التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمانصفحات 3-4
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تغطية الرأس

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تغطية الرأس والأذنان منه].
أي: أنه يحظر على المحرم أن يغطي رأسه، والأذنان من الرأس؛ لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يمسح رأسه في الوضوء مسحها مقبلاً ومدبراً، ثم مسح بفضل ماء رأسه أذنه، ولذلك تأخذ الأذنان حكم الرأس.
ما الدليل على أن تغطية الرأس تحظر على المحرم؟ عمدتنا في هذا حديث الرجل الذي وقصته دابته وهو محرم -وقصته يعني: ضربته في بطنه بعد أن وقع من عليها- فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه -والحديث في البخاري -: (لا تخمروا رأسه)؛ لأنه محرم، لأنه لما كان حياً فإنه لا يخمر رأسه فيترك كذلك على حاله وهو ميت، ويفهم منه: أن غير المحرم يغطى رأسه.
لذلك قال: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه، والأصل فيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم والبرانس، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) -الحديث أخرجه البخاري - علل منع تغطية رأسه ببقائه على إحرامه، فعلم أن المحرم ممنوع من ذلك، وكان ابن عمر يقول: (إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها)].
لماذا خص الرأس في الرجل والوجه في المرأة؟ لأن الأصل في الرجل أن يغطي الرأس، والأصل في المرأة أن تغطي الوجه، فكونه يكشف الرأس خرج عن مألوفه، وكونها تكشف وجهها خرجت عن مألوفها، ولكن حينما تخالط الرجال ينبغي لها أن تسدل الخمار على وجهها حتى لا تؤخذ هذه ذريعة في كشف الوجوه، وهذه حجة واضحة على أنهم كانوا يعلمون أن وجه المرأة لا يجوز أن يظهر.
يقول: [وأنه عليه السلام نهى أن يشد المحرم رأسه بالسير، وفائدة قوله: (والأذنان من الرأس) أي: يحرم تغطيتهما، وقد قال عليه السلام: (الأذنان من الرأس)].
والحديث في السلسلة الصحيحة.

الطيب في البدن والثوب

قال: [المحظور الخامس: الطيب في بدنه وثيابه].
يحظر على المحرم أن يتطيب في بدنه وثيابه.
[أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تحنطوه)].
ومعنى (لا تحنطوه) أي: لا تطيبوه، فهنا نقول: قوله: (لا تحنطوه)، يشير إلى عدم جواز تطييبه وهو ميت، فمن باب أولى وهو حي.
[وفي لفظ مسلم: (لا تمسوه بطيب)، فلما منع الميت الطيب لإحرامه كان الحي أولى بذلك، وعليه الفدية لذلك، ومعنى الطيب: كل ما يعد للشم كالمسك والكافور والعنبر والغالية والزعفران وما أشبه ذلك مما تطيب رائحته].
ولذلك يحظر على المحرم أن يستخدم الصابونة ذات الرائحة، ومعجون الأسنان ذا الرائحة النفاذة، وكل الأشياء التي فيها طيب يحظر عليه أن يستخدمها، ومنها: ما تقدمه المضيفات على الطائرة للركاب من مناديل معطرة، فيستخدمها المحرم بعد الميقات وهذا لا يجوز، ولو كان الأمر بيدنا لقلنا: لا ينبغي أن توزع في موسم الحج والعمرة مناديل معطرة؛ لأن الناس لا تعرف الحكم، يطيبون عرقهم بهذه المناديل بعد الميقات وهذه مخالفة.

قتل الصيد

[السادس: قتل الصيد، وهو ما كان وحشياً مباحاً].
قتل الصيد جاء في القرآن دليل منعه وهو قول ربنا سبحانه: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:95]، وقال سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:96].
فلو أن رجلاً محرماً اصطاد صيداً من عرفة، ورجلاً غير محرم اصطاد صيداً من منى، ما حكم الأول وما حكم الآخر؟ عرفة من الحل، لكنه محرم، ويحظر عليه أن يصطاد من حرم أو من حل، وأما غير المحرم فقد اصطاد من منى وهي من الحرم؛ فيحظر صيد الحرم سواء لمحرم أو لغير محرم، إذاً: العبرة بالحكم الشرعي، إن اصطاد في حل وهو محرم لا ينبغي، وإن اصطاد في الحرم لا ينبغي؛ لأن من خصائص بلد الله الحرام أنه يمنع فيه الصيد.
قوله: (قتل الصيد وهو ما كان وحشياً)، الوحشي هو ما لا يقتنى في البيت.
فلو أن رجلاً محرماً اصطاد بطة فلا شيء عليه؛ لأن هذا لا يسمى صيداً، إنما الصيد هو الوحشي الذي لا يقتنى في الدار.
ولو أن رجلاً محرماً اصطاد حمامة فعليه فدية؛ لأن الحمامة الأصل فيه الطير، ولذلك قال: (ما كان وحشياً مباحاً)، مباحاً يعني: حلالاً، فإن كان محرماً فلا يجوز.
قال: [لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم، وقد قال سبحانه: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:95]].
ومن جانب آخر لو أن محرماً اصطاد من البحر سمكة فلا شيء عليه.
[وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:96]].
فصيد البحر يجوز أما صيد البر فلا يجوز، وأما الأهلي فلا يحرم، والأهلي هو الذي يقتنى عند الأهل، يعني: يستأنس، تفتح الحظيرة ويبيت عندك وتقدم له الطعام والشراب.
هذا لا يعد صيداً، إنما هذا يسمى أهلياً، أما الوحشي فهو الذي لا تتحكم فيه.
[أما الأهلي فلا يحرم؛ لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الصيد، والحرام ليس بصيد أيضاً لأنه محرم].
إذاً: الذي يحرم على المحرم من الصيد هو الوحشي المباح البري، وأما المحرم فالأصل فيه أنه يحرم؛ لأنه محرم، فلو أن رجلاً اصطاد خنزيراً وهو محرم فهذا لا يجوز؛ لأنه يحرم عليه، فالأصل فيه أنه حرام.
قال: [وأما صيد البحر فإنه مباح، قال سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:96]].
وسنتحدث عن باب الفدية عن كل محظور وفديته، وهي تسعة محظورات لكل محظور فدية.
يستثنى للمحرم أشياء يقتلن في الحل والحرم، لحديث: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فلو قتل المحرم حية فلا شيء عليه؛ لأن هذا خاص يقيد العام، وسنتحدث عن هذا بالتفصيل في باب الفدية.

عقد النكاح

هناك محظور ليس له فدية وهو عقد النكاح، فيحظر على المحرم أن يزوج نفسه أو يزوج غيره، قد يقول قائل: قد ورد حديث صحيح في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ميمونة وهو محرم فما تقولون فيه؟ أقول: للعلماء فيه أقوال، فمنهم من قال محرم يعني: في الأشهر الحرم.
وهو الصحيح، فليس معنى محرم أنه تلبس بالإحرام، وإنما عقد عليها وهو في الأشهر الحرم.
هذا هو الجمع بين النصوص التي لا يمكن أن تتعارض مع بعضها البعض.
قال: [السابع: عقد النكاح].
أي: عقد الزواج.
[لقوله عليه السلام: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب)].
ومعنى: (لا ينكح) أي: يتزوج، (ولا ينكح) يعني: يزوج، (ولا يخطب) يعني: لا يخطب لنفسه أو لغيره، وهذا يحدث من المسلمين، تراه محرماً، وإذا به يقول لمن رأى أنه يزوجه ابنته: إن عندي ابنة فما رأيك أن تتزوجها.
إنك محرم فلماذا تتكلم عن الزواج، ولكن المشكلة أنه لا يعرف أن هذا لا يجوز.

المباشرة لشهوة فيما دون الفرج

قال: [المحظور الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج].
رجل محرم باشر زوجته دون الفرج، يعني: قبل، مست بشرته بشرتها، لكنه لم يجامع.
قال: [فإن أنزل].
يعني: إن باشر وأنزل وهو محرم [فعليه بدنة]، وحجه صحيح؛ لأنه لم يباشر بالجماع، [وإن لم ينزل فعليه شاة].
إذاً: إن باشر دون الجماع فأنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل يلزمه شاة.
هذه الفدية.
قال: [وحجه صحيح].
والبدنة هي الناقة التي تجزئ أن تكون أضحية، لا عوراء ولا تولاء ولا عضباء ولا عرجاء ولا هتماء وهي التي لا أسنان لها، والعضباء: التي ليس لها قرن، والتولاء التي تدور في المرعى تتخبط، لابد أن تكون صحيحة من العيوب، فقولنا تجزئ أضحية، يعني: أن لها نفس شروط الأضحية.
قال: [وحجه صحيح لا نعلم أحداً قال بفساد حجه].
من باشر وأنزل أو لم ينزل طالما لم يجامع حجه صحيح وعليه فدية، إما بدنة وإما شاة.
[ولأنها مباشرة فيما دون الفرج تعرت عن الإنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس، والمباشرة لا توجب الاغتسال فأشبهت اللمس؛ وعليه الفدية؛ لأنه هتك الإحرام بذلك الفعل، كما لو تطيب أو لبس المخيط؛ والفدية شاة؛ لأنها ملامسة لم يقترن بها الإنزال، فأشبه لمس ما دون الفرج، فأما إن أنزل فعليه بدنة؛ لأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة، كما لو كان في الفرج، وهل يفسد حجه بذلك؟ روايتين: إحداهما: لا يفسد نص عليه أحمد؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلا يفسد به الحج، كما لو لم ينزل، الثانية: يفسد نص عليه لأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصائم، واختارها أبو بكر والخرقي ومن نصر الأولى قال: الأصل عدم الإفساد، والجماع: هو

الوطء في الفرج

، ولا يصح إلحاق غيره به فإنه أعظم، ولذلك يختلف الحال فيما بين الإنزال أو عدمه، ويجب بنوعه الحد، ويتعلق به اثنا عشر حكماً، فكيف يلحق به ما دونه مع أن شرط القياس التساوي، ولا يصح القياس على الصيام، فإن الصيام يخالف الحج في المفسدات].
إلى آخره.
معنى هذا: أنه إن باشر ما دون الفرج فهناك احتمال أن ينزل أو لا ينزل، فإن أنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل فيلزمه شاة، لكن هل يفسد الحج؟ قال بعضهم: إن لم ينزل فلا فساد، وإن أنزل ففي المسألة روايتان عن الإمام: الرواية الأولى: أنه لا يفسد؛ لأنه لا يمكن أن يقاس على الجماع، والرواية الثانية: أنه يفسد، والرأي الراجح عدم الفساد.

الوطء في الفرج

قال: [المحظور التاسع: الوطء في الفرج].
يعني: الجماع، هنا نفرق بين أمرين، جامع قبل التحلل الأكبر، أم قبل التحلل الأصغر؛ لأن الحج فيه تحللان، التحلل الأول: وهو بعد رمي الجمرات، ثم يذبح ويحلق، يفعل في يوم النحر ثلاثة أمور، أولاً: يرمي الجمرة، ثم يذبح، ثم يحلق، وقد يؤخر طواف الإفاضة إلى أيام التشريق، هذا يسمى التحلل الأصغر، فإن جامع بعد التحلل الأصغر فله حكم، وإن جامع قبله فله حكم، وإن جامع بعد التحلل الأكبر حكم.
قال: [فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج، ووجب المضي في فاسده والحج من قابل].
يعني: إن جامع قبل أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يذبح وقبل أن يحلق فهو لم يتحلل التحلل الأول الأصغر، وإن جامع قبل هذا فسد حجه، يعني: بعد أن جاء من المزدلفة وقبل أن يرمي الجمرة، بعد أن وقف بعرفة وأدى النسك وفعل مناسك الحج، قبل أن يرمي الجمرة في يوم النحر جامع فحجه فاسد، ولكن يجب عليه أن يمضي في حجه حتى يتمه، ثم يلزمه وجوباً القضاء من العام القادم؛ لأن الحج فسد.
هل هناك فرق بين الحج الفاسد والحج الباطل؟ نعم، هناك فرق، مصطلح الفاسد هو الباطل عند الجمهور إلا في الحج والزواج، والذين فرقوا بين الفاسد والباطل هم الأحناف، لكن الجمهور لم يفرقوا، والفاسد عندهم هو الباطل، أقول: الصلاة باطلة، أو الصلاة فاسدة كلاهما صحيح، إلا في الحج والزواج، فما الفرق؟ الباطل في الحج: ما غاب أحد أركانه، إن لم يقف بعرفة فحجه باطل؛ لأنه تخلف عنه ركن، إن لم يطف طواف الإفاضة فحجه باطل؛ لأنه تغيب عنه ركن من أركانه، إنما يفسد الحج إذا فعل الأركان كلها لكنه جامع قبل التحلل الأول، هنا نقول: حجه فاسد، رجل تزوج من أخته من الرضاعة مع استيفاء شروط النكاح من الولي والإشهار والشهود والصداق كل شروط النكاح وأركانه تمت إلا أن التي عقد عليها هي أخته من الرضاعة، هل هذا فاسد أم باطل؟ فاسد، إن غاب الولي فالزواج باطل، فهناك فرق بين الفساد والبطلان في الحج والزواج فقط، أما ما دون الحج والزواج فالفساد هو البطلان.
قال: [أما فساد الحج في الجماع في الفرج فليس فيه خلاف].
ليس هناك خلاف بين العلماء أن الحج يفسد إذا جامع في الفرج.
[قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت على امرأتي ونحن محرمان، فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وامرأتك مع الناس، فاقض ما يقضون، وحل إذا حلوا، فإذا كان العام المقبل فحج أنت وامرأتك، واهديا هدياً، فإن لم تجدا هدياً فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما].
يعني: ترتب على الجماع أربعة أشياء، أولاً: فساد الحج، ثانياً: المضي في النسك، ثالثاً: وجوب الحج من العام القابل، رابعاً: الفدية.
لأنه لا ينبغي له إن بدأ في مناسك الحج أن يقطعها حتى وإن أفسدها؛ لأن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196]، معناه: أتموا الحج إذا بدأتم في مناسكه ولا تقطعوه حتى ولو فسد.
قال: [ويجب على المجامع بدنة، روي ذلك عن ابن عباس لأنه جماع صادف إحراماً تاماً فوجبت به البدنة، كبعد الوقوف هذا إذا وطئ قبل التحلل الأول؛ لأنه يكون قد وطئ في إحرام تام، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة].
يعني: رجل جامع زوجته بعد أن رمى الجمرة وذبح وحلق، وتحلَل تحلُلاً أصغر، يجوز له كل شيء إلا النساء، الطيب والمخيط وكل المحظورات إلا النساء، لكن إن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة، وحجه صحيح؛ لأنه تحلل التحلل الأول.
قال: [ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً].
بمعنى: أنه بعد أن تحلل تحللاً أصغر ووقع على زوجته فنلزمه بشاة، ونلزمه أن يذهب إلى التنعيم ليحرم وليطوف محرماً، لو قال قائل: كيف يطوف محرماً وهو قد تحلل؟ قلنا: أبطل التحلل بالجماع، فيخرج إلى التنعيم ويحرم مرة ثانية وعليه شاة، إذاً: السؤال الآن: الذي جامع بعد التحلل الأول ما الواجب عليه؟ أولاً: شاة، ثانياً: أن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً.
قال: [ولا يفسد حجه وهو قول ابن عباس؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً؛ فقد تم حجه وقضى تفثه) -يعني: نسكه- ولأن الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، كما بعد التسليمة الأولى في الصلاة].
يعني: رجل سلم تسليمة واحدة من صلاة، ثم أحدث ما حكم الصلاة؟ صحيحة، هكذا الحج، تحلل التحلل الأول، كأنه سلم التسليمة الأولى، انتهى الحج، لكن بقي عليه طواف الإفاضة، وجامع قبله فنلزمه بشاة وحجه صحيح، لكن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً؛ لأنه جامع قبل التحلل الأكبر.
والتفث هو النسك: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:29]، وتفثهم يعني: نسكهم.
قال: [ولأن الحج عبادة لها تحللان، والواجب شاة لأنه وطء لم يفس

حكم الوطء في العمرة

قال: [وإن وطئ في العمرة أفسدها].
رجل ذهب للعمرة، ثم أحرم من الميقات -ميقات أهل مصر رابغ- بعد الميقات جامع زوجته وهو محرم بعمرة، عمرته فاسدة، ويستكمل النسك، وعليه هدي، ويقضي إذا استطاع من قابل، وتبقى في رقبته قضاء دين.
[وإن وطئ في العمرة أفسدها، ولا يفسد النسك بغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والعمرة كالحج].
رجل أحرم بعمرة ومر على الميقات وهو محرم، ثم جامع قبل أن يطوف ويسعى ويتحلل، فما حكمه؟ أولاً: يؤدي النسك، ثانياً: يلزمه شاة، ثالثاً: القضاء من قابل.
والشاة ليست إلا في حالتين، أولاً: بعد التحلل الأول إذا جامع في الفرج، ثانياً: إذا باشر، ولو باشر وأنزل دون الفرج فعليه بدنة؛ وإن لم ينزل فعليه شاة.

استواء المرأة والرجل في أحكام الحج

قال: [والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط].
المرأة كالرجل تماماً، لكن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط.
[وذلك لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم باجتناب شيء يدخل فيه الرجال والنساء].
هذه قاعدة فقهية: أن ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، إلا ما خص النساء بدليل، يعني: حينما يقول: الختان واجب للذكور، إذاً: هو واجب للنساء، إذا أردتم أن تخصصوه يلزمكم دليل، ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، وفي كل الأحكام الشرعية هم سواء إلا ما خص النساء بدليل، مثل الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11]، إذاً: خصها بدليل أن لها نصف الرجل، كذلك الشهادة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282]، إذاً: الشاهدة خصها بدليل، أيضاً العقيقة عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة، خصها بدليل، أما كل الأحكام الشرعية فهما فيها سواء إلا ما خصها دليل، إذاً: الذي يقول: إن ختان الأنثى ليس بواجب يلزمنا نحن الدليل أم يلزمه هو؟ يلزمه هو.
قال: [فما ثبت في حق الرجل فمثله في حق المرأة، لكن استثنى منه لبس المخيط؛ والتظليل مبالغة في ستر المرأة لأنها عورة].
يعني: أن تستر نفسها وتحرم في ملابسها، ولا يحرم في الأبيض إلا الرجل، والمرأة لابد أن تخالف، وأفضل ملابس للمرأة السوداء، طبعاً كل النساء المصريات يلبسن أبيض في أبيض، الحذاء أبيض والجلابية بيضاء، والرجل يحرم في أبيض!! هذا لا يجوز، لابد أن تخالف المرأة الرجال.
[إلا الوجه فتجردها يفضي إلى انكشافها فأبيح لها هذا، ولهذا أبحنا للمحرم عقد الإزار لئلا يسقط فتنكشف العورة، ولم يبح له عقد الرداء].
الإزار في المنطقة السفلى، قوله: (أبحنا للمحرم أن يعقده)، يعني: أن يربطه إما بحزام أو بدبوس أو نحوه، أما الرداء فلا يجوز له أن يعقده كأنه قميص ولو فعل فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام؛ لأنه مفصل على الجسم كأنه مخيط، ونحن نريد أن نجرده، وهو يريد أن يلبس رداء ويخيطه على نفسه، فصله بأزرار بكباسين وأغلقها، وبعضهم يضع له جيوباً، فأصبح مخيطاً، يعني: يمكن الآن أن يلبس بنطلوناً ويمشي بالرداء في القاهرة، لكننا لا نريد هذا للمحرم.
[ولم يبح عقد الرداء، وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً].
يعني: لم يختلف أحد من العلماء أنه لا يجوز عقد الرداء.
[قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع عنه الرجال إلا بعض اللباس، وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القميص والدرع والسراويلات والخمر والخفاف -يعني: لها أن تلبس كل شيء- وفي حديث ابن عمر: (نهى النساء -صلى الله عليه وسلم- في إحرامهن عن لبس القفازين والنقاب)]، وتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل، فلا تلبس ملابس مزركشة تلفت النظر؛ لأن من شروط ملابس المرأة: ألا يكون لباس زينة، يعني: لا تحرم في لون فسفوري أو برتقالي أو بنفسجي أو أحمر، هذه ملابس لا تصلح أن تحرم فيها، لابد أن تحرم في ملابس لا تخالف بها الجميع، ولا تنفرد بها عن بني جنسها، وهذا يسمى لباس الشهرة، وقد نهينا بعض الإخوة عن لباس الشهرة، تجد مثلاً في حي الزيتون الناس كلهم يلبسون الجلابية الوردية أو المائية أو الأصيل، وهو يلبس بنغلادش، ويصير معروفاً بزيه البنغلاديشي.
لا يجوز أن يشتهر بين الناس بلباس شهرة، وهذا ليس كلامنا وإنما هو كلام العلماء، حتى قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: لو أن المجتمع يستنكر تربية الشعر ولا يألفها، فترك الأمور المستحبة لأجل عدم الشهرة يجوز، يعني: رغم أن تربية الشعر مستحبة، إلا أنها في المجتمع شيء غير معروف، إذاً: نترك المستحب لئلا نشتهر به.
وهذا الكلام في الممتع شرح زاد المستقنع إن أردت أن تعود إليه -يعني: ممكن أن تكون أنت الوحيد في مجتمعك الذي تفعل هذا الفعل المستحب فتعرف به، يقول القائل: وكيف ننشر السنة؟ لابد أن نمهد لها، لا تخالف بني جنسك حتى يشار إليك بالبنان، بل كن مثل بني جنسك ولا تتميز.
ثبت في صحيح البخاري: (كان الرجل يدخل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يجلس في وسطهم، فينظر إليهم فيقول: أيكم محمد) لم يتميز عليهم بلباس ولا بجلسة، كان كواحد منهم لا يلبس زياً يميز به حتى يقال أنه رجل دين، ليس عندنا في الإسلام هذا، نحن في الإسلام طالما أن بني جنسك لا يرتكبون حراماً، فكن معهم، ولا تفهم كلامي خطأ، فأنا لا أقترب من دائرة الواجب ولا المحرم، كلامي في المستحب، قد يقول قائل: طالما أن بني جنسي كلهم يسبلون الإزار فأنا أيضاً أسبل من أجل ألا أخالفهم؟! فأقول: الإسبال حرام، خالف وخالف، وانتبه ألا تخالف في الحرام، إن كان الأمر واجباً فافعله ولا تنظر إلى المجتمع، إن كان محرماً فكف عنه، ل

العدة شرح العمدة [45]

تنقسم الفدية في حق من أتى محظوراً من محظورات الإحرام إلى ضربين: ضرب للإنسان فيه التخيير، وآخر لا يجوز فيه إلا الترتيب، فالذي على التخيير هو إزالة الأذى ولبس المخيط والطيب والصيد، فهو مخير بين الصيام والإطعام والذبح، والذي على الترتيب هو فدية المتمتع ومن ترك واجباً من واجبات الحج؛ فإنه يذبح، فإن لم يجد فيصوم، فإن لم يجد فيطعم.

فدية ارتكاب محظورات الحج والعمرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد.
فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب الفدية.
قال رحمه الله: [وهي على ضربين] أي على نوعين: [أحدهما على التخيير] الضرب الأول من الفدية أن المكلف يخير بين فعل وفعل، ففي علم الأصول فرق بين التخيير بين فعل وفعل، وبين الانتقال من فعل إلى فعل، أي: إن عجز عن الفعل الأول ينتقل إلى الفعل الثاني، مثال ذلك: كفارة اليمين، تجد أن الكثير من الناس يقولون لمن أراد أن يكفّر عن يمينه: صم ثلاثة أيام، وهذا خطأ؛ لأن الصيام لا يصار إليه إلا إذا عجز عن الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة، يقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:89] وكلمة (فمن لم يجد) معناها: أنه لا يستطيع أن ينتقل إلى الصيام إلا إذا عجز عن الإطعام، لكنه مخير بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبة، فإذا انتقل إلى الكسوة وهو قادر على الإطعام فكفارته صحيحة؛ لأنه مخيّر بين الثلاث.

فدية الأذى واللبس والطيب

قال رحمه الله: [أحدهما على التخيير: وهي فدية الأذى واللبس والطيب].
ذكرنا أن محظورات الإحرام تسعة، وكل محظور من هذه المحظورات له حكم، فربما كانت له فدية، وربما لم تكن له كالنكاح، وما له فدية منها ما هو على سبيل التخيير، ومنها ما هو على الترتيب.
قال: [وهي فدية الأذى] والأذى هو أذى الرأس ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:196] الأذى يعني حلق الشعر للأذى، وليس كالمذهب شعر الصدر أو شعر القدم أو شعر اليد، إنما النص جاء بشعر الرأس، فالمذهب قاس الشعور الأخرى على شعر الرأس، وهذا كلام مرجوح.
[واللبس] أي: لبس المخيط [والطيب] أي: التطيب [فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعامه ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة].
فلو أن رجلاً تطيب وهو محرم ذاكراً غير ناس، متعمداً غير مخطئ؛ لأن الناسي له حكم، والمخطئ له حكم، فإذا كان المحرم يعرف الحكم فجاء بالطيب وتطيب، أو لبس المخيط أو كان لا يستطيع أن يخلع الجوارب من قدمه لعذر طبي، فيلبس وعليه فدية، والفدية على التخيير بين ثلاثة: إما صيام ثلاثة أيام في أي وقت، أو الإطعام، أو ذبح شاة، وإن استطاع أن يذبح وانتقل إلى الصيام فلا شيء عليه، وإن استطاع أن يصوم وأطعم فلا شيء عليه، والإطعام هنا يكون ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفي الرجل المعتدل من أرز أو تمر بحسب غالب قوت أهل البلد.
قال: [ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة.
أما فدية الأذى فهي على التخيير لما سبق في محظورات الإحرام، وحديث كعب بن عجرة المتفق عليه، وأما فدية اللبس والطيب فهي مقيسة على فدية الأذى، لكونه ترفه بذلك في إحرامه، فلزمه الفدية كالمترفه بحلق شعره، ولا فرق بين قليل الطيب وكثيره، وقليل اللبس وكثيره؛ لأنه معنى حصل به الاستمتاع بالمحظور، فاعتبر مجرد الفعل كالوطء، وليس الحكم في كل دم وجب لترك واجب، يعني أن ذلك على التخيير لا على الترتيب].
فلو أن رجلاً لا يستطيع أن يخلع (الفنيلة الحمالة) لعذر في جسده، نقول له: أحرم واترك (الفنيلة) على جسدك وعليك الفدية، ويخير بين ثلاثة أشياء، لحديث كعب بن عجرة أنه كان به أذى من رأسه، فأباح له النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق الرأس وأن يفدي.
ولو أن رجلاً تطيب وهو ناس فلا شيء عليه؛ لأن من فعل محظوراً من محظورات الإحرام وهو ناس فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً أثر الطيب يبدو من إحرامه، فأمره أن يزيل عن نفسه الطيب وأن يتم النسك، ولم يأمره بفدية؛ لأنه ناس أو مخطئ غير عالم بالحكم، والخطأ معناه: أنه ظن أن هذه الزجاجة ماء وهي طيب، فوضع الماء على وجهه فإذا به طيب، فهنا لا شيء عليه ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286]. قال رحمه الله: [وكذلك الحكم في كل دم وجب لترك واجب، يعني: أن ذلك على التخيير لا على الترتيب].
هذا الكلام يحتاج إلى استدراك؛ لأن ترك الواجب لا بد ألا ينتقل إلى الصيام إلا إذا كان عاجزاً عن الذبح، أي: أن قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:196] معناه: أنه لا يخير بين الذبح والصيام إلا حينما لا يستطيع الذبح.

فدية قتل الصيد

قال: [وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد، وقال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:95]].
والمقصود: أن من قتل صيداً فعليه مثله، ويشترط أن يكون وحشياً مباحاً، ومعنى وحشي: أنه لا يقتنى في البيوت، ومعنى مباح: أنه ليس بحرام، فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:95] أي أنه يحكم بالمشابه أو المماثل ذوا عدل.
قال المصنف رحمه الله: [فمن قتل الصيد ابتداء من غير سبب يبيح قتله ففيه الجزاء، فأما إن اضطر إلى أكله فيباح له أكله بلا خلاف نعلمه، ويلزمه ضمانه؛ لأنه قتله لحاجة نفسه ودفع الأذى عنه من غير معنى حدث في الصيد يقتضي قتله فلزمه جزاؤه كحلق الرأس لدفع الأذى عنه].
فلو أن رجلاً اصطاد لسبب شرعي، كأن بلغ به الجوع مبلغه، وإن لم يصطد هلك، في هذه الحالة نقول له: يلزمك ضمان هذا الصيد لصاحبه إن كان له صاحب، ولذلك من أسباب نقصان عقود التأمين: أنها تجعل الضامن شريكاً في التأمين، والمفروض شرعاً أن الضامن هو المتسبب في التلف، فلو أن رجلاً صدم سيارة في الطريق العام، فيرفع القضية على شركة التأمين، وكان من المفترض أن من يلتزم بالضمان من أتلف، لكن هنا يدخل طرف ثالث يفسد العقد، فمن أسباب فساد عقود التأمين الأربعة التي ذكرها العلماء: أن من يلتزم بالضمان ليس هو المتسبب في التلف، وعندنا في الشريعة أن من أتلف شيئاً يلزمه الضمان، فالضمان على من أتلف لا على شركة التأمين التي تتاجر بعقود ضرر وربا.
قال: [وإن صال عليه] يعني: صال عليه الصيد [فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، فله قتله ولا ضمان عليه].
أي: أنه اعتدى عليه الطائر، ولا يستطيع أن يدفعه عن نفسه إلا بقتله، فله قتله ولا ضمان عليه.
[لأنه ألجأه إلى قتله فلم يجب ضمانه كالآدمي الصائل] والصائل: هو المعتدي الذي يبدؤك بالقتال، فيلزمك أن تدافع عن نفسك وإلا أصبحت مقصراً، أي: أن رجلاً جاء إلى دارك واعتدى عليك، وأراد أن يدخل البيت وأن يأخذ مالك، أو أن يعتدي على عرضك، فهذا يسمى في الشرع صائل، ولا بد أن ندفعه، كابن آدم لما قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:28] أي: أن ابن آدم الأول هو الصائل، والآخر هو المعتدى عليه.
ما معنى قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:28]؟ قال بعض العلماء: المعنى: لئن بسطت إلي يدك لتبدأني بالقتال فلن أبسط إليك يدي لأبدأك بقتال، فهو كف عن البدء، وليس معنى ذلك أنه كف عن الدفاع.
وقال بعضهم: أي: لن أبدأ بقتلك إلا إذا بدأت بقتلي، هذا المعنى المقصود في الآية، ولا يؤخذ من الآية أن الصائل تسلّم له نفسك، وتقول: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:28] فهذا الكلام غير صحيح، لكن شرعاً لا بد أن تدفع عن نفسك، (من مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد)، (قيل: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: لا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: فقاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)، وهذا هو الحكم الشرعي؛ لأنك هنا تدافع عن نفسك.

ما يضمن من الصيد

قال: [ولو خلّص صيداً من سبع أو شبكة فتلف بذلك فلا ضمان عليه].
رأى المحرم صيداً في شبكة فأراد أن يخلّصه من الشبكة، أو من فم السبع، وهو يخلّصه مات وتلف، فلا ضمان عليه؛ لأن العبرة هنا بالنية، والنية عنده أن يخلّصه فلا ضمان عليه.
قال: [لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به، كما لو داوى ولي الصبي فمات بذلك.
ولا فرق بين العامد والمخطئ في وجوب الجزاء].
هناك محظورات لا فدية على صاحبها إن ارتكبها ناسياً أو مخطئاً، ولو افترضنا أن رجلاً اصطاد صيداً وهو محرم خطأ، أي أنه وجه حجراً في أمر مشروع له أن يقذفه، فجاء في صيد فمات، فهنا تلزمه الفدية حتى وإن كان مخطئاً.
[لما روى جابر قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيده المحرم كبشاً)].
والضبع هو حيوان يشبه الكلب، فهذا إذا اصطاده المحرم فعليه كبش، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على من اصطاد ضبعاً بكبش.
[وقال في بيض النعام يصيده المحرم ثمنه ولم يفرق، ولأنه ضمان إتلاف أشبه مال الآدمي، وعنه: لا كفارة في الخطأ].
أي أن الرواية الأخرى عن أحمد أنه لا كفارة في الخطأ، والرواية الأولى أنه يلزمه.
[لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:95] فدليل خطابه أنه لا جزاء على الخاطئ].
إنما هنا نلزمه بالضمان بحكم الوضع لا بحكم التكليف، فعندنا أحكام تكليفية وأحكام غير تكليفية، فلو أن ابنك الصغير قذف حجراً في زجاج جارك فأتلف الزجاج، فيلزمك أنت الضمان بخطاب الوضع؛ لأنه غير مكلف، فيلزم وليه الضمان، ولو أن مجنوناً أتلف شيئاً يلزم من يقوم على رعايته الضمان.
والرواية الأولى عن أحمد هي الأرجح.

ضابط الصيد

قال: [والصيد ما جمع ثلاثة أشياء: أن يكون مباح الأكل، لا مالك له، ممتنعاً.
قال بعض أهل اللغة: فيخرج منه ما لا يحل أكله كسباع البهائم] أي: أنه إذا اصطاد فيصطاد للأكل أو الطعام، فالصيد الغير مباح لا يعتبر.
[والمستخبث من الحشرات] ولو أن محرماً اصطاد مثلاً صرصاراً، فنقول هذا مستخبث من الحيوانات ولا فدية عليه.
قال: [وما عليه ملك فما ليس بوحشي يباح للمحرم].
أي أنه أليف ويقتنى في البيوت، ولو أن محرماً اصطاد دجاجة، فالدجاج هنا تربى في البيوت فهي ليست وحشية، وإنما أليفة وتربى في البيت.
قال: [يباح للمحرم ذبحه وأكله كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج] المحرم يذبح دجاجاً حتى وإن اصطاده [لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً، والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ولو توحش الانسي لم يجب فيه جزاء؛ ولهذا وجب في الحمام اعتباراً بأصله].
فالأصل في الحمام أنه طائر لا يؤلف، ولكن الإنسان ألفه وأعد له مكاناً يعود إليه آخر النهار، والأصل فيه أنه طائر غير مألوف، فيلحق بأصله، فإن اصطاد المحرم حماماً يلزمه فدية؛ لأن الأصل في الحمام أنه وحشي، ولا يستلزم أن يكون مفترساً، وإنما هنا وحشي بمعنى أنه غير مألوف، فلو أن محرماً اصطاد ضباً، والضب قد ألفه صاحبه، فهنا أيضاً العبرة بالأصل لا بالتغير.
[والواجب في صيد البر دون صيد البحر؛ لقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:96] إذا ثبت هذا فجزاء الصيد مثله من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:95]].
لذلك الحمام والظبي قضي فيه بشاة، والنعامة قضي فيها ببدنة.
الشاهد: أنه إذا اصطاد المحرم صيداً يحرم عليه، فلا بد أن يحكم فيه ذوا عدل في المقابل، فإن اصطاد حماماً يلزمه شاة، وإن اصطاد ظبياً يلزمه شاة، وإن اصطاد نعامة يلزمه بدنة وهكذا.

ما يضمن به الصيد

بهيمة الأنعام ثلاثة أنواع هي: الإبل، والبقر، والغنم.
لذلك في الأضحية يشترط أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام، كما قال ربنا سبحانه: ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:28]، ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:36].
[وهي الإبل والغنم لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:95]، وليس المراد حقيقة المماثلة؛ فإنها لا تتحقق بين النعم والصيود، لكن أريد المماثلة من حيث الصورة والمشابهة من وجه، وكونه أقرب بهيمة الأنعام به شبهاً؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على وجوب المثل، فقال عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية: في النعامة بدنة].
وأقرب شبه للنعامة هي الجمل، فهذه المماثلة من حيث الشبه.
[وحكم أبو عبيدة وابن عباس في حمار الوحش بدنة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة، وحكموا في الحمام بشاة، إلا الطائر فإن فيه قيمته في موضعه].
والمعنى: أن هذه التي اصطادها المحرم جعلنا لها مثل ما قتل من النعم يحكم به رجلان منا.
يقول السائل الكريم: الضبع لا يحل أكله، هل معنى ذلك أنه ليس فيه فدية؟ نحن نشترط في الصيد الذي يصطاده المحرم شروطاً: أن يكون مباحاً، أي: ليس محرماً، وإنما محرم أن تصطاده، وكذلك وحشي أي لا يؤلف، فإن تحقق هذان الشرطان جاز أن تصطاده.
ثانياً: أن بعض البلاد تأكل الضبع، وأنا أخبرت أن هناك بلاداً أكثر وجبة لها هي الضبع.
قال: [إلا الطائر فإن فيه قيمته في موضعه، وهذا هو الأصل في الضمان بدليل سائر المضمونات من الأموال، وتعتبر القيمة في موضع الإتلاف، كما لو أتلف مال آدمي قوم في موضع الإتلاف كذا هاهنا].
بمعنى الطائر إلا الحمامة، فلو أن محرماً اصطاد طائراً يقوّم بقيمته؛ لأنه ليس له مماثل في المعنى، فيقوم بالقيمة في موضع الإتلاف.
[إلا الحمامة ففيها شاة والنعامة فيها بدنة، لما سبق من قضاء الصحابة رضي الله عنهم.
ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً].
فهو هنا أيضاً بالخيار بين أن يقوّم بإخراج المثل، أو أن يقوم بطعام، فيطعم عن كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً.
[وعن أحمد أنها على الترتيب] أي أن إحدى الروايتين عن أحمد أنها على التخيير، والأخرى أنها على الترتيب، أي أنه لا ينتقل إلى الإطعام أو الصيام إلا إذا عجز عن المثل.
[فيجب المثل أولاً].
أولاً لو كان على الترتيب يجب المثل.
[فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام، روي نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن هدي المتعة على الترتيب وهذا آكد منه، فإنه يفعل محظوراً، وعنه: لا طعام في الكفارة، وإنما ذكر في الآية ليعدل به الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح.
كذا قال ابن عباس، ودليل الرواية الأولى قوله سبحانه: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة:95]].
فكلمة ((أوْ)) هنا للتخيير، إذاً إما أن يلزم بالمثل أو بالإطعام، أو بالصيام عن كل مد يوماً.
[روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كل شيء أو فهو مخير، وأما ما كان فإن لم يجد فهو للأول الأول؛ ولأن هذه الفدية تجب بفعل محظور، فكان مخيراً بين ثلاثتها كفدية الأذى].
وهو الراجح أنه مخير بين واحدة من الثلاث.
ولأقرب لك المفهوم: لو أن محرماً اصطاد حمامة وجاء يقول لك: ما الحكم؟ تقول له: أنت مخير بين ثلاثة أشياء: 1 - أن تذبح شاة؛ لأن الصحابة قضوا في الحمامة بشاة.
2 - أو تطعم بقيمة الشاة فقراء.
3 - أو أن تصوم عن كل مد يوماً.
[فإذا اختار المثل ذبحه وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:95]، وإن اختار الإطعام فإنه يقوم المثل بدراهم، والدراهم بالطعام، ويتصدق به على المساكين لكل مسكين مداً من البر كما يدفع إليهم كفارة اليمين، وإن اختار الصيام صام عن كل مد يوماً؛ لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام، فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار، وعنه] يعني: رواية أخرى عن أحمد، والرأي الأول هو الراجح.
هل هناك من الأشياء التي يصطادها المحرم شيء لا مثل له في المعنى؟ نعم.
الجراد، فإنك لو نظرت إلى الجراد لتحقق فيه، فالجراد يؤكل للحديث: (أحل لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فهما الكبد والطحال) وإن كان فيه ضعف، ولكن أنا أستأنس به هنا؛ لأنه في بعض البلدان الجراد يؤكل وكذلك الضبع يؤكل.
فهناك من الأشياء التي تصطاد ما لا مثل له كالجراد، فكيف أقومه؟ بقيمة، لا أ

أنواع الفدية الواجبة على الترتيب

[الضرب الثاني من الفدية على الترتيب وهو: التمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع].
الشارح قبل ذلك ذكر الحكم في كل دم وجب لترك واجب، وأن ذلك على التخيير، والأصل أن ترك الواجب ليس على التخيير وإنما على الترتيب.
فلو أن رجلاً حج متمتعاً، حيث أدى عمرة ثم تحلل، ثم ظل على حله إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم لبس الإحرام ولبى بالحج، فعليه دم؛ لأن المتمتع يشترط أن يظل في مكة ولا يعود إلى وطنه، وإن خرج خارج مكة وعاد إلى وطنه أو ذهب إلى المدينة ثم عاد فيكون مفرداً؛ لأن المدينة لها ميقات، ومصر لها ميقات، والمتمتع يلزمه بعد أداء النسك في يوم العيد أن يذبح، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]. إذاً: يلزمه أن يذبح، ولو عجز عن الذبح فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فتلك عشرة كاملة، كذلك الأمر في كل واجب، فأي واجب يتركه يُلزم بالذبح أو الصوم.
فلو أن رجلاً حج وترك طواف الوداع، وطواف الوداع واجب، وأما طواف الإفاضة فركن، فالذي يترك طواف الوداع يلزمه هدي، أو صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ولو أن رجلاً حج وترك المبيت بمزدلفة، فهنا المبيت بمزدلفة على الراجح واجب، فيجبر بدم أو يصوم إن عجز عن الذبح، وهذا على الترتيب وليس على التخيير.
[لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:196]].
فإذا لم يصم هناك ثلاثة أيام صام العشر كاملة هنا، وليس المقصود بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:196] أي: أنه لا بد أن يرجع إلى وطنه، وإنما إذا رجعتم بعد انتهاء النسك، هذا هو المقصود.
قال: [وفدية الجماع بدنة، فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع لما سبق من إجماع الصحابة، وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة بالقياس على البدنة الواجبة بالوطء].
فإذا باشر فأنزل فعليه بدنة، وإن باشر ولم ينزل فعليه شاة.
فإذا جامع وأنزل إما أن يكون قبل التحلل الأصغر أو بعد التحلل الأصغر، فإن كان قبل التحلل الأصغر فعليه أن يمضي في النسك، وأن يذبح بدنة، وأن يحج من قابل، فإن عجز عن البدنة يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وهذا كلام المصنف.
قال: [وكذلك الحكم في دم الفوات] دم الفوات: هو الإحصار، والفوات له أحكام سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، قبل أن ندخل في باب دخول مكة، وباب صفة الحج والعمرة.
اللهم اكتب لنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً متقبلا يا رب العالمين.

الأسئلة

حكم طلاق غير المدخول بها

السؤال

أنا عاقد على امرأة، وكان من شروط العقد ألا تعمل، فكذبوا عليّ أنها لا تذهب إلى العمل، وكانت تذهب من ورائي، فعلمت بذلك فقلت لأبي، فقال لي: إنك ستتزوجها شئت أم أبيت.
فقلت له: هي طالق طالق طالق، فما حكم ذلك الطلاق، وهل من نصيحة لهذه المرأة؟

الجواب

أنت الآن طلّقت ثلاثاً، فهي طالق لا شك لأنك طلّقت، فلا يشترط أن تكون موجودة، وأنت تقول: أنا عاقد، أي قبل البناء، والمعقود عليها دون بناء ليس لها عدة، لكن إن أردت أن ترجع إليها فيلزمك عقد ومهر جديدين.
أما أهل البنت فأقول لهم: اتقوا الله في الصدق؛ فإن الصدق منجاة، قلتم له: إنها لا تعمل، ثم كذبتم عليه وهي تذهب إلى العمل، وهذا يبطل عقد الزواج؛ لأن المؤمنين على شروطهم، طالما أن الشرط لم يحل حراماً ولم يحرم حلالاً، فهو اشترط ألا تعمل، وأنتم وافقتم على شرطه، فأنتم كذبتم عليه وخدعتموه.
وأقول لأبيه أيضاً: لا يجوز لك شرعاً أن تكره الابن على الزواج من امرأة كذبت عليه، أو كذب عليه أهلها.
أما الحكم الشرعي: فهي طالق ولا تحل لك إلا بعد عقد ومهر جديدين.

حكم بدء الحج بالوقوف بعرفة

السؤال

رجل والدته مريضة يريد أن يحج هذا العام هو وزوجته، ولكنه اقترح على زوجته أن يسافر هو وهي من محل عمله في الكويت في 9 ذي الحجة، أي يوم الوقوف بعرفة، فهل يجوز هذا، وهل للحج أركان؟

الجواب

نعم يجوز أن يذهب من الكويت إلى عرفة مباشرة؛ لأنه سيكون قد فاته منى، ومنى من المستحبات وليست من الواجبات، ومن أدرك عرفة فقد أدرك الحج.

حكم قبول الهدايا المأخوذة بالربا

السؤال

أهدي إلي ثلاجة وعلمت أنها اشتريت بالقسط بفائدة، فما حكم هذه الهدية؟

الجواب

لا شيء عليك، فالإثم على من أهداك وليس عليك.

حكم العمل المباح لدى تاجر مخدرات

السؤال

تاجر مخدرات عنده سباكة في بيته، وأنا سبّاك استدعاني لأصلح سباكته، فهل عملي مشروع أم غير مشروع، وهل أجري حلال أم حرام؟

الجواب

المال في يده هو حرام، أما في يدك أنت فحلال، وهذه القاعدة مهمة جداً؛ لأن البعض يخلط بينهما أحياناً، والله تعالى أعلم.

حكم تخصيص بعض الليالي بالقيام

السؤال

في أحد المساجد بعض الناس يخصصون يومين في الأسبوع لصلاة القيام؟

الجواب

هذا غير صحيح وهذا ابتداع في دين الله عز وجل.

حكم دخول المدخن إلى المسجد

السؤال

هل التدخين ينقض الوضوء؟

الجواب

لا ينقض الوضوء، إنما المدخن لا يجوز له أن يدخل المسجد؛ لأنه أكثر ممن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، وإنما العلة في عدم دخول من أكل البصل هو أن رائحة فمه تؤذي الملائكة وتؤذي المصلين، وإن لم يكن في المسجد مصلين.

حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة

السؤال

هل يجوز جمع الأضحية والعقيقة؟

الجواب

لا يجوز، فالأضحية نسك وهي مقدمة على العقيقة.

حكم جعل العصمة بيد الزوجة

السؤال

هل يجوز شرعاً أن يتزوج رجل بامرأة وتكون العصمة في يدها؟

الجواب

نعم يجوز باتفاق جمهور العلماء أن تكون العصمة بيد الزوجة، وما معنى العصمة في يد الزوجة؟ معناها: أن الزوج وكّل الزوجة شرعاً في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وليس أن تطلق نفسها، وأن تقول له: طلقني، فيقول لها: أنتِ طالق، ولا يجوز له أن يمتنع؛ لأنه يجوز له أن يوكّل غيره في طلاق زوجته، كما يجوز له أن يوكل غيره فيجوز له أن يوكّل الزوجة في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وهذا كلام الجمهور وأدلتهم كثيرة، منها: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف:19] إذاً وكّلوا واحداً منهم في أن يأتي بطعام، فالوكالة هنا تجوز، وللزوج أن يفوض وهو يملك الحق.
لكن السؤال الأهم: هل يسقط حق الزوج في الطلاق إن فوّض للزوجة في طلب الطلاق؟ لا يسقط، أي أنه يجوز له أن يطلق حتى وإن لم تطلب هي.

المنهجية في طلب العلم وفائدة مجالسة العلماء

السؤال

من هم الشيوخ الذين تلقيت عندهم العلم؟ وكيف طلبت العلم؟ وبم تنصح طلاب العلم؟

الجواب

هذا موضوع طويل، ولكن طلبت العلم من منهجي الدراسي، إضافة إلى مقابلتي للعلماء والتي كان فيها الفوائد الكثيرة.
أي أنك لا بد أن تجلس تحت أقدام العلماء سواء في المسجد الحرام أو المسجد النبوي فتقابل العلماء، وكان الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى يفتح بيته في بعض أيام الحج إن جاء إلى مكة لطلبة العلم، ولا يتناول الطعام إلا مع الفقراء والمساكين في هذا الوقت، فكان له دروس منهجية علمية فضلاً عن دروس بعض علمائنا، وممن أُقدّره وأسأل الله أن يشفيه رجل عالم فقيه وهو الشيخ محمد مختار الشنقيطي شفاه الله عز وجل، فهو رجل يحمل فقهاً لا يبارى فيه، ولذلك درس علمه في الحرم يحضره أكثر من عشرين ألف طالب علم؛ لأنه في الفقه ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وفي علم الحديث الدكتور عبد المحسن العباد فهذا الرجل في علم الحديث أمة، فإذا شرح البخاري أو مسلماً أو النسائي أو أبا داود في الحرم المدني يقول لطالب عنده: اقرأ، فيقول الطالب: قال المصنف رحمه الله: حدثنا مكي بن إبراهيم فيقول الشيخ: مكي بن إبراهيم ثقة ثبت، روى له أصحاب الكتب الستة ووثقه ابن حبان يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، من أول السند إلى آخره، فهؤلاء هم العلماء، لا المتردية والنطيحة من الذين لا يعلمون شيئاً، رجل يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، ويوثق ويجرّح على حسب قراءته في كتب الأسانيد، وانظر إلى مدى الإحاطة بالعلم.
ومن الشيوخ أيضاً الذين ينبغي أن تستمع إليهم في هذا المجال من علمائنا هناك في المملكة -لأن المدينة بها مجموعة من العلماء في العقيدة والحديث والفقه- الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله، وكان من الشرقية من بلد تسمى المهدية، ثم رحل على قدميه إلى السعودية بعد أن اختلف مع أبيه، وظل يطلب العلم حتى حصل على الوسائل العلمية وأصبح قاضياً شرعياً في المدينة رحمه الله تعالى، قد شرح الموطأ ذهاباً وإياباً أكثر من مرة، وهو حجة في الفقه المالكي.
عموماً لا بد لطالب العلم في هذا الزمن أن يجلس ليتعلم على أيديهم؛ لأنه كما قيل قديماً: من لم يرحل إلى بغداد يعتبر مذمة فيه؛ لأن بغداد كانت قبلة العلماء، فكانت تعج بعلماء الأمة كـ ابن حنبل وابن الجوزي وابن أبي الدنيا والخرائطي والحافظ البغدادي، وحدث ولا حرج عن المفسرين والمحدثين، فمن لم يكن يرحل إليها يعتبر مذمة في طلبه للعلم، كذلك من لم يرحل إلى المدينة أو مكة ليسمع العلم الحقيقي من أهلها والعلم الذي عليه نور العلم السلفي، فهؤلاء هم علماء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فضلاً عن الدراسة المنهجية، فالحمد لله رب العالمين، درسنا في جامعة الأزهر، ثم الآن في دار العلوم، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأساتذتي في دار العلوم جزاهم الله خيراً، فإن فيهم العلماء كالدكتور عبد الحميد مدكور الذي هو في علمه أمة، وهكذا الدكتور مصطفى حلمي في العقيدة وغيرهم من نماذج يحتذى بها في طلبها للعلم.
أسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.

العدة شرح العمدة [46]

من أتى محظوراً من محظورات الإحرام فعليه كفارة حسب المحظور الذي أتاه، ومن تكرر منه المحظور قبل الكفارة فكان من جنس واحد أجزأته كفارة واحدة غير قتل الصيد فإن في كل واحد كفارة، وقتل الصيد والجماع يستوي في وجوب كفارته العمد والسهو، أما سائر المحظورات فلا شيء عليه إذا سها.

أحكام الإحصار والفوات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ثم أما بعد.
فلا زلنا مع باب الفدية في كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
كنا قد تحدثنا عن محظورات الإحرام وعن الفدية، وذكرنا بأن محظورات الإحرام تسعة وهي: 1 - حلق الرأس.
2 - تقليم الأظافر.
3 - الطيب في بدنه أو ثوبه.
4 - لبس المخيط.
5 - تغطية الرأس والأذنان منه.
6 - قتل الصيد البري الوحشي المباح.
7 - الوطء والمباشرة بدون جماع.
8 - عقد النكاح لنفسه أو لغيره.
9 - الوطء في الفرج.
هذه محظورات تسعة، وكل محظور له فديته، ونحن الآن نتحدث عن المسألة التي قال عنها المؤلف: (وفدية الجماع بدنة) فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو محرم قبل التحلل الأصغر يلزمه أربعة أشياء: 1 - أن يتم النسك.
2 - أن يقضي من قادم.
3 - عليه بدنة، وحجه فاسد.
4 - إذا لم يستطع أن يذبح بدنة فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ثم قال المؤلف: [وكذلك الحكم في دم الفوات] الفوات هو: أن يفوته الحج ليس بسبب الإحصار، فكل إحصار فوات، وليس كل فوات إحصاراً، فما هو الإحصار وما هو الفوات؟ الإحصار شيء يمنعه من أداء النسك كعدو، أو يحول بينه وبين دخول مكة كشرطة ترحله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]، فالذي حال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أداء العمرة المشركون في صلح الحديبية، وهذا إحصار؛ لأن الذي حال بينه وبين مكة عدو، أي: أن الإحصار هو أن أُمنع عن البيت رغم إرادتي.
أما الفوات: فهو أن يفوتني الحج لمرض، فهنا فوات وليس إحصاراً، لأنه لم يمنعني أحد، وربما يفوتني الحج لنوم في منى ولم أستيقظ إلا في يوم النحر، أي: أن عرفة فاتتني، وربما يفوتني ركن من أركان الحج ولا أستطيع أن أحصّله، فهذا يسمى فواتاً، فكل إحصار فوات، وليس كل فوات إحصاراً.
قال: [وكذلك الحكم في دم الفوات] بمعنى أن من فاته الحج فعليه دم، فإن لم يستطيع ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:196] قال: [لأن عمر رضي الله عنه قال لـ هبار بن الأسود لما فاته الحج: إذا كان عام قابل فحج، فإن وجدت سعة فاهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله].
فلو أن رجلاً لبى بحج وأدى المناسك، ثم نام في منى في ليلة التاسع من ذي الحجة، وظل نائماً إلى يوم النحر، فهنا فاته الحج؛ لأنه فاته ركن، فنقول له: اهد -أي اذبح- وإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت، وعليك القضاء من قادم.
قال: [وعنه] أي رواية أخرى عن أحمد [لا هدي عليه] والصواب أن عليه الهدي [والأول أصح لأنه قول عمر وجماعة من الصحابة، وعنه: لا قضاء عليه إن كانت نفلاً] والراجح أن عليه القضاء؛ لأن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196] والمعنى: إذا بدأتم في نسكها فلا بد أن تتموها، فعليه القضاء من قابل.
هذا الراجح من أقوال العلماء.
إذاً: الفوات هو من فاته الحج أو ركن من أركان الحج لا بسبب الإحصار، إنما بسبب النوم أو بسبب عذر، فنقول له: عليك الهدي، والهدي هو أن يذبح شاة، ثم تتم النسك وتقضي من قابل.
[والمحصر يلزمه دم] والمحصر هو الذي حبسه حابس عن دخول مكة، إلا إذا اشترط كما في حديث ضباعة بنت الزبير حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (حجي واشترطي: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) فإن لم أشترط عند الإحرام فإن أحصرت فيلزمني دم في المكان الذي أحصرت فيه سواء في الحرم أو الحل؛ فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينما توجهوا إلى مكة ومنعهم المشركون من دخولها، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا وأن يذبحوا، وقال عمر: علام نقبل الدنية في ديننا؟ فتحلل النبي صلى الله عليه وسلم وذبح، يقول تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]، فإن لم يجد المحصر دماً فعليه صيام عشرة أيام، ولا تقل: صيام ثلاثة أيام في الحج؛ لأنه لم يدخل مكة، فهو أحصر، فعليه صيام عشرة أيام.
[وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم حصروا في الحديبية أن ينحروا، ويحلقوا، ويحلوا؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام.
رواه البخاري؛ لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل ينتقل إليه كدم المتمتع والطيب واللباس].
شأنه شأن أي دم.
فلو أن رجلاً أحرم من جدة لأداء مناسك الحج، وبينما هو في الطريق إلى مكة تم القبض عليه لعدم الحصول على تصريح الحج، وتم ترحيله ورد إلى جدة مرة ثانية، فما هو الواجب عليه؟ إن اشت

حكم المحظور إن تكرر

قال: [ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة] المعنى: أن محظورات الإحرام إما أن تكون متجانسة وإما أن تكون مختلفة، كأن يكون تطيب ثم تطيب ثم تطيب، المحظورات هنا ثلاثة من جنس واحد، أو لبس المخيط ثم لبس المخيط ثم لبس المخيط، إما أن يرتكب محظوراً من جنس واحد، وإما أن يرتكب محظوراً من أجناس مختلفة كأن تطيب ولبس المخيط وحلق رأسه، فهنا ارتكب ثلاثة محظورات مختلفة، فإما أن تكون المحظورات متجانسة وإما أن تكون مختلفة.
قال: [ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة] اصطاد نعامة، ثم اصطاد نعامة، عليه فديتان؛ لأن الصيد يلزمه فيه الضمان؛ لأن هذه النعامة تختلف عن النعامة الأخرى.
قال: [وذلك مثل من حلق ثم حلق] حلق رأسه وهو محرم، ثم حلق وهو محرم، ارتكب محظوراً واحداً مرتين، لكن المحظور من جنس واحد.
[أو لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، فالحكم فيه كما لو فعل ذلك دفعة واحدة -أي: مرة واحدة- وتجزئه كفارة واحدة؛ لأنها تتداخل، فهي كالحدود والأيمان].
أي: أن هذه الحالة تشبه من حلف يميناً على شيء، ثم حلف عليه مرة أخرى وكرر الأيمان ثلاث أو أربع مرات على شيء واحد، فإن حنث فكفارتها كفارة واحدة؛ لأن اليمين حتى وإن تكرر فهو يتعلق بشيء واحد.
قال: [فإن كفّر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفّر عنه فصار كأنه لم يفعله، وثبت لما بعده حكم المنفرد].
أي أنه تطيب فكفّر عن هذا بذبح شاة.
فمن تطيب وهو محرم فالفدية في حقه إحدى ثلاث على التخيير: إما أن يذبح شاة، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يُطعم ستة مساكين.
فلو أنه تطيب وفعل الفدية، ثم تطيب بعد أن كفّر، فلا نقول هنا الكفارة الأولى تجزئ عن الثانية، فإن كفّر عن الأولى يلزمه أن يكفّر عن الثانية.
قال: [فإن كفّر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفّر عنه، فصار كأنه لم يفعله، وثبت لما بعده حكم المنفرد، وهكذا لو كرر شيئاً من محظورات الإحرام التي لا يزيد الواجب فيها بزيادتها ولا يتقدر بقدرها، فأما ما يتقدر الواجب بقدره -وهو إتلاف الصيد- فإن في كل واحد منها له جزاؤه سواء فعل مجتمعاً أو متفرقاً، ولا يتداخل بحال ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني لما سبق].
وهذا هو الراجح من روايات الإمام أحمد.
إذاً: من فعل محظوراً من جنس واحد لزمه كفارة واحدة، طالما لم يكفر عن الأول، لكن إن كفّر عن الأول فيلزمه كفارة عن الثاني إن عاد إلا الصيد، فإنه إن اصطاد ولم يفد، ثم اصطاد ولم يفد، يلزمه للأول فدية وللآخر فدية؛ لأن الصيد ضمانه ضمان أعيان.
[وإن فعل محظوراً من أجناس -أي: أجناس مختلفة- وذلك مثل إن حلق، وقلّم، ولبس، وتطيب، ووطئ فعليه لكل واحد كفارة، وعنه: إن مس طيباً، ولبس، وحلق فكفارة].
عن أحمد روايتان، لكن الراجح إن فعل محظورات مختلفة فعليه لكل محظور كفارة، فإن تطيب، ولبس المخيط، وحلق الشعر فعليه ثلاث كفارات، فإذا حلق وتطيب ولبس المخيط ووطئ عليه أربع كفارات، وهكذا إن تعددت المحظورات طالما كانت من أجناس مختلفة يلزمه عن كل محظور فدية.
ثم قال: [والحلق، والتقليم، والوطء، وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه].
وهذه مسألة مهمة في محظورات الإحرام، فمثلاً محرم نسي وجامع، أو لبس غطاء على رأسه، أو تطيب ما حكمه؟ انظر إلى المحظور، هل يستطيع رده أم لا يستطيع؟ الطاقية التي لبسها هل يستطيع أن يزيلها؟ شعر الرأس إن حلقه هل يستطيع أن يرده؟ أما العامد فلا فصال فيه وحكمه معروف، إنما الكلام في الناسي، فننظر إلى المحظور الذي ارتكبه؛ فإن استطاع أن يرده ويتخلص منه فلا شيء عليه، وإن لم يستطع فعليه الفدية، فهناك فرق بين المحظورين: إذا استطاع أن يرد، وإن لم يستطيع.
فالطيب يستطيع إزالته بمسحه أو بغسله بالماء؛ لأن المحرم الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر الطيب أمره أن يزيل الطيب ولا شيء عليه؛ لأنه أخطأ ولا يعرف الحكم.
إذاً: من قتل صيداً وهو ساه هل يستطيع أن يرد الصيد وقد قتله؟ طالما لا يستطيع يكون الساهي كالعامد، فإن استطاع فلا شيء عليه.
وهنا نقول: رجل قلّم أظافره وهو محرم ناس، ما حكمه؟ ليس عليه شيء، وإذا لبس المخيط وهو ساه فليس عليه شيء.
إذاً: الساهي حكمه يختلف، إن استطاع أن يزيله فلا شيء عليه، وإن لم يستطع فعليه فدية سواء كان عامداً أو ساهياً.

ما يسقط من كفارات الحج والعمرة بالسهو وما لا يسقط

قال: [والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه -يعني: في وجوب الضمان- لأنه ضمان إتلاف، فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي].
كذلك قال: [وسائر المحظورات لا شيء في سهوه].
أي الطيب، لبس المخيط، تغطية الرأس، لا شيء في سهوه.
[قال أحمد رحمه الله: قال سفيان: ثلاثة في الحج العمد والنسيان سواء: إذا أتى أهله، وإذا أصاب صيداً، وإذا حلق رأسه].
ويقاس على حلق الرأس تقليم الأظافر؛ لأنه لا يستطيع أن يرد الشعر ولا الأظافر.
[قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده]، والشعر إذا حلقه فقد ذهب لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده فهذه الثلاث: العمد، والخطأ، والنسيان فيها سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاث فهو يقدر على رده.
مثلاً: إذا غطى المحرم رأسه، ثم ذكر فألقى الغطاء عن رأسه، فليس عليه شيء، أو لبس خفاً ثم نزعه، فليس عليه شيء.
[وعنه: أن الفدية تلزم الجميع].
والراجح الأول؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286]. ما الفرق بين من يقدر ومن لا يقدر؟ نقول: طالما يقدر على أن يرد الشيء نلزمه بفعله، تماماً كرجل صلى صلاة الظهر ثم تبيّن بعد الصلاة أنه صلى بثوب نجس، فنقول له: طالما لم يخرج الوقت أعد الصلاة، وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وطالما يستطيع أن يحصل في الوقت فنأمره بالتحصيل.
ولذلك قال: [يستوي عمده وسهوه في ثلاثة أشياء].

مواضع الإتيان بالهدي والفدية ولمن تكون

قال: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم].
إذاً: فالهدي والفدية لمساكين الحرم، إلا المعسر الذي يذبح في مكانه سواء من حل أو حرم، إما لأنه أُحصر في عرفة، أو الحديبية، أو منى، فالمحصر يذبح في حله أو حرمه حيث أُحصر، أما الهدي فلا بد أن يذبحه في الحرم، وليس المقصود بالحرم هو المسجد الحرام وإنما حدود مكة، والفدية كذلك لا بد أن تذبح في الحرم، لكن هناك فرق بين الهدي والفدية، أولاً: الفدية لا يأكل منها، والهدي يأكل منه.
ثانياً: الهدي آخره آخر أيام التشريق بعد غروب شمس اليوم الرابع، والفدية تمتد إلى حيث استطاع، وربما ارتكبت محظوراً من محظورات الإحرام وأستطيع الذبح، وأريد أن أذبح ولكن ليس معي نقود في الحرم، فيمكنني أن أرسلها وأنا في مصر لتذبح بعد ذي الحجة ولا شيء علي.
ثالثاً: أن كلاهما يجزئ في الأضحية، وتنطبق عليها شروط الأضحية، فلا يكون الهدي ولا الفدية عوراء ولا عرجاء ولا غير ذلك؛ لأن هذا لا يجزئ في الأضاحي، ولا يجزئ من الضأن إلا ما له ستة أشهر، ومن الماعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنوات، إنما الفرق بينهما أن الهدي يأكل منه والفدية لا يأكل منها.
كذلك لو أن رجلاً عليه كفارة يمين فعليه إطعام عشرة مساكين، ولا يأكل منها، والهدي حكمه حكم الأضحية، وكذلك النذر لا يأكل منه؛ لأن النذر ينبغي أن يكون لله تعالى، وهذا ما سنتحدث عنه في الباب الأخير من النذر والأضحية.
قال: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:33] والطعام كالهدي في اختصاصه بمساكين الحرم؛ لقول ابن عباس: الهدي والطعام بمكة، والصوم حيث شاء، ولأنه طعام يتعلق بالإحرام فأشبه لحم الهدي].
فالإطعام هو لستة مساكين من مساكين الحرم، والذبح يكون في الحرم، أما الصيام فحيث شاء.
أما الطيب فحكمه إن كان ناسياً أنه لا شيء عليه، ولكن عليه أن يزيل أثر الطيب؛ لأنه يقدر على رده، وإن كان عامداً فهو بالتخيير: إما أن يذبح شاة، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يُطعم ستة مساكين.
فإن اختار ذبح الشاة فيذبحها في الحرم، وليس لها موعد فيذبحها متى شاء؛ لأنها فدية، وليس له أن يأكل منها، وإن اختار الإطعام فيطعم ستة من مساكين الحرم، وإن اختار الصيام فيصوم حيث شاء؛ لقول ابن عباس: (الدم والطعام بمكة، والصوم حيث شاء).
قال: [ومساكين الحرم من كان فيه سواء كان من أهله أو وارداً إليه كالحاج وغيره].
ومساكين الحرم هم كل من كان في الحرم سواء كان من أهله أو وارداً عليه، وينطبق عليه ما ينطبق على مصارف الزكاة الثمانية في سورة التوبة.
قال: [وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم].
أي: المساكين الذين يجوز دفع الزكاة إليهم.
[إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق فيه.
نص عليه] فدية الأذى وفدية الإحصار.
لماذا استثنينا أذى الرأس والإحصار؟ [لحديث كعب بن عجرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية ولم يأمره ببعثه إلى الحرم].
كعب بن عجرة كان يشكو من تساقط القمل من رأسه، والقمل مرض جلدي يصيب جلدة الرأس فيحتاج معه إلى إزالة الشعر، وكعب بن عجرة قال: (يا رسول الله! إني أشكو من وجع في رأسي، فأمره بإماطة الشعر وأن يفدي في مكانه) هل ذبح كعب بن عجرة في الحرم أم خارج الحرم؟ خارج الحرم.
وعلى هذا يقول أحمد والدليل معه: استثنينا فدية الأذى وفدية الإحصار، أما فدية الأذى فمستثناة بحديث كعب بن عجرة، وأما فدية الإحصار فمستثناة بفعل النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: [وهدي المحصر ينحره في موضعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا هداياهم بالحديبية] والحديبية خارج مكة من الحل وليست حرماً، وعلى هذا يستثنى من الذبح في الحرم الأذى والحصار.
قال: [وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:18] وعمر بن الخطاب هو الذي أزال هذه الشجرة من جذورها؛ لأنه رأى أن البعض ربما تبركوا بها؛ لأن تحتها تمت البيعة، فاجتزها من جذورها سداً لذريعة الشرك، وعندنا في الشرقية شجرة يرحل الناس إليها، وهناك (مضخة للماء) والتي تريد أن تحمل تشرب من مائها وتغتسل منه أسأل الله أن يزيلها، وهذا كله شرك نسأل الله العافية.
ولو أن الأمر بيد أصحاب التوحيد لهدمت هذه الأماكن التي يشرك فيها مع الله عز وجل، واندثرت هذه القباب العالية التي يُذبح عندها، ويُطلب منها المدد.
ومن اللطائف: أن رجلاً قال: إني نذرت للبدوي شاة إن شفيت ابنتي، فجاءتها حمى فماتت -إنا لله وإنا إليه راجعون- فنزل هذا الرجل يخ

الأسئلة

حكم شعر اللحية المتساقط

السؤال

محرم يهذّب اللحية فوقع شيء من شعره، هل عليه شيء؟

الجواب

ليس عليه شيء، إذا لم يتعمد فعل ذلك.

حكم تكرار العمرة من التنعيم

السؤال

ما حكم تكرار العمرة من التنعيم؟

الجواب

بالنسبة لتكرار العمرة من التنعيم فمختلف فيها، والراجح فيها عدم الجواز.

حكم العمل في المقاهي

السؤال

رجل يعمل في المقهى ما حكم عمله؟

الجواب

نقول: ما طبيعة المقهى؟ إن كانت القهوة تقدم شاياً وقهوة وغير ذلك فلا بأس، وإن كانت تقدم شيشة ولعب طاولة فعمله حرام، ينظر أولاً إلى طبيعة المقهى هل يعمل في الحلال أم في الحرام.

حكم التحلل بقص جزء صغير من الشعر

السؤال

هل يصح عند التحلل من الإحرام قص جزء صغير من شعر الرأس أم قص عموم الشعر؟

الجواب

الصواب أن تعم الشعر بالتقصير، حتى أن بعض العلماء قالوا: إن من قص بعض الشعر لم يتحلل، أي: أنه ارتكب محظوراً يحاسب عليه؛ لأن حلق بعض الرأس ليس من السنة أبداً.

العدة شرح العمدة [47]

الطواف بالبيت العتيق ركن من أركان الحج والعمرة، إلا أنه يكون طواف قدوم في العمرة أما في الحج فطواف الركن هو الإفاضة، ويشرع للطائف بالبيت استلام الحجر الأسود، فإن لم يستطع اكتفى بالإشارة إليه مع التكبير، كما يشرع له أن يرمل في الثلاثة الأشواط الأول ويمشي في الأربعة الباقية.

استحباب دخول مكة من أعلاها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب: (العدة شرح العمدة) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع شرح كتاب الحج والعمرة، باب: (دخول مكة).
قال رحمه الله: [يستحب أن يدخل من أعلاها؛ لما روى ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى)، وروت عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها)، متفق عليه].
إن هذا الكلام يحتاج إلى تحقيق، بمعنى: هل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان على سبيل السنة، أم أن دخوله كان من العادات، وهناك رسالة ماجستير للأخ الفاضل محمد سليمان الأشقر -على ما أذكر- تحمل هذا العنوان: (أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقتها بالتشريع)، فمن أفعاله ما يعد تشريعاً، ومن أفعاله ما يعد عادة.
وهب أنه ركب هنا دابة، فهل المستحب أن نركب في هذا المكان دابة؟ وهذه الرسالة موجودة، وإن شاء الله سبحانه وتعالى سنحاول أن نقف على بعض عناصرها.

دخول المسجد من باب بني شيبة

قال: [ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل منه]، أي: هل يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يدخل من باب بني شيبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام دخل منه، ومعلوم أن المسجد الحرام له أكثر من باب: باب السلام، وباب العمرة، وباب الملك فهد، وباب الملك عبد العزيز، إلى غير ذلك من الأبواب.
قال: [وفي حديث جابر الذي رواه مسلم وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عند ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد)].
أيضاً هل نستطيع أن نقول: إن من أراد أن يدخل مكة فليدخلها في الضحى، أم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد وافق الضحى عند دخوله مكة؟ إن من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما يعد تشريعاً، ومنها ما يعد عادة، فإذا ندب النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى فعل معين فهو للاستحباب، ثم هل الصحابة والسلف كانوا يدخلون مكة من أعلاها، ويدخلون المسجد الحرام من باب بني شيبة، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ إن الضابط أن يفعله الصحابة على أنه سنة؛ لأنهم يتأسون بالنبي عليه الصلاة والسلام، ثم يُنظر في هذا الفعل، هل كان هذا الفعل على سبيل الاستحباب فعلاً، أم لا؟ فإن كان على سبيل الاستحباب فهو مستحب، وإن كان عادة فهو العاديات التي لا يُستحب للإنسان الإتيان بها، كحادثة تأبير النخل لما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أي أن هذا ليس على سبيل التشريع.

ما يفعله الحاج عند رؤيته للبيت

قال: (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا، وروي رفع اليدين عند رؤية البيت عن ابن عمر وابن عباس)، أي: أن رفع اليدين، وقول: الله أكبر الحمد لله، ثم الدعاء، من فعل ابن عباس وابن عمر له حكم الرفع؛ لأنه لا يمكن أن نتصور أن الصحابي يأتي بعبادة من عند نفسه، بل قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ففعله، ولذا فأقوال الصحابة وأفعالهم في الأمور التعبدية لها حكم الرفع، وكذلك في الأمور العقدية المرتبطة بالعقيدة.
قال: [وروى أبو بكر بن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة) يعني: عند تكبيرة الإحرام (واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة) فيستحب بعد أن يرتقي جبل الصفا أو المروة أن يرفع يديه ويدعو الله عز وجل (وعلى الموقفين، والجمرتين)]، والموقفان: عرفة، ومزدلفة؛ لحديث أسامة بن زيد: (رفع يده -يوم عرفة- حتى سقط خطام الدابة من يده)، وكذلك فعل عليه الصلاة والسلام في مزدلفة.
والجمرتان: الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، فيرمي الجمرة الصغرى بسبع حصيات، ويكبر بعد كل حصاة، ثم يقف مستقبل الكعبة ويدعو، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يدعو بمقدار قراءة سورة البقرة، وكذلك يفعل في الجمرة الوسطى والكبرى، لكن لا يقف يدعو بعد رمي الجمرة الكبرى، وهذا ما سنوضحه إن شاء الله في بيان صفة الحج والعمرة.
قال: (ولأن الدعاء يستحب عند رؤية البيت؛ فقد أمر برفع اليدين عند الدعاء، ويستحب أن يدعو فيقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته، ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك؛ اللهم تقبل مني واعف عني، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت)، ذكر هذا الدعاء أبو بكر الأثرم، وبعضه مروي عن سعيد بن المسيب، وهو يليق بالمكان فذكرناه).
وسعيد بن المسيب كما هو معروف من كبار التابعين، ومراسيله يؤخذ بها؛ لأنه أخذها عن الصحابة، ولذلك فمراسيل التابعين الكبار، كمراسيل سعيد بن المسيب حينما يأخذونها عن الصحابة لها حكم الرفع، وأصل الدعاء هنا مشروع، فيدعو المسلم بما شاء، وهذا الدعاء الذي أورده المصنف هو على سبيل الاستئناس.

فصول الكتاب · 3 فصل · 39 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمان · 39 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
تغطية الرأسالطيب في البدن والثوبقتل الصيدعقد النكاحالمباشرة لشهوة فيما دون الفرجالوطء في الفرجالوطء في الفرجحكم الوطء في العمرةاستواء المرأة والرجل في أحكام الحجالعدة شرح العمدة [45]فدية ارتكاب محظورات الحج والعمرةفدية الأذى واللبس والطيبفدية قتل الصيدما يضمن من الصيدضابط الصيدما يضمن به الصيدأنواع الفدية الواجبة على الترتيبالأسئلةحكم طلاق غير المدخول بهاالسؤالالجوابحكم بدء الحج بالوقوف بعرفةالسؤالالجوابحكم قبول الهدايا المأخوذة بالرباالسؤالالجوابحكم العمل المباح لدى تاجر مخدراتالسؤالالجوابحكم تخصيص بعض الليالي بالقيامالسؤالالجوابحكم دخول المدخن إلى المسجدالسؤالالجوابحكم الجمع بين الأضحية والعقيقةالسؤالالجوابحكم جعل العصمة بيد الزوجةالسؤالالجوابالمنهجية في طلب العلم وفائدة مجالسة العلماءالسؤالالجوابالعدة شرح العمدة [46]أحكام الإحصار والفواتحكم المحظور إن تكررما يسقط من كفارات الحج والعمرة بالسهو وما لا يسقطمواضع الإتيان بالهدي والفدية ولمن تكونالأسئلةحكم شعر اللحية المتساقطالسؤالالجوابحكم تكرار العمرة من التنعيمالسؤالالجوابحكم العمل في المقاهيالسؤالالجوابحكم التحلل بقص جزء صغير من الشعرالسؤالالجوابالعدة شرح العمدة [47]استحباب دخول مكة من أعلاهادخول المسجد من باب بني شيبةما يفعله الحاج عند رؤيته للبيت
كتاب البيوع
جارٍ التحميل