ لأنه حسب خروجه إلى منى وعرفة، وما بعده من العشر).
أيها الإخوة الكرام! مسألة قصر الصلاة وصلاة أهل الأعذار من الأهمية بمكان، والعلماء قد اختلفوا فيها اختلافاً شديداً، وفيها أقوال عديدة، ولكننا نجتهد على حسب القدرة في التماس الرأي الراجح، وهذا ما انتهينا إليه.
الأسئلة
حكم السنن الراتبة للمسافر الذي يريد قصر الصلاة
السؤال
هل للمسافر أن يصلي السنن الراتبة عند قصره للصلاة؟
الجواب
السنن لا تصلى في القصر.
قال ابن عمر: لو كنت متماً لتنفلت.
فالله عز وجل رفع عنك من صلاة الفريضة ركعتين، فمن باب أولى أن تسقط السنة، فلا تنفل للمسافر إلا الوتر وركعتي الفجر وقيام الليل؛ لأنه ثبت أنهم كانوا في قيام الليل يوترون ويصلون ركعتي الفجر ويتهجدون، أما السنن الرواتب الملازمة للصلوات، فلا يصليها المسافر إذا قصر الصلاة؛ لأنه أسقط من الفريضة ركعتين، فمن باب أولى النافلة.
حكم المسافر يصلى خلف مقيم فأتم ويصلي السنة الراتبة
السؤال
أنا مسافر ودخلت وراء الإمام فأتممت؛ لأن الإمام يتم فهل علي سنة راتبة؟
الجواب
ليس عليك سنة؛ لأنك في حالة سفر، والذي دفعك للإتمام أنك ائتممت بمقيم فقط.
حكم ترك المسافر الصلاة في جماعة لعلة السفر
السؤال
أنا مسافر هل أصلي في المسجد أم في البيت؟
الجواب
صل في المسجد؛ لأنه ليس من أعذار ترك الجماعة أن تكون مسافراً، فإن كنت في سفر وسمعت النداء فإنه يلزمك أن تصلي في جماعة.
حكم صلاة المقيم خلف المسافر
السؤال
ما حكم صلاة المقيم خلف المسافر؟
الجواب
يقصر الإمام الصلاة إن كان مسافراً، ويقوم المأموم ليتم، ويقول الإمام المسافر لمن خلفه: أتموا صلاتكم؛ فإنا على سفر، ولكن الراجح: أن يأتم المسافر بالمقيم، والأولى لمن يؤم الناس وهو مسافر أن يتنصل من الإمامة.
مسألة في الرضاعة
السؤال
شاب رضع من زوج خاله وعنده بنات، ثم توفيت هذه الزوجة فتزوج الخال امرأة أخرى وأنجب منها بنات، فهل يستطيع الشاب أن يتزوج واحدة من بنات تلك المرأة الأخرى؟
الجواب
نعم.
يجوز لأنه لم يجتمع معها على رضاعة، ولا علاقة بين بنات المرأة الثانية بالمرأة الأولى.