قال رحمه الله: كتاب الصلاة: روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).
والصلوات الخمس واجبة على كل: مسلم عاقل بالغ، إلا الحائض والنفساء.
قوله: حديث عبادة بن الصامت، هذا الحديث عمدة في أمرين هامين: الأمر الأول: أن الصلوات المفروضة على المسلم خمس.
قالت الأحناف: الوتر واجب، وهذا قول مرجوح، لأن حديث عبادة قال: (خمس صلوات في اليوم والليلة)، هذا نص في أن الواجب خمس صلوات، ولو أن رجلاً نذر أن يصلي لله ركعتين، فإنه يصبح في حقه واجب، إذاً: هذا خرق لهذا الحديث، الواجب بحق الإسلام، لكن ليس معنى ذلك أن يكون هناك واجبات أخرى قد يفرضها الإنسان على نفسه، وقد تكون عارضة كصلاة الكسوف عند من قال بوجوبها، وكصلاة الاستسقاء عند من قال بوجوبها، لكنها ليست في اليوم والليلة وإنما هي عارضة، والحديث يتحدث عن الواجب في اليوم والليلة في حق المسلم: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) وكتب بمعنى: فرض، وهي من صيغ الوجوب، وكلمة كتب المراد بها: الكتابة القدرية الكونية، وهناك كتابة شرعية دينية، وعدم التفرقة بين الشرع الديني والقدر الكوني يوقع في ضلال بعيد.
فقوله تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:183]، فهذه كتابة شرعية دينية، فهناك فرق بين الشرع الديني والقدر الكوني.
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:21]، وهذه كتابة قدرية كونية وليست شرعية دينية، وقد أجاد شيخ الإسلام رحمه الله في بيان الفرق بين الكوني القدري والشرعي الديني في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ووضع باباً كاملاً في الفرق بين الأمر الشرعي الديني، والأمر الكوني القدري.
وقوله في الحديث: (كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن -أي: على الصلوات الخمس- كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن وضيعهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)، ولعل هذا دليل الجمهور في أن تارك الصلاة تكاسلاً وليس جاحداً تحت مشيئة الله، خلافاً للحنابلة الذين جاءوا بأدلة تبين أن تارك الصلاة تكاسلاً كافر كفراً يخرج من الملة، يعني: إن تركها تكاسلاً يكفر، فلا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، والجمهور رأيهم: أنه يكفر كفراً عملياً، ودليلهم هذا الحديث حديث عبادة: (ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد ولا برهان وأمره إلى الله).
والحنابلة قالوا: هذا الحديث مخصوص بأحاديث أخرى بيّنت أن تارك الصلاة كافر، منها حديث: (إن آخر من يخرج من النار أناس تعرفهم الملائكة بآثار سجودهم)، إذاً الذي لا يصلي لا يخرج من النار؛ لأن الحديث فيه: آخر من يخرج من النار تعرفهم الملائكة بآثار السجود، فالذي لا يصلي كيف تعرفه الملائكة وهو لا يصلي، فلن يخرج من النار.
واستدلوا أيضاً على كفر تارك الصلاة بحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، وقول الصحابة: كنا لا نعد من الأوامر الشرعية أمراً يعد تركه كفراً إلا الصلاة، فيا تارك الصلاة هل تريد أن تكون مختلفاً في أمرك؟ وقد اتفق الفريقان على أن تارك الصلاة يستتاب ثلاثاً، فإن أصر على تركها يقتل، ولكن الحنابلة يقولون: يقتل ردة، والجمهور يقولون: يقتل حداً كالزاني المتزوج يرجم حداً، ومعنى أنه يقتل حداً: أنه يصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
لكن لو جئنا برجل لا يصلي وقلنا له: صل وإلا قتلناك بعد ثلاث، فقال: اقتلوني ولن أصلي، فهذا جاحد لأننا لا نتصور أن يقال له: ستقتل ويختار القتل على الصلاة وهو مقر بها.
ومن أدلة كفر تارك الصلاة: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:38 - 43]، إذاً: تارك الصلاة في سقر، والذي قال عن القرآن: إن هو إلا سحر يؤثر يعني: من جحد القرآن فهو في سقر أيضاً، فكأن تارك الصلاة مع الذي قال: إن القرآن سحر، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن لم يحافظ عليهن حشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف)، قال ابن القيم رحمه الله: فمن شغله ماله حشر مع قارون، ومن شغلته وزارته حشر مع هامان،
الأسئلة
كيفية قضاء الصلوات الفائتة
السؤال
رجل ترك الصلاة لمدة خمسة أيام ثم عاد إلى الصلاة من نحو ثلاثة أيام، فكيف يؤدي ما فاته؟
الجواب
اختلف العلماء في هذا على قولين: القول الأول: لا قضاء للفائتة، وإنما عليه أن يكثر من النوافل.
والقول الثاني: عليه أن يقضي.
والراجح أنه يقضي إذا كانت الفائتة غير متعددة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى الفجر بعد شروق الشمس، وقضى العصر بعد غروب الشمس في يوم الأحزاب، فثبت أنه صلى قضاءً، صلى الفجر بعد الشروق، وهذا يسمى قضاء، وصلى العصر بعد الغروب يوم الأحزاب، وهذا مشروعية القضاء.
لكن إذا تعددت الفروض، ترك الصلاة شهراً أو تركها سنة، فإن الراجح من أقوال العلماء أنه لا يقضي وإنما يكثر من النوافل.
أما إذا ترك صلاة واحدة فقط فيقضيها حينما يذكرها؛ لحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، ولا يتركها إلى الفرض الثاني.
حكم من فاتته صلاة العصر حتى غربت الشمس
السؤال
فاتتني صلاة العصر وقد أقيمت صلاة المغرب فأيهما أصلي أولاً؟
الجواب
لا بد أن يصلي العصر للحفاظ على الترتيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته العصر في يوم الأحزاب بعد غروب الشمس صلى العصر ثم المغرب، قال ابن حجر في الفتح معلقاً: وفي هذا مشروعية الترتيب في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثم المغرب بعد غروب الشمس.
حكم من ترك صلاة واحدة متعمدا
ً
السؤال
هل ترك صلاة واحدة كترك الصلوات جميعاً؟
الجواب
إن ترك الصلاة لنوم أو لنسيان فهذا معذور، ولكن إن أصر على تركها فهذه مسألة خطيرة جداً، لذلك قال العلماء: لا ينظر في أمر تارك الصلاة إلا بعد أن يترك أكثر من فرض، لكن شيخ الإسلام يقول: لو أن رجلاً نام وقد عزم النية على أن لا يستيقظ، بأن ضبط المنبه على الساعة الثامنة، أو قال لأهله: أيقظوني الساعة الثامنة، فهو على خطر عظيم، وأنا لا أقطع بكفره، ولكن مسألة التكفير نحن نتورع فيها، وأرجو من إخواني أن يتورعوا فيها، وأن لا يطلقوا لألسنتهم العنان في التكفير أبداً، فتارك الصلاة مرتكب لكبيرة، وهذا بلا أدنى خلاف، وتارك الفجر متعمداً مرتكب لكبيرة، بل من أكبر الكبائر وليس كبيرة فقط.
حكم صلاة الرجل في بيته جماعة
السؤال
ما حكم صلاة الرجل بالأسرة في المنزل؟
الجواب
ليس هناك صلاة للرجال في البيت إلا النافلة، صلاة البيت للنساء، أما الرجال في المساجد: (ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، وإن كان الحديث فيه كلام، لكن لا بد أن تعلم أن المساجد جعلت للصلاة، وحديث ابن أم مكتوم الرجل الأعمى الذي لم يجد من يقوده إلى المسجد، ربما تعترضه هوام، وربما يصطدم بشجرة في الطريق، وربما يقع في حفرة، فلم يرخص له النبي في ترك الجماعة، بل قال له: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب).
يا مبصر! النبي لم يرخص لأعمى في ترك الجماعة، فهل تريد منا أن نرخص لك أن تصلي في بيتك، والله يقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:42 - 43]، كلمة يدعون هنا بمعنى: ينادى عليهم بالصلاة، حي على الصلاة، فالذي صلى في بيته وترك الجماعة لم يستجب للمؤذن.
