التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمانصفحات 11-15
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حكم لبس الحرير عند الحاجة

قال رحمه الله تعالى: [إلا عند الحاجة فيجوز للرجل أن يلبس الحرير كحكة أو قمل أو مرض ينفعه لبسه]، أي: إذا كان في الجلد مرض أو حكة، وقال الأطباء: لا بد أن يلبس الحرير، ففي هذه الحالة يجوز لبسه؛ لما روي: (أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرخص لهما في قميص الحرير، فرأيته عليهما)، متفق عليه.
ومن صلى في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأ ذلك، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)، كالفنيلة الحمالة التي لا تستر أحد الكتفين، لذا لا بد أن تستر أحد الكتفين في الصلاة، والصلاة جائزة لكن مع الكراهة؛ للحديث الذي ذكرناه، والمقصود بـ (عاتقيه) أي: كتفيه.
وهنا تنبيه مهم بالنسبة للبس الحرير: فيجوز لمن له حكة في الجلد، وليس هناك ثياباً يستطيع أن يلبسها إلا الحرير، فله ذلك، أما إذا وجدت الثياب واستطاع لبسها، فلا يجوز له لبس الحرير.

حكم صلاة من لم يجد ما يستر عورته

قال رحمه الله: [فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها؛ لأن سترها شرط لصحة الصلاة، وقد قدر عليه، فلزمه كسائر شروطها؛ ولأن ذلك واجب في غير الصلاة ففيها أولى]، أي: إذا لم يجد من الثياب إلا ما يستر عورة النظر فيحصله وصلاته صحيحة.
ثم قال: [فإن لم يكف جميعاً ستر الفرجين]، أي: يستر الفرجين أولاً، ثم من السرة إلى الركبة، فإذا لم يجد إلا ملابس تغطي إما الدبر وإما القبل، فقال بعضهم: يغطي الدبر؛ لأنه إذا ركع وسجد بدا، ومنهم من قال: يغطي القبل؛ لأنه يتوجه به إلى القبلة، وصلاة لاعبي الكرة بالشورت باطلة، انعدم الستر بكل حال صلى جالساً ويومئ إيماءً بالسجود؛ لأنه يحصل به ستر أغلب العورة، وعن أحمد رحمه الله تعالى: يصلي قائماً ويركع ويسجد؛ لأن المحافظة على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على شرط واحد (ستر العورة).
فإن حصل أن هناك مجموعة من العراة، فإن الإمام يقف في وسط الصف كالنساء ولا يقف أمامهم، وهذا بالإجماع، لكن هل يصلون قياماً أم قعوداً؟ عند الإمام أحمد في رواية: يصلون قعوداً حتى يسترون العورة في الأرض، ثم يومئوا برءوسهم، وفي الرواية الأخرى: يصلون قياماً؛ لأن القيام والركوع والسجود أركان، وستر العورة شرط، فالمحافظة وتحصيل هذه الأركان أولى من شرط واحد (ستر العورة)، وهذا هو الراجح، ويغمضون عيونهم، وتغميض العينين في الصلاة مكروه إلا لضرورة، كأن تصلي وأمامك شيء يذهب بخشوعك في الصلاة، فلا حرج أن تغمض عينيك عند ذلك.
ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً صلى فيهما ولا إعادة عليه؛ لأن ستر العورة واجب في الصلاة وفي غيرها، وهو مخاطب ومأمور بها، فإذا صلى فقد أتى بما أمر به، فيخرج عن العهدة، لكن: هل عليه أن يعيد الصلاة أم لا؟ روايتان عن أحمد: الأولى: أنه لا يعيد، والثانية: يلزمه الإعادة، والراجح من أقوال العلماء: أنه يعيد إن لم يخرج الوقت، والله تعالى أعلم.

حرمة القدح في العلماء

هناك من الشباب -هداهم الله- هوايتهم القدح في العلماء، فيقول أحدهم: هذا عالم ثورجي! وهذا عالم فوضوي! وهذا عالم كذا؛ لأني سمعت من الشيخ الفلاني يقول عنه كذا وكذا، فأقول: ما شأنك يا قزم؟ فأنت قزم حينما تخطئ حق عالم من العلماء، ولذا لا ينبغي لطويلب علم أن يعطي نفسه الحق في أن يخطئ العلماء بحجة أنه سمع من الشيخ الفلاني يقول عن الشيخ فلان كذا وكذا، فهذا عذر قبيح، بل هذا من صنع السفهاء الذين لم يتعلموا، ولن يصلوا أبداً، لأنهم تركوا لأنفسهم حرية القدح في أهل العلم، ولذا فلحوم العلماء مسمومة، فاحذر أن تأكل السم بنفسك، وإذا قدح بعض أهل العلم في بعضهم، أو تناطح العلماء فيما بينهم، فإن ذلك يطوى ولا يروى، ولا يجوز لأخ فاضل بدأ في طلب العلم أن يبدأ الطريق بتناول العلماء بالسب والقدح، والله تعالى أعلم.

العدة شرح العمدة [12]

الطهارة من الحدث شرط في صحة الصلاة، فإن الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، والطهارة من السكينة تكون في الثوب والبدن وموضع الصلاة، وقد يعفى عن يسير النجاسة، كما أن على المصلي أن يحرص على الطهارة والبعد عن النجاسة؛ حتى تكمل صلاته وتصح.

طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا في كتاب العدة ومع شروط صحة الصلاة، وقد قلنا: إن شروط صحة الصلاة ستة، وقد ذكرنا منها ثلاثة: الشرط الأول: دخول الوقت.
الشرط الثاني: الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر.
الشرط الثالث: ستر العورة.

الطهارة من النجاسة

قال المصنف رحمه الله: (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه، وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة، وإن علم بها في الصلاة أزالها وبنى على صلاته، والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل وقارعة الطريق).
فأما طهارة النعل الذي يصلي به المصلي، فالدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرة بنعله وفيه نجاسة، وصلى الصحابة خلفه بالنعال -لأنهم كانوا يفعلون كما يفعل النبي عليه الصلاة والسلام- فجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بنعله أذى، أي: نجاسة، فخلع نعليه وخلع الصحابة دون أن يسألوا، ولما انقضت الصلاة سألوا، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما أنا فجاءني جبريل فأخبرني أن بهما أذىً)، يعني: نجاسة، فيجب على المصلي أن يتخلص فوراً من النجاسة التي على ثيابه أو نعله، والصلاة في النعال جائزة بضوابط، منها: أن لا يكون فيهما نجاسة، وأن يكون المسجد من حصى، وهذا هو الفرق بيننا وبين أهل الكتاب، فأهل الكتاب لا يصلون في نعالهم، وإنما هي خاصية لهذه الأمة المحمدية.

طهارة المكان من النجاسة

وأما طهارة المكان، فلحديث أبي داود: أن رجلاً دخل المسجد فبال فيه، فهم به الصحابة ليزجروه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (دعوه حتى يكمل بولته، ثم أريقوا عليها سجلاً من ماء)، ففي الحديث أنه لا بد من طهارة مكان الصلاة.

طهارة الثوب من النجاسة

قال في الشرح: (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته)، لقوله عليه السلام لـ أسماء بنت عميس في دم الحيض: -فقد كانت تصاب بحيض واستحاضة، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحك دم الحيض- (حتيه) -أي: اقرضيه- (ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء وصلي فيه)، فقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة النجاسة قبل الصلاة، فدل ذلك على أنها ممنوعة من الصلاة فيه قبل غسله.
وهنا

السؤال

هل يجوز للمرأة أن تصلي في ثوب أصابه دم الحيض؟

الجواب

نعم، بشرط أن تحته ثم تقرصه ثم تغسله، ومعنى: تحته: أي: أن تمسك الدم ثم تخلل بين أجزائه، وعليه فهذه ثلاث خطوات: تحُت، ثم تقرض، أي: تعصر، ثم تغسل حتى يزال الدم، ولذا فالحديث دليل على أنه لا بد من إزالة النجاسة من الثوب الذي يصلي فيه المصلي، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه، لأنه عفي عنها لمشقة التحرز على ما سبق في باب المياه، والمصنف رحمه الله تعالى يقرر أن الدم نجس، ولكن الراجح أنه ليس بنجس، لكن لو أصاب الثوب دم كثير فينبغي أن يزال، وهنا يأتي سائل فيقول: ثوبي مصاب بدم برغوث، فهل تجوز الصلاة فيه؟ و

الجواب

أن كل ذلك ورع يا عبد الله! فيعفى عن يسيره طالما يشق أن تتحرز منه، والمشقة تجلب التيسير، وهناك أناس يضيقون على أنفسهم، فربما قد تأتي أشياء لا يمكن بحال أن تتحرز منها، كسيارة تسير في الطريق فجاء على قميصك رذاذ، فهذا الرذاذ غير متميز، وهناك مشقة في إزالته، فيعفى عن يسير النجاسة طالما أن هناك مشقة في إزالتها.

