حكم بناء زوايا مسجدية متقاربة في حي واحد
السؤال
يوجد زاوية في المنطقة -مسجد- وكان دائماً يغلق لعدم وجود إمام، وفي صلاة الجمعة دائماً أو غالباً يغيب الخطيب؛ لعدم وجود خطيب منتظم، فأخذتني الغيرة على غلق المسجد في الجمعة التي يغيب فيها الخطيب فخطبت، غير أني ما زلت طالب علم، وما عندي من العلم إلا القليل، هل أترك المسجد في صلاة الجمعة يغلق رغم قلة علمي، أم ماذا أفعل؟ وهل لو تركت الخطبة يكون علي إثم؟
الجواب
أنت تقول: مسجد زاوية، والزوايا الأفضل أن تغلق، فإنه ما ضاعت الأمة إلا بسبب هذه الزوايا، ورغم أن القرار موجود في وزارة الأوقاف بإغلاق الزوايا يوم الجمعة إلا أن القرار لم يطبق، والجمعة ما سميت جمعة إلا لأنها تجمع، ونحن تفرقنا، فكل من بنى داراً جعل فيه زاوية، ويصلي فيه صفان.
يقول عبد الرزاق عفيفي في فتاويه: إن المسجد إذا فتح مع وجود مكان في المسجد الجامع تبطل فيه الجمعة، فطالما أن المسجد الجامع يسع فلا عبرة بفتح مسجد آخر إلا إذا ضاق هذا المسجد الجامع.
إن هذه الفوضى التي نعيشها هي سبب في هذا الوباء الذي نراه الآن، فهذه الزوايا دمرت الأمة، وليس عندنا خطباء على المستوى المرضي، زد أن فيه ما لذ وطاب، فكل واحد يصعد ليقول ما يريد من شعر، وانظر إلى كثرة الزوايا في المناطق، في كل عشرة أمتار زاوية، حتى في يوم العيد يصلي الناس في العراء وهو يصلي في الزاوية، ويصلي معه العوام.
إن هذا الأمر فيه تشتيت للأمة، إذاً: الزاوية لا بد أن تغلق.
كذلك القرى تشتت المصلون فيها، فقد ذهبت إلى قريتنا منذ فترة قصيرة، وكان المسجد الكبير يكتظ بالمصلين ونحن صغار، أما الآن فدخلت إليه فوجدت صفاً في الجمعة أو صفين، فقلت: أين الباقي؟ قالوا: كل سنة وأنت طيب! القرية فيها أربع عشرة زاوية، فبعد أن كانت القرية تجتمع في مسجد واحد، أصبح الآن فيها أربع عشرة زاوية فتفرق الناس، فكل عائلة لها زاوية، أنا لن أغلق زاوية بيت فلان، وكل عائلة عملت لها مضيفة وزاوية، فيا عبد الله! هذا شتات وضياع للأمة؛ فلا نحيي هذه البدع للعصبية التي نعيشها.
والله تعالى أعلم.
حكم رؤية الرجل مخطوبته المنتقبة عدة مرات
السؤال
هل يجوز للخاطب أن يرى وجه مخطوبته المنتقبة في كل مرة ويجلس معها؟
الجواب
هل هو من أحد المحارم حتى يذهب ويجيء؟ يا عبد الله! لا ترى مخطوبتك إلا مرة واحدة، فإن وقعت في قلبك عادت أجنبية، وثانية وثالثة لا بأس، والذين قالوا بأن الرؤية ثلاث مرات استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أريتك في المنام ثلاثاً)، فاستنبطوا من هذا: أنه يجوز للخاطب أن يرى المخطوبة ثلاث مرات، وبعد الثلاث تصير أجنبية، أما أن تكشف له كلما جاءها فهذا لا يجوز؛ لأنه تصرف غير شرعي.
كما أنه يحرم عليك أن تحدثها بالتلفون؛ لأن التلفون سلك لا نعرف ما يقال فيه، وهي أجنبية عنه إلا أن يعقد عليها، أو يحدثها مباشرة وبوجود محرم وهي منتقبة، فيناقش معها مسائل الزواج وغيرها من المسائل، أما أن يقول ولي الأمر: أنا سأتركك مع ابنتي خمسة أيام أمانة، ثم أرجع!! فأي أمانة هذه وأنت تركت في بيتك رجلاً أجنبياً؟! إن هذا فيه ضياع للأمة وضياع لأخلاقياتها، ويترتب عليه فتن كثيرة.
فيا عبد الله! أغلق الباب من أول وهلة، ولا يحل لك بحال أن تتحدث مع امرأة أجنبية لا تحل لك، إلا بقدر الضرورة، وفي أضيق الظروف.
قال موسى عليه السلام لابنتي شعيب عليهما السلام: ((مَا خَطْبُكُمَا))، كلمة واحدة فقط ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:23]، لو أن واحداً منا رأى فتاة لقال لها: الأخت الفاضلة! ما اسمك؟ أين تدرسين؟ كم عمرك؟ وما أخبار العائلة؟ ويدخل نفسه في متاهات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، بل إن الفتاة تثرثر معه وتتحدث.
قال الشاعر: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء فزواج عرفي، فإنجاب، فإجهاض، فمصيبة، فضياع، وهذا الذي نحن فيه الآن، فحينما نغلق الباب من أول وهلة نغلق على الشيطان مداخله.
نظرة الإسلام إلى التعدد
السؤال
ما هي نظرة الإسلام إلى التعدد؟
الجواب
نظرتنا إلى التعدد نظرة معكوسة، ونظرة غربية أوروبية؛ لأن التعدد من الإسلام بدون أدنى شك، وهو في قول ربنا سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:3]، لكن لا بد أن نضع الضوابط الشرعية للتعدد، وهي أن يعدل الزوج بين زوجاته وألا يظلم، وألا يكون التعدد لغرض في نفسه ثم يزول، إنما على سبيل الاستقرار، ولا بد لكل امرأة من زوج، فإن زاد عدد النساء عن عدد الرجال، فأين تذهب الزيادة؟! إن المرأة قنبلة موقوتة، وبلا رجل تعرض للانفجار في كل وقت؛ ولذلك يقولون في الأرياف: ظل رجل ولا ظل حائط.
فأقول: عالجوا لنا هذه المعادلة يا علماء! إذا زاد عدد النساء عن عدد الرجال ماذا نصنع بالزيادة؟ الحل هو أن يجمع الرجل بين أكثر من زوجة إن كان قادراً ويستطيع أن يعدل، أي: بالضوابط التي بيناها ووصفناها، لكن هذا الكلام يغضب البعض، وقد يسيء البعض استخدام هذا الحق، فيعدد بدون ضوابط، حيث إن راتبه مائة جنيه مثلاً، ويدفع إيجاراً مقداره (150) جنيهاً، فهو يستلف (50) جنيهاً وفوق هذا يقول: أريد أن أعدد.
إذا كان معه سعة في الرزق وعنده مكان إقامة آخر؛ فيجوز له أن يعدد طالما أنه يستطيع أن ينفق على بيتين.
أما قول بعض الرجال: زوجتي الأولى لا ترضى، نقول: هذا شرع الله عز وجل، والشرع على رقابنا كالسيف، فطالما أن الزوج لا يفعل إلا ما يرضي الله تعالى فلا اعتبار لرضا الزوجة، والعجيب أننا نحرم التعدد على أنفسنا ونوافق على شعار: أوافق على عشيقة، وللأسف الشديد هذا الكلام رأيناه كثيراً، بل إن بعضهن يقلن: أنا لا أحب الشريك، وهذا الكلام فيه عدم انقياد للشرع، وإلا فأخبروني عن نبي تزوج بواحدة، إن سليمان عليه السلام قال: لأطوفن الليلة على مائة زوجة، وإبراهيم عليه السلام تزوج بـ سارة ومن بعدها بـ هاجر.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
آمين آمين آمين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
العدة شرح العمدة [21]
شدد الإسلام على صلاة الجماعة، فلم يسقطها حتى في احتدام الحرب، ولكنه شرع صلاة الخوف، وصلاة الخوف لها هيئات متعددة معروفة في الكتاب والسنة.
باب صلاة الخوف
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
الخوف عام، فقد يكون خوفاً في معركة، أو خوفاً من عدو، أو خوفاً وأنت في صحراء من عدو مفترس إلى غير ذلك.
قال رحمه الله: [باب: صلاة الخوف.
وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم].
والمعنى: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الخوف بأكثر من صفة، وهذا يسميه العلماء: اختلاف تنوع، أي: أنه فعل هذا وفعل هذا لبيان جواز هذا وجواز هذا، وهذا كثير فلننتبه إليه، فمثلاً: تارة كان يفتتح الصلاة بقوله: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)، وتارة يفتتح الصلاة بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وتارة يفتتح الصلاة بقوله: (قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).
إذاً: هذه حالات فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ونسمي هذا الاختلاف: اختلاف تنوع، ولابد أن تعرف هذا لأهميته، وهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بأكثر من طريقة.
قال في الشرح: [قال أحمد رضي الله عنه: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه أو ستة -أو قال: ستة أو سبعة يروى فيها كلها جائز- قال شيخنا: والمختار منها هو الذي اختاره أحمد، وهو ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف].
يعني: اختار الإمام أحمد صفة من صفات صلاة الخوف، ولها ستة أوجه أو خمسة أوجه تعددت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمختار منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس وطائفة تصلي، وهذا دليل على عظم صلاة الجماعة، حتى عند القتال لم يرخص لنا في ترك صلاة الجماعة، ولعل هذا من الأدلة عند من قال بوجوب الجماعة، أي: أن الجندي في المعركة يقاتل ويصلي إلى غير القبلة ويصلي في نعله، ويحمل السلاح ويتيمم لعجزه عن الوضوء، لكنه لا يرخص له في ترك صلاة الجماعة، فمن باب أولى الآمن، فإن لم يرخص للمقاتل في ترك الجماعة فما بالك بالآمن؟ فهذا دليل عند العلماء على وجوب صلاة الجماعة.