وخير دليل استدل به شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله: أن الله عز وجل رخص للمقاتلين في سبيله أن يصلوا إلى غير قبلة، فيصلون إلى جهة العدو، أو رجالاً أو ركباناً، ويصلون في نعالهم، ويصلون والسلاح على أكتافهم، ويصلون ركعة ثم يتأخرون كما جاء في وصف صلاة الخوف، ومع كل هذا لم يرخص لهم في ترك الجماعة، فقال تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:102]، انظر إلى الحرص على الجماعة حتى في القتال، طائفة تدافع وطائفة تصلي في الخلف هذا دليل وجوب واضح، وأنت آمن ليس هناك ما يمنعك من الصلاة في الجماعة، ولكن يمكن أن تصلي النافلة مع أهلك كما جاء في حديث معاذ الذي في البخاري حيث كان يصلي العشاء الآخرة خلف النبي عليه الصلاة والسلام ثم يعود إلى قومه فيصلي بهم العشاء هو متنفل وهم مفترضون، وهذا دليل الشافعي -والراجح خلافاً للجمهور- على أنه يجوز للمتنفل أن يؤم المفترض، وحديث معاذ حجة وعمدة في هذا.
الحكم إذا نزل المني بعد الغسل
السؤال
زوجتي اغتسلت بعد الجماع ثم بعد ساعتين نزل شيء كالمني، فقلت أنا: يكفي الوضوء، وقالت هي: لا بد من الغسل؟
الجواب
إذا نزل مني من الفرج بعد الغسل دون أن تتبول المرأة أو الرجل فيجب الغسل، أما إذا تبول كما قال صاحب المغني فإن البول طارد لبقايا المني، يعني: إذا جامعت ثم تبولت ثم اغتسلت فلا عبرة لما ينزل بعد ذلك؛ لأن البول مسلك لمجرى المني، أما إذا اغتسلت دون تبول ونزل مني فإنه يلزمك الغسل بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
العدة شرح العمدة [8]
الصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة إلا الحائض والنفساء، ومن جحد وجوبها فقد كفر، كما أنها تؤدى في أوقاتها المعلومة المحددة لها، ولا يجوز تأخيرها أو التكاسل عن أدائها والتهاون بها؛ لأنها ركن الإسلام وعموده وشعيرته العظمى.
فضل صيام يوم عاشوراء
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المتقين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: قبل أن نواصل الحديث مع كتاب العدة في فقه الإمام أحمد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى نذكر بيوم عاشوراء، ويوم عاشوراء هو: اليوم العاشر من شهر الله المحرم.
وشهر الله المحرم من الأشهر الحرم التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:36]، والأربعة الحرم: ثلاثة على التوالي وشهر رجب الفرد، والتي على التوالي هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ونبينا صلى الله عليه وسلم -قال كما رواه مسلم في صحيحه-: (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل)، فصيام شهر الله المحرم من الأمور التي بينها نبينا صلى الله عليه وسلم.
وصوم عاشوراء كما هو رأي عند الفقهاء كان قد فرض على المسلمين في بدء الأمر قبل أن يفرض رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه، فلما فرض صيام رمضان نسخ صيام عاشوراء وبقي على التخيير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من شاء صام ومن شاء أفطر)، فتحول صيام عاشوراء من الفرض إلى الندب.
ويوم عاشوراء يوم أنجى الله فيه موسى عليه السلام من الغرق، وأغرق فيه فرعون ومن معه، والنبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بمخالفة اليهود؛ وقال صلى الله عليه وسلم: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر)، ثم لم يعش حتى يصوم التاسع والعاشر، وقد يتبادر أن هناك تناقضاً بين قولنا: إنه صامه عند نزوله المدينة، يعني: في أول سنة هجرية وبين قوله: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) ولا تناقض؛ فإنه لما رأى اليهود يصومون عاشوراء صامه وأمر بصيامه، فلما أخبر بأنهم يصومون عاشوراء ويفردونه بالصيام فأمر بمخالفتهم من الله عز وجل، وهذا في العام العاشر، فقال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر).
وبهذا استدل العلماء على القاعدة الأصولية التي تقول: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بنسخه.
وشيخ الإسلام له تحفظ على هذه القاعدة، ولكن أردت أن أوضح أن الصيام عرف في بني إسرائيل فكانوا يصومون عاشوراء، والنبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء.
فأريد أن أذكر بصيام هذا اليوم، وينبغي أن تضم إليه يوماً قبله أو يوماً بعده؛ حتى تخالف صيام أهل الكتاب بالنسبة لهذا اليوم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه: (يكفر ذنوب سنة ماضية)، وما أكثر ذنوبنا! فينبغي أن نتواصى بصيام يوم عاشوراء.
حكم تأخير الصلاة عن وقتها
قال المصنف رحمه الله: [فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم عاقل بالغ، إلا الحائض والنفساء، فمن جحد وجوبها لجهله عرف ذلك، وإن جحدها عناداً كفر، ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها].
ذكرنا أنه لا يحل أن تؤخر الصلاة عن وقت وجوبها، وسنذكر في كتاب مواقيت الصلاة أن لكل صلاة ميقاتاً بينه جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام، والله سبحانه قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:103] وأحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها، ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها.
قال المصنف: [إلا لناوٍ جمعها، أو مشتغل بشرطها، فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل].
قوله: (إلا لناوٍ جمعها).
الظهر يجمع مع العصر، والمغرب مع العشاء، وإما أن يكون جمع تقديم أو جمع تأخير، فلا يجوز أن تجمع صلاة الليل مع صلاة النهار، يعني: لا يجوز أن تجمع المغرب مع العصر، هذا لا يجوز، وإنما الجمع يكون لفرضين: إما بالنهار وإما بالليل، وشروطه أربعة: الشرط الأول: أن يكون القصر لصلاة رباعية، فالصلاة الثنائية لا تقصر، والصلاة الثلاثية لا تقصر.
الشرط الثاني: أن يكون القصر في مسافة طويلة قدروها بأكثر من ثمانين كيلو متر، ويرى صاحب المغني أن تحديد المسافة ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة وإنما مطلق السفر يجوز فيه القصر.
الشرط الثالث في القصر: أن يكون قد نوى القصر؛ لأن النية أمر هام جداً.
الشرط الرابع للقصر: أن يكون على سفر، فلا يجوز أن يقصر في محل الإقامة، فإذا صار خارج البلدة فله أن يشرع في القصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وهو يرى المدينة؛ لأنه كان قد شرع في السفر.
وهذه الشروط الأربعة للقصر عند الحنابلة سنتحدث عنها.
والجمع رخصة، بمعنى: في حالة الخوف من ضياع الوقت لك أن تجمع، وفي حالة الحبس لك أن تجمع، وفي حالة السفر لك أن تجمع، والنبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير مرض ولا سفر وقال: (حتى لا أشق على أمتي)، رواه مسلم.
يقول بعض العلماء: هذا لأهل الأعذار؛ فمثلاً: يصح الجمع للذي يشق عليه أن يصلي الفرض في وقته كطبيب يقوم بإجراء عملية جراحية لمريض، والعملية قد تستغرق ست ساعات، فإذا فتح بطنه وقام بإجراء العملية وأذن الظهر يستحيل أن يترك بطنه مفتوحاً ليصلي ثم يعود؛ لأن هذا أمر لا يحتمل التأخير فيبقى معه حتى ينتهي تماماً، فإذا دخل وقت العصر وهو لا يزال في إجراء العملية فله أن يجمع الظهر مع العصر.
مثال آخر: طالب في جامعة دخل المدرج الساعة الحادية عشرة، فأغلق الدكتور أبواب المدرج ولم تفتح إلا بعد نداء العصر، وليس هناك ماء، فله أن يجمع في هذه الحالة؛ لتعذر الصلاة؛ لأنه في هذه الحالة لن يستطيع أن يخرج، وإن خرج فسيحدث مفسدة وقد لا يفتح له أحد، فضلاً عن عدم وجود الماء، فإن قال قائل: يتيمم قلنا: الماء موجود، لكنه غير قادر على استخدامه، فالصلاة غير ممكنه في هذه الظروف.