حكم من صلى وعلى ثوبه نجاسة لم يكن علم بها أو علم بها ثم نسيها

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علم بها ثم نسيها)، أي: إن صلى المسلم وفي ثوبه نجاسة لم يكن يعلم بها، أو علم بها لكنه نسيها، ففيه روايتان عن أحمد: إحداهما: يعيد، لأنها طهارة واجبة فلم تسقط بالجهل كالوضوء، والثانية: لا يعيد؛ لما روى أبو سعيد رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم، فقال: مالكم خلعتم نعالكم؟)، فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: (أما أنا فأتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً)، فوجه الحجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن علم بالنجاسة حتى أخبر بها، وبنى على صلاته، ولو علم بالنجاسة وهو في الصلاة، فإن أمكنه أن يزيلها بغير عمل كثير أزالها وبنى على صلاته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يمكنه إلا بعمل كثير استأنفها، كالسترة إذا وجدها وهو في الصلاة بعيدة منه، لأن اتخاذ السترة واجب من واجبات الصلاة.
واختار الشافعي رحمه الله تعالى وهو رواية عن أحمد كما ذكرنا: أنه يعيد طالما أن الوقت لم يخرج بعد، ومعنى رواية عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن أحد تلامذته نقل عنه رأياً، ثم نقل تلميذ آخر رأياً آخر، والعلامة المرداوي في كتاب: (الإنصاف في الراجح من مسائل الخلاف) قد رجح بين الروايات في المذهب الواحد، لا في المذاهب المتعددة.
والراجح: أن الوقت إذا لم يخرج فإن عليه أن يعيد الصلاة، فإن خرج الوقت فلا إعادة، ويعذر بخطئه وبعدم علمه، وكذلك: من صلى بثوب نجس، ثم علم بالنجاسة وهو في الصلاة، فإن أمكنه إزالة النجاسة بحركة يسيرة أزالها؛ للحديث الذي رواه البخاري في كتاب الصلاة: أن الشقي عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فوضع على ظهره الشريف سلا الجزور، فجاءت ابنته فاطمة رضي الله عنها وأزالت النجاسة عن أبيها، وأكمل النبي عليه الصلاة والسلام صلاته، قال البخاري في صحيحه وابن حجر معلقاً: وفي الحديث: إذا عرضت للمصلي نجاسة فاستطاع أن يزيلها أزالها وأتم الصلاة، وإن لم يستطع إزالتها إلا بحركة كثيرة تخل بالصلاة، أزالها ثم أعاد الصلاة من أولها.

مواضع النهي عن الصلاة

قوله: (والأرض كلها مسجد)، أي: أن الأرض كلها مسجد تصح الصلاة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند البخاري في كتاب التيمم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس كافة)، فالشاهد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً)، أي: كل الأرض يجوز أن تصلي فيها إلا المقبرة، فلا تصل في المقبرة ولا تصل إلى القبور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، وقوله: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تتخذوا القبور مساجد)، فكل هذه النصوص المحكمة الواضحة البينة تدل على أن الصلاة في المساجد التي فيها قبور لا تصح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كان المسجد قد بني أولاً ينبش القبر ويزال من المسجد، وإن كان القبر قبل المسجد فيهدم المسجد؛ لأنه لا يجتمع قبر مع مسجد في دين الإسلام أبداً، ولذلك أقول: هذه ظاهرة منتشرة عندنا وفي بعض البلاد الإسلامية، فتدفن الأموات في المساجد، وتقام لها الأضرحة، ثم يطاف بها، ويسمى المسجد باسم صاحب الضريح، وتعجب عندما تجد أن علماء السوء يدافعون عن هذا، ولا غرو في ذلك؛ لأن صناديق النذور تجلب الملايين من السفهاء والأغنياء، حتى لو خرج صاحب الضريح حياً لقتلوه مرة أخرى للمصلحة التي تعود إليهم! وهذه قصة تدل على جهل هؤلاء الذين يطوفون بالقبور يُذكر أن رجلين جاءا بجحش ودفناه، وأعدا له مقاماً ليطوف الناس به، وفعلاً عندما كان الناس يأتون إلى المسجد يطوفون بالقبر، وتقول: مقام سيدي جحش! فاختلف الرجلان على صندوق النذور -لأنه يجلب الكثير- فقال أحدهما للآخر: وهل نسيت أننا دفناه مع بعض؟ أي: أنه لا يفعل هذا الفعل إلا من لا عقل له ولا شرع عنده، ولذا فالمساجد ليست مكاناً للدفن، وليست مكاناً للقبور أبداً.
وهنا شبهة عريضة يرددها بعض الناس: إن قبر النبي في مسجده، وهذا كذب وافتراء، فقبر النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة، وكان المسجد يبعد عن الحجرة إلى أن جاء عبد الملك بن مروان في زمن الدولة الأموية فوسع المسجد وألحق به الحجرة، يعني: أن الأمر أولاً لم يكن في عهد الخلفاء الراشدين، والنبي عليه الصلاة والسلام قد نهانا أن ندفن في المسجد، فلم هذا الإصرار العجيب على هذا الفعل الذي يخالف الشرع؟! إن لم يكن فيه إلا ما يحدث من طواف وطلب للمدد فيكفي.
وأذكر أن رجلاً نذر خروفاً للبدوي إن نجح ابنه في الثانوية -والنذر لغير الله شرك- فشاء الله أن يمرض الخروف، ثم شاء الله أن يموت الخروف، فإذا به يقول: يا بدوي لم استعجلت عليه؟ كنت سآتيك به بعد أيام! فأثبت له أنه يحيي ويميت من دون الله عز وجل، إنها سفاهة عقول خربة، حتى المرأة إذا أرادت الحمل قيل لها: اذهبي إلى مقام سيدي فلان، وطوفي به واذبحي له، إلى هذا الحد ما زلنا نقوم بهذه الأعمال الشركية، فإن تحدثنا ونهرنا ومنعنا قالوا: أصوليون، متحجرون، إرهابيون، رجعيون، متخلفون، وخذ المصطلحات الكثيرة من قاموس البذاءات، ونسأل الله العافية.
وكذلك: لا يجوز الصلاة في الحمام والحش، أي: موضع قضاء الحاجة، وأعطان الإبل، أي: المكان الذي تبرك فيه، فهذه الأماكن الأربعة التي لا يجوز فيها الصلاة من سائر الأرض.
قال الشارح: أما المقبرة والحمام؛ فلما روى أبو سعيد في سنن أبي داود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)، وأما الحش فبطريق التنبيه عليه بالنهي عن هذين الموضعين، أي: إن كان الحمام لا تجوز فيه الصلاة، فمن باب أولى الخلاء، وأما أعطان الإبل؛ فلما روى جابر بن سمرة كما عند الإمام مسلم: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل لعلتين: الأولى: أن الإبل بها شيطنة، فحينما تثور لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها.
الثانية: أن الإبل حينما تبرك تستر النجاسة التي تنفصل عنها، وهي مظنة النجاسة.
ولذا قال الشارح: ولأنها مظنة النجاسة، فإن البعير إذا برك صار سترة للبائل -يعني: يستر البول- بخلاف الغنم فإنها لا تستر، فأقمنا المظنة مقام حقيقة النجاسة.
بمعنى: أن الإبل قد تستر ما تحتها من نجاسة -وليس معنى ذلك أن بول الإبل نجس- فنظن أن هناك نجاسة، وطالما أننا نظن فلا نصل في ذلك الموضع.
وأنا لست في مجال الحكم على الصلاة في المساجد التي بها قبور، فأقول: الصلاة باطلة أو

استقبال القبلة

قال المصنف رحمه الله تعالى: (الشرط الخامس: استقبال القبلة)، أي: أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144]، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى في المدينة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً إلى المسجد الأقصى، وكان بعد كل صلاة يقلب بصره في السماء سائلاً الله عز وجل أن يحول القبلة إلى المسجد الحرام، فأنزل الله عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144]. ثم قال: (إلا في النافلة على الراحلة والعاجز)، فاستثنى اثنين من شروط استقبال القبلة: النافلة على الراحلة، والعاجز، كمريض مربوط، أو لا يستطيع أن يتحرك في سرير مرضه، أو أسير مربوط في اتجاه غير اتجاه القبلة، أو في صلاة الخوف؛ لأنه ليس من الحكمة أن أعطي ظهري للعدو وأصلي إلى القبلة.

سقوط استقبال القبلة للعاجز والمتنفل على الراحلة

قال الشارح: (إلا في النافلة على الراحلة للمسافر فإنه يصلي حيث كان وجهه، لما روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح -يعني: يصلي- على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، وكان يوتر على بعيره صلى الله عليه وسلم، متفق عليه)، وعليه فيجوز للإنسان وهو في القطار أو في السيارة أو على البعير أو على الدابة أن يصلي وهو جالس، وليس شرطاً أن يستقبل القبلة، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ساجداً على راحلته صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:115]، وهذا في صلاة النافلة على الراحلة فحسب، وأما في الفريضة فلا بد فيها من استقبال القبلة.
ثم قال الشارح: (والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره؛ لأنه فرض عجز عنه أشبه القيام؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:239])، أي: صلوا قياماً على أرجلكم، أو وأنتم راكبون في حال القتال، ولذا فإن عجز عن استقبالها في حال الفرض جاز له أن يصلي إلى جهة غير القبلة، كالمسافر في الطائرة سفراً طويلاً، كيومين أو ثلاثة، فله أن يصلي إلى غير اتجاه القبلة؛ لأنه عاجز عن استقبالها، وله أن يصلي قاعداً إن عجز عن القيام، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة -طالما أنه مسافر- حتى يخرج وقت الصلاة الأخرى، كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، فحد أقصى أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر، أما أن يخرج وقت الظهر ويخرج وقت العصر، أو يخرج وقت المغرب ويخرج وقت العشاء ولا صلاة، فلا يجوز ذلك مطلقاً، وإنما يصلي حسب قدرته واستطاعته، لأن الله قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78]، وأما إن كان في سيارة وسيقف بعد ساعة أو ساعتين، فلا بد عليه أن ينتظر حتى يحقق القيام في الصلاة، ولا يجوز له أن يصلي إيماءً ويقول: إنه مسافر، بل طالما أنه يستطيع القيام واستقبال القبلة فلا بد من ذلك، وهذا الكلام في حال العجز التام عن استقبالها، والأمر ليس بيده.

إصابة عين الكعبة لمن كان قريباً منها وجهتها لمن كان بعيداً عنها

قال المصنف: (فإن كان قريباً منها -أي: الكعبة- لزمته الصلاة إلى عينها)، ففرق بين ثلاثة أشياء: من هو داخل المسجد الحرام، فهذا يستقبل عين الكعبة، ومن هو داخل مكة، فهذا يستقبل المسجد الحرام، ومن في أقطار الأرض، فهذا يستقبل مكة، وعليه فنحن نصلي إلى جهة مكة، ولا يقل قائل: نحن نصلي إلى جهة المسجد الحرام أو إلى الكعبة، ولعل هذا في سورة البقرة بين وواضح، فإذا كنت تصلي داخل المسجد فيلزمك أن تتوجه إلى الكعبة، وإن كنت تصلي في مكة فيلزمك أن تتوجه إلى المسجد الحرام، وإن كنت تصلي في خارج مكة فيلزمك استقبال مكة المكرمة؛ لأن مكة يطلق عليها المسجد الحرام، والراجح من أقوال أهل العلم: أن مكة كلها حرم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:217]، فالمسجد الحرام المقصود به هنا: هو مكة بدون شك، وليس إخراج الناس من المسجد، بل من مكة، ولذلك يقول ربنا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:28]، فالمقصود بالمسجد الحرام هو مكة بإجماع المفسرين، فلا يجوز لمشرك أن يدخل مكة، ثم قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:28]، أي: إن خفتم فقراً فلا تخافوا، أو خفتم أن ينقطع العون والمدد فما عند الله أكثر، أو خفتم أن تنقطع الإعانات والدعم فلا تحزنوا.

حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في الحضر

ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن كان بعيداً فإلى جهتها)، لأنه لا يستطيع إصابة العين بخلاف القريب.
قال: (وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة)، أي: إن كان لا يعرف جهة القبلة، واجتهد في تحديدها، ثم صلى وبان له خطؤه بعد ذلك، فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، وإن صلى دون أن يجتهد في معرفة القبلة، فيلزمه الإعادة، وإن صلى في مسجد وجاء آخر فقال له: القبلة في الجهة الأخرى، لزمه الاستدارة إلى اتجاه القبلة؛ لما ثبت أن أهل قباء استداروا في صلاة الفجر وهم يصلون بعد أن وصلهم خبر تحويل القبلة، ولم يسلموا ويخرجوا من الصلاة، وإنما استداروا في الصلاة.
وقول المصنف: (واستدل بمحاريب المسلمين)، وكلمة: (المحاريب) قد يفهمها البعض بأنها التجويف الذي في الحائط، لا، بل المحاريب مكان الصلاة، قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:39]، أي: في مكان صلاته، لا في المكان المجوف الذي يعمله المسلمون اليوم، فهو من البدع المحدثة، وقد دفع ذلك الشيخ الجزائري بقوله: طالما أنه أقيم للإرشاد إلى جهة القبلة فليس بشيء، لكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يرى أنه بدعة، والمهم أننا نمتثل خير الهدي، وخير الهدي هو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهل أقام عليه السلام تجويفاً في حائط؟ ما أقام عليه الصلاة والسلام، لكن أحياناً الضرورة تستدعي ذلك: كأن يكون المسجد ضيقاً، فإن دخل الإمام في هذا التجويف ترك صفاً، ففي هذه الحالة ليست للتعبد وإنما لسعة المسجد، فتختلف الأمور عند ذلك، والخلاصة: أن السنة أن لا تقام هذه التجاويف في الحوائط، وإنما المحاريب هي أماكن الصلاة.

حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في السفر

ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن خفيت القبلة في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه)، وإن أخطأ؛ لأنه أتى بالمأمور فيخرج عن عهدة الأمر، ودليل أنه أتى بما أمر به: أنه اجتهد وليس عليه أكثر من الاجتهاد، وهو مأمور بالصلاة إلى الجهة التي يغلب على ظنه بعد الاجتهاد أنها جهة الكعبة، قال: (وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما الآخر)، لأنهما تعارضا فتساقطا، ثم قال: (ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه) كما نقول في الأحكام.

شرط النية

الشرط السادس: النية، وقد اعتبرها بعض العلماء ركناً، وبعضهم اعتبرها شرطاً، وهنا اعتبرها شرطاً، وقد فرقت سابقاً بين الركن والشرط، وعليه فالنية شرط لصحة الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، قبل دخوله الصلاة، فإن نوى أن يصلي الظهر فلا يجوز له أن يصلي العصر بنية الظهر، لأن الأعمال بالنيات، والنية محلها القلب، ويعبر عنها بالإرادة، وبالابتغاء وبالباعث، يقول ربنا عز وجل: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ [الليل:19 - 20]، والابتغاء يعني: النية، وقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:152]، فالإرادة هنا بمعنى: النية، ولأنها عبادة أشبهت الصوم، ويجب أن ينويها بعينها إن كانت معينة ظهراً أو عصراً لتتميز عن غيرها، وإن كان سنة معينة كالوتر لزمه تعيينها، وإن لم تكن معينة كالنافلة المطلقة أجزأه نية الصلاة، لأنها غير معينة، والنية تقدم على التكبير بلا شك؛ لأنها لا بد أن تسبق أول أعمال الصلاة، وهي تكبيرة الإحرام.
والله تعالى أعلم.

العدة شرح العمدة [13]

يستحب للعبد عند المشي إلى الصلاة أن تكون خطاه متقاربة، وعليه السكنية والوقار، لأنه في صلاة ما قصد الصلاة، وإذا أتى المسجد شرع له الدخول مباشرة مع الإمام إذا كان قد شرع في الصلاة، كما أن على المصلي أن يلتزم بآداب الصلاة داخل المسجد وخارجه.

أمور في الصلاة يجب التنبيه عليها

قبل أن ندخل في باب:

آداب المشي إلى الصلاة

، أحب أن أتكلم وأنبه على أمور تحدث في الصلاة، فأقول: سأصلي أمامكم على المنبر، لحديث مالك بن الحويرث عند البخاري قال: ما أردت أن أصلي، ولكن أردت أن أبين لكم كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا فالتعليم بوسائل الإيضاح من أهم الوسائل لوصول ورسوخ المعلومة، لأننا في المساجد قد نجد واحداً يضع يده هكذا، والآخر هكذا، والثالث تحت السرة وهكذا، كما نجد أيضاً عند الاعتدال من الركوع يرفع البعض يديه، وفريق آخر لا يرفع، مع أن الثابت أن يرفع المسلم يديه عند الرفع من الركوع خلافاً للمالكية، لأنهم لا يعملون بخبر الآحاد إذا خالف عمل أهل المدينة، وهذا كلام في أصول المالكية.
والمهم أنني أريد أن أقول: إننا نختلف بجوار بعضنا البعض في كيفية الصلاة! رغم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ونقل الصحابة لكيفية صفة صلاته عليه الصلاة والسلام بل حتى عندما كان يقرأ في الصلاة وأصابته عطسة فقطع القراءة وركع، وتحريك الأصبع في التشهد، ووضع اليدين على الركبتين في حال الركوع، كل ذلك نقلوه عن النبي عليه الصلاة والسلام نقلاً دقيقاً، وعليه فلا يجوز للمسلم أن يخالف في ذلك.
أيضاً: التأمين فلا زلنا نخطئ فيه ونصر على الخطأ، قال شيخنا العلامة الألباني رحمه الله تعالى: إنه لا بد حتى يحصل المأموم على الأجر أن يوافق تأمينه تأمين الإمام.
أما نحن فحالنا أننا نسبق الإمام بالتأمين، فبمجرد أن يقول: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:7]، نقول بسرعة: آمين، والإمام لم يشرع بعد في قول آمين، بينما لو وافق تأمين المأموم للإمام غفر له ما تقدم من ذنبه.
كذلك: تجد البعض عندما يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام أو عند الركوع أو عند الرفع من الركوع يرفعهما وكأنه ينش الذباب، أو يرفعهما بكسل جداً، أو يرفعهما كالسيف! والسنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن تكون الأصابع متجهة إلى القبلة، وفي حذو المنكبين تحت شحمة الأذنين، لحديث أبي داود رحمه الله تعالى.
لكن تعال في زمننا اليوم، فتجد أن كل واحد يرفع يديه حسب هواه، وكيفما أراد، بل بعضهم قد لا يرفع أبداً، ولذلك حينما نتعلم كيفية صفة الصلاة لا بد أن ننقلها إلى العباد في كل مسجد، فنقول: إن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هي: أن يكبر المسلم تكبيرة الإحرام، ثم يضع اليمنى على اليسرى في أول الصدر، ثم يقول دعاء الاستفتاح وينظر إلى محل سجوده، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يركع، ثم يرفع من الركوع، ثم يسجد على سبعة أعظم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف يداً ولا شعراً)، ونعمل ذلك عملياً أمام الناس، ثم يبين حركة الإصبع عند التشهد، ثم ينقل الخلاف: هل النزول إلى السجود على الركبتين أم على اليدين؟ فالشيخ أبو إسحاق يرى النزول على اليدين أولاً، وابن القيم في زاد المعاد يقول: لا بد من النزول على الركبتين، والراجح: النزول على اليدين، وسأبين سبب ذلك إن شاء الله تعالى، والمهم حركة الإصبع في التشهد، لأننا نجد البعض قد يعمل بأصابعه هكذا، فيقبضها ثم يبسطها، والسنة أن تكون الأصبع تجاه القبلة لا تتحول عنها، والبعض الآخر قد يحلق بإصبعه كذا، والذي بجانبه متضايق منه، والبعض أيضاً: عندما يقف في الصف يريد أن يضع رجله في رجل الذي بجانبه، بل وربما قد يضعها فوق رجل أخيه! والبعض كذلك: قد يفتح رجليه مائتين وثمانين درجة! فيقف في الصف مباعداً بين رجليه، وكذلك بعض الناس قد يقف في الصلاة مكتوفاً هكذا، وهو يظن أنه على حق، وسأنقل لكم الكيفية بالنصوص، والجمع بين الأدلة كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأموراً أخرى عجيبة في الصلاة نراها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

آداب المشي إلى الصلاة

وسنشرع في باب: (آداب المشي إلى الصلاة) فنقول: قال المصنف رحمه الله تعالى: [يستحب

المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار

، ويقارب بين خطاه، ولا يشبك أصابعه، ويقول: باسم الله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:78] الآيات إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:89]، ويقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، فإذا سمع الإقامة لم يسع إليها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول، وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك].

المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار

يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، لأن العبد إذا خرج من بيته فهو في صلاة، فإذا أتى والإمام ساجد، فلا ينتظر حتى يقوم، فإن ذلك فيه مخالفة للنص: (فما أدركتم فصلوا)، وكذلك إذا أتاه وهو قائم أو راكع، لكن البعض قد يجد الإمام ساجداً فيقول: قد فاتت الركعة، ولا يدخل مع الإمام، فنقول له: هب أن ملك الموت أتاك وأنت خارج الصلاة، ولم تدخل بعد، فكان الأفضل لك أن يأتيك وأنت داخل الصلاة، وكذلك النص فيه: أن المأموم يدخل مع الإمام على أي هيئة كان.
وتعال إلى بعض المساجد، فتجد أن المأموم يدرك الإمام وهو راكع، فيريد المأموم أن يدرك الركعة، فيقول بصوت حتى يسمعه الإمام: إن الله مع الصابرين! فهذا العمل لا يجوز، لأن العبد مأمور بأن ما أدركه من الصلاة صلى، وما فاته أتم.

مقاربة الخطا عند المشي إلى الصلاة

قول المصنف: (ويقارب بين خطاه)، أي: يكثر من خطواته عند ذهابه إلى المسجد، لأن تلك الخطوات مكتوبة له في صحائف عمله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:12]، فخطوة ترفعك درجة، وخطوة تحط عنك خطيئة، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم كما في مسند ابن حميد رحمه الله تعالى، وكذلك فعله أنس وهو يسير مع تلميذه ثابت البناني، قال ثابت: كنت أسير مع أنس بن مالك فضيق الخطا، فقلت: يا أنس ما هذا الذي تصنعه؟ فقال: أما تعلم يا ثابت أن خطواتنا إلى بيت الله عز وجل تكتب في صحائف أعمالنا؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح)، وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط).

النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة

وقوله: (ولا يشبك أصابعه)، أي: في الصلاة، وعند الإتيان إليها، والبخاري رحمه الله تعالى قد أورد حديثاً في صحيحه، فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ناسياً، ثم قام إلى مؤخرة المسجد وشبك بين أصابعه)، فقام رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ما قصرت الصلاة ولا نسيت، ثم قال: أحقاً ما قال ذو اليدين؟، - وفي القوم أبو بكر وعمر - فقالوا: نعم يا رسول الله، ثم صلى بهم ركعتين وسجد للسهو بعد التسليمتين، فكيف نجمع بين النهي عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة وبين هذا الحديث الذي ورد فيه: (وشبك بين أصابعه)؟ قال ابن حجر في الفتح: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد انصرافه من الصلاة، أما والمسلم في صلاة أو هو آتٍ من بيته إلى المسجد فلا يجوز ذلك، ولذلك بوب البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة باب: (تشبيك الأصابع في المسجد)، ليجمع بين النصوص التي تنهى عن التشبيك، والنصوص التي تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله.

صلاة ركعتين عند دخول المسجد

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويقول: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ")، هذا الدعاء ليس عليه دليل، وإنما الصواب أن يقول دعاء الخروج من البيت: (اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، واجعل لي نوراً)، وهذا هو الثابت في دعاء الخروج، فإذا وصل إلى المسجد دخل برجله اليمنى - وكم أحزن عندما أجد مسلماً يدخل المسجد برجله اليسرى - وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج خرج برجله اليسرى وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب فضلك.
ويستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وإن كان دخوله في وقت سنة صلى السنة وأجزأته عن التحية، وإن كان دخوله والناس يصلون فرضاً صلى معهم وأجزأته عن تحية المسجد، وعليه: فالمهم أن يكون أول فعل يفعله عند دخوله المسجد أن يصلي.
وكذلك يوم الجمعة إذا جاء والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من جاء والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين)، ومن باب أولى من جاء إلى حلق العلم، فلا يجوز له أن يجلس حتى يصلي ركعتين.

الانتظار للصلاة صلاة

ثم ينتظر في مصلاه حتى يأمر الإمام المؤذن بالإقامة، وهذه هي السنة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، لا كما يفعله بعض الناس في المساجد، فتجد أحدهم يأمر المؤذن بالإقامة أو ربما قد يحدث فوضى في المسجد، ونسي أن هناك آداباً للمسجد لابد أن تراعى، بل الأعجب من ذلك أن تجد بعض المصلين يصلون لحالهم ثم ينصرفون قبل الجماعة الكبرى، وهذين مثالين يبينان جهل الناس بهذا الأمر: الأول: لو أن بعض الناس دخلوا مسرحاً، وأخبروا بأن الستار سيرفع في الثامنة، فقال أحدهم: بل في الثامنة إلا خمس! لقالوا له: ما شأنك أنت؟! ولا يمكن أن يؤمر برفع الستار إلا في الوقت المحدد، والمخرج الفني هو الذي يأمر بذلك، والجمهور كأن على رؤوسهم الطير.
الثاني: أن الحكم هو الذي يأمر ببداية المباراة ونهايتها، فهو الذي يملك تحديد الوقت، الوقت الضائع والوقت بعد الضائع، وهو الذي ينظر ويعطي الأمر بالإشارة، ولا يقوم بذلك أحد غيره.

إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة نافلة

قوله: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، أي: إذا أقيم للصلاة فلا يجوز التنفل، خلافاً للأحناف؛ لأن أفضل وقت عندهم للصلاة هو آخره وليس أوله، وهذا تجده كثيراً في الحرم المكي، فتجد الشيخ يصلي الفجر وبعضهم يصلي السنة، والحديث حجة عليه: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وهذا ليس فيه جدال، لكن لو أقيمت الصلاة والمسلم يصلي النافلة، فما الحكم؟

الجواب

أنه بالخيار، فإن استطاع أن يتم قبل أن يدخل الإمام في تكبيرة الإحرام ودعاء الاستفتاح فليتم، لأن الإقامة وتكبيرة الإحرام تحتاج إلى وقت، لكن لو أنه في الركعة الأولى وأقيمت الصلاة، ففي هذه الحالة يخرج من الصلاة دون تسليم، وهذا اختيار فقهائنا، والله تعالى أعلم.
وأما صلاة النافلة بعد الفجر فتجوز، أي: صلاة سنة الفجر إن فاتت.

العدة شرح العمدة [14]

علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كل دقائق الصلاة، وهم نقلوا لمن بعدهم كل أفعاله في اختلاف أحواله عليه الصلاة والسلام، فلابد للمسلم من الحرص على تتبع هديه ومعرفة كيف صلى؛ حتى يصلي صلاة صحيحة موافقة لصلاة نبيه صلى الله عليه وسلم.

صفة الصلاة

الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فنشرع بعون الله وفضله وتوفيقه في كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمرنا أن نصلي كما صلى، فقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وفي الحديث: أنه رأى رجلاً يسيء في صلاته -وما أكثر من يسيء في صلاته- فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، فأمره بإعادة الصلاة؛ لأنه لم يصل على الكيفية التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
والمتأمل في حال الأمة اليوم يجد أن كثيراً من الناس يصلي وهو لا يصلي؛ لأنه يجهل كيف صلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كنا في مسجد واحد نختلف فيما بيننا، فهذا يرفع وهذا لا يرفع، وهذا يضع يده على صدره وهذا يضع يده تحت سرته، وهذا يضعها عن يساره، وهذا يضعها عن يمينه إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا ينبغي أن يكون، لاسيما بين أهل السنة الذين يلتزمون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك خصصت هذا الحديث عن صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، مع اعتبار أن هناك أموراً فيها خلاف بين العلماء، سنحصرها ثم نبين الراجح منها، مع العلم أنك قد تختلف معي في وجهة النظر في هذه المسألة، لكن سأذكر الرأي الراجح نقلاً عن أهل العلم.
ومن هذه المسائل: مسألة وضع اليمنى على اليسرى بعد الاعتدال من الركوع.
ومسألة النزول إلى السجود: هل يكون على الركبتين أم على اليدين قبل الركبتين؟ ومسألة تحريك السبابة في التشهد: هل تحرك أم لا تحرك؟ وما الفرق بين الحركة والقبض والبسط؟ ومسألة: الفرق بين التورك والافتراش، ومتى تتورك ومتى تفترش؟ ولبيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أقرأ أولاً متن العدة، ثم أقوم بالشرح والتعليق مع بيان المرجوح في هذا الكتاب من أقوال العلماء.
قال رحمه الله: [باب صفة الصلاة: إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، يجهر بها الإمام، وبسائر التكبير ليسمع من خلفه، ويخفيه غيره، ويرفع يديه عند ابتداء التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه، ويجعلهما تحت سرته، ويجعل بصره إلى موضع سجوده، ثم يقول (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، ثم يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:1] ولا يجهر بشيء من ذلك؛ لقول أنس: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم).
ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها إلا المأموم، فإن قراءة الإمام له قراءة، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه، ثم يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل -بكسر الطاء- وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوسطه، ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأولين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك.
ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول، ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه، ويمد ظهره، ويجعل رأسه حياله، ثم يقول: سبحان ربي العظيم.
ثلاثاً.
ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه كرفعه الأول، فإذا اعتدل قائماً قال: ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، ويقتصر المأموم على قول: ربنا ولك الحمد.
ثم يخر ساجداً مكبراً، ولا يرفع يديه، ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم كفاه ثم جبهته وأنفه، ويجافي عضديه عن جنبه، وبطنه عن فخذيه، ويجعل يديه حذو منكبيه، ويكون على أطراف قدميه، ثم يقول: سبحان ربي الأعلى.
ثلاثاً.
ثم يرفع رأسه مكبراً، ويجلس مفترشاً، فيفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويثني أصابعها نحو القبلة، ويقول: رب اغفر لي.
ثلاثاً.
ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى، ثم يرفع رأسه مكبراً وينهض قائماً، فيصلي الثانية كالأولى.
فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشاً، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، يقبض منهما الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة في تشهده، ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فهذا أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد يقول: اللهم صل على محمد

معنى تحية المسجد

تحدثنا فيما مضى عن آداب المشي إلى المسجد، فإذا دخل المسجد يدخل برجله اليمنى ويقول: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك).
فإذا دخل إلى المسجد صلى تحية المسجد، وإذا كان هناك سنة راتبة للفريضة تجزئ عن تحية المسجد؛ لأن تحية المسجد معناها أن يكون أول فعل للقادم للمسجد هو الصلاة؛ فإن صلى نافلة أجزأ، وإن وجدهم في الفريضة أجزأ، هذا معنى تحية المسجد، فحينما يدخل يصلي صلاة النافلة الثابتة للفريضة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يجلس -والعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة- يستغفر ويتأدب بآداب المسجد حتى تقام الصلاة.

وقت قيام المصلي لصلاة الجماعة

متى يقوم المصلي للصلاة؟ خلاف بين العلماء، والراجح أنه يقوم إذا شرع المؤذن في الإقامة ورأى الإمام؛ لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقوموا حتى تروني) وهو الإمام، فلا يجوز للمأموم أن يقوم إلا إذا رأى الإمام، سواء في أول القيام أو أوسطه أو آخره، الكل سواء، وليس معنى ذلك أن ينتظر حتى يقول: قد قامت الصلاة كما قال بعض العلماء، لا.
إنما بمجرد أن يرى الإمام ويشرع المؤذن في الإقامة، فله أن يقوم.
وهذا هو القول الراجح، ولكن نحن نقوم أحياناً ولم يشرع المؤذن في الإقامة، وهذا خطأ موجود في المساجد يقع فيه الكثير، نعم أنت رأيت الإمام ولكن لابد لكي تقوم أن يشرع المؤذن في الإقامة، ولا تقوم حتى ترى الإمام.
والعلة في ذلك: أنك ربما تقوم ويتأخر الإمام أو يعرض له عارض، لما في البخاري: أنه صلى الله عليه وسلم قام ليصلي بأصحابه، وبعد أن سواهم وتوجه إلى القبلة تذكر أنه جنب -والنسيان هنا للتشريع- فقال لهم: كما أنتم.
ودخل واغتسل وخرج وهم قيام، ولم يأمر بالإقامة مرة أخرى.
يقول ابن حجر في الفتح معلقاً: (وفي الحديث بيان أنه ربما يعرض للإمام عارض فيظل المأموم على حاله) وهب أنك قمت ولم تر الإمام، ثم تأخر الإمام لعارض، فإنك تظل قائما؛ ً فإذاً لا قيام إلا حينما ترى الإمام.

تسوية الصفوف في الصلاة

إذا قام الإمام إلى الصلاة ليصلي فإن أول أمر يجب عليه فعله هو أن يسوي الصفوف، لأن تسوية الصف من تمام الصلاة، وتسوية الصفوف تتم عن طريق لزق المنكب بالمنكب، يعني: الكتف بالكتف، والكعب بالكعب، وليس معنى ذلك: أن تكون كذلك طوال الصلاة، لكن المقصود هو المحاذاة، وليس المقصود أن تضايق من بجوارك، وتضع قدمك فوق قدمه، فإن الدكتور بكر أبو زيد له كتاب اسمه: لا جديد في أحكام الصلاة، ذكر فيه هذا، وبين أن المقصود هو: المحاذاة، والعلة هي المحاذاة، فإن تم التحاذي انتهت العلة.
ولا تترك للشيطان فرجة كما يأمر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وينبغي على الإمام أن يقوم بتسوية الصف، فإن رأى من تقدم أخره، وهذا أمر واجب على الإمام: أن يسوي الصفوف قبل الشروع في الصلاة.

هيئة رفع اليدين للتكبير

يبدأ المصلي الصلاة برفع يديه حذو منكبيه أو بمحاذاة شحمة الأذن، وهذا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والراجح: أن تجعل أصابعك مبسوطة منفردة متجهة إلى القبلة حذو المنكبين أو بمحاذاة شحمة الأذنين، فتكون الكف متجهة إلى القبلة والأصابع واقفة قائمة مبسوطة ومضمومة حذو المنكبين أو بمحاذاة شحمة الأذنين، وهذا هو الموضع الأول للرفع.
وللرفع أربعة مواضع: الموضع الأول: عند تكبيرة الإحرام.
الموضع الثاني: عند الركوع، والتكبير في الركوع يكون أثناء الحركة؛ لأن البعض يكبر بعد أن يركع وهذا لا يجوز؛ لأنه جعل التكبير من ذكر الركوع، أو يكبر وهو قائم ثم يركع، إنما الوارد أن يكون الركوع أثناء الحركة.
إذاً: أول تكبيرة هي الإحرام، والإحرام ركن من أركان الصلاة، ولها كيفية: يقول: الله أكبر.
ثم يضع اليمنى على اليسرى، وكيف يضع اليمنى على اليسرى؟ البعض يضعها تحت السرة كقول المذهب، وهذا ضعيف، والبعض يضع اليمنى على اليسرى في الناحية اليسرى أسفل السرة، وهذا أيضاً ضعيف، والثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع اليمنى على اليسرى على أول الصدر، إما أن يضع وإما أن يقبض، كلاهما وارد.
روى البخاري أن ابن عباس قام يصلي بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع اليسرى على اليمنى فجذبه النبي صلى الله عليه وسلم ووضع اليمنى على اليسرى، وفي رواية: أنه وقف عن يساره فجذبه فجعله عن يمينه.
ثم بعد تكبيرة الإحرام ووضع اليمنى على اليسرى ينظر إلى موضع السجود، أو إلى إمامه كلاهما ثابت، والنظر إلى موضع السجود أدعى للخشوع، فقد روى البخاري أن الصحابة في صلاة الكسوف نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (يا رسول الله! ما لك تكعكعت وأنت تصلي؟) يعني: تراجعت، فما الذي جعلهم يرونه وهو يتراجع إلا أنهم كانوا ينظرون إليه، وهناك أكثر من حديث يثبت أنهم كانوا ينظرون إلى الإمام، ولذلك فإن من شروط الجماعة أن تتصل الصفوف ويرى كل صف الصف الذي أمامه حتى يتأسى به في الركوع والسجود.

دعاء الاستفتاح

بعد وضع اليمنى على اليسرى على أول الصدر يبدأ بقراءة دعاء الاستفتاح، وله صيغ متعددة منها عن أبي هريرة وعمر الذي أورده المصنف هنا، وأنت بالخيار في دعاء الاستفتاح الذي تفتتح به الصلاة.
الأول: كان النبي عليه الصلاة والسلام بعد تكبيرة الإحرام يسكت قبل أن يقرأ، فقال أبو هريرة: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ماذا تقول عند سكوتك في الصلاة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، هذا دعاء.
وربما يقول قائل: وهل للنبي خطايا؟ و

الجواب

الأنبياء عصمهم الله من كبائر الذنوب قبل البعثة وبعد البعثة، وعصمهم من صغائر الخسة كالنظر إلى المرأة الأجنبية، إنما الصغائر إن وقعت من الأنبياء فإنها تقع بدون عذر ولا إصرار، وفي الحال يعاتبون أنفسهم ويتوبون إلى ربهم، ويكون حالهم بعد التوبة أفضل من حالهم قبلها.
هذا رأي أهل السنة والجماعة؛ لأن الأنبياء بشر، والذين قالوا بعصمتهم من كل الصغائر هم المعتزلة، وشيخ الإسلام له تفصيل في هذه المسألة.
الثاني: دعاء عمر وهو: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).
الثالث: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) من العلماء من قال: يجوز أن تقول (أول) ومنهم من قال: يجب أن تقول (وأنا من المسلمين)، والراجح أن تقول: (من)؛ لأن أول المسلمين هذه رتبة للنبي عليه الصلاة والسلام.
ودعاء الاستفتاح يشرع لكل صلاة حتى النافلة ما عدا صلاة الجنازة؛ لأنه ليس فيها ركوع ولا سجود بل هي على سبيل التخفيف، فلا يشرع فيها دعاء الاستفتاح.

قراءة الفاتحة

بعد تكبيرة الإحرام ووضع اليمنى على اليسرى ودعاء الاستفتاح يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يبدأ في قراءة فاتحة الكتاب، ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
والصلاة بالنسبة لقراءة الفاتحة أمرها خطير، فإذا لحن بحرف في الفاتحة بطلت الصلاة، والبعض لا يخرج لسانه في الذال من (الذين) فيقول: الزين، فيغير المعنى، أو يحذف حرفاً أو يغير تشكيلاً (أنعمتَ) يقول: (أنعمتُ) وهذا صلاته باطلة، لذا ينبغي أن تكون قراءة الفاتحة قراءة صحيحة.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2] الباء هنا مشددة.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:3] فإن كان ألثغاً فلا يؤم إلا من على شاكلته، يعني: واحد يقول: (الغحمان الغحيم) قلب الراء إلى غين، هذا لحن رغم إرادته، نقول له: لا تصل إماماً إلا بمن على شاكلتك؛ لأنه لا يجوز للألثغ أن يؤم أصحاء، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:3 - 6] البعض يقول: (المستكيم) فيبدل القاف كافاً، فهذا صلاته باطلة، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:7].
أيضاً (مالكِ) يقول: (مالك) وهذا لحن جلي يبطل الصلاة، كل ذلك لابد أن نعلمه الناس، فلابد للمصلي أن يقرأ الفاتحة قراءة صحيحة على يد شيخ، يراجعها على يد من يجيد القراءة، ليس هناك مشكلة مطلقاً في هذا، و (مالك) ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجهين (ملك) و (مالك).
ثم ينبغي له إن كان منفرداً أن يقول: (آمين) مع نفسه، وإن كان مأموماً أن يوافق تأمينه تأمين الإمام، وهذا خطأ منتشر؛ لأن الكثير يسبق الإمام، وينبغي للمأموم أن يوافق الإمام.
هذا الخطأ الأول.
الخطأ الثاني: أنه ينطقها خطأً فيقول: (آمين) فيمدها زيادة، إنما (آمين) مد بدل، قلبت الهمزة ألفاً، تمد بقدر حركتين، إذاً: الصحيح أن يقول: (آمين) ليس (آآآ) مثل كل المساجد يطيلونها إلى أربع أو ست حركات بينما هي حركتين فقط.
الخطأ الثالث: أن يوافق المأموم الإمام، والآن الإمام هو من يوافق المأموم، فيقول الإمام: (ولا الضالين) قبل أن يصل على (ين) تجد من يقول (آمين)، لا.
لابد أن ننتظر، وهذا هو السائد في المساجد، أول ما يقول: (ين) تجد من يقول (آمين) مباشرة، لابد أن ننتظر حتى يبدأ الإمام؛ لأن الحديث: (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) فلابد من الموافقة، وهذا صعب في كثير من المساجد.
الخطأ الرابع: لا ينبغي أن يقول: (آمّين) يعني: قاصدين، وهذا خطأ فادح.
ويلاحظ: أنه إن لم يسمع في الصفوف الخلفية الإمام يسمع من أمامه، لذلك نقول: ينبغي للصفوف أن تتصل حتى نتأسى بمن بين يديه.

أحكام البسملة

أما الجهر بالبسملة ففي حديث أنس أنه قال: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان فما سمعتهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، إنما كانوا يسرون بها) يعني يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:1] يسرها في نفسه.
وابن القيم له رأي: أنه يسر بها أحياناً ويجهر بها أحياناً.
أولاً: هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ هي آية من آيات القرآن الكريم نزلت للفصل بين السور، ولكن العلماء اختلفوا في حكمها في فاتحة الكتاب، فـ الشافعي قال: هي آية، ولابد من الجهر بها، وإنما مناط الخلاف هو في السر أم الجهر.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر بها أحياناً ويجهر بها أحياناً، وكان سره أكثر من جهره، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن صليت بأناس يحبون أن تجهر فاجهر، ولا تجعل المسألة خلافية؛ لأن البعض ينزل إلى قرى ويصر على عدم الجهر، فيحدث فتنة وهو يظن أنه يحسن صنعاً، بينما الجهر وارد والسرية واردة، فلا داعٍ للخلاف، وحديث أنس الذي أورده المصنف هنا أنه صلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام فما سمع (بسم الله الرحمن الرحيم) كان في الصلاة الجهرية.

القراءة بعد سورة الفاتحة

بعد قراءة الفاتحة والتأمين يشرع الإمام في قراءة ما تيسر من القرآن، والقراءة فيها تفصيل، قال المصنف هنا: (يقرأ من المفصل في الفجر والمغرب والعشاء) ما هو المفصل؟ قسم علماء علوم القرآن القرآن إلى أقسام: الأول: السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة أو يونس على خلاف في السابعة.
هذه السور اسمها السبع الطوال، وورد أن النبي صلى بغير المفصل.
الثاني: المئين: وهي بعد السبع الطوال، وهي السور التي عدد آياتها يزيد عن المائة قليلاً.
الثالث: المثاني: وهي السور التي يقل عدد آياتها عن المائة، وسميت بالمثاني لسرعة الفصل بين بعضها البعض وبين آياتها.
الرابع: المفصل: ويبدأ من سورة (ق) أو الحجرات -على خلاف في ذلك- إلى آخر المصحف، والمفصل قسموه إلى ثلاثة أقسام: طوال المفصل -بكسر الطاء- وأوسط المفصل، وقصار المفصل، وبالنسبة لطوال المفصل فمن (ق) إلى النبأ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:1] فهذا يسمى الطوال، وبالنسبة لأوسط المفصل يبدأ من النبأ إلى الضحى أو البروج -على خلاف- ومن البروج إلى آخر القرآن يسمى القصار، ولا يقال: صغار القرآن، فليس فيه صغار، وإنما قصار المفصل، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في الفجر بطوال المفصل.
أقول: بعد قراءة الفاتحة يقرأ الإمام ما تيسر من القرآن، وإن قرأ الفاتحة فقط ركع فصلاته صحيحة؛ لأن الفاتحة هي الركن، وما زاد عن الفاتحة من مستحبات الصلاة، يعني: إن أخطأ في قراءة (ق) فصلاته صحيحة، حتى لو لحن لحناً جلياً.
ولنفترض أنه لا يحفظ الفاتحة فعليه أن يقرأ ما تيسر من القرآن بقدر الفاتحة، وهب أنه لا يحفظ شيئاً من القرآن، فإنه يسبح سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
هل يلزم المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية؟ خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لابد من القراءة، وشيخ الإسلام ابن تيمية قال: قراءة الإمام قراءة للمأموم، إلا أن الشيخ ابن عثيمين يرى أن حديث ابن حبان حجة، وهو أن الصحابة كانوا ينازعون النبي في الفاتحة، فقال لهم: (لعلكم تنازعوني، قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب).
يعني: إذا قال الإمام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2] فقل أنت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:3] فقل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:3] وهذه منازعة، أو يسكت الإمام بعد الفاتحة سكتة خفيفة يمكن أن تقرأ فيها الفاتحة، وهذه السكتة فيها خلاف، لكن الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكت سكتة خفيفة لا تتسع لقراءة الفاتحة، بل إن بعض العلماء رأى أن يقرأ المأموم الفاتحة في حال السكتات في القرآن، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:2 - 3] فحينما ينتقل إلى آية أنا أقرأ آية من الفاتحة، فبعضهم رأى هذا، والأحوط أن تقرأ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
إذاً: يستحب في الفجر أن يقرأ بطوال المفصل؛ لأن الفجر ركعتان، وقرآن الفجر مشهود، فيستحب أن يطيل الإمام في القراءة، أما في المغرب فقد كان يقرأ من قصار المفصل، وفي العشاء من أوسط المفصل، المهم أن يقرأ ما تيسر من القرآن.
ومسألة القراءة تحتاج إلى بسط أوسع، فقد كان يقرأ في الفجر أحياناً من السبع الطوال، وقرأ مرة الزلزلة في الركعة الأولى، والزلزلة في الركعة الثانية في الفجر كذلك، ولو فعل واحد منا اليوم هذا لقالوا: لا يحفظ، يعيد الزلزلة مرتين، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وهذا من السنة.
كما أن هناك بعض السور ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يكررها في صلواته.

هيئة الركوع والرفع منه

الحالة الثانية: رفع اليدين عند الركوع، وعند الركوع ينبغي أن ننتبه إلى ظهر الراكع أن يكون مستوياً، وإلى موضع اليدين على الركبتين، حيث تكون مفتوحتين كأنه يمسك بهما، ورفع اليدين عند الركوع ثابت من حديث ابن عمر أنه كان يرفع يديه قبل الركوع، فيرفع ثم يكبر ويركع عند الانتقال، وفي الركوع لابد أن يكون الظهر مستوياً، ولا يرفع الرأس ولا يخفضه، واليد تكون على الركبة مفتوحة الأصابع، مقبوضة على الركبة والظهر مستوياً، بحيث إذا سقط عليهما استقر، ولا صلاة لمن لم يركع بهذه الطريقة، ولابد أن تطمئن راكعاً، ولو اطمأن راكعاً وخفض الرأس فصلاته صحيحة لكنه خالف.
ثم يقول وهو راكع: سبحان ربي العظيم، (صلوا كما رأيتموني أصلي) لا يسبح في عجالة بل يخشع ويطمئن، وبعض الأئمة لا يطمئن راكعاً، وإن سبح واحدة باطمئنان أجزأه، ثم يقول إن شاء: سبوح قدوس رب الملائكة والروح؛ لحديث: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب)، ومن التعظيم أن تقول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، والحديث في البخاري عن عائشة قالت: (كان يتأول القرآن).
ثم يعتدل قائلاً: سمع الله لمن حمده.
ويرفع يديه مرة أخرى، وهذا هو الموضع الثالث للرفع.
ويقول الإمام: سمع الله لمن حمده، فيقول المأموم والإمام: ربنا ولك الحمد، كما عند البخاري (ربنا) ثناء، (ولك الحمد) ثناء آخر، أما رواية (ربنا لك الحمد) فهو ثناء واحد، هذا قول ابن حجر وقول: (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) هكذا كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام، (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) لما قالها أحد الصحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً)، وإذا عددت هذه الكلمات ستجد أنها اثني عشر.
أما وضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع ففيه خلاف، والراجح عدم الوضع، لما ثبت أن الصحابة كانوا ينقلون أحوال الصلاة حتى إذا عطس، قالوا: عطس في وضع الركبة، قالوا: وكان يضع الأصابع على الركبة مفرجة، ولم ينقلوا لنا أنه كان يضع اليمنى على اليسرى بعد الاعتدال، فأدق حركات الصلاة نقلوها، ولم ينقل عن واحد منهم أنه بعد الاعتدال من الركوع كان يضع اليمنى على اليسرى، وإن استدل البعض بقوله: (حتى يعود كل عضو إلى مكانه)، قلت: أن يعود كل عضو إلى مكانه قبل أن يدخل في الصلاة.
المهم أن المسألة خلافية، لكن لا يجوز القياس في الصلاة؛ لأن الصلاة نقلت نقلاً دقيقاً من الصحابة، أيعجز أحدهم أن ينقل لنا أنه كان يضع اليمنى على اليسرى بعد الاعتدال من الركوع، ويتركها للاستنباط والاستنتاج؟ أياً كان فالموضوع خلافي، والراجح فيه ما ذكرت.
هذا وشيخنا الألباني رحمه الله يرى أن الإرسال هو الأصل، وشيخنا ابن باز يرى أن وضع اليمنى على اليسرى هو الأصل، وكلاهما مجتهد، ولكن الراجح عندي ما نقلت لكم.
فإذا اعتدل من الركوع يقف مطمئناً، ويقول: (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) ولا يجوز أن يعتدل ثم يسجد مباشرة بل لابد أن يعتدل قائماً ويطمئن، ويعود الظهر إلى وضعه الأصلي، ورأي المالكية عدم رفع اليدين بعد الاعتدال؛ لأنهم يقدمون عمل أهل المدينة على خبر الواحد، والبعض يقول: ربنا ولك الحمد والشكر، ولفظة (الشكر) لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاتباع أولى من الابتداع.

هيئة السجود

أما السجود فهل ينزل على ركبتيه أم ينزل على يديه؟ لشيخنا أبي إسحاق كتاب يسمى: نهي الصحبة عن النزول على الركبة، وابن القيم في زاد المعاد يدافع عن وجوب النزول على الركبة، والشيخ ابن باز في صفة الصلاة يقول أيضاً بالنزول على الركبة، لكن الراجح أن ينزل على يديه؛ لأن الحديث حجة: (وليضع يديه قبل ركبتيه).
وكذلك حديث سراقة بن مالك في البخاري: أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فغاصت قدم البعير حتى ركبتيه، ومناط الخلاف: (لا تسجد كما يسجد البعير)، فكيف يسجد البعير، هل يضع ركبتيه أم يديه؟ ركبتا البعير في يديه، وطالما قال: (وليضع يديه قبل ركبتيه حجة) فهو على من قال بغير ذلك.
الشيخ ابن عثيمين يرى أنه يسجد على الركبتين، ويرى أن الحديث فيه قلب، وأن الراوي قال: (وليضع يديه قبل ركبتيه)، وكان ينبغي أن يقول: وليضع ركبتيه قبل يديه؛ لأن فيه قلباً على الراوي.
والراجح من أقوال العلماء: أن يسجد على اليدين قبل الركبتين، والمشكلة الآن هي في وضع السجود؛ لأن السجود ينبغي أن يكون على سبعة أعظم، (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف ثوباً ولا شعراً)، رواه البخاري، ولذلك نحن أمرنا بعد غسل الميت أن نطيب مواضع السجود بالكافور.
ومواضع السجود السبعة هي: الجبهة مع الأنف -هذا عضو- ثم اليدان متجهتان إلى القبلة، ثم الركبتان وأطراف أصابع القدمين، والبعض يعلق أطراف أصابعه في الهواء، وهذا خطأ، لابد أن يسجد على أطراف أصابع القدمين، وقد بوب البخاري: باب السجود على أطراف أصابع القدمين.
وأصابع القدمين تكون منصوبتين على الأرض، ويجافي بين عضديه، فلا يلصق عضديه بمنكبيه، وإنما يبسط ظهره، وبهذا يكون قد جافى بين عضديه، ويسجد على سبعة أعظم، فإذا سجد بهذه الطريقة وقع السجود صحيحاً، ولا ينبغي أن يلصق الكوع بالإبط، فإن هذا منهي عنه، وإنما يفرج بحيث إذا مر شيء من تحت إبطه يمر.
وإذا كنت بجوار أخ لك فهذا يضيق عليك الأمر، فاسجد على قدر استطاعتك، طالما أنت في جماعة، وكذلك للمنفرد.
والمرأة والرجل سواء في الصلاة ليس هناك فرق بينهما، ومن فرق فلا دليل معه، كلاهما يسجد بهذه الطريقة على سبعة أعظم.
ويقول وهو ساجد: سبحان ربي الأعلى، ويكثر من الدعاء في سجوده.
وهل يجلس بين السجدتين متوركاً أم مفترشاً؟ خلاف بين العلماء، وصاحب العدة سماه (افتراشاً) وبعض العلماء سماه (توركاً) ولا مشاحاة في الاصطلاح بعد فهم المعنى.
يعني: إن اتفقنا على معنى كلمة لن نختلف، إنما الصواب أن يسمى توركاً خلافاً للعدة؛ لأنه ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى، وهذا يسمى توركاً بين السجدتين.
ويقول بين السجدتين: رب اغفر لي.
ثلاث مرات، وهي واجبة عند الحنابلة، ومن تركها تجبر بسجود سهو.
يقول: (رب اغفر لي -ثلاثاً- وارحمني وارزقني واهدني واكسني).
إلى غير ذلك من الدعاء الوارد بين السجدتين.
ويعتدل ثم يسجد ويكبر تكبيرات الانتقال، وهي واجبة عند الحنابلة، إن تركها تجبر بسجود سهو؛ لأن الصلاة لها أركان وواجبات ومستحبات سنبينها إن شاء الله تعالى.
والناسي لا شيء عليه، إن تركها نسياناً يجبر بسجود سهو عند الحنابلة، وإن تعمد تركها تبطل الصلاة عند الحنابلة.

هيئة جلسة الاستراحة

أما جلسة الاستراحة ففيها خلاف: فمنهم من قال: يجلس وهي من السنة، ومنهم من قال: لما تقدم السن بالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستريح قليلاً ثم يقوم، ولكن الراجح أنها ليست لعلة، وإنما فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قام إلى الركعة الثانية معتمداً على بطن كفيه، وفي رواية أبي داود: أنه كان يعجن.
وهذا ما يراه الشيخ الألباني، وهناك من يرى عدم العجن، والراجح عدم العجن.
والجلوس مع التورك، ثم يقوم لركعة ثانية.
وهناك جلسة أخرى وهي جلسة الافتراش، وتكون في الصلاة الرباعية التي فيها تشهدان، والافتراش أن تدخل القدم اليسرى وتجلس على الإلية على المقعدة، ولا يصح الافتراش في صلاة ثنائية، لأن جلسة الافتراش لا تكون إلا في الصلاة التي فيها أكثر من تشهد، وتكون في التشهد الأخير.

هيئة التشهد

أما وضع الإصبع في التشهد فهل يكون محركاً من أول التشهد إلى آخره أم بالإشارة فقط؟ الراجح أنه يشير بإصبعه من أول التشهد إلى آخره دون حركة، ومن قال بالحركة اعتمد على رواية زائدة بن قدامة أنه قال: (كان يشير ويحرك)، وهذا فيه مخالفة، لأنه أولاً: يتحول الأصبع اتجاهه عن القبلة، ثانياً: أن الحركة تختلف عن القبض والبسط، إنما كان يشير، ومعظم الرواة رووا الحديث أنه كان يشير دون أن يذكروا الحركة، فجاء زائدة بن قدامة وقال: (كان يشير ويحرك).
وهذه الزيادة شاذة عند بعض العلماء، وهذا هو الراجح؛ لأن الزيادة هنا من ذات الطريق، بمعنى: أنا الآن أتكلم في مسجد العزيز، والمسجد كله أجمع على أني قلت كذا، وواحد فقط هو الذي خالف، إذاً هذا الواحد يخالف جماعة من ذات الطريق، ثم أعتمد المخالفة؟ وهذا لا يمكن بحال، وحتى من قال بالحركة قال بحركة خفيفة من أول التشهد إلى آخره، ومن قال بعدم الحركة قال بالشذوذ للرواية، والأمر فيه سعة.
وفي آخر التشهد يقول: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة المسيح الدجال).
أما صيغة التشهد التي اعتمدها المصنف فهي حديث ابن مسعود: (التحيات لله والصلوات والطيبات)، أثبت الواو لتعدد الثناء، حينما أقول: (التحيات الصلوات الطيبات لله) أثبت ثناءً واحداً، وحينما أقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات) أثبت أكثر من ثناء، وكلاهما رواية، لكن هذا الراجح، ولا داعٍ للخلاف.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وهي رواية: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) هذه صيغة، وربما تقول: (في العالمين إنك حميد مجيد)، وصيغة ابن مسعود وصيغة ابن عمر وكعب بن عجرة كلها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كان يستعيذ بعد أن ينتهي من التشهد، وفي حديث مسلم: (يستعيذ بالله من خمس: اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن المأثم، ومن المغرم، ومن شر عذاب جهنم، وعذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال) كان يستعيذ منهن في كل صلاة، صلى الله عليه وسلم.
ثم يسلم يميناً حتى يرى بياض خده الأيسر، السلام عليكم ورحمة الله، ثم السلام عليكم ورحمة الله، ويكفي تسليمة واحدة؛ فإن أحدث بعد التسليمة الأولى فقد انتهت الصلاة وصلاته صحيحة.
وبعض الناس يرفع يده عند السلام ويقلبها، وهذا منهي عنه أو يسلم بحركة الرأس، وهذا مخالف للسنة.
ختاماً: أعلم أن الكثير لديه تساؤلات، لكن ينبغي أن نبدأ بصغار العلم قبل كباره، والمعنى: أنه ينبغي علينا أن نمحو أولاً الجهل في كيفية الصلاة، والخلاف بين العلماء لطلبة العلم الذين يريدون أن يبحثوا، لكن الحد الأدنى من المعلومات ينبغي أن يكون واضحاً بيناً عند المسلمين.

الأسئلة

فصول الكتاب · 3 فصل · 39 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمان · 39 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
حكم لبس الحرير عند الحاجةحكم صلاة من لم يجد ما يستر عورتهحرمة القدح في العلماءالعدة شرح العمدة [12]طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسةالطهارة من النجاسةطهارة المكان من النجاسةطهارة الثوب من النجاسةالسؤالالجوابالجوابحكم من صلى وعلى ثوبه نجاسة لم يكن علم بها أو علم بها ثم نسيهامواضع النهي عن الصلاةاستقبال القبلةسقوط استقبال القبلة للعاجز والمتنفل على الراحلةإصابة عين الكعبة لمن كان قريباً منها وجهتها لمن كان بعيداً عنهاحكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في الحضرحكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في السفرشرط النيةالعدة شرح العمدة [13]أمور في الصلاة يجب التنبيه عليهاآداب المشي إلى الصلاةآداب المشي إلى الصلاةالمشي إلى الصلاة بسكينة ووقارالمشي إلى الصلاة بسكينة ووقارمقاربة الخطا عند المشي إلى الصلاةالنهي عن تشبيك الأصابع في الصلاةصلاة ركعتين عند دخول المسجدالانتظار للصلاة صلاةإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة نافلةالجوابالعدة شرح العمدة [14]صفة الصلاةمعنى تحية المسجدوقت قيام المصلي لصلاة الجماعةتسوية الصفوف في الصلاةهيئة رفع اليدين للتكبيردعاء الاستفتاحالجوابقراءة الفاتحةأحكام البسملةالقراءة بعد سورة الفاتحةهيئة الركوع والرفع منههيئة السجودهيئة جلسة الاستراحةهيئة التشهدالأسئلة
كتاب البيوع
جارٍ التحميل