الطائفة التي تحرس تكون في المقدمة في مواجهة العدو، والطائفة التي تصلي تكون خلف الطائفة التي تحرس وتصلي مع الإمام ركعة كاملة، أي: أن الإمام يكبر وطائفة خلفه تكبر وتصلي والأخرى تحرس ثم يظل الإمام في الركعة الثانية قائماً، والطائفة التي تصلي معه تأتي بركعة ثانية والإمام قائم يطيل في قراءة الفاتحة والقرآن، وهذه الصلاة الوحيدة التي فيها الركعة الثانية أطول من الأولى، فإن من السنة أن تكون الأولى أطول من الثانية إلا في صلاة الخوف بالنسبة للإمام، فعليه أن يطيل في الثانية، ويظل قائماً يقرأ حتى تنتهي الطائفة التي معه من الركعة الثانية وتسلم، ثم بعد أن تسلم تأخذ مكان الطائفة التي تحرس، فتأتي الطائفة التي كانت تحرس فتصلي معه ركعة وهو لا يزال قائماً، فتكبر وتأتي معه بركعة، فإذا جلس للتشهد، قامت هي للركعة الثانية، ويظل الإمام يقرأ التشهد على مهل، حتى تنتهي الطائفة الثانية من الركعة الثانية وتجلس معه للتشهد ثم تسلم معه، وهكذا يكون صلى الإمام ركعتين، وكل طائفة صلت ركعتين: ركعة مع الإمام وركعة بمفردها.
هذه هي الصفة التي اختارها الإمام أحمد الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يسأل سائل: أتقرأ التشهد مرتين في صلاة الخوف أم لا؟
الجواب
لا يجوز أن تقرأ التشهد مرتين أو الفاتحة مرتين، وإنما تقرأ على مهل، فتكون جهرية في الجهرية، وسرية في السرية، وكل الصلوات ركعتان إلا المغرب فإنه ثلاث ركعات.
وصلاة الخوف ركعتان للرباعية، ومن العلماء من قال: صلاة الخوف بالنسبة للإمام أربع ركعات، حيث يصلي بكل طائفة ركعتين، وهذا استدلال من قال: إنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل؛ وذلك لأن الإمام يصلي بطائفة ركعتين وهي له فريضة، ويصلي بطائفة ركعتين وهي له نافلة، وهذا دليل من قال: إنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل.
أما صلاة الخوف بالنسبة للمغرب فهي صلاة ثلاثية، يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين كاملتين، ثم تقوم الطائفة الأولى فتأتي بركعة بمفردها، ويظل الإمام قائماً في الركعة الثالثة حتى تنتهي الطائفة الأولى من الركعة الثالثة، ثم تأتي الطائفة التي لم تصل خلف الإمام وتصلي معه ركعة، ثم تأتي بركعتين وهو جالس للتشهد، حتى إذا ما انتهت من الركعتين جلست مع الإمام وسلمت معه.
أما بالنسبة للاستفتاح للطائفة الثان
صفة الصلاة إذا حمي الوطيس واشتد القتال
لكن المصنف هنا فاته أن يذكر الصلاة إن حمي الوطيس واقترب الفتح، هل نصلي أم نفتح؟ فأنت الآن تقاتل العدو في حصن، واقترب فتح الحصن، والوقت سيخرج، فهل تؤجل فتح الحصن للصلاة، أم تفتح ثم تصلي بعد خروج الوقت؟ هذه نقطة مهمة جداً ذكرها البخاري في كتاب صلاة الخوف المجلد الثاني من فتح الباري، وقد أفرد لها الإمام البخاري كتاباً مستقلاً في المجلد الثاني.
قال: باب: إذا اشتد القتال ودنا فتح الحصن، واستدل البخاري هنا بحديثين: الحديث الأول: حديث غزوة الأحزاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب انشغل بحفر الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، وصلى المغرب بعد غروب الشمس، وقال ابن حجر في الفتح معلقاً: من قال: إن غزوة الأحزاب كانت قبل صلاة الخوف ليس معه دليل، فغزوة الأحزاب كانت في العام السادس من الهجرة فهي متأخرة، في الحديث: قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! يوم الأحزاب ما صليت العصر، فقال: أشعل الله في بيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى -وهي صلاة العصر- وصلى العصر بعد غروب الشمس)، فـ البخاري يستدل هنا بفعل السلف على أنه إذا تعارض الفتح مع وقت الصلاة فإنه يمكن أن تؤخر الصلاة حتى وإن خرج الوقت؛ لتعذر التحصيل.
العدة شرح العمدة [22]
الجمعة واجبة على كل من تجب عليه الجماعة، ولها شروط وآداب وسنن ينبغي للإنسان معرفتها، حتى لا يخل بشيء من أحكامها وشروطها، كما أن أهل الأعذار لهم أحكام خاصة بهم كالمرأة والعبد والمسافر والمريض.
باب صلاة الجمعة
من فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي وكثير من العلماء: في حال وجود مساحة في المسجد الجامع تبطل الصلاة في أي مسجد آخر، فانظر إلى خطورة الأمر، طالما أن المسجد الجامع يتسع للمسلمين في الجمعة فإنه لا يجوز أن تصلي في مسجد آخر.
قال رحمه الله: [باب: صلاة الجمعة.
كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إن كان مستوطناً ببناء وبينه وبين الجامع فرسخ فما دون ذلك، إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم، إلا لمعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به، ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية، وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها، وأن تتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والموعظة، ويستحب أن يخطب الخطيب على منبر، فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم الإمام فيخطب بهم، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم تقام الصلاة فينزل، فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة، وإلا أتمها ظهراً، وكذلك إن نقص العدد أو خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإلا أتموها ظهراً، ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها].
والمصر: القطر.
قال: [أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة أكثر منها، ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل، ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب، ويبكر إليها، فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما، ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا الإمام أو من كلمه الإمام].
انتهى.
هذا الكلام الثمين يحتاج إلى شرح لا شك في هذا؛ لأنها أحكام تتعلق بعبادة نقوم بأدائها في كل أسبوع، فهناك أحكام مهمة فيها.
قال: (من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة) أي: أن الجمعة فرض على كل مسلم بالغ عاقل -نفس شروط الصلاة المكتوبة- فإذا وجبت الصلاة على الرجل وجبت عليه الجمعة، ومن لم يبلغ لا تجب عليه الصلاة، ولكن له أن يصلي، أي: أن الصبي يمكن أن يشهد الجمعة، والمرأة يمكن أن تشهد الجمعة، لكن إن صلت في البيت ليس عليها جمعة، فهي ليس لها جمعة وليس عليها جمعة؛ كذلك المسافر ليس عليه جمعة، لكن له أن يصلي، وكذلك الصبي والمرأة ليس عليهما جمعة، ولكن لهما أن يصليا، وإن صلى الصبي الجمعة لا يدخل في العدد؛ لأنه غير مكلف بها، وكذلك المرأة لا تنعقد بها جمعة؛ فالمذهب الحنبلي يرى أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين، واختلف العلماء في عدد الحاضرين للجمعة اختلافاً شديداً، عده ابن حجر في الفتح أكثر من ثلاثين قولاً، منهم من قال: تنعقد بواحد مع الإمام، ومنهم من قال: تنعقد بأربعين، ومنهم من قال: تنعقد باثني عشر؛ لأن الذين تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يخطب الجمعة في سورة الجمعة تركوه وبقي معه اثنا عشر، فقالوا: لا تنعقد إلا باثني عشر، ولكن الراجح: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به صلاة الجماعة، وهذا هو الراجح وهو الذي عليه التحقيق.
قال: [فهي واجبة -فريضة- لقوله عليه السلام: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم) البخاري واللفظ لـ مسلم.
والآية واضحة في سورة الجمعة، قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:9]، وطالما نحن في بلد مسلم ننادي بأعلى صوتنا: فلنصدر قانوناً بتحريم البيع والشراء عند الجمعة؛ لأنه من الأمور الواضحة تماماً، بل إن العلماء قد اختلفوا: هل ينعقد البيع أم يقع باطلاً؟ منهم من قال: العقد يبطل عند الجمعة، ومنهم من قال: العقد صحيح ومعه الإثم، لكن الذين قالوا ببطلان العقد لديهم أدلة؛ لأن الله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:9]، فتحزن حينما ترى البيع والشراء ينعقد عند صلاة الجمعة، وكأننا لسنا على الإسلام، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات هذه الأمة التي ميزها الله تبارك وتعالى.
قال: [عن جابر: (خطبنا رسول صلى الله عليه وسلم فقال: اعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في يومي هذا، في شهري هذا، في مقامي هذا، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره)]، وهو حديث ضعيف.
من المعلوم أنه عند النداء للجمعة يقف البيع على كل بائع، وإذا كان البائع غير مسلم فلا ينبغي أبداً أن يفتح متجراً والجمعة منعقدة؛ لأن هذا فيه محادة ومحاربة ومعاندة لله ولرسوله، بل لنص القرآن الظاهر البين، فالأمر واضح لا جدال فيه.
شروط وجوب الجمعة
الاستيطان والإقامة
قال في الشرح: [تجب الجمعة بشروط: أحدها: أن يكون مستوطناً، وهو الإقامة في قرية مبنية بحجارة أو لبن أو قصب أو ما جرت به العادة بالبناء].
أي: أن الجمعة على المقيم في بناء، فهناك أناس رحالة في صحراء ليس لهم بيوت، فهؤلاء ليس عليهم جمعة؛ لأنهم لا يملكون بيتاً، وإنما يترحلون في الصحراء.
قال: [لا يظعن عنها صيفاً ولا شتاء]، يظعن يعني: يسافر.
[أما أهل الخيام وبيوت الشعر فلا جمعة عليهم؛ لأن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم يقيموا جمعة ولا أمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أمرهم لم يخف ذلك، ولم يترك نقله لكثرته وعموم البلوى به].
إذاً: الشرط الأول للجمعة: أن يكون مستوطناً.
القرب من المسجد الجامع بمقدار فرسخ فما دون
قال في الشرح: [الشرط الثاني: أن يكون بينه وبين الجامع فرسخ فما دون، وإن كان أبعد من فرسخ فلا جمعة عليه؛ لأن عثمان رضي الله عنه صلى صلاة العيد يوم جمعة، ثم قال لأهل العوالي: من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم، وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة على من سمع النداء) رواه أبو داود؛ ولا يمكن اعتبار سماع حقيقة النداء؛ لأنه قد يكون ثقيل السمع، أو في مكان مستتر لا يسمع أو غير مصغٍ أو يكون النداء ضعيفاً، أو في حال هبوب الرياح، فينبغي أن يقدر بمقدار لا يختلف، والموضع الذي يسمع النداء في الغالب إذا كان المؤذن صيِّتاً في موضع عال، والرياح ساكنة، والمستمع سميعاً غير ساه هو الفرسخ أو ما قاربه فيحد به].
الشرط الثاني للجمعة: أن يكون قريباً من المسجد الجامع، فهب أن بينك وبين الجامع مسافة طويلة جداً، فإن قام المؤذن يؤذن فوق المسجد بصوته العادي فإنك لا تسمعه.
فمن الممكن أن يصل ثلاثة أو اثنين كيلو أو كيلو إلى غير ذلك، فالمهم أن العلة هنا ليست المسافة، إنما العلة هنا المشقة، كأن تكون في صحراء وبينك وبين المسجد الذي فيه جمعة مسافة طويلة ويصعب عليك أن ترحل للصلاة، فإنها تسقط عنك.
وقديماً كانوا يقيسون المسافة عن طريق النبال، فإن أهل العوالي سقطت عنهم الجمعة في المدينة؛ لأنهم يسكنون بعد العزيزية، فالمسجد النبوي يبعد عنه العوالي نحو (8) كيلو أو (10) كيلو، فمشقة عليهم أن يأتوا إلى المسجد، فشروط وجوب الجمعة أن يكون مستوطناً، وأن يكون قريباً من المسجد الذي تقام فيه الجمعة، ويستطيع أن يدرك الصلاة بدون مشقة.
ثم قال: [إلا المرأة والعبد؛ لما روى طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض)].
فالذين ليس عليهم جمعة: أولاً: المملوك العبد.
ثانياً: المرأة ليس عليها جمعة.
ثالثاً: الصبي الذي لم يبلغ.
رابعاً: المريض المعذور، فهؤلاء ليس عليهم جمعة، لكن من أراد منهم أن يصلي الجمعة فله ذلك.
فالعبد المملوك ليس عليه جمعة؛ لأنه ليس حراً.
والمسافر تسقط عنه الجمعة.
قال: [والمسافر لا تجب عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها بعرفة حيث كان مسافراً، والمعذور بمطر أو مرض أو خوف، أما المعذور بمرض فلحديث طارق، وأما المعذور لمطر فلما روي عن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الباردة: صلوا في رحالكم) متفق عليه، والمطر الذي يعذر به هو الذي يبل الثياب؛ لأن في الخروج فيه مشقة].
أي: إذا كان هناك مطر شديد قبل الجمعة وحال بينك وبين الوصول إلى المسجد سقطت عنك الجمعة، كذلك إذا كان لمرض أو لسفر أو لخوف كما سنبين.
فهؤلاء الذين تسقط عنهم الجمعة: الصبي، والمرأة، والمملوك، والمريض، والمسافر، وفي حالة المطر الشديد، وفي حالة الخوف الشديد.
قال: [أما الخوف فلما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر، قيل: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله الصلاة التي صلى).
والخوف ثلاثة أنواع: أحدهما: الخوف على المال من سلطان أو لص، أو يكون له خبز في تنور، أو طبيخ على النار يخاف أن يحرق وما أشبه ذلك، فهذا كله عذر عن الجمعة].
هب أن رجلاً يعمل في مخبز، ولا يستطيع أن يمتنع عن إعداد الخبز في ساعة الجمعة، نقول له: تسقط عنك الجمعة، لكن الآن من الممكن أن يقفل البوتجاز ويذهب، أما في القديم فكانوا لا يستطيعون، وليست العلة هنا، وإنما العلة معناها: من كان له عذر لا يمكنه أن يؤجله، مثال ذلك: طالب في الجامعة معه امتحان في الساعة الثانية عشرة، وصلاة الجمعة في الساعة الواحدة، فمن المستحيل أن يقول: أوقفوا اللجنة حتى أصلي الجمعة.
إذاً: تسقط عنه الجمعة.
كذلك مريض يقوم بإجراء عملية جراحية عند صلاة الجمعة، فإن الجمعة تسقط عنه إلى غير ذلك من أعذار لا يملك المكلف معها شيئاً.
قال: [مثل أن يخاف من سلطان يأخذه أو عدو أو سبع أو سيل لذلك، الثالث: الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يكون ولده ضائعاً ويرجو وجوده في تلك الحال، فيعذر بذلك لأنه خوف]؛ ولذلك قالوا: المحبوس لا جمعة عليه؛ لأنه مقيد الإرادة.
يقول: [وإن حضروها أجزأتهم]، أي: إن حضر الصبي والمرأة والخائف والمسافر والمريض والعبد الجمعة أجزأتهم؛ [لأن سقوطها عنهم كان رخصة، فإذا تكلفوا فعلها أجزأتهم، كالمريض يتكلف الصلاة قائماً، ولم تنعقد بهم؛ لأنهم من غير أهل الوجوب، فلم تنعقد بهم كالنساء، إلا المعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به؛ لأن سقطوها كان لدفع المشقة، فإذا حضر زالت المشقة؛ فوجبت عليه وانعقدت به].
هناك فرق بين من سقطت عنهم الج
فعل صلاة الجمعة في وقتها كوقت صلاة الظهر
قال في الشرح: [ومن شرط صحتها فعلها في وقتها، فلا تصح قبل وقتها ولا بعده إجماعاً]، فوقت الجمعة هو وقت الظهر، أي: أن وقت الجمعة يبدأ من أذان الظهر وينتهي مع العصر؛ فلذلك يمكن أن تؤخر النداء قليلاً عن وقت الظهر؛ لأن وقت الظهر يمتد، لكن السنة ألا تؤخر النداء بل تقدم، فإنه لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخر نداء الجمعة، وإنما أثر عنه أنه بكر به؛ لحديث جابر الذي رواه مسلم: (أنه صلى الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول جابر: وذهبنا إلى جمالنا وأنخناها في الظهيرة، ولم تزل الشمس عن كبد السماء)، يعني: صلوا وخرجوا ومازال وقت الظهر لم يأتِ.
يقول العلماء: للإمام الراكب أن يبكر للجمعة في حال الأعذار، فلابد أن نلتزم السنة، وخير الهدي هو هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لك أن تصلب الناس وتعرقل حركة المرور ثلاث ساعات، ثم تقول: هذه جمعة! ذكر البخاري في كتاب الجمعة (باب: القيلولة بعد الجمعة) فقد كانوا يصلون الجمعة ثم يذهبون للقيلولة، وبعد القيلولة يتناولون طعام الغداء، ولم يؤذن العصر بعد، هذا هو الهناء، فإن الله سبحانه إذا قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:10]، فإن علينا أن نصلي صلاة خفيفة.
قال: [فلا تصح قبل وقتها ولا بعده إجماعاً، وآخر وقتها آخر وقت الظهر إجماعاً، فأما أوله فذكر القاضي أنها تجوز في وقت العيد].
يعني: بعد ارتفاع الشمس برمح أو رمحين.
قال: [لأن أحمد رحمه الله قال: يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال] يعني: قبل وقت الظهر.
قال: [يذهب إلى أنها كصلاة العيد؛ لحديث وكيع عن جعفر بن برقان عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل انتصاف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره، وهذا نقل للإجماع، وعن جابر: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس) أخرجه مسلم].
نصلي ونذهب إلى الجمال وما زال وقت الظهر لم يأت بعد، وهذا ليس على إطلاقه، وإنما للإمام الراتب في حال الأعذار أن يبكر بالجمعة عن وقتها، فالسنة التبكير عن الوقت وليس التأخير.
إقامة الجمعة في قرية يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها
قال في الشرح: [ومن شرط صحتها أن يفعلها في قرية، يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها سكنى إقامة لا يظعنون -يعني: لا يسافرون- فإذا اجتمعت هذه الشروط في قرية وجبت الجمعة على أهلها وصحت بها؛ لأن كعباً قال: أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخصمات.
قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون].
فالمذهب يشترط لعدد الجمعة أربعين، وهذا موضوع خلافي، والراجح: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة، والنقطة التي أريد أن أركز عليها هي أنه إذا كان لا يجوز أن يفتح مسجداً في قطر إلا للضرورة فمعنى هذا: أن تبحث عن المسجد الجامع وتصلي فيه، وإياك أن تصلي في زاوية، فأداء الفروض الخمس في الزوايا من باب الترخيص، أما الجمعة فإنها لم تسم جمعة إلا لأنها تجمع المسلمين في مكان واحد، لكن الذي نراه الآن أكثر من (1500) أو (3000) جمعة في بقعة واحدة، وهذا تمزيق لكلمة الأمة، وأمر لم يقل به أحد من العلماء.
قال: [وأن يحضرها من المستوطنين أربعون من أهل وجوبها؛ لأن جابراً قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة].
قال: [وأن تتقدمها خطبتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يخطب خطبتين يقعد بينهما) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقالت عائشة: (إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة) وفي كل خطبة حمد الله تعالى -إن الحمد لله- لأن جابراً قال: (كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما أهله، ثم يقول: من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فروض الخطبة أربعة: الأول: حمد الله وقد سبق، والثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان.
الثالث: قراءة آية -يعني: يقرأ آية في الخطبة- فصاعداً؛ لأن جابر بن سمرة قال: (كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً وخطبته قصداً؛ يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس) رواه أبو داود؛ ولأن الخطبة فرض في الجمعة فوجبت فيها القراءة كالصلاة.
الرابع في الخطبة: الموعظة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وهي القصد من الخطبة في حديث جابر بن سمرة: (يقرأ آيات ويذكر الناس)].
فمن فقه الإمام تقصير الخطبة وإطالة الصلاة، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً، فالمستمع جاء ليأخذ معلومة ويمضي، فلا تعطه قصصاً وأساطير لساعة ونصف، فإن الكلام الكثير لا داع له، فنحن في المساجد نعلم الناس أمور الدين، ومن أتى الجمعة لم يأت إلا ليتعلم ما هو المطلوب منه وما هو الواجب عليه أن يفعله في العقيدة أو العبادة أو الشريعة، وتهييج الناس في أمور سياسية ليس من الدين، والخطبة ليست نشرة أخبار، فيا عبد الله لابد أن تراعي المقام؛ لذلك نحن السبب فيما يحدث الآن وذلك بتجاوزنا كثيراً، وقد يقول قائل: إن الشيخ هز الملعب أو الشارع من أجل أن يفرض على الناس مقالته.
لا يا أخي! هدئ نفسك، إن الجمعة شرعت لتعلم الناس ما هو المطلوب في العقيدة والشريعة، لا لتشحنه ليخرج فيكسر، وإلا فأنت لم تأتِ لجمعة، وإنما جئت مزايدة بأحداث، ونحن لا نريد أن نزايد على ديننا، نحن جئنا الجمعة لنتعلم الشرع، وقد يقول قائل: أليس من الشرع الولاء والبراء؟ نقول: نعم.
وعلمه العقيدة بكامل معناها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينتقد يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)، ولم يذكر أحداً باسمه على المنبر، فإذا كانت البلوى عمت، والكلام فيه مخالفة شرعية ككتاب حديث الشفاعة، أو كإنكار عذاب القبر إلى غيره -فهذه مسألة اعتقادية يجوز أن نتنبه لها، لكن تصعد المنبر وتقول نشرة أخبار: سقط من البوسنة خمسون، ومن الهرسك أربعون فهذا غير صحيح، فالمجتمع يريدك أن تقول له: رب أبناءك على حب الإسلام، وعلى التخلص من العدو، وعلى الاستقامة، وعلى مجاهدة النفس، وعلى التحرر الفكري.
أيها الإخوة! إن الاحتلال أنواع: احتلال أرض واحتلال فكر، فنحن الآن محتلون فكرياً وشبابنا ضائع؛ ولذلك أقول: ينبغي أن يكون المقال على قدر المقام، فلا مزايدة للتلاعب بالجماهير، فالقرآن والسنة واضحان وبينان، وإنني بكلامي هذا لا أقصد أحداً بعينه، بل الكلام عام، ولسنا أعداء أحد، فإن كل من يعمل في حقل الدعوة فهو فوق الرءوس محمول حتى وإن جانب الصواب، ولسنا من أرباب الشتائم ولا البذاءات.
ذكر كيفية أداء خطبتي الجمعة وصلاة الجمعة
قال في الشرح: [ويستحب أن يخطب على منبر أو موضع عال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبره، ولأنه أبلغ في الإعلام].
والمنبر من ثلاث درجات، صنعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقوم عليه، وبعض المساجد تعقد منبراً من خمسين، فيكون الخطيب في الدور التاسع، والمصلي في الدور الأرضي، حتى إذا قرأ آية فيها سجدة أراد أن ينزل للسجود يريد ساعة نزول وساعة صعود! وارتفاع المنبر يجعل المستمع بعيداً عن الخطيب، والخطيب لا يتفاعل مع الجمهور، فارتفاع المنبر ليس من السنة في شيء، والحديث في البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صُنع له منبر من ثلاث درجات).
قال: [فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم].
قال: السلام عليكم ورحمة الله.
قال: [لأن جابراً قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم عليهم) رواه ابن ماجه].
ومن السنة: أن يستقبل الناس بوجهه، وأن يستقبله الناس بوجوههم، فلا يجوز أن تعطي ظهرك للإمام أو ظهرك للقبلة، وقد يقول قائل: نرى بعض الإخوة يضع ظهره على الجدار بحيث يكون في غير اتجاه القبلة؟ أقول: هذا مخالفة للسنة، لابد أن يستقبل المأموم الإمام بوجهه ولا يعطي ظهره للقبلة، بل يعطي وجهه للقبلة؛ لأن هذا فيه سنة وأدب في استقبال القبلة وعدم استدبارها.
قال: [ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم فيخطب بهم، ثم يجلس] شرعت للاستراحة وليست للدعاء.
قال: [ثم يخطب الخطبة الثانية؛ لأن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب) رواه أبو داود؛ ولأن جابر بن سمرة قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب) رواه مسلم].
يعني: كان يخطب قائماً، والدليل من القرآن: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:11]، فهذا دليل على أنه كان يخطب قائماً عليه الصلاة والسلام، إلا لمرض أو عذر فيجوز للخطيب أن يخطب جالساً.
قال: [ثم تقام الصلاة، فينزل فيصلي بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة.
إجماعاً نقل الخلف عن السلف.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية: المنافقين أو سبح والغاشية].
يقول هنا: يستحب؛ لأن بعض الإخوة يقول: يا شيخ! أنت تصلي الجمعة بقصار السور، فلماذا لا تقرأ بسبح والغاشية؟ أقول: يا عبد الله! أنا أرى أن المسجد مكتظاً والشوارع مقفلة؛ ولذلك أقرأ بسورة الإخلاص والنصر والعصر، كي أنتهي وأسهل الأمور؛ لأنه يستحب فقط، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وترك المستحبات لأجل تأليف القلوب أمر واجب.
لكن بعض الناس قلب الهرم، فتراه يفعل المستحب قبل الواجب، ويقاتل على المستحب ويوالي ويعادي على المستحب، فلتعلم أن المستحبات مندوبات، من فعلها له الأجر، ومن لم يفعلها فليس عليه شيء.
قال في الشرح: [فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة].
إذاً: من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك الجمعة، وإدراك الركعة بإدراك الركوع.
قال: [لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة) ورواه ابن ماجه ولفظه: (فليصل إليها أخرى)، وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهراً].
فمن أتى وأدرك الإمام ساجداً في الركعة الثانية فعليه أن يصلي ظهراً؛ لأنه لم يدرك الجمعة، وفي هذا دليل على جواز اختلاف النية بين المأموم والإمام، فالإمام يصلي جمعة والمأموم يصلي ظهراً، فهذا فيه اختلاف النوايا وهو دليل عند الشافعي.
قال رحمه الله: [قال الخرقي: إذا كان قد دخل بنية الظهر فظاهر هذا: أنه لو نوى جمعة لزمه الاستئناف؛ لأنهما صلاتان لا تتأدى إحداهما بنية الأخرى، فلم يجز بناؤها عليها كالظهر والعصر].
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم.
العدة شرح العمدة [23]
حث الإسلام على اجتماع المسلمين وتقوية أواصر المحبة بينهم، وجعل مواسم لتحقيق روح الأخوة والتآلف، ومن هذه المواسم يوم الجمعة ويوما الفطر والأضحى، كما شرعت صلاة العيد في هذين اليومين، ولها أحكام ينبغي للمسلم أن يفقهها.
تابع باب صلاة الجمعة
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: ذكرنا أيها الإخوة الكرام في الأسبوع الماضي أن الجمعة يجوز أن تقدم، وفهم البعض أن هذا أمر على الإطلاق، ونقول: لا، هذا أمر للإمام الراتب، إن رأى عذراً يدفع لتقديمها؛ لحديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم: (كنا نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ونذهب إلى جمالنا ولم تزل الشمس في كبد السماء)، يعني: وقت الظهر لم يؤذن بعد وكانوا قد صلوا الجمعة وانتهوا منها، يقول العلماء: وفي هذا جواز التبكير لوقت الجمعة للإمام الراتب إن كان هناك عذر يستدعي ذلك.
قلت: والسنة في الجمعة التبكير وليس التأخير.
أحكام تتعلق بإدراك الجمعة أو ركعة أو جزء منها
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فمن أدرك منها ركعة أتمها جمعة].
إذاً: إدراك الجمعة بإدراك ركعة، وإدراك الركعة بإدراك الركوع، فمن أدرك الإمام راكعاً في الركعة الثانية فقد أدرك الجمعة طالما أدرك معه ركعة، ومعلوم أن مذهب الجمهور هو إدراك الركعة بإدراك الركوع فيها.
قال: [وإلا أتمها ظهراً].
أي: أن من لم يدرك مع الإمام ركعة عليه أن يصلي ظهراً.
قال: [وكذلك إن نقص العدد].
المذهب هنا يشترط للجمعة عدداً وهو أربعون مستوطناً من أهل التكليف الشرعي.
قال: [وكذلك إن نقص العدد -يعني: عن الأربعين- وقد صلوا منها ركعة أتموها جمعة؛ لأنه شرط يختص بالجمعة، فلا يعتبر في أكثر من ركعة كالجماعة، وإن نقصوا قبل ركعة أتموها ظهراً كالمسبوق بركوع الثانية].
والمقصود: إذا كان عدد الجمعة قل عن الأربعين، وبينما نحن نصلي تم العدد في الركعة الثانية إلى الأربعين فإننا نصليها جمعة؛ لأن العدد تم قبل الانتهاء من الركعة الثانية إلى الأربعين، فإن تم العدد بعد ركعتين -يعني: ونحن في السجود الثاني- نصليها ظهراً؛ لأن شرط انعقاد الجمعة أربعون عند الحنابلة.
قلت: وهذا رأي مرجوح، إذ إن الجمعة تنعقد بما ينعقد به الجماعة.
قال رحمه الله: [وإن خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة].
والمعنى: أنهم أخروا الجمعة إلى الساعة الرابعة والثلث، وصلى الإمام من الجمعة ركعة، واعتدل للثانية فأذن العصر، فإن إدراك الركعة إدراك للوقت، فمن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن صلى من الصبح ركعة قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك الصبح، فإدراك الجمعة يكون بإدراك ركعة في وقتها، فلو أدرك ركعة في الوقت ثم جاء العصر فقد أدرك الجمعة.
وهذا هو الذي أراده المصنف.
قال: [وإن خرج الوقت وقد صلوا أقل من ركعة أتموها ظهراً لذلك]، بمعنى: أنه لم يدرك ركعة في الوقت، وإنما أدرك أقل من ركعة، يعني: كبر تكبيرة الإحرام ولم يركع، فأذن العصر، هنا نقول: عليه أن يصلي ظهراً؛ لأن وقت الجمعة قد خرج.
يقول رحمه الله: [وقال عليه الصلاة والسلام: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة).
مفهومه: أن من أدرك أقل لا يكون مدركاً لها].
فإدراك الجمعة يكون بركعة في وقتها مع الإمام.
حكم أداء أكثر من جمعة في مصر واحد
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة].
المصر: هو البلد الواحد، ولا بد أن ننبه إلى أن إطالة الجمعة في الخطبة إلى العصر مخالف للسنة، والمواظبة على درس بعد الجمعة مخالف للسنة؛ لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان لا يواظب على موعظة بعد الجمعة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:10] فمرة نعظ ومرة نترك ولا نواظب على الدوام، بل نحن نقيم السنة، والكلام عن أشخاص بأعينهم ليس من هديه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يجر علينا مفسدة أكبر من المصلحة، فنحن لا نريد بذلك إلا وجه الله عز وجل.
قال: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة].
يعني: طالما هي رقعة واحدة فإننا لا نقيم فيها أكثر من جمعة.
قال: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة].
أي: أن الجمعة كانت تنعقد في المدينة في المسجد النبوي، فأهل قباء يأتون وبنو سلمة يأتون وأهل العوالي يأتون، فكل أهل يجتمعون في مسجد واحد، فكان المسجد يسمى جامعاً؛ لأنه يجمع المسلمين جميعاً، أما الآن لو حصرنا حياً مثل حي الزيتون فإننا سنجد فيه أربعة آلاف مسجد؛ وخمسة آلاف زاوية، وأربعة آلاف مصلى، وكل شخص يعمل له جمعة بنفرين أو ثلاثة، مسجد متران في متر وفيه جمعة، زاوية أربعة في أربعة وفيها جمعة وهكذا، فمن الذي قال لك: إن هذه الجمعة تجوز أصلاً يا عبد الله؟! انظر إلى قول العلماء.
قال: [إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها فيجوز].
يعني: إذا ضاق المسجد الجامع برواده عند ذلك لنا أن نفتح مسجداً آخر بإذن ولي الأمر، فلا بد من تنظيم وجمع للكلمة، فإن تفتت الكلمة ترتب عليه الكثير من المفاسد.
إن مسئولية الدعوة والدين مسئولية كبيرة، وهل هناك ما هو أغلى من الدين؟ وهل هناك ما يحتاج إلى ترتيب وضبط سوى الدين؟ فحصر المساجد وإعطاء الأماكن الكبيرة الأولوية في الجمعة هو الأولى، فإن ضاق المسجد عن رواده أٌمِرَ بفتح مسجد آخر.
قال: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة، إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها فيجوز؛ لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير، فكان إجماعاً؛ ولأنها صلاة عيد فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة كغيرها].
والمعنى: أن الجمعة ما سميت جمعة إلا أنها تجمع المسلمين في مكان واحد، فنحن فرقنا كلمة الناس وفتتنا هذا الجمع بانتشار هذه الأماكن التي لا ينبغي أن تقام فيها الجمعة.
مستحبات يوم الجمعة
قال الشارح: [ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب؛ لما روى سلمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)].
وقوله: (ولا يفرق بين اثنين)، هناك ظاهرة تخطي الرقاب، وهذه الظاهرة الخطيرة نتجاوز نحن فيها بسبب أننا لا نرتب الجلوس على الأسبقية، فالمفروض أن من جاء أولاً يجلس أولاً ولا يفرط؛ لأن هذا المجلس من حقه، والتبكير إلى الصف الأول له ثواب، فلا يجوز له أن يأتي مبكراً ويجلس متأخراً كي يسند ظهره على الحائط، أما ما يحدث من تخطي الرقاب فهناك نهي عنه، ولذلك قال: (ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له)، إذاً: المشروع قبل الجمعة الصلاة، وليس المشروع قبل الجمعة أن نأتي بمقرئ يقرأ سورة جهرية، فإن ذلك لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل لـ ابن مسعود: اجلس يا ابن مسعود! نسمع منك سورة الكهف يوم الجمعة.
فهذا ما ثبت عنه، إنما الثابت أنه كان يصلي ما شاء الله له أن يصلي، فهذا يصلي وهذا يسبح وهذا يقرأ، وهذه السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: [وغسل الجمعة على كل محتلم وسواك وأن يمس طيباً].
غسل الجمعة فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه واجب، وذهب إلى ذلك ابن حزم الظاهري، ودافع عنه في المحلى، وأتى بأدلة تدل على الوجوب، ومنهم من قال: إنه سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والراجح: أنه سنة وليس واجباً؛ لما ثبت أن عثمان رضي الله عنه جاء إلى الجمعة دون أن يغتسل، والحديث في البخاري، فسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن سبب تأخيره، فأخبره أنه تأخر لحاجة ولم يغتسل، فعاتبه عمر رضي الله عنه لأنه لم يغتسل، فلو كان هذا الأمر واجباً لأمره عمر أن يغتسل؛ لأن تحصيل الواجب ضروري.
ثانياً: لا يمكن أن نتصور أن عثمان رضي الله عنه يجهل واجباً عند عامة المسلمين، فالأدلة كثيرة على عدم الوجوب، فهو من آكد السنن، وقد يصبح غسل الجمعة واجباً في حق من له رائحة نفاذة، حتى لا يؤذي إخوانه في صلاة الجمعة، فالتطيب والغسل ولبس أجمل الثياب والتسوك والتبكير من سنن الجمعة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: [والمذهب الأول] يعني: المختار في مذهب الحنابلة أن غسل الجمعة ليس بواجب.
[لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، وإن اغتسل فالغسل أفضل)، والمراد بالخبر الأول: تأكيد الاستحباب، وكذلك ذكر فيه السواك والطيب وليسا واجبين].
إذاً: غسل يوم الجمعة من آكد السنن، فتغسل يوم الجمعة وتتطيب وتلبس أجمل الثياب، ويمكن أن تجعل للجمعة ثياباً مخصوصة، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم للجمعة والعيدين حلة خاصة، يلبسها في ذلك اليوم، ويتسوك ويبكر.
قال: [ويبكر إليها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غسل واغتسل)].
اختلف العلماء في معنى (غسل واغتسل)، فمنهم من قال: يعني: تسبب في غسل زوجته، وعندنا في بعض الأرياف مازال غسل الجمعة في حقهم واجباً، وهذا له أصل في الشرع؛ فإن الرجل حينما يجامع أهله في ليلة الجمعة يخرج وقد قضى وطره.
قال: [(من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع، ولم يلغ -يعني: يتحدث بلغو- كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) رواه ابن ماجه].
وتخريج الحديث صحيح.
وجاء في البخاري: (من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، ومن جاء والإمام يخطب فكأنه لم يقرب شيئاً)، لكننا نحن حتى البيضة زهدناها، كان أبو هريرة يبكي عند سماع حديث: (من صلى على جنازة ثم تبعها كتب له من الأجر قيراطان، كل قيراط كجبل أحد)، ويقول: كم ضيعنا والله من قراريط، ويروى أن ابن مسعود بكر للجمعة؛ لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الناس في الجنة يصفون على قدر تبكيرهم)، يعني: يوم القيامة تقف على حسب التبكير، فـ ابن مسعود صلى الفجر وذهب واغتسل ولبس أجمل الثياب، وتطيب وجاء مبكراً ليكون أول الداخلين، فوجد اثنين وفي رواية: ثلاثة، فأخذ يبكي ويقول: ثالث ثلاثة.
يا عبد الله! وما ثالث ثلاثة من الله ببعيد، فالتبكير ليوم الجمعة فيه أجر عظيم ونحن نفرط فيه كثيراً، وهو سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف
باب صلاة العيدين
قال المصنف رحمه الله: [وهي فرض على الكفاية إذا قام بها أربعون من أهل المصر سقطت عن سائرهم، ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال، والسنة فعلها في المصلى، وتعجيل الأضحى وتأخير الفطر، والفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة، ويسن أن يغتسل وأن يتنظف ويتطيب، فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام.
ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين، ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر فيهما بالقراءة، فإذا سلم خطب بهم خطبتين، فإن كان فطراً حثهم على الصدقة وبين لهم حكمها، وإن كان أضحى بين لهم حكم الأضحية والتكبيرات الزوائد، والخطبتان سنة.
ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضعها، ومن أدرك الإمام قبل سلامه أتمها على صفتها، ومن فاتته فلا قضاء عليه، فإن أحب صلاها تطوعاً: إن شاء ركعتين وإن شاء أربعاً وإن شاء صلاها على صفتها، ويستحب التكبير في ليلتي العيدين، ويكبر في الأضحى عقيب الفرائض في الجماعة من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.
وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد].
قال: [وهي فرض على الكفاية] هذا اختيار المذهب، واختلف العلماء في حكمها، لكن الشوكاني له استنباط جيد في كتاب الروضة الندية، حيث قال: إن صلاة العيدين فرض على المكلف، وتاركها عاص؛ لأنه لو اجتمع العيد مع الجمعة في يوم واحد فإنه يجوز لمن صلى العيد ألا يصلي جمعة وأن يصليها ظهراً، فإن لم يكن العيد واجباً، فهل يستطيع غير الواجب أن يسقط واجبة؟ بمعنى: أن الجمعة واجب فأسقطها العيد وحولها إلى ظهر، فهل يقوى غير الواجب على أن يسقط الواجب؟ ثانياً: أن أم عطية قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج إلى العيد، وأن نخرج العواتق من النساء والحيض وذوات الخدور؛ ليشهدن الخير)، وقولها: (أمرنا) يفيد الوجوب.
إذاًَ: أدلة وجوب العيدين على الأعيان من أقوى الأدلة، وقول المذهب: إنها فرض على الكفاية نرد عليه بهذه الأدلة.
ثم قال: [إذا قام بها أربعون]، أيضاً يشترط للعيد عدد.
قال: [من أهل المصر سقطت عن سائرهم، بدليل قوله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2]].
وهذا استدلال في غاية الضعف؛ لأن قوله: ((فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)) ليس معناه: صل العيد، وإنما الراجح عند المفسرين: صل لربك وانحر لربك، فالصلاة ليست إلا إلى ربك، والنحر ليس إلا إلى ربك، وليس المقصود: فصل وانحصر كما هو معروف عند الناس، وإنما الراجح: الصلاة لربك والذبح لربك عز وجل.
قال: [والمشهور في التفسير أن المراد بها: صلاة العيد، وهو أمر والأمر يقتضي الوجوب؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يداومون عليها؛ ولأنها من شعائر الإسلام فأشبهت الجهاد].
بيان وقت صلاة العيدين
قال في الشرح: [مسألة: وأول وقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها في هذا الوقت].
يعني: بمجرد أن تشرق الشمس وترتفع بقدر رمحين تبدأ صلاة العيد، والسنة التأخير في الفطر والتبكير في الأضحى، أما التأخير في الفطر لإعطاء فرصة لمن لم يخرج زكاة الفطر، وعند الحديث في باب الزكاة سيتبين لنا أننا نخرج زكاة الفطر خطأً؛ نخرجها في أول رمضان: في عشرين، في ثلاثة وعشرين، والراجح من أقوال العلماء: أن تؤخر بعد غروب شمس اليوم الأخير من رمضان؛ لأن لها علة، والعلة هي: (اغنوهم عن المسألة في يوم العيد)، فكلما كانت أقرب للعيد كانت أفضل على وجه الاستحباب، فلو أن رجلاً أخرجها في يوم العشرين من رمضان وأنفقها الفقير، فهل ينتفع بها في يوم العيد؟
الجواب
لا.
ثانياً: لو أن رجلاً مات في يوم عشرين من رمضان، فهل يلزم الورثة أن يخرجوا عنه زكاة الفطر؟
الجواب
لا، لابد أن يتم صيام الشهر كاملاً.
وهذا بالنسبة للمكلف، أما الصغير فهذا يخرج عنه الولي.
قال: [والسنة فعلها في المصلى] أي: أن صلاة العيد تصلى في المصلى.
قال: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يفعلونها في الصحراء، فإن كان ثم عذر من مطر أو نحوه لم يكره فعلها في الجامع؛ لما روى أبو هريرة: (أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد) رواه أبو داود]، وهذا الحديث ضعيف، لكن السنة أن تصلى في المصلى.
ومعنى مصلى: مكان بعيد عن البنيان يجمع معظم الناس، فما هو الحاصل الآن؟ الحاصل أن كل حي يعمل مصلى، وفي كل شارع مصلى، ويخرجون السجاد من المسجد في الشارع المجاور، ويخرجون والميكرفون والشيخ يتوكل على الله، فهل هذا يا عبد الله هو المقصود من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟! حرفنا وبدلنا، فالمصلى الجامع الذي يجمع الناس من أطفال ونساء وكبار ويكون تعدادهم مائتي ألف ويكبرون تكبيراً واحداً؛ يجعل المنافقين يدخلون جحورهم مباشرة، لكننا نجد في كل شارعين مصلى، والأدهى من ذلك حمية الجاهلية، ونقول: هذا مصلى السلفية، وهذا مصلى الحزبيين المبتدعين، وهذا مصلى الخوارج، فيا لها من مصيبة كبرى! أيها الإخوة! هذه الجماعات الحزبية مزقت الأمة وضيعتها، ونحن أمة واحدة على منهج السلف، والسلف ليس جماعة وإنما هو منهج، فانتبه لمثل هذا، فالذي يدعوك للانضمام إلى جماعة يدعوك إلى بدعة ويدعوك إلى معصية؛ لأنه يفرق جمع الأمة ويضرب وحدتها.
قال: [والسنة تعجيل الأضحى وتأخير الفطر؛ لأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة، ففي تأخيرها توسيع لوقتها، ولا يجوز التضحية إلا بعد الصلاة ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية].
وهذا من فقه الواقع فالناس مشغولون بالذبح، وأنت تجد الشخص الذي أتى المصلى يريد أن ينتهي من الصلاة ويذهب مباشرة ليذبح الأضحية، ثم بعد ذلك يذهب إلى أخته في الأرياف، فلا بد من تعجيل صلاة عيد الأضحى وتخفيف الخطبة، فلا يجوز يا أخي المسلم! أن تغفل الطرف عن واقع الأمة، فتكون أنت في واد والناس في واد آخر، فإن مراعاة ظروف الناس وفقه الواقع أمور مهمة جداً كثيراً ما نغفل عنها.
قال: [ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب].
شأنه شأن الجمعة.
بيان صفة صلاة العيدين
قال المصنف رحمه الله: [فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام وصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة].
فقول: الصلاة جامعة بدعة.
قال: [ولا خلاف بينهم أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان، يكبر في الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستاً سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية بعد القيام من السجود خمساً؛ لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التكبير في الفطر والأضحى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام) رواه أبو داود].
ومن البدع إخراج المنبر في صلاة العيد، وهذا ما فعله مروان بن الحكم في عهد الدولة الأموية، فجذبه أبو سعيد الخدري وقال: كم غيرتم وبدلتم، والذي نفسي بيده ما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم المنبر في صلاة العيد، إنما كان يخطب على الأرض، فقال: أما هذا فقد أدى الذي عليه، فمن البدع المحدثة إخراج المنبر في صلاة العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على الأرض.
ثم قال: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة].
قد تجد في صلاة الجنازة بعض الإخوة يقول: لا ترفع اليد إلا في تكبيرة الإحرام! لأن الرفع لم يثبت، بل اعلم أن الرفع هو الثابت، وهذا فعل عمر وفعل ابن عمر وعليه جمهور الصحابة.
ففي الجنازة والعيد ترفع يديك مع كل تكبيرة.
قال: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة في العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير، وروى الأثرم عن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة والعيد ولا يعرف له مخالف].
فـ عمر بن الخطاب كان يرفع وهو خليفة أمام الناس جميعاً، وأقره الصحابة على فعله.
والمأموم يكبر خلفه ويرفع، فما ينطبق على الإمام ينطبق على غيره: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
قال في الجنائز: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في تكبيرة الجنازة والعيد، ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فسن لها الرفع كتكبيرة الإحرام].
إن الخلاف السائغ الذي تعدد عن السلف، هو أنهم فعلوا هذا وفعلوا هذا، فقد ثبت عن ابن عمر الرفع، وثبت عن غيرهم عدم الرفع.
إذاً: هذا من خلاف التعدد والتنوع، وليس من خلاف التناقض والتعارض، فلا تحجر على الناس واسعاً.
قال: [ويسن الفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة، ويمسك في الأضحى حتى يصلي].
يعني: من السنة أن تأكل في عيد الفطر قبل أن تخرج إلى المصلى تمرات، وفي الأضحى تؤخر الفطر حتى تعود وتأكل من الأضحية، وذكر البخاري أن هذا في شأن من كانت له أضحية، أما من ليس عنده أضحية في عيد الأضحى فإنه يأكل قبل الخروج إلى المصلى.
قال: [ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب.
وإذا حلت الصلاة تقدم الإمام وصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبع تكبيرات يرفع يديه مع كل تكبيرة ويحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين].
هذا في الحقيقة كلام مذهبي لا دليل عليه؛ لأن الفصل بين التكبيرتين بتسبيح هذا فعل بعض السلف، وليس عندنا عليه دليل.
قال: [لما روى الأثرم في سننه أن علقمة وعبد الله بن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد وقال: إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير؟ قال: تبدأ تكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك إلى أن قال: وتركع].
يعني يقول: الله أكبر، ويفصل بين كل تكبيرتين بتسبيح وتحميد، لكن هذا القول نقف عنده؛ لأنه في الحقيقة ليس عندنا فيه دليل حتى ولو كان له حكم الرفع.
والحقيقة أن تكبيرات صلاة العيدين وكذلك الجنازة قد تعددت، فقد ورد فيها خمس تكبيرات وست تكبيرات وسبع تكبيرات وثمان تكبيرات، وهذا اختلاف تعدد على حسب الحال، هذا ورد وهذا ورد.
قال بعض العلماء: يمكن أن تزيد في عدد تكبيرات الجنازة إن كان الميت من أهل الفضل؛ للإكثار من الدعاء عليه.
قال: [فيحمد الله ويثني عليه، ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر بها بالقراءة].
الجهر وارد؛ لأنهم رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سبح والغاشية، وهذا يعني: أنهم ما علموا أنه يقرأ سبح والغاشية إلا لأنه جهر بالصلاة، فصلاة العيد فيها جهر بدون أدنى شك.
قال: [فإذا سلم خطب بهم خطبتين].
أو خطبة، فإن فيه خلافاً بين العلماء، ولم أقف على نص بين أنه خطب خطبة واحدة، وجاء نص بأنه خطب خطبتين كالجمعة.
قال: [يجلس بينهما؛ لما روى ابن ماجه عن أبي الزبير].
وهذا الحديث منكر.
قال: [فإن كان فطراً حثهم فيها على الصدقة، وبين لهم ما يخرجون فيذكر لهم قدرها ووجوبها ووقت إخراجها].
قلت: إن قال ذلك في الصلاة فقد انتهت الزكاة وما الفائدة حي
أحكام التكبير في العيدين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب التكبير في ليلتي العيدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:185]].
والتكبير في الفطر آكد منه في الأضحى؛ لأن الآية في سورة البقرة: ((وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ))، فجاء التكبير في عيد الفطر في القرآن الكريم واضحاً، ونكبر في الفطر من ثبوت هلال شوال إلى الخروج إلى المصلى، وينقطع التكبير بخروج الإمام؛ ومن فقه الإمام أن يكون هو آخر الناس خروجاً إلى المصلى، حتى ينقطع بخروجه التكبير، ويكبرون فرادى؛ لأن التكبير الجماعي على إيقاع واحد ليس من السنة.
قال: [وعن ابن عباس قال: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا.
هذا في الفطر، وأما في الأضحى فالتكبير فيه على ضربين: مطلق ومقيد، فالمطلق التكبير في جميع الأوقات من أول الشهر إلى آخر أيام التشريق].
أي: من أول يوم في ذي الحجة تكبر إلى الثالث عشر من ذي الحجة، وهو آخر أيام التشريق، فهذا تكبير مطلق؛ لقوله سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:203].
قيل: هي أيام التشريق، وقيل: أيام النحر، وقيل: العشر، والتكبير في أول العشر إلى آخر أيام التشريق يجمع الأقوال الثلاثة.
قال: [وأما المقيد: فهو التكبير في أدبار الصلوات من صلاة الصبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق بعد صلاة العصر].
قيل لـ أحمد: أي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع، علي وعمر وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم].
والمعنى: أن التكبير قيد بالصلوات فقط، فقد كان أبو هريرة وابن عمر يدخلان السوق ويكبران، فيكبر الناس بتكبيرهما، فيرتج السوق من تكبيرهم في هذه الأيام المباركة، وتكبر حين تدخل إلى منزلك وحين تخرج.
وصفة التكبير أرجح الروايات فيها ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
يعني: شفعاً وليس وتراً، ورواية الوتر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً وردت أيضاً، لكن الحديث الوارد في مصنف ابن أبي شيبة هو أرجح الأقوال فيها: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وعندما أقول: الراجح: الشفع أي: اثنتان فقط، فإننا لا نحدث خلافاً؛ لأن بعض الإخوة إن دخلوا مصلى يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، وأنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً.
الله أكبر الله أكبر أقول: نعم.
هذه الصيغة وردت في كتب الشافعية، لكن إن أحدثت فتنة فاترك الناس على حالهم، فأحياناً درء المفسدة يقدم في بعض الأحوال، ولا داعٍ أبداً إلى أن نحدث خلافاً.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، نسألك رضاك والجنة، نعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
العدة شرح العمدة [24]
أحكام الجنائز في الشريعة الإسلامية واضحة بينة، ابتداءً من احتضار الميت وانتهاءً بالتعزية، فعلى المسلم أن يلتزم المشروع ويبتعد عن محدثات الأمور، سيما وأن مثل هذه الأحكام قد تدخلها العاطفة والجهل فيحيد الناس عن اتباع السنة وموافقة الشرع.
ما يرتبط بفقه الجنائز
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! مع كتاب الجنائز من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
الحقيقة أيها الإخوة الكرام! سنقوم اليوم بالشرح النظري؛ حتى نرتب المسألة العملية أكثر؛ وحتى نربط بين النظري والتطبيق، فقه الجنائز من أهم أنواع الفقه؛ فقد كثرت البدع فيه، وغاب عن كثير من المسلمين.
وفقه الجنائز يتعلق به عدة موضوعات: الموضوع الأول: ما يجب على الحي تجاه الميت عند احتضاره وبعد موته، ثم تغسيل الجنازة.
وهناك فرق بين الجنازة -الجنازة بفتح الجيم وبكسره- فالجنازة بفتحها: هو الميت، والجنازة: هي النعش الذي يحمل فيه الميت.
ويرتبط بفقه الجنائز: غسل الميت، وتكفينه والصلاة عليه، ومن أولى الناس بالصلاة عليه، وطريقة الصلاة وصفتها، ثم اللحد في القبر، ثم القربات التي تصل إلى الميت بعد موته ما يصل منها وما لا يصل.
ومما يرتبط أيضاً بهذا الفقه الهام أولاً: البدع التي انتشرت بين المسلمين في مسائل الجنائز، وحدث ولا حرج عن هذه البدع المنتشرة بين الناس وهو يحسبون أنها سنة، مثل وضع الجريدة على القبر بزعم أن هذه ليست خاصية للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي خاصة به كما سنبين ذلك بالأدلة.
ثانياً: ارتفاع القبور عن حدها الشرعي، وتزيينها وزخرفتها، والكتابة على ألواح رخامية: هذا قبر فلان الفلاني، والقطع له بالجنة، والندب والنياحة عليه، ونعيه كنعي الجاهلية، وإقامة السرادقات واستجلاب القراء، وتوزيع الدخان والسجائر، وكل هذا من بدع الجنائز، والموسيقى العسكرية التي تصاحب بعض الجنائز، ورفع الأعلام الصوفية في جنائز الأقطاب والأوتاد، وحدث ولا حرج، وكذلك التابوت الذي يحملون فيه الميت ويضعون فوقه غطاءً مكتوباً عليه أسماء الخلفاء الراشدين، وهذا التابوت ليس من ديننا، وحمل الميت عندنا له طريقة شرعية، ومعظم الذي نفعله الآن بشأن الميت فيه كثير من البدع.
وسنبدأ بدراسة فقه الجنائز بتدبر ثم نقوم بتنفيذ الغسل والتكفين عملياً، ونوضح الفرق بين غسل الرجل وغسل المرأة، وبين كفن الرجل وكفن المرأة، ومن أحق الناس بتغسيل الميت، ومن أحق الناس بالصلاة عليه، وهذه أمور مهمة جداً ينبغي أن نكون على علم بها.
ما يعرف به الموت
لا بد أولاً أن تتيقن أن الميت قد مات، ويتيقن من الموت بأمور عديدة، أولاً: عن طريق الأطباء أصحاب التخصص، أو بفتح العين والفم، وبرود الأطراف.
ثانياً: أن مفاصل الميت تكون سهلة لينة، فمثلاً: إذا أغلقت فم الميت ثم عدت بعد ذلك وجذبت ما أغلقته به عاد مفتوحاً.
ما يفعل بالميت إذا مات
فإذا تيقن موته فهناك أمور تفعل بالميت في الحال، وهي: أولاً: قوله: [إذا تيقن موته غمضت عيناه].
لأن (العين تتبع الروح) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فأول أمر ينبغي على الحي أن يفعله أن يغمض عين الميت.
ثانياً: [وشد لحياه].
وشد اللحيين يعني: أن يشد الفم بقطعة قماش يربطها من أعلى رأسه إلى أسفل ذقنه حتى يغلق الفم؛ لأنه إذا ترك الفم مفتوحاً ربما يدخل فيه أشياء لا ينبغي دخولها، ولأنه يصبح منظره قبيحاً وقد تخرج منه رائحة.
ثالثاً: [وجعل على بطنه مرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ البطن].
والمعنى: أن يجعل على بطنه شيئاً ثقيلاً حتى لا ينتفخ؛ لأنه إذا تأخر دفنه لأسباب شرعية فيمكن أن ينتفخ بطنه.
رابعاً: تليين مفاصله، ويكون ذلك بالضم والبسط ليديه ورجليه؛ لأنه إذا ترك الميت بعد موته بدون تليين الأعصاب والعظام فستصبح جامدة في يد المغسل، فلا بد من تليينها حتى إذا جاء المغسل وجد أعضاءه لينة، فيستطيع أن يتعامل معها برفق وسهولة.
ما يجب على الأحياء تجاه الميت عند موته
ومما يجب على الأحياء تجاه الميت عند موته أولاً: تلقينه الشهادة، و (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
فإذا تلفظ بها فلا يعيدها عليه إلا إذا تكلم الميت بكلام آخر؛ حتى تكون آخر كلامه.
ثانياً: تذكيره بسعة رحمة الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه).
فيذكره بصلاته وبصيامه وبجهاده وبمحاسنه، ولا يذكر عنده عذاب أبداً، وبعض الناس يجلسون عند رأس الميت ويقرءون فوق رأسه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ:21 - 22]، حتى يفزع الميت، والعياذ بالله.
والذي ينبغي هو ذكر آيات الرحمة وتبشيره بسعة رحمة الله عز وجل، وقد قال العلماء: ينبغي للعبد عند الاحتضار أن يغلب جانب الرجاء والطمع في رحمة الله عز وجل على جانب الخوف، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف.
فهذه من الأمور التي ينبغي على الحضور أن يتنبهوا لها، وحدث ولا حرج عن غياب هذا الفقه في المستشفيات، وكثير من النساء ليس لهن خبرة بهذا الصنيع.
ثالثاً: توجيه الميت إلى القبلة، وفيه خلاف، والراجح أنه يوجه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا عند النوم أن نضطجع على شقنا الأيمن وأن نستقبل القبلة، والنوم والموت صنوان؛ لأننا نقول بعد قيامنا من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: إن توجيه الميت إلى القبلة لم يصح فيه حديث، وأقول: لقد قال العلماء: إن توجيه الميت إلى القبلة عليه أدلة.
ثم بعد موته يغطى مباشرة بغطاء كبير لا يكشف الوجه، وقد غطي النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولما جاء الصديق رفع الغطاء وقبل جبهة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! ويمكن أن نحصر ما يجب علينا تجاه الميت في الآتي: 1 - أفعال تجب قبل الغسل.
2 - وضوء الميت.
3 - غسل النظافة.
4 - غسل الميت.
ستر عورة الميت أثناء الغسل
قال المصنف رحمه الله: [فإذا أخذ في غسله ستر عورته].
فإذا جاء المغسل رفع الغطاء وجرد الميت من ثيابه، وينبغي أن يكون معه شيء يستر به عورته من فوق السرة إلى تحت الركبة، ولا يجوز له أن ينظر إلى عورة الميت، والبعض عند تغسيل الميت ينظر إلى عورته، وهذا لا يجوز أبداً، فلا بد من ستر عورته حتى الانتهاء من تكفينه، ثم تخلع عنه.
من يغسل الميت
ولا بد من التعامل مع الميت برفق وليكن مع المغسل من يعينه على تغسيل الميت، ولا يدخل على الميت إلا من كان يحبه في حال الدنيا، ولا يدخل عليه الخصوم، فهذا لا يجوز، ولا يدخل عليه الرجل إلا إذا كان صالحاً.
واليوم يغسل الميت من لا يصلي والساحر والمرأة المتبرجة، ولا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل إلا إذا كانت زوجته، خلافاً للأحناف الذين قالوا: لا يجوز للزوج أن يغسل زوجته؛ لأن عقد الزواج قد انتهى، وهذا كلام باطل ولا دليل عليه، فقد صح: أن بعض الصحابة غسلوا زوجاتهم، حتى أن عائشة قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا زوجاته.
وهذا حديث صحيح.
وأسماء بنت عميس غسلت زوجها الصديق، والبعض يضعف هذا الحديث، وعلي بن أبي طالب غسل زوجته فاطمة، والبعض ضعف هذا الحديث أيضاً، ولكن قول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لا شبهة فيه.
فلا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل، وليس للرجل أن يغسل المرأة أبداً بحال، إلا إذا كانت صغيرة لم تبلغ الحلم ولا تشتهي، ولم تبلغ الحيض حتى لا يفتن بها المغسل.
ما ينبغي للمغسل اصطحابه لغسل الميت
يبدأ المغسل في إعداد الأشياء التي تساعده في الغسل، والتي تسمى عدة الغسل، وهي: 1 - كمامة يلبسها على فمه.
2 - خرقة؛ حتى لا يمس عورة الميت بيده؛ وحتى يزيل بها النجاسة عن الميت.
3 - حذاء كحذاء رجل المطافئ.
ومن يساعد المغسل عليه إعداد هذه الأشياء أيضاً.
صفة ماء غسل الميت
ولا ينبغي أن يغسل الميت بماء يتأذى منه الحي، ففي الصيف لا بأس أن تغسل الميت بماء بارد، ولكن لا ينبغي أن تغسله في الشتاء بماء بارد، فهذا يتأذى منه الحي، بل تسخنه قليلاً.
وليكن بجوارك إناء كبير وزيت كافور، فهو أصلح الأنواع لوقف نزيف الدم وتجليطه، ويخلط هذا الكافور بالمياه المعدة لغسل الميت.
حكم ملابس الميت
ثم ينقل الميت إلى المغسلة بين يدي المغسل، فيجرده من ملابسه ويدفعها لأهل بيت الميت، وفي بعض الأرياف ملابس الميت تبقى أربعين يوماً، لا يقترب منها أحد؛ لأنها ملابس شؤم؛ ولا بأس بالتصدق بها أو لبسها، وهي من الميراث، فلا ينبغي أن يستأثر بها أحد الورثة دون غيره، وفي بعض القرى إذا رأى أحد الورثة عباءة جميلة أو بدلة محترمة أخذها، وكذلك الساعة أو الخاتم، وكل ذلك يدخل في تركة الميت.
وقد حكي أن امرأة من السلف كانت تعجن عجين البيت فجاءها الخبر أن زوجها قد مات، فقالت: لا أقربك الآن، فقد أصبح لنا الآن فيك شركاء.
صفة غسل الميت
عصر بطن الميت لإزالة الأذى
بعد تجريد المغسل للميت من ملابسه يغطيه بسترة، ثم يضغط على بطنه ضغطاً يسيراً لتخرج البقايا والفضلات، ويكون بجواره إناء فارع يلقي فيه هذه الفضلات، ثم يضغط مرة أخرى ضغطاً خفيفاً على بطنه عند السرة وتحتها وفوقها ليخرج بقية الفضلات، ويمكن أن يجلس الميت على المغسلة لإخراج الفضلات، ويفعل هكذا حتى تخرج اليد بيضاء لا شيء فيها، ويتأكد أن جوف الميت قد صفا من كل الفضلات.
وهذا معنى قول المؤلف: [يعصر بطنه عصراً رقيقاً؛ ليخرج ما في جوفه من فضلة حتى لا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيفسد الكفن، ويلف على يده خرقة ثم ينجيه بها].
[ولا يحل مس عورته؛ لأن رؤيتها محرم فمسها أولى].
فلا يحل له أن يرى العورة ولا أن يمسها.
وضوء الميت
قال المصنف رحمه الله: [ثم يوضئه وضوءه للصلاة].
والوضوء يكون قبل الغسل، وبعد تصفية ما في بطنه من فضلات يوضأ الميت كما يتوضأ الحي، إلا في المضمضة، فلا يدخل الماء داخل فمه وإنما يمسح مسحاً خفيفاً جداً خارج فمه، وكذلك لا يدفع الماء داخل الأنف وإنما من الخارج، ثم غسل الوجه واليدين مع المرافق ثم المسح على الرأس مع الأذنين، ثم غسل القدمين وتخليل الأصابع، وبهذا تكون قد وضأت الميت وضوءاً شرعياً صحيحاً.
هذه السنة في غسل الميت، والغسل يجزئ عن الوضوء، وهناك فرق بين الكمال والإجزاء في الفقه، فلو أن رجلاً جنباً خلع ملابسه ونزل في الماء وتمضمض واستنشق وخرج فإنه يجزئه هذا، ولكنه لا يكون كاملاً إلا إذا غسل مذاكيره ثم توضأ ثم غسل رأسه ثم صب الماء على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر.
قال المصنف رحمه الله: [لما روت أم عطية أنها قالت: لما غسلنا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب قال صلى الله عليه وسلم: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها).
متفق عليه]، يعني: ابدءوا بغسل الميامن ثم مواضع الوضوء.
وحديث أم عطية عمدة في فقه الجنائز، كما أن حديث عمار عمدة في فقه التيمم.
[ولأن الحي يتوضأ إذا أراد الغسل فكذلك الميت فافعل بالميت ما يفعل بالحي].
كيفية غسل الميت
قال المصنف رحمه الله: [ثم يبدأ بعد ذلك بغسل مقدم رأسه ولحيته بماء وسدر؛ لتذهب عنه الأوساخ والأدران] ولم يشر المصنف رحمه الله إلى غسل النظافة بعد الوضوء، فغسل النظافة مشروع في غسل الجنازة، فبعد أن توضئ الميت اغسل رأسه ثلاث مرات بالماء والصابون، ثم اسكب الماء على شقه الأيمن، وتتبع بالماء المغابن، وهي المفاصل والأماكن التي هي مظنة عدم وصول الماء، مثل: الإبطين، وبين الفخذين، فلا بد من تتبع المغابن بالماء عند الغسل؛ لأننا سنطيبها بعد الغسل.
ثم بعد غسل النظافة نغسله الغسل الشرعي بالماء والسدر، والسدر ورق النبق، وهذا الورق يعطي رائحة طيبة للماء.
قال المصنف رحمه الله: [ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر].
فبعد غسل النظافة نبدأ في الغسل الشرعي للميت، ونبدأ بغسل الشق الأيمن؛ لقوله عليه السلام: (ابدأن بميامنها).
قال المصنف رحمه الله: [ثم يغسله أكثر من مرة] أي: مرتين أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.
قال المصنف رحمه الله: [يمرر في كل مرة يده على بطنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك)].
فإن كان هناك ضرورة للزيادة زاد، فإذا ضغط على بطنه وخرجت الفضلات مرة ثانية أزالها ووضأه مرة ثانية؛ لأن خروج الفضلات ناقض للوضوء، وكذلك يعيد الغسل إن كان قد غسله.
ولو خرجت منه الفضلات كلما ضغط على بطنه فيضع قطناً في هذا الموضع ثم يغسله، فهناك بعض الموتى يكون عندهم نزيف داخلي متتابع، فلو مكثت مائة مرة فلن ينقطع.
قال المصنف رحمه الله: [وإن خرج منه شيء غسّله وسده بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر].
وهذا إشارة إلى أنه يستخدم ما يوقف النزيف.
وزيت الكافور يجعل هذه المواطن تتجلط إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله: [ثم ينشفه بثوب، وذلك مستحب؛ لئلا تبل الأكفان، وفي حديث ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فجففوه بثوب)] فينشف بثوب بعد انتهاء الغسل.
تطييب الميت
قال المصنف رحمه الله: [ثم يجعل الطيب في مغابنه]، أي: بعد أن ينتهي من الغسل والتنشيف يجعل الطيب في المغابن، وهي المفارق التي هي مظنة عدم وصول الماء.
[في مغابنه ومواضع سجوده]، ومواضع السجود سبعة وهي: الجبهة مع الأنف، ثم اليدان، ثم الركبتان، ثم القدمان، وإن عمم الطيب لكل الجسد فلا بأس، وإن عممه بالطيب وبالمسك على كل جسده فلا بأس.
قال المصنف رحمه الله: [لأن المغابن مواضع الأوساخ، وأماكن السجود تطيب لشرفها، وإن طيبه كله كان حسناً؛ لقوله عليه السلام: (واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور)].
تجمير الكفن
قال المصنف رحمه الله: [ويجمّر أكفانه].
يعني: يبخرها كما يفعل الحي.
حكم الأخذ من شارب الميت وأظفاره أو تسريح شعره، وحكم ما يسقط منه
قال المصنف رحمه الله: [وإن كان شاربه طويلاً أو أظفاره أخذ منه؛ لأن ذلك سنة في حياته].
وهذا مرجوح جداً، فلا ينبغي أن يأخذ من شعره شيئاً ولا من أظفاره، فهذا ضعيف في المذهب ولا دليل عليه.
[ويترك في أكفانه؛ لأنه من أجزائه]، يعني: أنه يريد أن يقول: إذا أخذ من الأظفار والشارب فإنه يوضع في الكفن، وهذا كلام ضعيف.
[وكذلك كل ما يسقط منه، ولا يسرح شعره؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: لا تسرّحوا شعره بالمشط؛ لأنه يقطع الشعر وينتفه.