إذاً: هناك ظروف حرجة قد تدفع الإنسان إلى الجمع.
فإذا نوى المسلم الجمع فيجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يدخل وقت الصلاة الثانية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، فيجوز تأخير وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر، والنبي عليه الصلاة والسلام صلى في يوم عرفة الظهر مع العصر جمع تقديم.
وصلى بالمزدلفة المغرب والعشاء جمع تأخير والظهر والعصر جمع تقديم.
وابن مسعود صلى خلف عثمان رضي الله عنهما في منى، والصلاة في منى في أيام التشريق وفي يوم التروية تكون قصراً لا جمعاً، يعني: كل فرض في وقته ويصلى قصراً: الظهر ركعتين والعصر ركعتين، لكن عثمان رضي الله عنه أتم، وابن مسعود قال له: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر وكانوا يقصرون الصلاة، أما أنت فقد أتممت وأنت الإمام، فأتم خلفه، ثم قال له: الخلاف شر، فلم يرد أن يختلف مع إمامه، لكن هناك من العلماء من اعتذر عن فعل عثمان بخمسة أقوال أرجحها كما قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: أنه رضي الله عنه كان قد تأهل في منى، وأقام فيها فأصبحت منى بالنسبة له محل إقامة، وعند ذلك يجوز له أن يتم الصلاة، وهذا أرجح الأعذار التي اعتذر بها بعض العلماء لفعل عثمان؛ لأنه يستحيل أن يتعمد عثمان رضي الله عنه مخالفة السنة، فلاشك أن هناك سبباً جعله يتم، أو يكون قد نزل بمنى ونوى الإقامة، فأصبحت بالنسبة له دار إقامة فينبغي أن يتم فيها الصلاة؛ لأن جمهور العلماء يقولون: إذا نزل المرء إلى بلد ونوى أن يقيم فيها أكثر من أربعة أيام فله أن يتم وليس له القصر، مثال ذلك: إذا ذهبت إلى الإسكندرية من القاهرة وقد حددت مدة إقامتك فيها أسبوعاً، فهل يجوز لك أن تقصر الصلاة هناك؟
الجواب
لا؛ لأنك نزلت بها وقد نويت الإقامة أكثر من أربعة أيا
حكم تارك الصلاة
الصلاة من تركها تهاوناً استتيب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل بالسيف؛ لما سبق، وقد اختلفت الرواية في الذي يجب قتله، فقال القاضي: يجب قتله إذا ترك صلاة واحدة حتى تضايق وقت الثانية؛ لأنه إذا ترك الأولى لم يعلم أنه عزم على تركها، فإذا خرج وقتها علمنا أنه تركها، لكن لا يجب قتله؛ لأنها فائتة، والفائتة وقتها موسع، فيصبر عليه حتى يتضايق وقت الثانية.
والرواية الثانية: أنه يجب قتله إذا ترك ثلاث صلوات ويتضايق وقت الرابعة عن فعلها؛ لأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة، فإذا رأيناه ترك الرابعة علمنا أنه عزم على تركها فيجب قتله، وهذا يدل على إباحة قتله.
وقال عليه السلام: (نهيت عن قتل المصلين)، فمفهومه أنه لم ينه عن قتل غيرهم، وقال: (بين العبد والكفر ترك الصلاة)، رواه مسلم.
والكفر مبيح للقتل بدليل حديث: (لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق)، متفق على معناه.
فالمقصود: أن تارك الصلاة يستتاب، واختلفوا متى يستتاب، ولـ أحمد في ذلك روايتان: الرواية الأولى: إن ترك الظهر نتركه حتى يأتي وقت العصر، فإن جاء وقت العصر ولم يصل علمنا أنه لم يجمع بينهما وقد خرج وقت الظهر مع العصر وجاء وقت المغرب، إذاً: هو قد ترك فرضين متتاليين يجوز له أن يجمعهما، فإن ترك فرضين متتاليين وجاء الفرض الثالث فإنه يستتاب، والذي يستتيبه هم أهل الحل والعقد، والذي يقتله هو ولي الأمر، أما أن كل أحد يقتل تارك الصلاة فستتحول البلاد إلى برك دماء، فيا عبد الله! أنت غير مأمور بالاستتابة ولا بالقتل، فإن الذي يستتيب تارك الصلاة هم العلماء؛ لأنهم يستطيعون أن ينفوا عنه الشبهة وأن يقيموا عليه الأدلة، والذي يقتله إن أصر على تركها هو ولي الأمر، أما أنا وأنت فليس في يدنا أن نقتل، فانتبه إلى هذا المعنى، ولا تقل: جاري لا يصلي، فتستتيبه ثم تقتله؛ لأن الاستتابة لأهل الحل والعقد، والقتل لولي الأمر، ولا يجوز غير ذلك أبداً.
قال: (فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً) يعني: ثلاث مرات.
والرواية الثانية لـ أحمد: أن يترك ثلاثة فروض ويدخل وقت الرابعة، يعني: يترك الظهر والعصر والمغرب ويدخل وقت العشاء؛ لأنه ربما يكون متأولاً أو فاهماً فهماً خاطئاً فلا يترك ثلاثة فروض متتالية، وفي الرابعة يستتاب ويقام عليه الحجة ويبين له.
وأنا قلت قبل: إننا لا نتصور أن رجلاً يختار القتل على ترك الصلاة إلا إذا كان جاحداً لها، وهذا ليس ممكناً أبداً.
وهذا يبين بياناً شافياً عظم قدر الصلاة في شرعنا، وأن البعض يضيعها وهو يظن أن هذا أمراً هيناً، وهو أمر عظيم جداً عند الله عز وجل.
قال: [فإذا وجب قتله لم يقتل حتى يستتاب ثلاثاً، ويضيق عليه، ويدعى إلى فعل كل صلاة في وقتها، ويقال له: إن صليت وإلا قتلناك؛ لأنه قتل لترك واجب فتتقدمه الاستتابة كقتل المرتد، فإن تاب وإلا قتل بالسيف لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم].
فانظروا إلى إسلامنا، يعني: حتى في الذبيحة من الأنعام لا بد أن تريحها على الجنب الذي تستريح فيه، ولا تذبحها إلا بالسكين الحادة، حتى لا تعذبها.
وهنا سؤال مهم وهو: رجل يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء كل يوم بعد العشاء، فما حكمه؟
و
الجواب
أنه يستتاب؛ لأنه خرج بالصلاة عن وقتها، وكأنه لم يصل، يقال له: اجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، أما أن تصلي صلاة النهار بالليل فلا، يقول أبو بكر رضي الله عنه: إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وحقاً بالليل لا يقبله بالنهار.
وهنا سؤال آخر يقول: صلاة الجمعة جاءت في وقت الامتحان فهل يحضر الجمعة أو يحضر الامتحان؟
و
الجواب
أن هذا يبين لك أن واضع وقت الامتحان في هذا الوقت ليس له شأن بالجمعة، وأنه في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، فالمفروض أن واضع الامتحان يراعي أوقات الصلاة، فحتى الجمعة التي هي واجب على كل المسلمين يضع الامتحان في وقتها؟! وأقول لك: سقطت عنك الجمعة لأسباب: السبب الأول: أن هناك في علم الأصول ما يسمى تزاحم الواجبات، وهناك واجب مضيق وواجب موسع، وهناك واجب يحتمل التأخير وواجب لا يحتمل التأخير، كمن انشغل بالصلاة فرأى ناراً قد اشتعلت في داره فهل يترك الصلاة أم يطفئ النيران؟ فيؤخر الصلاة؛ لأنه من أهل الأعذار في هذه الحالة، قال العلماء: الشيء الذي لا يحتمل التأخير يقدم، وغالب النساء تسأل: أنا أصلي الظهر وبينما أنا أصلي اشتعلت النار من البوتاجاز في الإناء فهل أترك الصلاة أم أترك البوتاجاز والنار؟ وأقول: هذا لا يحتاج إلى كلام، فالشرع يقول: ما لا يحتمل التأخير يقدم، وهذا يسمى في علم الأصول تزاحم الواجبات.
فأنت الآن إن تركت الامتحان ستعقد لك لجنة خاصة وتُحاسب، فأنت الآن في حكم المحبوس المأسور، والأسر أنواع، لكن إ
باب الأذان والإقامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأذان والإقامة: وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء، والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيها، والإقامة إحدى عشرة كلمة، وينبغي أن يكون المؤذن أميناً صيتاً عالماً بالأوقات، ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً على موضع عالٍ، مستقبل القبلة، فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً، ولا يزيل قدميه، ويجعل أصبعيه في أذنيه، ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة، ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين، ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها -يعني: للفجر- لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم).
ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول)].
قوله: (هما مشروعان للصلوات الخمس) أي: الأذان والإقامة، والأذان لغة: هو الإعلان، واصطلاحاً: هو الإعلان بدخول الصلاة بألفاظ مخصوصة.
ومن تعريفهم للأذان بهذه الصورة ينبغي أن نعلم أنه لا يجوز لأحد أن يزيد في الأذان حرفاً، أو أن يزيد فيه كلمة، فلا يجوز أن يقول قائل: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله بزعم أنه يحب رسول الله، فإنه كاذب في دعواه؛ لأن من يحب أحد يتبعه، فالمحبة اتباع، وأنت حين تقول: أسيد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد، والسيد مطاع، فالسيد المطاع يأمرك أن تؤذن بهذه الطريقة فتسييدك فيه عدم طاعة، يعني: أنت تسيد قولاً لكنك في واقع الأمر لا تسود.
قلت لأحدهم: هل أنت تحب رسول الله أكثر من بلال؟ قال: نعم، لأنه لا يجد إجابة، فقلت: بلال كيف كان يؤذن هل كان يقول: أشهد أن محمداً أم أن سيدنا محمداً؟ كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وأبو محذورة كان يؤذن هكذا، وهكذا في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لم يكن فيه سيدنا، فدل ذلك على أنها بدعة محدثة، قالوا: لأن الشافعي قال: من باب الأدب، والأدب قدم على العلم، ويستدلون باستدلالات منها: أن أبا بكر أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصلي فرفض الأمر وعاد إلى الصلاة مأموماً، فقدم الأدب على الأمر، وفي الحديث: أن أبا بكر كان يصلي بالناس جماعة والنبي صلى الله عليه وسلم في قباء يصلح بين طائفتين وبين قبيلتين- فجاء النبي والصديق يصلي إماماً في الركعة الأولى فصفق الصحابة على أيديهم، فالتفت أبو بكر بطرف عينه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في الصف الأول فأشار إليه: أن اثبت، وفي هذا أمر له أن يصلي، فأبى أبو بكر وتراجع، وبعد الصلاة قال له: (ما لك تراجعت إذ أمرتك؟ فقال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي إماماً برسول الله)، وهذا من باب الأدب.
قالوا: فـ أبو بكر قدم الأدب على الأمر، إذاً: لنا أن نقدم الأدب على الأمر، فنقول: هذا قياس مع الفارق؛ فهذا أدب أقره النبي صلى الله عليه وسلم، أما (سيدنا) فهو أدب لم يقره، فلا يجوز أن تجتهد في أدب لم يقره النبي صلى الله عليه وسلم، بل أنت بذلك قليل الأدب؛ لأن الأدب أن تتبع، الأدب أن تتبع السنة وأن تطيع السيد الذي تسوده.
فقوله: (الأذان خمس عشرة كلمة)، يعني: أن كلمات الأذان معدودة، فلو أن أحداً قال: ست عشرة فيكون بذلك قد ابتدع.
وهي: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فهذه خمس عشرة كلمة.
والمراد بالكلمة هنا الجملة، ومن ذلك قول الله عز وجل في سورة الكهف: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:5]، وهم قالوا جملة، وهي: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:4]، فقال الله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ [الكهف:5]، فسمى الجملة كلمة، فدل على أن الجملة تسمى كلمة.
فالأذان للصلوات الخمس دون غيرها؛ لأن المقصود منه الإعلان بوقت الصلاة المفروضة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها؛ ولأن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن لها دون غيرها.
وهنا ينبغي أن تفرق بين أذانين: أذان أبي محذورة وأذان بلال، فـ أبو محذورة كان يرجع، وبلال كان لا يرجع.
والترجيع هو أنك قبل أن تتلفظ بأشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله بصوت منخفض.
والأذان الذي له ترجيع له إقامة معينة، والأذان الذي ليس
العدة شرح العمدة [9]
الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، وهو مشروع للرجال دون النساء، وعدد كلماته خمس عشرة كلمة والإقامة إحدى عشرة كلمة، وينبغي للمؤذن أن يكون أميناً صيتاً عالماً بالأوقات، كما يستحب أن يؤذن وهو قائم متطهر.
باب الأذان والإقامة
قال المصنف رحمه الله: [باب الأذان والإقامة.
وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء].
والمعنى: أن الأذان والإقامة مشروعان فقط للصلوات الخمس، فلا أذان ولا إقامة لصلاة العيد، ولا أذان ولا إقامة لصلاة الكسوف، ولا أذان ولا إقامة لأي صلاة أخرى، إلا أن صلاة الكسوف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل منادياً ينادي: الصلاة جامعة.
وهناك من قال: ينطبق على العيد ما ينطبق على الكسوف، وهذا قول باطل؛ لأن هذا القول من مراسيل الزهري وأيضاً: النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم لصلاة العيد بغير أذان ولا إقامة ولا نداء بالصلاة جامعة، فمن فعل ذلك فقد ابتدع وأحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلها ولم يؤثر عنه أنه كان يقول قبل صلاة العيد: الصلاة جامعة، أو كان يرسل منادياً، إنما كان يخرج للصلاة دون نداء، هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وقوله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء) أي: أن الأذان للرجال دون النساء، فليس للنساء أذان ولا إقامة.
قال في الشرح: [لأن المقصود منه الإعلام بوقت الصلاة المفروضة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها، ولأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يؤذنون لها دون غيرها، وذلك مشروع للرجال دون النساء، وقال الحسن وإبراهيم والشعبي وسليمان بن يسار: ليس على النساء أذان ولا إقامة].
ألفاظ الأذان والإقامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيها، والإقامة إحدى عشرة كلمة].
وألفاظ الأذان هي: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فهذه خمس عشرة كلمة.
ثم قال: [والإقامة إحدى عشرة كلمة].
وألفاظ الإقامة هي: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
إذاً: الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة إحدى عشرة كلمة، وقد ذكرنا قبل ذلك حديث عبد الله بن زيد أنه قال: (لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر قال: ثم استأخر عني غير بعيد، قال: ثم تقول إذا قمت للصلاة فذكر الإقامة مفرداً غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، مرتين، ثم لما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فيؤذن به؛ فإنه أندى صوتاً منك).
وفي هذا الحديث فوائد، منها: انشغال الصحابة بالأمر الشرعي، فـ عبد الله بن زيد انشغل في نومه بالأذان؛ لأنه نام وقضية الأذان تشغله وتؤرقه وتسيطر على فكره.
لذلك يروى أن شيخاً أراد أن يختبر تلميذه، فقال له: يا ولدي! هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومك؟ قال: لم أره ولا مرة، قال: إذاً: يا ولدي! حبك فيه ضعف، قال: كيف؟ قال: سأبرهن لك الآن على ذلك، وقدم له طعام العشاء، وجعل في طعام العشاء أنواعاً من الأكل الذي يحتاج إلى ماء، ثم قال له: الماء مقطوع، فنم إلى الصباح ثم تشرب إن شاء الله تعالى، فنام التلميذ عطشاناً، وفي الفجر قام التلميذ فقال له الشيخ: ماذا رأيت في المنام؟ قال: رأيت أنهاراً وأمطاراً وسحباً وأنا أشرب، قال: صدق عطشك فصدقت رؤياك، ولو صدقت محبتك لتعلق قلبك بالحبيب صلى الله عليه وسلم.
ولذلك يقول سيدنا أنس: ما من ليلة تمر علي بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وأنا أراه في منامي.
وذلك لتعلق القلب؛ فالقلب يتعلق في النوم بما يحب، فالمدين يرى في نومه أنه يقضي دينه، وهكذا كل من كان يسيطر على ذهنه وقلبه شيء ينشغل به في منامه، وجرب أن تنشغل بشيء قبل نومك.
قال لي سائل: رأيت المسيح الدجال في نومي، فقلت له: متى آخر خطبة سمعتها عن الدجال؟ قال: الجمعة الماضية، قلت: كم كتاباً قرأت عن الدجال؟ قال: كنت أقرأ عنه في كتاب، فسيطر عليه الدجال فرآه في نومه؛ لأنه انشغل به، وجرب أن تنشغل بأمر يسيطر عليك فإنه لا بد أن تراه.
فذلك الصحابي الجليل انشغل بقضية الأذان وهو نائم، فرأى رجلاً في نومه معه ناقوس، فقال: يا عبد الله! أعطني الناقوس، فقال: وما تصنع به؟ قلت: نعلن به للصلاة، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال: قل: الله أكبر الله أكبر، وعلمه الأذان والإقامة، فقام عبد الله بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، وفي رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها وافقت وحي عندي)، يعني: أن هذه الرؤيا وافقت وحياً عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم قال: (قم وعلمها بلالاً فإنه أندى منك صوتاً)، وفي الحديث أنه يؤذن صاحب الصوت الحسن، ولكن للأسف أن عندنا في مساجدنا بعض الناس يصر على الأذان والناس لا يدخلون المسجد لأجل هذا الصوت، فيا رجل! اتق الله وقرب من هو أندى منك صوتاً.
شروط وآداب المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وينبغي أن يكون المؤذن أميناً صيتاً عالماً بالأوقات، ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً].
ينبغي أن يكون أميناً؛ لأنه يؤتمن على الأوقات، فالمؤذن هو الذي يعلن الوقت، والناس تبني على دخول الوقت أحكاماً، فإن كانوا صياماً أفطروا، لكن هب أنه أذن قبل الوقت فإنه سيتسبب في أن يفطر الناس خطأً، فلا بد أن يكون أميناً عالماً بالأوقات، فإن لم يكن عادلاً غرهم بأذانه في غير الوقت.
ويكون صيتاً؛ لأنه أبلغ في الإعلام بالمقصود بالأذان، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ عبد الله بن زيد: (ألقه على بلال؛ فإنه أندى صوتاً منك).
ويكون عالماً بالأوقات؛ ليتمكن من الأذان في أوائلها، وهنا
السؤال
هل يجوز للأعمى أن يؤذن؟ و
الجواب
أنه يجوز إذا كان هناك من يخبره بدخول الوقت؛ لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن، وكان أعمى، وكان له من يخبره بدخول الوقت، فإن لم يكن له من يخبره يتنحى عن النداء.
وقوله: (ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً) يعني: يؤذن وهو قائم وهو متطهر، وهذا على وجه الاستحباب، ويجوز أن يؤذن وهو على غير طهارة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً على موضع عالٍ].
يعني: مكان مرتفع؛ حتى يصل الصوت إلى أبعد بقعة، أو أكثر عدداً، والآن المكبر أغنانا عن هذا؛ وهناك مسألة خلافية: هل يؤذن المؤذن بالمكبر فوق السطح أم من داخل المسجد لأن العلة هي الإعلان؟ الشيخ الألباني له رأي وجيه جداً حيث قال: لو أن التيار الكهربائي انقطع والمؤذن يؤذن فسيؤذن في الداخل، ولكن لو أذن في الخارج والمكبر في يده لفعل خيراً؛ لأنه إذا انقطع التيار سيراه الناس، وصوته سيصل إلى الكثير.
وهناك علة أخرى وهي أنه ربما يرى الأصم المؤذن بعينه ولا يسمعه بأذنه، فيعلم أن الصلاة قد دخلت، وهناك علل أخرى أوردها الشيخ الألباني رحمه الله لمشروعية النداء بالمكبر على سطح المسجد أو على بابه أو في أي مكان في الخارج.
فيستحب أن يؤذن قائماً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ بلال: (قم فأذن)؛ ولأنه أبلغ في الإسماع.
ويكون متطهراً، وأما حديث: (لا يؤذن إلا متوضئ) فروي مرفوعاً وموقوفاً عن أبي هريرة والموقوف أصح.
ويكون على موضع عال؛ لأنه أبلغ في الإعلان، وقد روي أن بلالاً كان يؤذن على سطح امرأة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مستقبل القبلة] وهذا إجماع؛ لأن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون وهم مستقبلي القبلة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولا يزيل قدميه، ويجعل أصبعيه في أذنيه].
إذا بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح التفت يميناً في (حي على الصلاة) ويساراً في (حي على الفلاح) إن قال قائل: إن أذن في المكبر لا حاجة له بالالتفات؛ لأن الالتفات إنما هو ليسمع من على يمينه، ثم يسمع من على يساره، وقد حقق هذه المسألة ابن حجر في الفتح قائلاً: إنه أمر تعبدي، فلعل العلة أن يشهد الملائكة الذين على اليمين والذين على اليسار؛ فالعلة باقية، ولا يقول قائل: انتفت العلة بالمكبر فلا يلتفت، بل نقول: لا، إنما المشروع أن يلتفت حتى وإن أذن في المكبر.
وابن حجر العسقلاني في فتح الباري قد بحث هذه المسألة وأفاض فيها، فارجع إليه إن شئت.
ثم قال: (ولا يزيل قدميه) يعني: حينما يلتفت يميناً لا يحرك القدم وإنما يتحرك بصدره، ولا يزيل قدميه.
ويجعل أصبعيه في أذنيه، وكون المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه هذا أمر تعبدي أيضاً؛ لما روى أبو جحيفة قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم، وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً، وهو يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح) متفق عليه، وفي لفظ: (ولم يستدر، وأصبعاه في أذنيه) يعني: كان بلال على هذه الهيئة التي علمه إياها النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن يكون النداء خاضعاً لأحكام التلاوة، فلا يقل: الله أكبر، فيمدها حتى يثبت ثلاثين حرفاً، ولو قال: آكبار، خرج به عن معناه، أو يمط ويقول: حي على الصلآة، ويخفض ويرفع، فهل تغني يا عبد الله؟! هذا لا يجوز، فأكثر المد ست حركات.
حتى يكون الأذان شرعياً لابد أن تلتزم فيه الأحكام الشرعية.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة].
ومعنى يترسل في الأذان: أن يؤذن بطيئاً؛ لأن غرض الأذان هو إعلام من بخارج المسجد، فيترسل فيه حتى يفرق بين كل كلمتين، بحيث يكون هناك أكبر وقت للإعلام، أما في الإقامة فيحدر: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله سريعاً؛ لأن الإقامة لمن بداخل المسجد.
وهذا الموضوع أيضاً خلافي: هل نقيم في ال
التثويب في صلاة الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين].
وهذا يسمى عند العلماء التثويب لصلاة الفجر، وهو أن يقول بعد (حي على الفلاح): الصلاة خير من النوم، ولكن من الذي كان يقولها: بلال أم ابن أم مكتوم؟ المسألة خلافية، فمن العلماء من يقول: إن الأذان الأول ليس فيه الصلاة خير من النوم، وهذا معمول به في بعض البلدان.
والأذان الأول غير معمول به في كثير من البلدان، وأنا أربأ بمساجد أهل السنة أن تختفي فيها هذه السنة، ولنكن نحن أول المساجد التي نطبق هذه السنة، فالثابت في البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن للفجر أذانين: أذاناً قبل الفجر الصادق، وأذاناً عند الفجر الصادق، وكان يقول لأصحابه: (لا يغرنكم أذان بلال فإنه يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، والأذان الأول له غرض؛ وهو أن ينتبه الشارد ويستيقظ النائم ويغتسل الجنب، ويأتي البعيد، وهذه سنة مؤكدة ضيعناها وأقمنا بدلاً منها أذانين للجمعة، فأقول: الثابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن الفجر له أذانان.
والمؤذن للأذان الأول يختلف عن الأذان الثاني، فالمؤذن للأذان الأول يؤذن طبقاً للمذهب الأول بغير: الصلاة خير من النوم، والمؤذن الثاني يقول: الصلاة خير من النوم، وهذه فروق بين الأذانين؛ فإذا سمعت التثويب علمت أنه الأذان الثاني، وإن لم تسمع علمت أنه الأذان الأول.
فأقول لإخواني: إن كان في يدك أمر مسجد فأقم هذه السنة، شريطة أن تمهد الأمر لتقبل الناس له، فتعود إلى البلد تتحدث عن السنة وتخبر الناس وتشهر في المجتمع قبل أن تفعل، أما أن تؤذن مباشرة من غير تعليم فممكن أن تحصل في البلد مشكلة.
فمن أحيا في الإسلام سنة حسنة -وهذه سنة حسنة- فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فهذه سنة لا ينبغي أن نتباطئ في تطبيقها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين، ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها] يعني: لا يؤذن قبل حلول الوقت إلا للفجر؛ [لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم).
ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول).
الأسئلة
حكم الأذان والإقامة للجماعة الثانية
السؤال
الجماعة الثانية هل لها إقامة؟
الجواب
نعم، لها إقامة، أما الأذان فلا.
الرد على من يرى عدم الأذان الأول في الفجر
السؤال
هناك أستاذ جامعي قال: إن أذان بلال الأول في الفجر الآن يحدث زعزعة في المجتمع واضطراباً، ويقول: إن الأذان الثاني في الجمعة سنة عثمان، ولذلك لا نفعله؛ حتى لا نحدث هذا الاضطراب فما تعليقكم؟
الجواب
ونحن نقول له: إقامة السنة لا يمكن أن تحدث اضطراباً، فعلم الناس السنة بدلاً من أن تقول هذا الكلام.
وقوله: إن الأذان الثاني سنة عثمان؟ أجيب عليه قائلاً: طبق سنة عثمان، واعلم ماذا فعل عثمان، فـ عثمان أرسل مؤذناً إلى الزوراء، وهذا قبل دخول وقت الجمعة؛ ليعلم الناس بدنو وقتها، فإن أردت أن تطبق سنة عثمان فأذن قبل وقت الجمعة، ولا تؤذن بعد دخول الوقت ثم تؤذن مرة أخرى.
حكم الأذان الأول للجمعة
السؤال
هل لـ عثمان سنة؟
الجواب
نعم، عثمان من الخلفاء الراشدين، وفعله سنة؛ فإن أصل العمل مشروع وهو أن النبي كان يتخذ للفجر الأول مؤذناً، وأما أذان عثمان الأول للجمعة فله علة، وهي أن الناس في يوم الجمعة يكونون منشغلين في السوق، فأرسل مؤذناً يؤذن قبل الجمعة؛ ليعلمهم باقتراب الوقت.
مقدار الوقت بين الأذانين في الفجر
السؤال
كم الوقت بين النداءين في الفجر؟
الجواب
جاء في البخاري: ولم يكن بين ذا وذا -يعني: بين بلال وابن أم مكتوم - إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا، والله تعالى أعلم.
العدة شرح العمدة [10]
شروط صحة الصلاة هي: ستر العورة والطهارة من الحدثين وطهارة البدن والثوب والمكان ودخول الوقت والنية واستقبال القبلة، ومتى فقد شيء من هذه الشروط ولم توجد في المصلي فإن صلاته تكون باطلة غير مقبولة.
باب شروط الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب شروط الصلاة: وهي ستة: أحدها:
الطهارة من الحدث
؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ)].
قال في الشرح: متفق عليه.
شروط الصلاة: منها شروط صحة وشروط وجوب، وهناك فرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب، وهذه التي ذكرها المصنف شروط صحة، والبلوغ شرط وجوب، يعني: أن غير البالغ له أن يصلي، فإن صلى صحت صلاته، لكن الصلاة لا تجب عليه إلا بعد البلوغ.
وهناك فرق بين الشرط والركن، فالشرط هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، يعني: إذا انعدم الشرط انعدم الحكم، مثل: إنسان يصلي بغير وضوء فصلاته باطلة؛ لأنه غاب عنها شرط، فإذا انعدم الشرط انعدم الحكم.
وشروط صحة الصلاة ستة: 1 - الطهارة من الحدثين: الأكبر والأصغر.
2 - طهارة البدن والثوب والمكان.
3 - استقبال القبلة.
4 - ستر العورة.
5 - دخول الوقت.
6 - النية.
وهذه شروط صحة الصلاة، وإذا تخلف شرط من هذه الشروط الستة فإن الصلاة باطلة.
لكن إذا وجد الشرط هل بالضرورة يوجد معه الحكم؟ يعني: إذا كنت مستقبل القبلة، فهل يلزم من استقبالك القبلة الصلاة أم لا؟ لا يلزم، وعلى هذا فلا يلزم من وجود الشرط وجود ولا عدم لذاته.
أما الركن فهو: ما يدخل في الماهية ويكون جزءاً منها، كتكبيرة الإحرام وكقراءة الفاتحة، وكالركوع، وكالسجود، وكالاعتدال من الركوع، وكالطمأنينة إلى آخره.
الطهارة من الحدث
أول شروطها: الطهارة من الحدث، والحدث: فساء أو ضراط، فإذا أخرج ريحاً سواء كان الريح بصوت مرتفع أو بصوت منخفض فإنه يسمى حدثاً، وكذلك الحدث الأكبر.
إذاً: لا صلاة لمحدث حتى يتوضأ، وحتى هنا للغاية.
دخول الوقت وذكر أوقات الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الشرط الثاني: الوقت -دخول الوقت- ووقت الظهر: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله]، يعني: أن وقت الظهر له بداية وله نهاية، وأول وقت الظهر عند الزوال، والمقصود بالزوال انحراف الشمس عن وسط السماء، فوقت الظهر يبدأ بمجرد أن تصل الشمس إلى وسط السماء ثم تتحرك قليلاً، فبمجرد أن تتحرك عن وسط السماء يبدأ وقت الظهر، وينتهي وقت الظهر حينما يصير ظل كل شيء مثله.
ويبدأ وقت العصر حينما يكون ظل كل شيء مثله، وينتهي وقت العصر حينما يكون ظل كل شيء مثليه، وفي رواية أخرى لـ أحمد: عند اصفرار الشمس، وسنتحدث عن وقت العصر بعد.
قال في الشرح: [ووقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عنه الشمس؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس، والفيء مثل الشراك)].
والفيء يعني: الظل، ومعنى (مثل الشراك): شراك النعل، قال أبو بكر رضي الله عنه: كل امرئٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله يعني: أن الموت أقرب إليه من شراك النعل، والشراك هو رباط الحذاء، فتجد الظل في وقت الزوال إذا كان كشراك النعل، فهذا هو أول وقت للظهر.
قال: [(ثم صلى بي المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله، وقال: الوقت ما بين هذين)، قال الترمذي: حديث حسن، ويعرف زوال الشمس بطول الظل بعد تناهي قصره].
يعرف زوال الشمس بطول الظل، ويبدأ الظل في الزيادة بعد أن كان قصيراً.
ووقت الظهر هو وقت الجمعة، ووقت الجمعة أيضاً له وقت بداية ونهاية، ونهاية وقت الجمعة هو بداية وقت العصر، يعني: أنه يمتد وقت الجمعة إلى نداء العصر، لكن متى يبدأ وقت الجمعة؟ هل بالظهر أم قبل ذلك؟ يقول جابر كما في صحيح مسلم: (كنا نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ونذهب إلى جمالنا نريحها ولم تزل الشمس عن وسط السماء)، يعني: كانوا يصلون الجمعة قبل وقت الظهر، أي: كانوا يبكرون بالجمعة أحياناً، فللإمام الراتب أن يبكر بصلاة الجمعة إن رأى أن في ذلك مصلحة أو رخصة، أما أن يؤخر الصلاة فليس من السنة، وإني أعجب من بعض المساجد التي تؤخر صلاة الجمعة فإن هذا مخالف للسنة، فإن شاءوا فليعودوا إلى البخاري أو أي كتاب من كتب السنة؛ لينظروا كيف كانت سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والتزام السنة أولى من تركها، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: إذا كان يوم غيم أو مطر كيف نعرف الزوال؟ ف
الجواب
الحمد لله عندنا الآن الساعات وعندنا وسائل عديدة لمعرفة وقت الزوال.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ووقت العصر -وهي الوسطى- من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس].
والعصر هي الصلاة الوسطى، قال في الشرح: [لما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (شغلونا عن صلاة العصر الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)، متفق عليه].
أي: أن الصلاة الوسطى بنص هذا الحديث هي صلاة العصر، [وأول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، وهو آخر وقت الظهر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل: (وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله)، وآخره ما لم تصفر الشمس، لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس)، رواه مسلم.
وعنه أن آخره -يعني: رواية أخرى عن أحمد - إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (وصلى بي جبريل العصر في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثليه).
ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس، والضرورة: العذر، يعني: لا يباح تأخيرها إلا لعذر؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته)، متفق عليه].
إذاً: العصر له وقتان: وقت اختياري ووقت اضطراري، فإن سأل سائل: هل يجوز أن أصلي العصر بعد غروب الشمس وقبل نداء المغرب؟ فنقول: هل أنت من أهل الأعذار؟ فإن كان لك عذر فيجوز؛ لأن هذا هو وقت الاضطرار، أما وقت الاختيار فينتهي باصفرار الشمس، أو بأن يصير ظل كل شيء مثليه.
وفي الحديث: (تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق، الذي يجلس يرتقب الشمس إلى الغروب فإذا غربت قام فنقرها أربعاً)، فحكم عليه أنه منافق؛ لأنه يؤخرها بلا عذر؛ وليس هو من أهل الأعذار.
فعند الإمام أحمد أن العصر له وقتان: وقت اختيار ووقت اضطرار، ووقت الاختيار يبدأ من نهاية وقت الظهر وذلك
الأسئلة
بيان ما يقال بعد المؤذن عند قوله: الصلاة خير من النوم
السؤال
ماذا نقول عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، هل نقول: صدقت، أم ماذا نقول؟
الجواب
في الحديث: (قولوا مثلما يقول)، وهذا النص عام إلا في الحيعلتين فإنها مستثناة، فتقول مثلما يقول المؤذن، فإن قال: الصلاة خير من النوم، فقل: أنت أيضاً: الصلاة خير من النوم.
مقدار الوقت بين الأذانين في الفجر
السؤال
كم مقدار الوقت الذي بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم هل هو ثلث ساعة أم أقل أم أكثر؟
الجواب
الثلث كثير؛ لأن حديث البخاري يوضح هذا؛ فإن فيه: (ولم يكن بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم إلا أن ينزل ذا ويصعد ذا)، وابن أم مكتوم رجل أعمى، فكان ينزل بلال ويصعد ابن أم مكتوم، ونزول الأعمى قد يحتاج إلى وقت، فيُجعل بينهما: عشر دقائق أو ربع ساعة أو اثنا عشر دقيقة، ولا يزاد على هذا.
حكم إجبار الزوجة على الخلع
السؤال
هل يجوز للزوج أن يضيق على زوجته ليجبرها على الخلع ثم يأخذ منها المهر وزيادة على المهر ويأخذ كل مستحقاتها ويأخذ أكثر مما يستحق؟
الجواب
هذا أمر واقع، فبعض إخواننا هداهم الله يستحلون من المرأة ما يستحلون، والله يقول: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:21]، فأنت تزوجتها بكراً ستعود إلى بيت أبيها ثيباً، ألا تستحي من ربك عز وجل أن تعوضها عما صنعت بهذا فمنهم من يسرق القائمة، ومنهم من يجبرها على التوقيع على بياض بالتنازل عن حقها، ومنهم من يجبرها على التنازل عن المتعة والعدة ومؤخر الصداق حتى تحصل على الحرية، ويتبجح بذلك في المجالس.
فمثل هذا نقول له: أما تستحي من ربك عز وجل؟! ألا تعلم أنك بذلك تأكل ناراً في بطنك وجوفك؟ فلا ينبغي لرجل يتقي الله عز وجل أن يأخذ من حق المرأة شيئاً أبداً؛ لأن الله يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ [النساء:4]، فلا بد أن تطيب نفس المرأة بالعطاء.
اتصلت بي أخت فاضلة وقالت: زوجي يجبرني على أن أرد الصداق إليه وأنا معه الآن، والمهر الذي دفعه هو ألف ونصف، واشترت هي بالألف والنصف قطعة أرض في السبعينات، وهذه الأرض الآن بعشرين ألفاً، فهو يريد أن يأخذ الصداق وربح الصداق.
أرأيتم إلى رجل كهذا؟ فيا عبد الله! كيف تستمتع بالمرأة بدون صداق؟ فالصداق هو الذي أحلها لك، وهو الذي مكنك منها، أما أن تأخذ حقوقك الشرعية بغير صداق فأنت مفترٍ ظالم.
فأقول: إخوتي الكرام! لنتق الله عز وجل في أمورنا.
والله تعالى أعلم.
العدة شرح العمدة [11]
الصلاة لها شروط وأركان وواجبات وسنن ومستحبات ومكروهات، نصت عليها السنة النبوية، وبينت أحكامها، كما أن الفقهاء شرحوا هذه الشروط والأركان وبينوا ذلك استنباطاً من السنة النبوية، ومن شروط الصلاة المعلومة ستر العورة.
شروط صحة الصلاة
ذكرنا فيما مضى أن من شروط صحة الصلاة: الأول: الطهارة من الحدثين: الأكبر والأصغر.
الثاني: دخول الوقت، وتحدثنا عن الوقت تفصيلاً، وقلنا: لكل صلاة وقت لا بد أن يدخل حتى تؤدى، لأن البعض قد يسأل فيقول: أنا مسافر إلى القاهرة في الساعة الحادية عشرة صباحاً، وسأصل إليها بعد العصر، فهل أستطيع أن أصلي الظهر والعصر جمع تقديم في بلدي؟
و
الجواب
لا يجوز؛ لأن وقت الظهر لم يدخل بعد، وهذا كلام بدهي يعرفه الغالب من الناس.
الفرق بين الشرط والركن
والفرق بين الشرط والركن: أن الشرط: خارج عن ماهية الفعل، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
مثاله: دخول الوقت شرط لصحة الصلاة، استقبال القبلة.
والركن: ما كان داخل في ماهية الشيء أو الفعل.
مثاله: تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع، الاعتدال من الركوع، السجود، الجلسة بين السجدتين.
ستر العورة
الثالث: ستر العورة، وللعلامة ابن عثيمين رحمه الله كلام جميل في الشرح الممتع في شرح زاد المستقنع، فقال رحمه الله تعالى: وعورة الصلاة تختلف عن عورة النظر.
أي: أن العورة خارج الصلاة تختلف عن العورة داخل الصلاة، فلا تقاس عورة الرجل خارج الصلاة على عورته في الصلاة، فهذه عورة وهذه عورة.
مثال ذلك: للمرأة في بيت زوجها أن تكشف شعرها، فإذا أرادت أن تصلي في البيت فيلزمها أن تستر شعرها، سواء كان زوجها موجود أو غير موجود.
مثال آخر: يقول العلماء: إن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وهذا هو القول الراجح، لكن لا يستطيع أن يصلي الرجل وهو كاشف الكتفين ونصف البطن، وإنما لا بد أن يستر أحد عاتقيه على الأقل.
وهنا لغز فقهي يقول: امرأة تصلي فبطلت صلاتها بكلمة من غيرها، كيف ذلك؟
الجواب
أن المرأة التي تصلي أمة، يعني: عبدة مملوكة، وللأمة أن تصلي مكشوفة النحر وجزء من الصدر، لكن لو أنها صلت كاشفة الشعر والنحر، فقال لها سيدها وهي تصلي: أنت حرة، عند ذلك أصبح الشعر والنحر عورة في حقها، فيلزمها تغطيتهما.
ثم قال في الشرح: وستر العورة واجب، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، رواه أبو داود، ومعنى الحديث: أن الله عز وجل لا يقبل صلاة المرأة البالغ إلا بخمار ساتر، فتلبسه وتغطي به نفسها حتى وإن لم يرها أحد.
قال رحمه الله تعالى: ويجب سترها بما يستر لون البشرة من الثياب والجلود أو غيرها، فإن وصف لون البشرة لم يعتد به؛ لأنه غير ساتر.
حدود عورة الرجل والأمة في غير الصلاة
عورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، لما روى أبو أيوب رضي الله عنه أنه -هذه عورة نظر وليست عورة صلاة- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة)، وعن جرهد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غط فخذك فإن الفخذ من العورة)، رواه أحمد، وفي رواية أخرى عند أحمد: (الفرجان من الرجل)، وفي المقابل فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والحقيقة أن عورة الرجل في النظر لا في الصلاة فيها خلاف، هل هي من السرة إلى الركبة؟ أم هي القبل والدبر فقط؟ فمن العلماء من قال: إن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، لحديث جرهد السابق، ومنهم من قال: إن الفخذ ليس بعورة، لحديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يجلس في حجرة عائشة وقد بدا جزء من فخذه فدخل أبو بكر فظل النبي على حاله، ثم دخل عمر فظل النبي على حاله، فلما دخل عثمان أسرع النبي ودارى فخذه وجذب القميص عليه وعدل من جلسته، فقالت عائشة: يا رسول الله ما هذا الذي عملت؟ قال: ألا أستحي من رجل تستحيي منه الملائكة)، ولحديث البخاري في يوم خيبر.
لكن هناك قاعدة أصولية تقول: إن الدليل القولي مقدم على الدليل الفعلي، فحديث: (إن الفخذ عورة) قولي، وحديث: جلسة النبي صلى الله عليه وسلم وقد بدا جزء من فخذه فعلي، فيقدم القول على الفعل، لأنه ربما أنه صلى الله عليه وسلم قد جلس تلك الجلسة لعذر، أو لعل ذلك خاص به، أي: أنه قد يطرأ على الفعل ما يمكن أن يصرف به، أما القول فلا احتمال لفهمه إلا هذا الفهم، وعلى هذا فإن الأحوط من أقوال العلماء: أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة؛ لأن حديث جرهد في هذه المسألة واضح وبين.
والعورة إن كانت تُرى من خلف القميص وجب سترها؛ لأنها لم تُستر بعد.
حدود عورة المرأة في الصلاة وغيرها
والحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين، لقوله سبحانه: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:31]، قال ابن عباس: وجهها وكفيها؛ ولأنه يحرم ستر الوجه والكفين في الإحرام، ولو كانا عورة لم يجز كشفهما، وعنه: في الكفين أنهما عورة؛ لأن المشقة لا تلحق بسترهما، فأشبه سائر بدنها، وما عدا ذلك فعورة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، وعن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله! تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور القدمين)، فالحديثان يتكلمان عن عورة المرأة في الصلاة، وعورة المرأة في الصلاة تختلف عن عورة النظر، وصلاة المرأة في البنطلون باطلة، لا كما يزعم بعض من ينتسب إلى العلم ظلماً وزوراً أن صلاة المرأة بالبنطلون جائز! وذلك حتى نحببهم في الصلاة، ثم بعد ذلك نقول لهم: إن الصلاة بالبنطلون باطلة! إن هذا تميع في دين الله لا يقبل، بل ولا يرضي الله عز وجل، فضلاً عن أن البنطلون للمرأة لا يجوز؛ لأن فيه تشبهاً بالرجال، حتى ولو كانت مع زوجها بمفردها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلبس المرأة لبس الرجل، ولا يلبس الرجل لبس المرأة)، فالبنطال من ملابس الرجال، وليس للمرأة أن تلبس البنطال، وذلك كالعباءة، فهي من ملابس النساء، وليس للرجل أن يلبس العباءة، وإلا فهو متشبه بالنساء، وللمرأة أن تلبس سراويل تحت الجلباب حتى تستر نفسها، ولها أن تصلي في جلباب يجر إلى الأرض فيستر قدميها، والقدم موضع خلاف بين العلماء، لكن هذا الحديث قد حسم هذه القضية فقال: إن صلت في درع وخمار وليس عليه إزار؟ قال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها)، إذاً لا بد أن يكون الجلباب يغطي ظهور القدمين، لكن إن ظهر العقب فلا تبطل الصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وعليه فمطلوب من المرأة إذا صلت أن تلبس الخمار والجلباب الطويل حتى تستر نفسها في صلاتها.
عورة الأمة كعورة الرجل
ثم قال رحمه الله تعالى: وعورة الأمة كعورة الرجل، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زوج أحدكم أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإنما تحت السرة إلى الركبة عورة)، وكذلك أم الولد والمعتق بعضها كالأمة، وأم الولد كـ هاجر أم ولد إبراهيم عليه السلام، وهي في الفقه تُسمى كذلك، لا أن نقول: هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام، ولذلك لما سألها جبريل: من أنت؟ فقالت له: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا زوجة إبراهيم، وإنما قالت: أنا أم ولد، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة، فلو أن رجلاً أعتق جزءاً من أمته فإنها تأخذ حكم الأمة تماماً، والكلام هذا لا داعٍ للتفصيل فيه؛ لأنه غير موجود في الواقع.
حكم من صلى في ثوب أو دار مغصوبة
ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة أو توضأ بماء مسروق لم تصح صلاته؛ لأنه استعمل في شرط العبادة ما يحرم استعماله، وهذا كلام الحنابلة، وأما كلام الجمهور: فالصلاة صحيحة مع الإثم، وهذا الكلام معتبر وهو الراجح.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: والقميص الذي يلبسه المسلم ينبغي أن يكون مطابقاً للشرع، فمنه ما هو محرم لذاته، ومنه ما هو محرم لوصفه، فإن كان محرماً لذاته فالصلاة فيه باطلة، كمن صلى في ثوب حرير، أو صلى بثياب عليها تصاوير، أو صلى بثياب نسائية، فعند الحنابلة: الصلاة باطلة، وعند الجمهور: الصلاة صحيحة مع الإثم؛ لأن هذه الثياب محرمة لذاتها.
وأما المحرم لوصفه، كمن صلى مسبلاً، فصلاته باطلة عند الحنابلة، لأنهم لم يفرقوا بين المحرم لذاته والمحرم لوصفه، وعند الجمهور صحيحة مع الإثم، لذا فيحرم على الرجل أن يلبس قميصاً يجر إلى الأرض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما جاوز الكعبين ففي النار)، وقوله: (ثلاثة لا يزكيهم الله ولا ينظر إليهم ولا يكلمهم يوم القيامة: ومنهم: مسبل الإزار)، أي: أن يجعل القميص أو الجلباب بعد الكعبين.
حكم من صلى في ثوب نجس
وكذلك: من صلى في ثوب نجس، فصلاته باطلة عند الحنابلة؛ ولأن الصلاة قربة منهي عنها على هذا الوجه، فكيف يتقرب بها بما هو عاصٍ به، أو يؤمر بما هو منهي عنه؟! ورواية أخرى عند أحمد رحمه الله تعالى: أن الصلاة تصح؛ لأن التحريم لا يعود إلى الصلاة، كما لو غسل ثوبه بماء مغصوب، أو صلى وعليه عمامة حرير؛ لأن الرأس ليس بعورة، إنما لو ستر فرجه بحرير فهذا كلام مختلف فيه.
ولبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال، لما روى أبو موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم)، قال ابن عبد البر: وهذا إجماع.
حكم لبس الدبلة عند الخطوبة
وأما لبس الدبلة عند الخطوبة فلا يجوز، وكذلك الذهب لا يجوز لبسه للرجال عند الخوف من سرقة الفلوس، لأنه لا يجوز للمسلم أن يحل مشكلته بحرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لبس ذهباً من الرجال لبس في يده نار)، والدبلة عادة ليست إسلامية، حتى وإن كانت من فضة، لأنهم كانوا يعتقدون قديماً أن الدبلة ترتبط بعرق في القلب، واحد اثنين باسم الأب والابن وروح القدس، ويعتقدون أن العرق الذي في الأصبع يمتد إلى القلب، وما دامت الدبلة موجودة فالحب موجود، وإذا خلعت الدبلة خلع معها الحب! لذا قد يعجب المرء من رجل يتزوج أربعاً أين يضع هذه الدبل كلها! وأما الذهب المحلق فحلال للنساء بدون أدنى شك، ويجوز للإنسان أن يلبس خاتماً من فضة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام.