حكم ترك الجماعة والخروج منها
السؤال
هل يجوز الخروج من الصلاة في الجماعة؟
الجواب
إذا كان لمصلحة فإنه يجوز، والدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما انفلت الرجل من وراء معاذ بن جبل وصلى بمفرده، هل أمره بالإعادة أم أقره على صلاته؟ يعني: إما أنه أطال الصلاة حتى أن المأموم خرج عن الخشوع، فانفلت وصلى بمفرده، فأقره النبي على فعله ولم يأمره بالإعادة.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم تقبل صلاتنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمارنا، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، نعوذ بك يا رب من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
العدة شرح العمدة [16]
من طبع الإنسان السهو والنسيان، ومن ذلك سهوه ونسيانه في العبادات، ولما كانت الصلاة أكثر العبادات ممارسة كان السهو فيها أكثر، على أنه يفرق بين الأركان والواجبات والمسنونات، فالسهو في ركن يبطل الركعة، والسهو في واجب يجبر بسجدتي السهو، وأما المسنونات فلا تحتاج إلى سجود سهو، ويكون السجود للسهو قبل السلام وبعده.
أحكام سجود السهو
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: نواصل قراءة كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب: سجدتي السهو.
وقبل أن أبدأ أريد أن أنبه إلى أننا عندما نطرح بحثاً فينبغي أن يهتم الحضور ببحث هذه المسألة، وقد طرحت في الدرس السابق بحثاً وهو: هل ترك الواجب المتعمد يبطل الصلاة أم لا؟ وذكرت أن أركان الصلاة اثني عشر ركناً، والواجبات سبعة، وحكم هذه الواجبات إن تركها المصلي عامداً، وذكرنا أن الحنابلة لهم في المسألة روايتان، وقد كنت أريد من الحضور أن يهتموا بهذه المسألة وأن يبحثوها لاسيما وأنها من المسائل المهمة في الصلاة.
الحكمة من سجدتي السهو
قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب سجدتي السهو).
قوله: (سجدتي) يشير إلى أن للسهو سجدتين، وعلل بعض الفقهاء الحكمة منها، فقالوا: السهو من الشيطان، فهو الذي يجعل الإنسان يسهو في صلاته، فيسجد ليغيظ ذلك اللعين ترغيماً لأنفه؛ لأنه أمر بالسجود فلم يسجد، وابن آدم أمر بالسجود فسجد، فجبرت بعض واجبات الصلاة بسجود سهو ترغيماً للشيطان.
السهو بزيادة فعل من جنس الصلاة
يقول المصنف: (السهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: زيادة فعل من جنس الصلاة)، أن يزيد المصلي فعلاً من جنس الصلاة، كأن يزيد ركعة أو سجدة أو ركناً (فتبطل الصلاة بعمده، ويسجد لسهوه) وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال، وإن سلم عن نقص في صلاته أتى بما بقي عليه منها ثم سجد، ولو فعل ما ليس من جنس الصلاة لاستوى عمده وسهوه، فإن كان كثيراً أبطلها، وإن كان يسيراً كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حمله أمامة وفتحه الباب لـ عائشة فلا بأس.
إذاً: القسم الأول من السهو: هو أن يزيد فعلاً من جنس الصلاة.
حالتا سجود السهو قبل السلام
ذكر الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله أقسام السجود قبل وبعد السلام، وقد قسم المسألة تقسيماً بديعاً في كتابه الممتع، ولعل بعض المطابع أخذت جزءاً من كتابه الممتع وسمته أحكام سجود السهو.
قال: هناك حالتان قبل التسليمتين، وحالتان بعد التسليمتين.
أما ما يسجد له قبل التسليمتين: فهما الشك ونسيان الواجب، بمعنى: أنك شككت في الصلاة هل صليت ثلاثاً أم أربعاً؟ فالواجب عليك أن تبني على الأقل، وهو ثلاث ركعات، وهذا يسميه العلماء اليقين: اليقين أنك صليت ثلاثاً، والشك أنك صليت أربعاً.
ومراتب العلم ستة، وهي: الأولى العلم: وهو إدراك الشيء على حقيقته، فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ إن قلت: كانت في السنة الثانية من الهجرة، فهذا يسمى: (علم)، والعلم هو إدراك الشيء على حقيقته، أما لو قلت: كانت غزوة بدر في السنة الثالثة، فهذا نسميه: (جهل مركب)، وهو: إدراك الشيء على غير حقيقته، وهذا في زماننا حدث به ولا حرج.
هذه الثانية، وإن قلت: لا أدري متى كانت غزوة بدر، فهذا يسمى (جهل بسيط)، لأنه لا يدري، ومن قال: لا أدري فقد أفتى.
هذه الثالثة.
الرابعة: لو قال قائل: غزوة بدر كانت في السنة الثانية الهجرية واحتمال أن تكون في السنة الثالثة، فهذا يسمى عند العلماء (الظن)، وهو إدراك المعنى الراجح مع احتمال مرجوح، يعني: ضعيف.
الخامسة: لو قلت: غزوة بدر كانت في السنة الثالثة الهجرية، واحتمال أن تكون في السنة الثانية، فهذا يسمى (وهم)، أدرك المعنى المرجوح وأخر المعنى الراجح.
السادسة: لو قلت: أنا لا أدري ربما تكون في الثانية وربما تكون في الثالثة، فهذا يسمى (شك)، أي: أنه استوى عنده الطرفان.
إذاً: مراتب العلم ستة: علم، جهل مركب، جهل بسيط، ظن، وهم، شك، فقول المصنف: (شك) معناه: أنك ترى (50%) أنك صليت ثلاثاً، و (50%) أنك صليت أربعاً، ولا يوجد احتمال راجح، بل تتساوى الاحتمالات، فعندها يبني على الأقل وهو الثلاثة، ويقوم ويأتي بركعة؛ فإن كانت الخامسة فلا بأس، وإن كانت الرابعة فالحمد لله، ثم يسجد للسهو قبل التسليمتين، يسبح فيها كتسبيحه في السجود العادي، سبحان ربي الأعلى، لكن بعض الناس يقول: سبحان الذي لا يسهو ولا ينام، وهذا دعاء ليس له أصل في الشرع، إنما يسبح تسبيحاً عادياً.
والواجبات سبعة، وهي: تكبيرات الانتقال، والتشهد الأوسط، والجلوس له، والتسميع، والتحميد عند الرفع من الركوع، والاستغفار بين السجدتين: (رب اغفر لي ثلاثاً)، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم التسبيح في الركوع والسجود، والركوع والسجود ركن، ولكن التسبيح فيهما واجب.
ولو أن المصلي نسي واجباً من واجبات الصلاة سهواً فعليه أن يسجد للسهو، والسهو للمنفرد، أما المأموم فلا يسجد للسهو إلا إذا سجد الإمام، فإن سها فلا يسجد بمفرده إنما يجبر سهوه الإمام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري عن الأئمة: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).
والمقصود: لو أن إماماً صلى بالناس جنباً حتى انتهت الصلاة، وبعد الصلاة تذكر أنه كان جنباً، فهل يعيد المأمومون الصلاة أم يعيد الإمام فقط؟ يعيد الإمام فقط، وأما المأموم فصلاته صحيحة؛ للحديث: (يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم)، إذاً: يلزم الإمام أن يعيد الصلاة بمفرده ولا يلزم المأموم.
حالتا سجود السهو بعد السلام
أما الحالتان التي يسجد لهما بعد التسليمتين: فحالة الزيادة وحالة النقص، إن زاد في عدد الركعات أو قلل، وعمدتنا في ذلك حديث ذي اليدين في البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه إحدى صلاتي العشي)، في الكتاب (العشاء) وهذا غلط، وصلاتي العشي هما: الظهر والعصر، وصلاة الغداة هي صلاة الفجر.
وصلاة العشي كل منهما أربع ركعات؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام صلاها ركعتين، فلما صلى سكت الصحابة وظنوا أن الصلاة قصرت، ونزل حكماً، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر المسجد وشبك بين أصابعه، وفي القوم رجل يسمى ذا اليدين، يعني: أن إحدى يديه أطول من الثانية، وهذه ليست غيبة؛ لأنها تعريف: القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسق ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر أي: أن هذا للتعريف، وأبو هريرة هذا تعريف، وبشر الحافي تعريف، والأكوع تعريف، والأعرج تعريف، وطالما أنه يعرف بهذا فلا بأس أن تذكره بذلك؛ لأن هذا من قبيل التعريف، لكن لو أن رجلاً اسمه (محمد) وليس له لقب وأنت تعرفه بلقب، فهذا تنابز بالألقاب، أما إن كان مشتهراً بين الناس بهذا الاسم فهذه ليست غيبة.
قال ذو اليدين: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم؟ قال: صليت بنا ركعتين، قال: أحقاً ما قال ذو اليدين؟ قال الصحابة: نعم يا رسول الله! وفي القوم أبو بكر وعمر فقام النبي صلى الله عليه وسلم وكبر وصلى ركعتين ثم سجد للسهو بعد التسليمتين).
ومن هنا استدل العلماء على أنه في حال النقص يسجد للسهو بعد التسليمتين.
وفي حديث ابن مسعود قال لأصحابه: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإن نسيت فذكروني)، وهو ينسى للتشريع.
قال المؤلف: (زيادة فعل من جنس الصلاة كركعة أو ركن) كرجل زاد في الصلاة ركعة، فإن زادها متعمداً فصلاته باطلة بلا خلاف، أو زاد فيها ركناً من أركانها الاثني عشر، ومعنى ذلك: أنه لا يجوز أن تقرأ الفاتحة مرتين، والبعض ينتهي من الفاتحة قبل الإمام فيعيدها الإمام مرة ثانية، لا.
أنت الآن تحصل الركن أكثر من مرة.
رجل ركع في الصلاة ركوعين، فإن كرر الركن فلا يجوز، وإن تعمد أن يزيد ركناً فصلاته باطلة.
ولو زاد ركناً بسهو، يعني: سجد ثلاث سجدات، أو ركع ركوعين، أو صلى خمساً، فهذه زيادة فعل من جنس الصلاة تبطل الصلاة بعمده ويسجد لسهوه، وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال، والأركان لا بد من تحصيلها، لا تجبر بسجوده.
وهذا يشبه حال بعض الأئمة عندما يقوم لخامسة، فيذكره من خلفه من الرجال بالتسبيح، والنساء يصفقن ببطون كفهن على ظهر الأخرى.
وفي حديث أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ بلال: (إن تأخرت فأقم الصلاة، وائذن لـ أبي بكر) وذهب إلى صلح في قباء بين بني عوف.
وهذا المعتبر أن الإمام الراتب عندما يتأخر يستخلف خليفة، ونحن الآن في مساجدنا نرى الإمام الراتب يغيب، وراتب الراتب يغيب، وهذا أمر نعاني منه في كثير من المساجد، والمؤذن يقدم على هواه، ويتقاتلون على الأذان والإمامة؛ لأن الراتب لا يعين خليفة.
فلما حضرت الصلاة أقام بلال وصلى أبو بكر بالناس، وبينما هو في الركعة الأولى جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فصفق الصحابة لـ أبي بكر، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى أبي بكر أن اثبت وأكمل، فتراجع الصديق رغم هذه الإشارة ووقف في الصف الأول بعد تكبيرة الإحرام، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وصلى بالناس إماماً، وبعد الصلاة قال له: (يا أبا بكر ما لك تراجعت إذ أمرتك -أن تكمل- قال: يا رسول الله! ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي إماماً برسول الله)، وهذا من أدب أبي بكر.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حزبه أمر في الصلاة إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء).
وقد بوب أبو داود باب التصفيق للنساء، إذا حزبها في الصلاة أمر تصفق.
قال: (يسجد للسهو)، إن قام الإمام لخامسة وسبحنا فينبغي له أن يجلس، والإمام مسألته تختلف عن المنفرد؛ لأن له من يذكره، وعلى الإمام أن يذعن لرأي المجموعة ويجلس ويسجد للسهو.
(وإن ذكر في الركعة الزائدة جلس في الحال، وإن سلم عن نقص في صلاته أتى بما بقي عليه منها ثم سجد)، والدليل هنا حديث ذي اليدين الذي ذكرت.
السهو بزيادة فعل ليس من جنس الصلاة
قال المؤلف: (ولو فعل ما ليس من جنس الصلاة لاستوى عمده وسهوه، فإن كان كثيراً أبطلها، وإن كان كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حمله أمامة وفتحه الباب لـ عائشة فلا بأس).
ومعنى أن المصلي فعل شيئاً ليس من جنس الصلاة: أنه قد يخرج منديلاً وينشف العرق، أو يتنخم إلى غير ذلك، فهذا ليس من جنسها، يستوي فيه العمد والسهو.
قال المصنف هنا: (إن كان ليس من جنسها فيعفى عن يسيره) ولكن قد تبطل الصلاة إن كثر، لأنه ليس من جنس الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام أتى بأفعال ليست من جنس الصلاة، مثل حمل أمامة بنت بنته ووضعها وهو في الصلاة، والحمل والوضع ليس من جنس الصلاة، حتى أنه صلى على المنبر للصحابة صلاة صحيحة ونزل من على المنبر، ثم تراجع وسجد في أصل المنبر، ثم قام وارتقى المنبر، ثم رجع وسجد، وهذا الرجوع فيه حركة ولكنها ليست كثيرة.
فيقول المصنف هنا: (كالمشي والحك والتروح) إن كان كثيراً يبطل الصلاة؛ لأنه من غير جنسها (ولا يشرع له سجود، وإن قل لم يبطلها، لما روى أبا قتادة (أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص بنت بنته إذا قام حملها وإذا سجد وضعها) متفق عليه).
وروي أنه فتح الباب لـ عائشة رضي الله عنها في الصلاة، والقليل مما شابه فعل النبي عليه الصلاة والسلام في فتحه الباب وحمله أمامة، والكثير إذا عد في العرف كثيراً فيبطل، إلا أن يفعله متفرقاً بدليل حمل النبي صلى الله عليه وسلم لـ أمامة في صلاته، حيث فعله متفرقاً لم يبطل وإن كان كثيراً.
ومعنى هذا: أن الفعل إن كان ليس من جنس الصلاة فيعفى عن يسيره، وإن كان كثيراً متفرقاً فيعفى عنه أيضاً، لكن من يصلي وأتى بحركة ليست من جنس الصلاة وهي طويلة كالخروج إلى الشارع، فهذا خرج من الصلاة.
أو أغلق الهاتف وهو يصلي، فصلاته صحيحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباب لـ عائشة وهو يصلي، وحمل أمامة بنت بنته وهو يصلي، وعندما يركع فإنه يضعها، وحينما يرفع من السجود يأخذها، وهذه كلها حركات ليست من جنس الصلاة.
لكن لو أن الباب طرق وأنت وهو في غير اتجاه القبلة فلو فتحت ستنحرف عن القبلة وهذا لا يجوز.
فالحركة لصالح الصلاة تجوز إن كانت يسيرة أو كثيرة متفرقة بين الركعات، وابن حجر في الفتح ذكر هذا، لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر بين أصحابه ليصلي لهم ويعلمهم الصلاة، فكبر تكبيرة الإحرام وهو على المنبر، وقرأ الفاتحة، ثم ركع، فإذا أراد أن يسجد تراجع ونزل من على المنبر، ثم نزل وسجد عند أصل المنبر عند الدرجة الأولى ثم سجد ثم اعتدل وقام وعاد على المنبر، قال ابن حجر في الفتح معلقاً: وفي الحديث جواز الفعل الكثير إن تفرق لصالح الصلاة.
وحد الكثير والقليل العرف، ما يعتبروه الناس كثيراً وما يعتبره الناس قليلاً، وقد ذكر المصنف هنا أن القليل هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح الباب لـ عائشة وحمل أمامة، أما من يصلي وأخرج ألف جنيه بعدها ثم غلط في العد ماذا أقول في شأنه؟ وآخر ينظر في الساعة، ثم فتح الساعة وحرك العقارب، أو أخرج التلفون يتصل في الصلاة، أو يقلب الرسائل، فهل هذا مصل؟ أما من نسي إغلاقه ودق ثم أخرجه وأقفله فلا.
كذلك لو صلى، والغترة مالت على وجهه وعدلها فصحيح، أما من يهندم نفسه في الصلاة.
فلا يصح، أو امرأة تصلي والطبيخ على النار، وتذهب للمطبخ فهذا ينهي الصلاة، أما لو كانت بجواره وأغلقته ثم صلت في اتجاه القبلة فلا بأس.
وأيضاً يجب أن يخشع المرء في صلاته، فبعض الناس يريد أن يتابع المباراة في الصلاة، فيأتي بالتلفزيون أمامه، ويقول: من أجل أن يخشع في الصلاة، هذا لا يجوز.
سجود السهو بسبب نسيان واجب
الضرب الثاني من السهو (كنسيان واجب، فإن قام عن التشهد الأول فذكر قبل أن يستتم قائماً رجع فأتى به، وإن استتم قائماً لم يرجع) رجل نسي التشهد الثاني، ثم تذكر قبل أن يستتم قائماً، فعليه أن يعود، أما إن استتم قائماً فلا يعود؛ لأنه يعود من ركن إلى واجب.
ولو أن رجلاً في التشهد الأخير تذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية؛ فإنه يسجد لأنه لم يفصل بين الركنين.
قال المؤلف: (وإن نسي ركناً فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى رجع فأتى به وبما بعده، وإن ذكره بعد ذلك بطلت الركعة التي تركها منها)، والمعنى: نسي السجدة الثانية، ثم قام من الركعة الثانية وقرأ الفاتحة، وركع واعتدل، وبعد أن اعتدل تذكر أنه نسي السجدة الثانية فإن الركعة كلها باطلة، ويأتي بركعة كاملة لأنه فصل بعد الركن بأركان، قام وقرأ الفاتحة وركع ثم تذكر أنه نسي ركناً لابد من تحصيل الركعة بكاملها، إذاً: الركعة الأولى تحذف من حساباته، ويأتي بركعة إضافية في آخر الصلاة؛ لأنه نسي ركناً وفصل بينه بأركان.
قال المؤلف: (وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات فذكر في التشهد سجد في الحال وصحت له ركعة، ثم يأتي بثلاث ركعات)، والمعنى: أنا أصلي الظهر، ونسيت السجدة الثانية في الركعة الأولى، والسجدة الثانية في الركعة الثانية، والسجدة الثانية في الركعة الثالثة، والسجدة الثالثة في الركعة الرابعة، ثم وأنا أقرأ التشهد تذكرت أنني ما سجدت للأولى والثانية والثالثة والرابعة، فماذا أعمل؟ أسجد سجدة فتصح لي الركعة الرابعة فقط، وتعتبر الركعة الأولى صحيحة كاملة، وأقوم بصلاة ثلاث ركعات.
سجود السهو بسبب الشك
قال المؤلف: (الضرب الثالث من سجود السهو: الشك، فمن شك في ترك ركن فهو كتركه له)، كأن شككت هل أقرأت الفاتحة أم لم تقرأ وأنت منفرد في صلاة، فكأنك لم تقرأ، إذاً تأتي بركعة كاملة، لأن الشك في ركن يلغيه.
وأول الأركان تكبيرة الإحرام، وهي تختلف عن كل الأركان، إذا شككت أنك لم تكبر تكبيرة الإحرام فالصلاة من أولها لا تصح؛ لأن مفتاحها التكبير، وأنت خسرت المفتاح.
وأركان الصلاة هي: تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع حتى تطمئن، الاعتدال من الركوع، السجود حتى تطمئن، الاعتدال من السجود، السجدة الثانية، قراءة التشهد الأخير، التسليمة الأولى، الاطمئنان في كل ما ذكرنا، الترتيب على ما ذكرناه، القيام بعد الركوع.
الضرب الثالث من ضروب السهو: (الشك فمن شك في ترك ركن فهو كتركه له، ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين)، أي: الأقل، إلا الإمام خاصة، فإنه يبني على غالب ظنه؛ لأن الإمام وراءه من يذكره، لكن المنفرد ليس معه أحد، (ولكل سهو سجدتان قبل السلام إلا من سلم عن نقص في صلاته، والإمام إذا بنى على غالب ظنه، والناسي للسجود قبل السلام، فإنه يسجد سجدتين بعد سلامه، ثم يتشهد ويسلم.
وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو الإمام فيسجد معه، ومن سها إمامه أو نابه أمر في صلاته فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء، (إذا نابكم أمر فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء))، والتصفيق ليس للرجال مطلقاً في الصلاة وخارجها.
ذكر المصنف هنا أن السهو على ثلاثة أضرب: الأول: أن يزيد فعلاً من جنس الصلاة، والثاني: النقص كنسيان واجب، والثالث: الشك في ترك ركن، أو في عدد الركعات يبني على اليقين.
وللفائدة: يوجد صحابي وحيد هو الذي صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم إماماً، وهو عبد الرحمن بن عوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في الركعة الثانية في الفجر ولم يدخل في الركعة الأولى، فوصول الإمام الراتب في الأولى يختلف عن وصوله في الثانية.
الأسئلة
حكم من شك في الإتيان بركن
السؤال
دخلت الصلاة، وكبرت تكبيرة الإحرام، وقرأت دعاء الاستفتاح، وبينما أنا قائم شككت هل قرأت الفاتحة أم لا؟
الجواب
من شك في ترك ركن أتى به، فلابد أن يأتي به، وعلى هذا فعليه أن يقرأ الفاتحة طالما هو منفرد، والله تعالى أعلم.
مذهب الحنابلة فيمن نسي سجود السهو
السؤال
قال المؤلف: على من نسي السجود للسهو قبل السلام أن يسجد للسهو ثم يتشهد، فما معنى كلامه؟
الجواب
هذا كلام المذهب: من نسي أن يسجد للسهو، يسجد بعد أن يتذكر، ويتشهد ويسلم، والراجح أنه لا يتشهد.
أحوال استخلاف الإمام
السؤال
ما هي أحوال استخلاف الإمام لمن خلفه أو لمن ينوبه؟
الجواب
الاستخلاف حكم عام، فلو أن الإمام الراتب عرض له عارض فتأخر كأن أحدث أو أجنب فجذب مأموماً ليؤم الناس، فهذا اسمه استخلاف، أما حالة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فهي أخرى، فقد كانوا بدءوا في الصلاة ثم أتاهم وهم في الركعة الأولى فائتم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم.
مداخلة: هل أكبر مع الإمام النائب من جديد؟ الشيخ: لماذا تكبر وقد كبرت، هل ستكبر مرتين؟ أنت كبرت ورائي وأنا الإمام، وأنا أستخلف سواي.
حتى لو كان في الركعة الأولى.
حكم المأموم إذا قام الإمام لركعة خامسة
السؤال
إذا قام الإمام لركعة خامسة، والمأموم متأكد من ذلك، وبعضهم قام رغم أنه متأكد فهل يجوز ذلك، مع العلم أن البعض الآخر لم يقم؟
الجواب
العلماء في هذه المسألة على خلاف، هل يجلس الذي أتى برابعة ويترك الإمام ويقرأ التشهد ويفارق؟ أم يجلس وينتظر حتى يجلس الإمام ويتشهد معه للمتابعة؟ والصواب: عليه أن يفارق؛ لأن الإمام لا يتابع في الخطأ، وإنما يتابع في الصواب، إذا الإمام أخطأ وأصر ولا يريد أن يقعد، فأنت لك أن تتشهد وتفارقه؛ لأن هذا خطأ ولا يتابع الإمام عليه.
أما من قام إلى الخامسة ويعلم علم اليقين أنها خامسة فقد بطلت صلاته؛ لأنه زاد في الصلاة.
والشيخ ابن عثيمين رحمه الله يختار الرأي الثاني وهو المفارقة، تسلم قبله لأنه لا يتابع في الخطأ، بل تسبح له فإن جلس فبها ونعمت، وإن أصر على المخالفة تفارقه، يعني: تخرج من الصلاة، وبالنسبة للإمام فقد يكون قام لخامسة لشك، فالشك يزول بالتسبيح، فلعله نسي الفاتحة وحينها هو من يقوم ويصحح، لكن أنا غير مطالب بالمتابعة؛ لأني لا أتابع في الخطأ، وإنما أتابع في الصواب.
وبعضهم قالوا: إذا أخطأ الإمام وكان الخطأ لصالح الصلاة فإنه يجوز.
إذاً: الشيخ ابن عثيمين اختار المفارقة وهي الصواب؛ لأن الإمام هنا أخطأ (إنما جعل الإمام ليؤتم به) يعني: في الصواب، وإن أخطأ كانت هذه دعوة مفارقة في هذه الحالة.
ضابط الفاصل الذي تنقطع به الموالاة بين الركعات في حق من نسي بعضها
السؤال
لو أن الإمام صلى ركعتين وسلم وسلم معه المأمومون ثم ذكر بعد الصلاة فقام وصلاهما، فهل فعله هذا صحيح؟
الجواب
يشترط في الفترة الزمنية بين الركعتين المتممتين أن لا تطول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج من المسجد.
والإمام مالك له رأي عجيب في المسألة، يقول: إن خرج ومكث شهراً يأتي بركعتين، والصواب أن الأمر حده العرف، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ثم جلس في آخر المسجد، وحصل بينه وبين ذي اليدين حواراً وسأل الصحابة، لكن الفاصل لم يطل، ولم يخرج من المسجد.
والراجح: أنه لا ينبغي أن يفصل بين الركعتين بمدة زمنية طويلة، والحد الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام أنه تأخر في آخر المسجد، فمثلاً: أنا صليت ركعتين، واستدرت بوجهي، فقيل لي: يا شيخ! أنت صليت ركعتين، صحيح؟ نعم والله صحيح، فنقوم ونأتي بالركعتين مباشرة، وليس هناك زمن محدد إنما العرف.
حكم المأموم إذا نسي الإمام التشهد الأوسط
السؤال
إمام يصلي المغرب، وقام من الثانية إلى الثالثة دون أن يقرأ التشهد، ماذا يفعل المأموم؟
الجواب
طالما اعتدل الإمام قائماً فإن المأموم يقوم معه؛ لأنه لا يجوز إذا اعتدل أن يعود، والمأموم ظل جالساً وسبح له، لو أن الإمام فقيه يدعه يسبح للصبح، أنا قمت لركن، لن أعود إلى الواجب من ركن، والإمام جلس وظن أنه نسي سجدة، فجلس وتذكر أنه في التشهد الأوسط فقام مرة أخرى، فالإمام بطلت صلاته، إن كان جاهلاً يعذر بجهله، ولا يؤم الناس إلا فقيه بالصلاة حتى يستدرك هذه الأخطاء التي تعرض له.
حكم البسملة في الصلاة
السؤال
ما حكم البسملة في الصلاة؟
الجواب
البعض لا يبسمل في الفاتحة، والراجح أنها آية من الفاتحة، ونسيان آية كنسيان الفاتحة، فيكون قد نسي ركناً، ويلزمه أن يحصل ركعة كاملة، أما الذي لا يجهر بها فهذا هو السنة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس: (صليت خلف النبي وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أياً منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، إنما كان يسر بها)، وأما عدم قراءتها ألبتة فهذا غير صحيح؛ لأن معناه أن يجعل الفاتحة ست آيات لا سبع آيات.
حكم من استخلفه الإمام قبل أن يكمل الفاتحة
السؤال
استخلفني الإمام وأنا أصلي خلفه لأنه أحدث فقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:4 - 5]، ثم خرج من الصلاة، فهل أكمل الفاتحة أم أبدأ من جديد؟
الجواب
تكمل الفاتحة؛ لأن قراءته صحيحة.
حكم مرور الصبي بين يدي المصلي
السؤال
هل نأخذ من حديث حمل الرسول صلى الله عليه وسلم لـ أمامة جواز مرور الصبية بين يدي المصلي؟
الجواب
الصبي غير المميز، نعم، أما الصبي المميز فلا، ولابد أن نعلم أن سترة الإمام سترة للمأموم.
حكم العمل في أماكن اللهو
السؤال
أعمل سباكاً في شركة أجنبية، تقوم بتشطيب الفنادق مع العلم أنه يوجد بارات وصالات ديسكو وحمامات سباحة وغير ذلك؟
الجواب
إن كان الفندق فيه بارات وصالات ديسكو فلا يجوز، لكن لو كان هناك فندق ليس فيه بارات فإنه يجوز فيه الاستعمال الحسن ويجوز فيه الاستعمال السيئ، إذاً أبني على الجميل، والإثم على من يستخدم، حتى لو أن قلبوا هذه الصالة لصالة أفراح ليس لي دخل، وصالة الديسكو معروف أنها لخمر فلا أصممها، فهناك حرام لذاته وهناك حرام لوصفه أو لغيره، والحرام لذاته لا يجوز أن تعمل فيه، والحرام لغيره إثمه على المستخدم وليس على الباني.
مداخلة: حتى ولو كان متيقناً أنه يستخدم في الحرام؟ الشيخ: لا، المتيقن، لا يجوز له، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
العدة شرح العمدة [17]
السنن الرواتب بمثابة سياج حفظ للفريضة، وبإحسان النوافل تكمل الفرائض، ومن داوم عليها فإنه ينال محبة الله تعالى بذلك، وهي اثنتا عشرة ركعة في اليوم والليلة، ومن تطوع أكثر في أوقات غير منهي عن الصلاة فيها فهو نور على نور.
السنن الراتبة
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شرٍ يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! طبتم جميعاً وطاب ممشاكم إلى بيت الله عز وجل، وأسأل الله سبحانه بفضله وكرمه أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لا زلنا مع كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب: صلاة التطوع، وهذا الباب مهم؛ لأنه يرتبط بعبادة متكررة.
قال رحمه الله: [وهي على خمسة أضرب] أي: أنه قسم التطوع إلى خمسة أنواع: [أحدها: السنن الراتبة].
ومعنى قوله: السنن الرواتب أي: السنن التي ليست مطلقة وإنما هي مقيدة بالفرض ولها صفة الرتابة، أي: الاستمرار.
لذلك قال: [وهي عشر ركعات]، أي: أن السنن الرواتب عشر ركعات، وهناك خلاف بين حديثين: أحدهما لـ ابن عمر قال فيه: إنها عشر ركعات، والآخر لـ عائشة رضي الله عنها أنها اثنتي عشرة ركعة، والخلاف بينهما في سنة الظهر، كما سأبين إن شاء الله تعالى.
قال: [قال ابن عمر: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها)، وحدثتني حفصة: (أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين)، متفق عليه.
وآكدها ركعتا الفجر؛ قالت عائشة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر)، وقال: (ركعتا الفجر أحب إلي من الدنيا وما فيها)، رواه مسلم، ويستحب تخفيفهما].
النافلة تعد بمثابة سياج حفظ للفريضة؛ لأنه إذا أصابك الفتور فيؤثر على النافلة، وإن لم يكن هناك نافلة وأصابك الفتور فيؤثر على الفريضة، فالنافلة بمثابة حفظ للفريضة.
ثانياً: النافلة تعتبر تمهيداً للدخول إلى الفريضة، كصيام أيام من شعبان تمهيداً للدخول في صيام رمضان.
ثالثاً: النافلة سبب لحب الله، قال تعالى في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)؛ لأنه يزيد على جنس الواجبات من جنسها المستحبات، قال ابن تيمية رحمه الله: الولي هو الذي يفعل الواجبات، ويضيف إليها المستحبات، ويتجنب المحرمات والمكروهات، ويترك بعض الأمور المباحة لأجل رضا ربه عز وجل.
ومن المستحبات: السنن النوافل، كركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما في بيته؛ لأن من السنة أن تجعل لبيتك نصيباً من الصلاة لا سيما صلاة النوافل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن القبور لا يصلى فيها ولا يقرأ فيها القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد العشاء في بيته، أما ركعتا الفجر وهما آكد السنن فقد كان صلى الله عليه وسلم يصليهما في بيته ويخفف فيهما، ولذلك يستحب فيهما التخفيف، وكان يقرأ فيهما بسورتي (الكافرون والإخلاص)، كذلك ركعتا المغرب.
قال: [ويستحب تخفيفهما] أي: ركعتا الفجر، فإن ذلك من السنة.
قال: [لأن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين قبل الصلاة، حتى أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟)، أخرجه أبو داود].
وهذا يشير إلى التخفيف، وليس معناه السرعة والنقر، إنما كان عليه الصلاة والسلام يخففهما بالنسبة للمعهود في صلاته عليه الصلاة والسلام، والمعهود في صلاته أنه كان يطيل.
جاء في صحيح البخاري في باب تقصير الصلاة: عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يصلي قيام الليل وهو قاعد أبداً إلا بعد أن أسن -أي: بعد أن تقدم سنه- كان يفتتح الصلاة قائماً ثم يجلس-يعني: يقعد- ويقرأ وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام وقرأ ما يقرب من أربعين أو خمسين آية قائماً ثم يركع).
وهذا يدل على أنه كان يقرأ في قعوده أكثر من خمسين آية، لذلك فإن أحب الص
صلاة الوتر
قال: [الضرب الثاني -يعني: القسم الثاني-: الوتر، ووقتها ما بين العشاء والفجر، لما روى أبو بصرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر الوتر)، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإذا خشيت الفجر فأوتر بواحدة)، متفق عليه].
والإمام البخاري له كتاب في الصحيح اسمه كتاب الوتر في المجلد الثاني.
والوتر سنة خلافاً للأحناف الذين قالوا: إنه واجب، والدليل على سنيته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الوتر أحياناً على راحلته، ومعلوم أنه لا يجوز أن تصلى الفريضة على الراحلة، فدل ذلك على أن الوتر نافلة.
ولذلك يقول ابن حجر: ولو أن البخاري لم يضع هذا الباب في كتاب الوتر لظننت أنه يقول بالوجوب، أي: باب: صلاة الوتر على الراحلة، وهذا من فقه البخاري.
وكان يوتر أحياناً في أول الليل يعني: بعد العشاء، وأحياناً في وسط الليل، وأحياناً في آخر الليل، وكان آخر عهده أنه كان يوتر في آخر الليل، لكنه قال لـ أبي ذر: (أوصاني خليلي -أي: حبيبي- بثلاث: أن أوتر قبل أن أنام، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبصلاة الضحى)، وإنما قال لـ أبي ذر: (أوتر قبل أن تنام)، وذلك أخذاً بالحيطة، إذا أوترت في أول الليل فربما تستيقظ مع الفجر وقد أوترت، وإن غلب على ظنك وتيقنت أنك ستقوم قبل الفجر فلك أن توتر بعد الاستيقاظ من النوم.
قال رحمه الله: [وأقله ركعة] كما في حديث البخاري: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)، وهذا هو الأولى أن يصلى الوتر مثنى مثنى ثم الإيتار بركعة واحدة، لحديث: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يصلي الوتر ثلاثاً بتشهد واحد)، وليس بتشهدين كصلاة المغرب فإن هذا لا يجوز.
قال رحمه الله: [وأكثره إحدى عشرة ركعة؛ لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة) متفق عليه.
وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين، لما روى عبد الله أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم)] يعني: صل ركعتين ثم سلم ثم صل ركعة واحدة وسلم، فهذه هي أفضل طريقة لصلاتها، أما من صلاها متصلة فهو جائز؛ فقد ثبت عنه ذلك صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى في الركعة الأولى، وبالكافرون في الركعة الثانية، وبالإخلاص في الركعة الثالثة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في الوتر قبل الركوع أحياناً، وبعد الركوع أحياناً، وأحياناً كان لا يقنت وكل الأفعال ثابتة، فالسنة أن تقنت قبل الركوع أو بعد الركوع، أو تترك القنوت طالما أن ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن السنة أن تفعل الثلاث، ولا تستدم على حال.
ومن البدع في القنوت: ما يفعله البعض في دعاء القنوت من إطالته بطريقة تخالف السنة، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: [ويقنت بعد الركوع؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع)، والقنوت الدعاء].
ولفظ القنوت أورد له الحافظ العراقي عشرة معاني، منها: الدعاء.
قال رحمه الله: [وهو ما روي عن عمر: أنه قنت فقال: اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونؤمن بك، ونتوب إليك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك.
وروى الحسن قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) رواه الترمذي].
وإذا كان المصلي إماماً فإنه يأتي بصيغة الجمع لا الإفراد، أما المأموم فإنه يؤمن عند الدعاء.
وهنا أخطاء يقع فيها بعض الناس في الدعاء، منها قولهم: وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، والصواب: وقنا شر ما قضيت، أو قولهم: إنك تقضي بالحق، والصواب: إنك تقضي ولا يقضى عليك، أو زيادة لفظة يا الله بعد قوله: إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، وهذا غير وارد.
ويجوز التأمين بلفظ آمين فقط، والثناء على الله عند آيات الثناء، أو تقول: سبحانك، في سرك، ففي هذا تنزيه لله، أما أن تقول: حقاً، أشهد، يا الله! فهذا كلام غير
صلاة التطوع
قال رحمه الله: [القسم الثالث: التطوع المطلق -أي: غير المقيد بصلوات- وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار؛ لأن الله سبحانه أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:1 - 2]]، والدليل الأبين من هذه الآية: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:6]، يعني: صلاة الليل أفضل من صلاة النهار.
قال رحمه الله: [وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:79]، وروى أبو هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول؛ لما روي عن عائشة -في الحديث الذي رواه مسلم - قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء؛ وإن لم يكن جنباً توضأ)، وصلاة الليل مثنى مثنى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الليل مثنى مثنى)] ومن التطوع المطلق قيام الليل، والصلاة ما بين المغرب والعشاء تطوع مطلق ليس في وقت الكراهة، وكذا الصلاة من بعد الظهر إلى العصر تطوع مطلق.
قال رحمه الله: [وصلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم].
فلو صلى المصلي التطوع المطلق وهو قاعد فيجوز له ذلك لكن له نصف أجر صلاة القائم، وهذا يشترط فيه أن يكون قادراً على القيام، فإن قعد لعجزه فله الأجر كاملاً، لأن هذا من باب المشقة.
قال رحمه الله: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة)، وقال عليه السلام: (من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر صلاة القائم) رواه البخاري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس)، أخرجه مسلم] وله رواية أيضاً في البخاري.
ما تسن له الجماعة
قال رحمه الله: [الضرب الرابع: ما تسن له الجماعة].
يعني: منها ما تسن له الجماعة ومنها ما لا تسن له الجماعة، والأصل فيها أنها فرادى، كسنة المغرب.
صلاة التراويح
قال رحمه الله: [وهو ثلاثة أنواع: أحدها: التراويح وهي عشرين ركعة بعد العشاء في رمضان]، وهذا اختيار المذهب وإنما الراجح أنها إحدى عشرة ركعة، لكن الخلاف سائغ؛ لأنه ثبت أن بعض الصحابة زاد عن إحدى عشرة ركعة، ولعلمائنا رسائل عديدة في هذا الموضوع، ولا نحجر واسعاً.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: إن أردت أن تزيد عدد الركعات فقلل من حجم القراءة، وإن أردت أن تزيد في القراءة فقلل من عدد الركعات، وهذا على حسب حال المأمومين، وهذا كله وارد، وهو من الخلاف السائغ.
قال رحمه الله: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وأقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، متفق عليه، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثلاثاً ثم تركها خشية أن تفرض، فكان الناس يصلون لأنفسهم حتى خرج عمر وهم أوزاع -يعني: متفرقون- يصلون، فجمعهم على أبي بن كعب، قال السائب بن يزيد: لما جمع عمر الناس على أبي وكان يصلي بهم عشرين ركعة، والسنة فعلها جماعة، أخرجه البخاري].
ورواية العشرين ركعة التي سنها عمر فيها كلام في تخريجها، إنما أياً كان فإن الراجح: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح في جماعة في أول يوم في رمضان وثاني يوم وثالث يوم، وامتلأ المسجد بالمصلين، فخشي أن تفرض على الأمة فتركهم في اليوم الرابع، فظلوا جلوساً حتى أذن الفجر فخرج إليهم وقال: (لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم).
ولما كانت خلافة عمر رضي الله عنه وجدهم متفرقين يصلون فرادى، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم قال: نعمت البدعة هذه، ولا يوجد شيء اسمه بدعة حسنة، فإن عمر رضي الله عنه لم يأت بجديد، والعلة قد انتهت، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (خشيت أن تفرض عليكم).
فقد انقطع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فـ عمر أمن من أن تفرض فعاد إلى أول عهدها، فقال: نعمت البدعة، قال ابن تيمية: البدعة في قول عمر هي البدعة بمعناها اللغوي وليست البدعة بمعناها الشرعي.
وأهل البدع يستدلون علينا بهذا الحديث على الابتداع في الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة)، وطالما أنها بدعة فهي ضلالة.
وعمر رضي الله عنه لم يأت بجديد، إنما أقام أمراً مشروعاً فعله النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد البدعة بمعناها اللغوي، ولم يرد بمعناها الشرعي، فانتبه إلى هذا المعنى.
وسميت صلاة التراويح بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل ركعتين، فإنهم كانوا يطيلون فيها القيام، بخلاف الأئمة في زماننا الذي يخففون في القراءة تخفيفاً مفرطاً.
ومن البدع: قول بعض الناس بعد الانتهاء من صلاة التراويح: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله، الصلاة عليك يا رسول الله، ثلاثة آلاف صلاة عليك يا رسول الله، مع أن هذه العبارة تتضمن صلاة واحدة، كمن قال بعد الصلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فإنها تحسب مرة واحدة؛ لأنه إذا تلفظ بالذكر مع العدد فإنها لا تعد إلا مرة واحدة.
ومن البدع أيضاً: قول بعض الناس قبل الوتر: أوتروا واستقبلوا شهر الصيام أثابكم الله، وعمل ورد لكل ركعتين من عند شيطانه، يملي عليه هذا، وإذا قلنا: بدعة، قالوا: هؤلاء أهل السنة يكرهون أهل البيت.
فنقول لهم: هل النبي صلى الله عليه وسلم فعلها أم لم يفعلها؟ فسيقولون: لم يفعلها لكن باب الذكر مفتوح، فنقول لهم: لا بد من الالتزام بالسنة.
ومن البدع أيضاً: قراءة سورة الإخلاص بصوت جماعي موحد ثلاث مرات بين كل أربع ركعات، حتى أن المسبوق بركعة أو أكثر لا يستطيع أن يتم صلاته، فهذه بدع محدثة ما أنزل الله بها من سلطان، وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام.
قال الإمام الشافعي: من استحسن فقد شرع.
أيها الإخوة الكرام! حينما تحدثنا عن التعدي في الدعاء لا يؤثر ذلك على صحة الصلاة، فهناك أخ فاضل عزيز يقول: أنت تدعو أحياناً لبعض البلاد باسمها، والآن تحذر من الدعاء، فبأي القولين: نأخذ بفعلك أم بقولك؟ فأقول: هذا الفهم لا ينبغي أن يكون فهم طالب علم، فالعراق مبتلاة فلا بد أن أدعو لها بالاسم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قبيلتين وخصهما بالاسم، ولا تعدد البلاد إن زادت عن واحدة، ما دام وأنها مبتلاة، فأحياناً نخصص الدولة في زمن البلاء الفعلي لها، إنما لا ينبغي التعدد لأن بعض الأئمة يعدد بلداناً كثيرة، إنما إن كانت بلدة واحدة أو اثنتين فلا مانع كفلسطين والعراق.
صلاة الكسوف
قال: [النوع الثاني: صلاة الكسوف] تسن لها الجماعة، [فإذا انكسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة -أي: في جماعة- لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة، وخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات)، متفق عليه].
إذاً: تشرع الجماعة لصلاة كسوف الشمس وخسوف القمر، أو كسوف الشمس وكسوف القمر، أو خسوف الشمس وخسوف القمر، وهذا كله جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان لا ينكسفان أو ينخفسان)، فكلمة الكسوف يمكن أن تحل بدلاً من الخسوف.
وبوب البخاري فقال: باب الخسوف للشمس والقمر؛ حتى يبين هذا المعنى، أي: أن الخسوف يمكن أن يطلق على القمر مع الشمس، ومعروف أن الكسوف ينقسم إلى قسمين: كسوف كلي، وكسوف جزئي، ويشرع في الكسوف أن ينادي للناس فيقال: الصلاة جامعة، وقاس بعضهم العيد، ولا قياس، فلا يشرع في العيد أن تقول: الصلاة جامعة؛ لأن هذا قول ضعيف جداً، فلا يشرع إلا في صلاة الكسوف.
أما كيفية صلاة الكسوف فهي ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان.
والأفضل أن تصلى صلاة الكسوف في جماعة، فيكبر الإمام ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة، ويفعل كما روت عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انكسفت الشمس خرج إلى المسجد وصف الناس وراءه، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة ثم كبر وركع، ثم رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فقرأ قراءة طويلة).
إذاً: صفة صلاة الكسوف هي أن يكبر الإمام ثم يدعو دعاء الاستفتاح ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة كالبقرة، ثم يركع، ثم يعتدل من الركوع ويقرأ مرة ثانية الفاتحة وآل عمران مثلاً ثم يركع ثم يعتدل من الركوع الثاني ثم يسجد، وهكذا في الركعة الثانية، فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى انجلت الشمس، متفق عليه.
صلاة الاستسقاء
قال رحمه الله: [الثالث: صلاة الاستسقاء -والاستسقاء يعني: طلب السقيا- إذا أجدبت الأرض، واحتبس القطر، خرجوا مع الإمام على الصفة التي خرج عليها الرسول صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذلاً -يعني: غير متجمل- متواضعاً متخشعاً متضرعاً حتى أتى المصلى فلم يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما يصلي في العيدين، ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد بعد الصلاة؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خطب بنا) وهذا صريح؛ ولأنها تشبه صلاة العيد وخطبتها بعد الصلاة.
وعنه -أي: عن أحمد - لا يخطب؛ لقول ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه] وصلاة الاستسقاء كصلاة العيدين، ففي الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الركعة الثانية: خمس تكبيرات، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:1]، وفي الركعة الثانية يقرأ بعد الفاتحة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:1].
ثم بعد الصلاة يخطب الناس خطبة كخطبة العيد، ثم يقلب رداءه ويستقبل القبلة، ويدعو الله عز وجل.
ومعنى قلب الرداء: هو أن يجعل الكم اليمين في الشمال والشمال في اليمين، والوجه وراءه والظهر قدامه، ويتضرع ويستغفر ويدعو الله الإمام والمأموم، ولذلك قال المصنف: [ويكثر فيها من الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به مثل: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:10 - 11]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:3]، ويحوّل الناس أرديتهم -وفي ذلك إشارة إلى تحول الحال، والتواضع والخشوع- وهو أن يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك تفاؤلاً أن يحول الله الجدب خصباً، رواه سعيد بإسناده].
وصلاة الاستسقاء في المصلى كالعيد، ويجوز أن تصلى في المسجد، والدليل: أن أعرابياً دخل من باب المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة وسأله أن يستسقي، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأمنّ الناس وحول الرداء، قال البخاري في صحيحه: باب الاستسقاء في المسجد، لكن السنة أن تكون الصلاة في المصلى، وقد كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء في المسجد يوم الجمعة، يقول أنس: ولم نر في السماء قزعة، يعني: سحابة، فإذا بسحاب يتجمع فوق المسجد على المدينة، وإذا بالسماء تمطر كأنها القرب، يعني: فتحت حتى انغمر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالماء، فظل الماء أسبوعاً كاملاً حتى سجد النبي بين الماء والطين عليه الصلاة والسلام، فجاء الأعرابي السابق، وقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع ادع لنا ربك أن يمسك الغيث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا)، إشارة إلى أن هناك أماكن تحتاج إلى الماء فهذا الماء ينصرف إليها.
قال رحمه الله: [وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا -يعني: إذا خرجوا مع المسلمين لم يمنعوا من ذلك، لكن لا يصلون وينفردون عن المسلمين- لأنهم يطلبون الرزق فلا يمنعون منه].
سجود التلاوة
قال رحمه الله: [الخامس: سجود التلاوة، وهي أربع عشرة سجدة]، ومواطن السجود في القرآن الكريم هي في سورة الأعراف، ثم الرعد، ثم النحل، ثم الإسراء، ثم مريم، ثم الحج في موضعين، ثم النمل ثم الفرقان ثم السجدة، (ص) وهذه مختلف فيها ثم النجم، ثم الإنشقاق ثم في العلق، ومجموعها أربع عشرة سجدة.
قال رحمه الله: [ويسن السجود للتالي والمستمع دون السامع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد وسجد أصحابه معه، ولا نعلم فيها خلافاً]، والراجح أن السجدة سنة وليست فرضاً؛ لأن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر سورة النحل يوم الجمعة فنزل وسجد، وفي الجمعة التي بعدها قرأ نفس الآيات من سورة النحل ولم ينزل ولم يسجد، قال: أردت أن أعلمكم أنها سنة، أي: أن من سجد فله الأجر ومن لم يسجد فلا شيء عليه.
والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أيضاً لبيان أن السجود سنة [لحديث ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته)].
وهناك فرق بين السامع والمستمع، فالمستمع هو الذي يجلس مع القارئ ويستمع قراءته، أما السامع فهو الذي يسمع القرآن دون أن يجلس مع القارئ في الحلقة.
وسجود التلاوة فيها خلاف بين العلماء هل يشترط لها ما يشترط للصلاة؟ والجمهور اشترطوا لها ما يشترط للصلاة من استقبال القبلة وستر العورة والطهارة، وشيخ الإسلام ابن تيمية ومعه مجموعة كبيرة من العلماء ولهم في السلف سبق يرون أنه لا يشترط لها ما يشترط للصلاة، ودليلهم أن بعض الصحابة سجدوا لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم إلى غير القبلة وعلى غير وضوء، والخلاف بين الفريقين خلاف معتبر.
ومن قال: يشترط لها ما يشترط للصلاة قال: فلا بد أن تكبر قبلها، وعند الرفع منها، وأن تسلم بعد الانتهاء؛ لأنها جزء من الصلاة فيشرع لها ما يشرع للصلاة، ومن قال: لا يشترط لها استقبال القبلة ولا الطهارة قال: تكبر وعند الرفع لا تكبر ولا تسلم، وهذا الخلاف بين العلماء في سجود التلاوة لسنا بصدد الترجيح وبيان الراجح من المرجوح.
لعله هنا يقول: (يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته).
قال رحمه الله: [فأما السامع غير القاصد للسماع فلا يستحب له، لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه مر بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان فلم يسجد، وإنما قال: إنما السجدة على من استمع لا على من سمع، وقال عمر وابن مسعود: وإنما جلسنا لها ولا مخالف لهما في عصره، ويكبر إذا سجد وإذا رفع ثم يسلم.
المهم أن الإمام إذا كان في الصلاة ومر بآية بها سجدة فله أن يسجد ويكبر عند السجود وعند الرفع، هذا هو الثابت ولا خلاف عليه.
الأسئلة
القنوت في الصلاة
السؤال
متى يكون القنوت، قبل الركوع أم بعده؟
الجواب
خصص بعض العلماء أن القنوت قبل الركوع في الفريضة، وبعد الركوع في الوتر، لكن الراجح أن القنوت قبل الركوع أو بعده سواء في الفريضة أو الوتر.
عدد صلاة التراويح
السؤال
كم عدد صلاة التراويح؟ بالرغم من أن بعض الناس يقولون: إنها عشرون ركعة؟
الجواب
هذا كلام رد عليه الشيخ ابن باز وابن عثيمين، وأخونا الشيخ مصطفى العدوي حيث عمل رسالة خاصة، قال فيها: إن صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة لا زيادة، وهذا رأي شيخنا العلامة الألباني رحمه الله: أنه ما زاد عن إحدى عشرة ركعة، وهذا هو الرأي الراجح.
حكم قراءة غير الفاتحة في الصلاة
السؤال
ما حكم قراءة القرآن في الصلاة؟
الجواب
قراءة القرآن في الصلاة سوى الفاتحة سنة وليست من الواجبات أو الأركان.
ومن نسي فليس عليه شيء.
وإذا قرأ الفاتحة ثم ركع أجزأ وصلاته صحيحة وليس عليه سهو، لأن قراءة السورة بعد الفاتحة من السنن وليست من الواجبات.
حكم من عجز عن سجود التلاوة
السؤال
ما حكم من عجز عن سجود التلاوة؟
الجواب
ليس عليه السجود، وبعض العلماء قال: يومئ برأسه مشيراً إلى السجود للعجز عنه.
حكم سجود التلاوة بدون تكبير
السؤال
ما حكم من سجد سجدة التلاوة بدون أن يكبر؟
الجواب
هذا فعل غير صحيح، إذا سجد كبر وإذا رفع كبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فعل ذلك كبر، والذي يرفع بدون تكبير معه دليل ضعيف.
وهكذا في الصلاة يكبر عند السجود وعند الرفع؛ لحديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر إذا سجد وإذا رفع)، وعندما تحمل النصوص الأخرى على غير ذلك فهذا يحتاج إلى فقه، قال في المغني: الراجح: التكبير إذا سجد وإذا رفع من السجود، ومن قال بغير ذلك فقد استنبط من نص واحد وعكس الفهم.
حكم التسليم من سجدة التلاوة
السؤال
ما حكم التسليم من سجدة التلاوة؟
الجواب
من اشترط من علمائنا أن سجدة التلاوة كالصلاة وأنها جزء منها قال: يسلم منها، ومن قال: إنها تجوز بغير وضوء وإلى غير القبلة قال: لا يسلم.
بطلان حديث الشيطان
السؤال
الأخ الفاضل بعث إلي حديثاً الأسبوع الماضي، يعرف بحديث الشيطان، وهو: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذ طرق الباب طارق، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: أتدرون من في الباب؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه إبليس، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه.
الجواب
هذا يعني: أن عمر جاهل بالقرآن، يقول تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:37 - 38]، فهذا كذب وافتراء وكما قيل: طالما المغفل موجود النصاب بخير، فقد ظهرت وصية الشيخ أحمد.
وكذا الحديث المؤلف والمفترى والذي يزعم قائله أنه قدسي وأن الله تعالى قال فيه: يا ابن آدم خلقتك وجعلت لك قراراً في بطن أمك، وغشيت وجهك بغشاء حتى لا يؤذيك منظر الرحم، وجعلت وجهك في ظهر أمك حتى لا تؤذيك رائحة الطعام، علمتك القيام والقعود في بطن أمك -هل الجنين يقوم ويقعد في بطن أمه؟! - وجعلت لك متكأً عن اليمين ومتكأً عن اليسار؛ فأما الذي عن اليمين فالكبد وأما الذي عن اليسار فالطحال، فلما اكتمل مدة الحمل أمرت ملك الأرحام أن يخرجك على ريش من جناحه لا لك سن يقطع ولا يد تبطش ولا رجل تمشي بها، وأنبت لك عرقين رقيقين في ثديي أمك يخرجان لك لبناً خالصاً حاراً في الشتاء، بارداً في الصيف، ووضعت محبتك في قلب أبويك فلا يأكلان حتى تشبع، ولا يرقدان حتى تنام، فلما اشتد عودك بارزتني بالمعاصي واعتمدت على المخلوقين ولم تعتمد علي، وبارزتني في المعاصي في خلواتك ولم تستح مني.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم تقبل منا يا رب العالمين.
العدة شرح العمدة [18]
الإمامة لها أحكام شرعية كثيرة، منها: أنه لا تصح إمامة المرأة بالرجال، ولا تصح إمامة الذي لا يحسن الفاتحة، ويصح إمامة المتنفل بالمفترض والمتيمم بالمتوضئ، ويقف المأمومون خلف الإمام، وإن كان واحداً فعن يمين الإمام، أما عن يساره أو قدامه فلا، وتقف المرأة إمامة للنساء في وسطهن.
الرد على العلمانيين الذين ينكرون الحجاب الإسلامي ويتهجمون على أصول الدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل اللقاء مع الفقه الحنبلي من كتاب العدَّة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي، ولكن قبل أن نعيش مع موضوعنا هذه الليلة دفع لي بعض الإخوة مقالاً في كتاب موجود لرجل معروف بردته قبل ذلك، وقد أصدر الأزهر فتوى بردته واستتابته واسم الكتاب (حقيقة الحجاب وحجية الحديث)، يتطاول فيه على الحجاب الشرعي، وعلى الآيات القرآنية التي جاءت في ذكر آية الحجاب، ولا أدري ماذا يريد؟ هل يريد للنساء أن يخرجن عاريات؟ فإن الفطرة السليمة السوية تقبل الحجاب، أما صاحب الفطرة التي فيها دخن فإنه يحب لزوجته أو لابنته أن تسير عارية الذراعين أو الفخذين أو الصدر وينظر إليها الرجال، إن كان يحب ذلك فهذه دياثة؛ فليراجع الأوراق.
وليست بجديدة هذه الهجمة الشرسة على الحجاب الذي فرضه الله عز وجل.
ثانياً: ذكر في مجلة حمراء -وما أكثر المجلات الحمراء في هذا الزمن الذي وسِّد فيه الأمر إلى غير أهله- أن معظم الباعة الذين يجلسون بجوار مسجد العزيز يلبسون ثياباً بيضاء قصيرة، ويطلقون اللحى؛ كأنه يستهزئ من هذا السمت، وذكرت المجلة أن الباعة يمولون الإرهاب.
الله أكبر! وهؤلاء أناس لا عقول لهم، هل انتهت أزمة الأمة؟! يا عباد الله! نسأل الله لكم العافية.
ثالثاً: والتقط صورة لأخت منتقبة، وهذا السمت يزعجهم ويقلقهم ويمرض قلوبهم، فهم يريدون للنساء العري والإباحية والاختلاط.
ولو أنه ذهب والتقط صورة على (الكرنيش) لشاب يحضن فتاة ويقبلها لكان ذلك يعجبهم.
وأبناؤهم هم الذين يفعلون هذا، لا شك في ذلك ولا مراء ولا جدال، فالمسألة -إخوتي الكرام- مسألة مزايدة، فهم يقولون: الحقوا يا ناس! الإرهاب من عند مسجد العزيز وفي الشوارع، فهم يظهرون غير ما يبطنون، وينتسبون إلى اللادين، ليس عندهم دين ألبتة، بل علمانية لها تصور في الشريعة وفي العقيدة كما بينا، تصور العلمانية في الشريعة أن هناك فرقاً بين الدين والدنيا، والدين لا يدخل في الأحكام الدنيوية، وهذا اسمه فصل الدين عن الدولة، يعني: الدين مساجد عبادة تماتم تسبيحات، إنما الأحكام والمعاملات ليس لها دخل بالدين.
إذاً: العلمانية العفنة في أقبح صورها هي: فصل الدين عن الدولة، أما في مجال العقيدة فهؤلاء يؤمنون بكل محسوس، فما أحسوه آمنوا به، وما لم يحسوه لم يؤمنوا به؛ فهذه العلمانية في أبسط صورها، وهي بدعة أوروبية مستوردة.
وهذه المجلات الهابطة الداعرة يتسلط فيها أصحابها بجهل أو بأسلوب متعمد على شرع الله عز وجل وعلى دين الله تبارك وتعالى وهم أبواق تردد ما يملى عليها.
طبعاً! مجلة في هذا الحجم وبهذه الطبعة الفاخرة تكلف آلاف الجنيهات، وأنا أنصح بعدم شراء هذه المجلات الحمراء، لا تقل: أشتريها لأعرف ما بها، أنت الآن تدعمها، إنما اجعلها كالزبالة، لا تلتفت إليها، من أجل أن تطبع ثم ترد، حتى تتوقف عن الطباعة، أما أن يطبع منها -مثلاً- عشرة آلاف نسخة وتباع؛ فهذا تصريح بالاستمرارية.
فأنا ضد اقتناء مثل هذه المجلات الحمراء أبداً بحال، وهؤلاء معروفون عندنا، تاريخهم القديم معروف بحربهم على الثوابت الإسلامية.
أما الحجاب الشرعي فقد اتفق عليه علماء الأمة قاطبة، وأنا لن أرد عليه، وإنما سأحيله إلى مفتي الديار حينما قال: الحجاب من ثوابت الإسلام، فهو الآن في حرب مع المفتي، فإنه يناقض قول مفتي الديار الذي عين مفتياً للديار، أنت يا عبد الله أيها القزم! يا من يطعن في الحجاب، لا قيمة لطعنك هذا.
بعض الناس إن لم يكن له ذكر ويكون نكرة، فيريد أن يذكر ويشتهر، فيطعن في الثوابت؛ لأجل أن نهتم به، هذا هو الغرض، يأتي إلى أمر مجمع عليه ولا نزاع فيه بين علماء الأمة فيدخل في هذا الموضوع، ونقول: وما ضر الورود وما علاها إذا المزكوم لم يطعم شذاها وحينما تقول: إن السيف أمضى من العصا ظلمت السيف.
قال الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا أي: أنك إذا قارنت بين السيف والعصا ظلمت السيف، فلا تلتفت إلى العصا، فإن من الظلم أن يقارن السيف بالعصا.
ولو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار أي: لو أن كل كلب عوى ألقمته إلى فمه حجراً؛ أصبحت الحجارة لها ثمن؛ فدعهم ينبحون ولا جدوى لنباحهم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:8]، وأمر التدافع بين أصحاب دعوة الحق وأصحاب الدعوات الباطلة سنة كونية أبدية سرمدية إلى قيام الساعة، لا بد من الصراع بين الحق والباطل، ودولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا