حكم ما لو باع المشتري من الشريك قبل أن يعلم الشريك الآخر
قال المصنف رحمه الله: [فإن لم يعلم حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر فله مطالبة من شاء منهم، فإن أخذ من الأول رجع على الثاني بما أخذ منه، والثالث على الثاني].
أي: إذا باع الشريك للمشتري الأول دون أن يعلم الشفيع ثم باع المشتري الأول لمشترٍ ثانٍ بثمن آخر، ثم باع المشتري الثاني إلى مشترٍ ثالث بثمن ثالث، وبعد أن باع الثاني إلى الثالث علم الشفيع بالبيع.
فهو بالخيار أن يعود إلى أحدهم، فإن عاد إلى الأول عاد عليه بعقد البيع المحرر بينه وبين الثاني، والثاني يعود على الأول، والثالث يعود على الثاني، وإن عاد على الثالث عاد بسعره، ويعود الثالث على الثاني، والثاني على الأول، وهكذا، فحق الشفعة لا يسقط وإن ترتبت عليها بيوع، لكن هو بالخيار.
حكم تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع له
يقول المصنف رحمه الله: [فمتى تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع فتصرفه صحيح]، يعني: إذا تصرف فيه المشتري قبل أن يأخذه الشفيع، ثم تصرف فيه إلى مشترٍ آخر فذلك لا يمنع من تصرفه، كما لو كان الثمن معيناً، فتصرف المشتري في المبيع صحيح، وذلك كأن يشتري الأول بعشرة، ثم يشتري الثاني بعشرين، ثم الثالث بثلاثين، فهو بالخيار، وله أن يعود إلى من أراد.
حكم ما أحدثه المشتري في العين قبل أخذ الشفيع لها
قال المصنف رحمه الله: [ومتى أخذه]، يعني: أخذ الأرض وفيها الغرس أو البناء.
قال المصنف رحمه الله: [أعطاه الشفيع قيمته].
فلو أخذ أرضاً بحق الشفعة وفيها غرس فالواجب عليه أن يعطي المشتري حق الغرس إن رغب في بقائه كما هو؛ لأن هذا الغرس ملك المشتري، فلا ضرر ولا ضرار، فإن أخذ الأرض بزرعها فالضرر يعود على المشتري، فحق الشفعة لا يعطي الشفيع الحق بأن يأخذ الثمرة التي زرعها المشتري في الأرض؛ لأن هذه الأرض انتقلت إلى المشتري بطريق الملكية.
قال المصنف رحمه الله: [إلا أن يشاء المشتري قلعه].
فالمشتري هو الذي اشترى الأرض، فلو أراد أن يقلع الزرع فله ذلك؛ لأنه ملكه، إلا أن يكون ذلك مضراً بالأرض فيلزمه استبقاءه بقيمته، ويأخذها من الشفيع.
فلو اشترك رجلان في أرض لكل منهما فدان وباع أحدهما نصيبه ولم يخبر شريكه فقام المشتري بزرع ما اشتراه، فجاء الشفيع بعد أن علم وأراد أن ينزع ملكية الأرض فله نزعها، ولو أراد استبقاء الزرع في الأرض فيعطي المشتري ثمنه.
فلا ضرر ولا ضرار، ولو أراد المشتري أخذه فله ذلك إلا أن يضر بالأرض، فلا ضرر ولا ضرار، فإن ضر قلعه الأرض استبقاه الشفيع وألزم المشتري بأخذ القيمة.
قال المصنف رحمه الله: [وإن كان فيها زرع أو ثمر باد فهو للمشتري، يبقى إلى الحصاد والجذاذ].
يعني: إذا كان الزرع قد بدا ونما فلا يجوز في هذه الحالة إلا أن يشتريه الشفيع، أو يبقى في الأرض إلى أن يحصده المشتري، وإلزام المشتري بقلعه فيه ضرر عليه، فقد تكلف في زرعه ورعايته ونموه، فهو أحق بزرعه إذا بدا.
حكم ما لو اشترى شيئين في عقد واحد ثم انتزع منه أحدهما بالشفعة
قال المصنف رحمه الله: [إن اشترى شقصاً وسيفاً في عقد واحد].
وهذه مسألة مهمة جداً، فلو اشتريت منك فداناً من الأرض وجهاز تسجيل في عقد واحد فالفدان فيه شفعة، وجهاز التسجيل ليس فيه شفعة؛ لأنه غير قابل للتقسيم.
فلو اشترى شخص شيئين: شيء فيه شفعة والآخر ليس فيه شفعة في عقد واحد فالراجح أنه يعود على ما فيه شفعة فقط، وأما الثاني فلا شفعة فيه، وهذا ما يسميه العلماء: اشترى شقصاً وسيفاً.
قال المصنف: [فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن].
يعني: يحدد الثمن الذي فيه الشفعة ويأخذ الشقص ويترك السيف.
قال المصنف رحمه الله: [ويحتمل أن لا يجوز لما فيه من تبعيض الصفقة على المشتري، وعن مالك: تثبت الشفعة فيهما؛ لئلا تتبعض].
يعني: أن مالكاً يرى أن الشفعة تثبت في الشقص والسيف، يعني: تثبت الشفعة في الملك العقاري وفي الجزء الآخر المتمم في العقد.
ولكن الراجح أن الشفعة تثبت فيما يجوز فيه الشفعة، ولا تثبت فيما ليس فيه شفعة، ويعود بثمنه على ما فيه شفعة.
والله تعالى أعلم.
الأسئلة
مراعاة أحوال الناس في الصلاة والخطبة
السؤال
نرجو من إدارة المسجد أن ترشد الإمام الجديد بعدم تأخير إقامة الصلاة، وخاصة في أيام الدروس؛ لأن هذا يشق علينا، ويسيء إلى مساجد السنة، حيث يقول الناس: هذه المساجد قطاع خاص، ينتظر بعضهم بعضاً؟
الجواب
لقد اتفقت مع الإمام على أن يكون الوقت بين الأذان والإقامة في العشاء ثلث ساعة من أجل الدرس، وأن يقرأ الإمام بأواسط المفصّل في المغرب والعشاء.
ولا بد أن نراعي فقه الواقع وأحوال الناس، فلا ينبغي أن يؤخذ عن المسجد فكرة أنه يؤخر الصلاة إلى ما لا نهاية، وفي أحد المساجد يخطب الخطيب مدة ساعتين ونصف إلى العصر، حتى أنه من المضحكات أن رجلاً لا ينزل لصلاة الجمعة إلا بعد الأذان بساعة ونصف، فيقوم من النوم الساعة الواحدة والنصف ويغتسل غسل الجمعة، ثم ينزل ليصلي الجمعة، وهذا لا ينبغي من مساجد السنة، فالواجب عليها أن تيسر على الناس لا أن تنفرهم، فلا تطويل مخل ولا تقصير يضيع الواجبات.
ما يدفعه الشفيع لو باع شريكه بأقل من القيمة أو بأكثر منها
السؤال
إذا باع الشريك نصيبه لأجنبي بأقل من السعر فكم يدفع من له الشفعة لأخذها؟
الجواب
إذا باع الشريك نصيبه بأقل من قيمة السوق أو أعلى من قيمته فتقدر بالقيمة.
حكم استعانة الخطيب بالكلام العامي لإفهام المصلين
السؤال
نطلب من فضيلتك التحدث باللغة العربية الفصحى، ولفضيلتك جزيل الشكر؟
الجواب
ليس على الإطلاق، وإنما أحياناً، فأحياناً نترك العربية حتى تفهم المعلومة.
حكم المنفرد إذا صار إماماً في الصلاة الجهرية
السؤال
ما هو الدليل على أن المصلي المتنفل إذا أصبح إماماً يجهر إذا كانت الصلاة جهرية، ويسر إذا كانت الصلاة سرية؟
الجواب
الدليل: أن الصلاة تصلى بحالتها، فإذا كنت تصلي العشاء منفرداً ودخل معك مؤتم فلا بد أن تجهر؛ لأن صلاة العشاء الأصل فيها الجهر، فإذا كنت إماماً فاجهر.
حكم الاعتداد بالطلاق الأول إذا انتهت عدة الزوجة ثم تزوجها ثم طلقها
السؤال
امرأة طلقت من زوجها طلقة واحدة، ثم مكثت في بيت أبيها سنة ثم رجعت إلى الزوج بعقد جديد وبمهر جديد، ثم بعد ذلك طلقها زوجها طلقتين فهل تحتسب ثلاث طلقات، أم تحتسب طلقتين؟
الجواب
تعود بطلقتين على ما تبقى له، والخلاف بين العلماء هو في مسألة ما لو طلقها زوجها طلقتين وبقي له طلقة واحدة، ثم بعد أن بانت منه تزوجت غيره فطلقها الثاني فلو تزوجها الأول هل ترجع بطلقة أم بثلاث؟ وهذه المسألة يسميها العلماء مسألة الهدم.
فالأحناف ومعهم ابن عباس وابن عمر ورواية عن الإمام أحمد: أنها تعود بثلاث، وكبار الصحابة ومعهم الشافعي ومالك ورواية عن أحمد أنها تعود بواحدة، وقد انتصر لهذا الرأي ابن تيمية.
حكم حمل الولد في الصلاة، وحكم جلوسه في حجر المصلي
السؤال
ما الحكم لو جلس الولد على حجر أمه في الصلاة؟ وما الحكم لو مر من أمامها؟
الجواب
كان صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة بن زينب في صلاته، ويحمل الحسن والحسين، فلا بأس أن يمكث على حجر أمه في الصلاة، ولا بأس أن يركب على ظهرها في الصلاة وهي ساجدة، ولا بأس أن يتعلق برقبتها في الصلاة وكل ذلك أخرجه البخاري في كتاب العمل في الصلاة.
وبعض الأعمال إذا عملت في الصلاة لا شيء فيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم نزل وحمل الحسن والحسين.
ما يقطع الصلاة
السؤال
ما الذي يقطع الصلاة؟
الجواب
يقطع الصلاة ثلاثة: الحمار، والكلب الأسود، والمرأة، وقد اختلف العلماء هل هؤلاء يقطعون الصلاة نهائياً أم ينقصون أجرها؟ فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: بئس ما ساويتمونا بالكلب والحمار، كنت أجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فإذا أراد السجود غمزني.
فالخلاف في المرأة هل تدخل فيما يقطع الصلاة أو لا تدخل.
تفسير قوله تعالى: (وللكافرين أمثالها)
السؤال
قال في تفسير الصف الثالث الثانوي الأزهري في تفسير سورة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:10] بعد قول الله تعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد:10]: أنه وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل هذا القول أنه وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم صحيح؟
الجواب
نعم، هذا كلام صحيح.
أسباب انتشار الصوفية
السؤال
لقد انتشرت يا شيخ! الآن في قناتنا الصوفية بطريقة كبيرة جداً؟
الجواب
انتشار الصوفية دليل على ضعف السلفية، فكلما انتشر الجهل كان هذا دليلاً على وجود تقصير من العلماء، فلا توجد حزبية ولا صوفية في البلاد التي يكون فيها نور السلفية ساطعاً، فحيثما حل نور السلفية ضعفت الفرق الأخرى؛ لأن السلفية كالسكين التي تذبح البدع.
فأين أهل السنة وجهدهم؟ فلا بد أن يجاهدوا ويظهروا الحق، ويجمعوا حولهم الشباب، ويحببوا العلم للناس، وأن يتحدثوا بقال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليثبتوا على الحق، وعندها ستنخمد الصوفية بعد إن شاء الله تعالى.
حكم أكل اللحوم المجمدة التي تأتي من الخارج
السؤال
ما حكم التجارة في اللحوم المجمدة الآتية من الخارج؟
الجواب
اللحوم التي تأتي من بلد أهل الكتاب سم الله وكل، فالأصل فيها الحل.
حكم دراسة مذهبين فقهيين في وقت واحد
السؤال
ما رأي فضيلتكم في طلب الفقه الشافعي مع الحنبلي في وقت واحد؟
الجواب
لا بد أن يكون الطلب لمذهب واحد، ثم بعد ذلك انتقل إلى غيره.
حكم إسقاط الدين عن المعسر وجعله من الزكاة
السؤال
هل يجوز إسقاط الدين عن المعسر ويحسب من الزكاة؟
الجواب
لا؛ لأنه يقول تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل:62].
قال الشيخ ابن عثيمين: وأجمع أهل العلم على أن إسقاط الدين عن المعسر لا يعد من الزكاة.
حكم من استأجر دابة لحمل شيء معين ثم زاد في حمولتها على المتفق عليه
السؤال
استأجر شخص دابة بعشرين جنيهاً لحمل قنطار، فحمل قنطاراً ونصفاً، فماذا عليه من الأجرة في هذه الحالة؟
الجواب
يلزمه أجرة القنطار باتفاق وأجرة النصف الزائد بإيجار المثل.
عيوب الملتزمين
السؤال
أنا شاب قضيت في الجيش عاماً واحداً ولم أكمل، ثم هداني الله للالتزام ولا أود الرجوع إلى الجيش ثانية، فهل هذا حرام أم حلال؟
الجواب
عد إلى الجيش بارك الله فيك، ولا تهرب وتقول: ملتزم، فاتق الله في نفسك، ولا تعلق على جماعة الالتزام هذا الفشل، وهذا كمثل من فشل في الطب بسبب الالتزام وحضور دروس العلم في المسجد، فأكمل المدة، وكن قدوة حسنة لا سيئة، فعد إلى رشدك، ولا تجعل الالتزام شمّاعة تعلّق عليها فشلك، فهذا لا نقبله بحال.
وأنا أقول هذا الكلام لأني أحبك؛ وستعلم أني أحبك بعد ذلك.
سبب عدم الشفعة في الإيجار
السؤال
قلتم: إنه لا شفعة في الإيجار، ثم قلتم: إن ما كان بغير إرادة فلا شفعة فيه، أفليس الإيجار انتفاعاً بإرادة؟
الجواب
هذا في البيع، وأما الإيجار فهو بيع منفعة وليس بيع عين.
الدليل على كون الدعاء في الركوع مطلقا
ً
السؤال
هل يجوز لي أن أدعو بما شئت في الركوع أم لا؟ وما هو الدليل؟
الجواب
نعم، الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتأول في الركوع ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك رب اغفر لي).
حكم وضع الخاطب الخاتم في يد خطيبته
السؤال
في يوم خطبة أختي جاء أهل الخاطب بخاتم، وعندما أراد الخاطب أن يلبسها هذا الخاتم أبيت ونهيتهم عن هذا، فقالوا لي: يا أخي! يسّر ولا تعسّر، فما رأيك؟
الجواب
هذا لا يرضى به إلا ديّوث، فكيف يسمح الأخ للخاطب أن يمسك يد أخته، وقد اتصل بي منذ أيام والد خطيب وقال: لما أحضر ابني شبك مخطوبته أصر أهل البنت على أن يلبسها هو بنفسه، فهم يريدون أن يمسك يدها وهم فرحون بذلك، ورفضوا رفضاً قاطعاً أن تُلبس أمه العروسة الشبكة! وقالوا: بأن هذا عيب على العائلة.
فلم يعد الشرع هو الذي يحكم على رقاب هؤلاء الناس.
فلا بد أن نمتثل للشرع ونثبت عليه.
دعاء بالهداية
السؤال
نسألكم الدعاء لأبي وأخي بالهداية إلى الطريق المستقيم؟
الجواب
اللهم اهدهم يا رب العالمين!
حكم المدير الذي يمنع موظفيه من الصلاة في جماعة
السؤال
المدير في العمل ينهانا عن الصلاة في جماعة، ويأمرنا بأن يصلي كل اثنين معاً في غرفة، فما حكم الدين في هذا؟
الجواب
هذا المدير آثم، وعليكم ألا تستجيبوا لأمره؛ لأن هذا الأمر يخالف الشرع ولا يوافقه، وكان من الواجب عليه أن يخصص مصلى في مكان العمل ويجمع الناس ويصلي بهم إماماً، ويؤذن ويعلن الصلاة، وأما أن يقول لهم: لا تصلوا إلا مفرقين اثنين اثنين فهذا تشرذم وعمل شيطاني، فهو آثم، ولا بد أن ينصح.
حكم صلاة المأموم المسبوق يقوم يقضي صلاته ثم يتذكر الإمام فيقوم لإتمام ما فاته
السؤال
إذا صلى الإمام صلاة الظهر ثلاث ركعات ناسياً ثم سلّم ثم ذكّره المأمومون فقام وأتى بالركعة الرابعة فما حكم المأموم إذا كان قد دخل في الصلاة في الركعة الثالثة وعند سلام الإمام فارقه؛ هل يكمل الصلاة؟
الجواب
نعم، يكملها بمفرده ولا شيء عليه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا واستر عوراتنا.
العدة شرح العمدة [76]
الوقف في الشريعة هو حبس أصل العين وتسبيل منفعتها، ويجوز في كل عين يجوز بيعها، وينفذ بالقول سواء كان صريحاً أو كناية، ويصح بالفعل الدال عليه كما لو بنى مسجداً وأذن فيه للصلوات الخمس.
تعريف الوقف
قال المصنف رحمه الله: [كتاب الوقف].
كتاب الوقف مهم جداً؛ لأننا نعاصره في حياتنا، فلو جاء رجل إلى المسجد بكرسي وقال: هذا الكرسي وقف على المسجد فلا يجوز لأحد أن ينتفع به إلا المسجد، ولو جاء آخر بمصحف وكتب عليه وقف لمسجد كذا فقد أصبح وقفاً على المسجد، ولو أوقف آخر فداناً من أرضه على المسجد فإن إيراد الأرض لا ينفق إلا على المسجد، وهذا معمول به في الأوقاف الآن، وهناك وقف الأوقاف، وذلك مثل أن يوقف رجل أرضه لمسجد الأوقاف، فالأوقاف تتصرف فيها، وعندنا أرض موقوفة على الأوقاف، يعني: إيراد الأرض ينفق على الأوقاف.
والوقف لغة: هو الحبس.
قال المصنف رحمه الله: [وهو تحبيس الأصل]، أي: أحبس الأصل عن كل ما ينقل الملك فيه، فلو قال شخص قبل أن يموت: هذا الفدان للمسجد فلا يجوز نقل ملكية الفدان بعده بالميراث ولا الهبة ولا الوصية، فقد أصبح وقفاً أبدياً على المسجد، فقد حبس هذا الأصل عن التصرف فيه، وأصبح محبوساً على شيء معين.
فالوقف: هو حبس الأصل عن كل ما ينقل الملك فيه، فلا يجوز بيعه ولا هبته ولا الوصية به وتوريثه.
فالوقف: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وتحبيس الأصل: منعه من التصرف في الأصل، فلو جئت بسيارة وكتبت عليها وقف لنقل الموتى فحكم هذه السيارة شرعاً أنها موقوفة، لا يجوز التصرف فيها بنقل ملكيتها؛ لأنها أصبحت وقفاً، والقاعدة في الوقف أن شرط الواقف كحكم الشارع ما لم يخالف إلا أن ينعدم نفعها، والوقف يكون بالقول أو بالفعل.
فلا يجوز لإدارة المسجد أن تقول: أفرغنا المسجد وسنبيعه غداً، فبمجرد أن بني المسجد وفتحت أبوابه وأذن فيه للصلاة فقد أصبح وقفاً لا يجوز التصرف فيه بالبيع أو الشراء إلا أن تنعدم منفعته، كما فعل عمر ببيت المال في خيبر.
قال المصنف رحمه الله: [وتسبيل الثمرة]، يعني: إطلاقها في سبيل الله، فالثمرة ليست ملكاً لأحد.
فالوقف لغة: هو الحبس، واصطلاحاً: حبس الأصل عما ينقل الملك فيه، أو هو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة.
شروط صحة الوقف
قال المصنف رحمه الله: [يجوز في كل عين يجوز بيعها].
فكل عين يجوز أن تباع يجوز فيها الوقف.
قال المصنف رحمه الله: [وينتفع بها دائماً مع بقائها]، كالعقار، فالعقار يجوز بيعه وينتفع به.
فشروط الموقوف: أولاً: أنه يجوز بيعه.
ثانياً: أن يمتد نفعه، بأن يكون له أصل ثابت وعمر طويل.
فلو أوقف رجل كلباً لحراسة مسجد لم يجز؛ لأنه لا يجوز بيعه، ففي الحديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب).
وهناك محلات في مصر لبيع الكلاب، وأصبحت الكلاب تربى في بيوتنا، وخير دليل على الرقي والحضارة أن تربي كلباً.
وأما الهرة فهي من الزائرين كما في الحديث (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
ولا يجوز بيعها، وإنما هي طوافة.
والوقف لا يجوز فيه الشفعة، وكذلك لا يجوز وقف الولد على خدمة المسجد؛ لأنه لا يجوز بيعه.
ما يصح الوقف عليه
قال المصنف رحمه الله: [ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثلما روى عبد الله بن عمر قال: (أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره، فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ قال: إن شئت يا عمر! حبست أصلها، وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع، ولا يوهب ولا يورث، قال: فتصدق بها عمر على الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقاً بالمعروف غير متمول فيه).
متفق عليه].
ومعنى حبست يعني: وقفت.
وقوله: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)، يعني: تصدقت بها في سبيل الله عز وجل، فأوقف عمر هذه الأرض على الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف، فكل ما يخرج من الأرض لهؤلاء، وتوزع هذه الأنصبة حسب شرط الواقف.
ثم قال عمر في قرار الوقف: والذي يزرعها يأكل منها، وكذلك يأكل منها ضيفه.
فإذا أوقفت أرضاً وأحضرت من يزرعها وقلت له: هذه الأرض وقف لمسجد كذا، فكل منها ما شئت، وليأكل صديقك الذي يأتيك بالمعروف، ومعنى بالمعروف: في حدود الطاقة، فلا يكون طماعاً، يأكل ثلث الزرع ويقول: قد أذن لي بالأكل، بل يأكل على حسب الطاقة البشرية، كالرجل الذي عنده يتيم في حجره، ويقوم على رعاية ماله ويستثمره له، فإن كان فقيراً فقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:6].
ومعنى يأكل بالمعروف: يأكل في حدود الطاقة والعرف.
فليس إذن عمر بالأكل لمن زرعها أنه يأكل بإسراف، هذا غير صحيح، بل يأكل بالمعروف، كما قال صلى الله عليه وسلم لـ هند بن عتبة لما قالت: (إن أبا سفيان رجل شحيح -أي: لا ينفق علي- قال: كلي أنت وولدك بالمعروف).
فإذا كان الرجل لا ينفق على بيته فيجوز للزوجة أن تأخذ من ماله ما تشتري به أكلاً، أو كان ابنها يريد مصاريف المدرسة فتأخذها له من غير أن يشعر الزوج؛ لأن هذا حق، أو يريد لباساً للمدرسة فتأخذ له كذلك بالمعروف، ولابد أن يكون من متوسط الاستهلاك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كلي أنت وولدك بالمعروف).
قال المصنف رحمه الله: [وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية)].
وما أوقفه في حال حياته لله عز وجل فهو صدقة جارية.
الوقف يكون بالقول والفعل الدال عليه
قال المصنف رحمه الله: [يصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه].
فإذا بنيت مسجداً ووضعت عليه المكبر، وفتحت بابه، وأذنت فيه للخمسة الفروض فهذا معناه أنني أوقفته بالفعل، فلا أقف وأقول: هذا المسجد أوقفته لله، فاحضروا صلوا فيه.
قال المصنف رحمه الله: [مثل: أن يبني مسجداً ويؤذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس؛ لأن العرف جارٍ به، وفيه دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت به كالقول].
فيجوز الوقف بالقول أو بالفعل.
قال المصنف رحمه الله: [وجرى مجرى من قدم طعاماً لضيافة أو نثر نثراً أو صب في خوابي السبيل ماء].
فلو جاءك في البيت ضيف فأحضرت الأكل وقربته بين يديه فهذا الفعل ينبئ عن إذنك له بالأكل، ولا يشترط أن تقول له: كل.
وبعض الإخوة يقول: ينتظر حتى يقول: كل، بل كل مباشرة ولا حرج.
ومعنى نثر نثراً يعني: المال، فما نثره إلا ليأخذه الناس، كنثر أهل نيسابور على البخاري، فـ محمد بن إسماعيل البخاري لما أتى نيسابور استقبلوه على بعد مراحل، ونثروا عليه الدراهم والدنانير؛ ابتهاجاً بقدومه إلى بلدهم.
فقالت أم لولدها: من هذا الذي ينثرون على رأسه الدنانير؟ قال: هذا محمد بن إسماعيل البخاري أبو عبد الله، قالت: يا ولدي! ذاك هو الملك لا ملك هارون، يعني: هذا هو الملك الحقيقي ملك العلم، فالناس يقابلون العالم بالفرح ويسعدون بقدومه.
ولذلك قال الإمام أحمد لأهل الظلم والطغيان: بيننا وبينكم الجنائز، وهذه الكلمة يفهمها بعض الإخوان خطأً، والمقصود: أنه عندما ترى جنازة مطرب أو مغن أو موسيقار الأجيال تجد في الصف الأول عازف الأوركسترا، وفي الصف الثاني: أصحاب الأورج، وفي الصف الثالث: المطربون الشبان، فلا يتبع المطرب إلا أهل الغناء، وأما العالم فإنه يتبعه حفظة القرآن والعلماء، فالعلماء في الصف الأول، وحفظة القرآن بجوارهم، ثم واعظوا المساجد وطلبة العلم.
والطيور على أشكالها تقع.
وعندما مات الشيخ ابن عثيمين جاءت له الوفود من كل الدنيا، من الإمارات ومصر والخليج وغيرها لتتبع جنازته.
قال المصنف رحمه الله: [وعنه: لا يصح إلا بالقول]، يعني: للإمام أحمد رواية أخرى: وهي أن الوقف لا يصح إلا بالقول، ولكن الراجح أنه يصح بالقول والفعل، وقول الإمام أحمد: لا يصح الوقف إلا بالقول هو مذهب الشافعي رحمه الله، حيث يرى أن الوقف لا يصح إلا بالقول.
ومن ثراء المذهب الحنبلي أن فيه أكثر من رواية، وكل رواية فيه تقابل مذهباً، فـ الشافعي يرى أن الوقف لا يجوز إلا بالقول، والراجح أنه يجوز بالقول والفعل، وقول الشافعي هذا يقابل رواية عند أحمد.
ألفاظ الوقف
قال المصنف رحمه الله: [وألفاظه ست، ثلاث صريحة وثلاث كناية].
فلفظ الوقف إما أن يكون صريحاً أو كناية، والألفاظ الصريحة كالطلاق الصريح، مثل أن يقول رجل لزوجته: أنت طالق، فهذا لفظ صريح لا يحتاج إلى نية، فلا يمكن لأحد أن يقول لامرأته: أنت طالق ثم يقول: أنا لم أنو الطلاق؛ لأن اللفظ صريح فيقع الطلاق بغض النظر عن النية، والذي يحتاج إلى نية هو الكناية، كأن يقول الزوج لزوجته: لا أريدك، الزمي بيت أهلك، لا أريدك زوجة، فهذا الكلام يحتمل الطلاق وغيره، فلا أريدك مثلاً لأسباب كذا أو لا أريدك زوجة لإعداد الطعام، أو لا أريدك زوجة لكذا، فلابد أن يسأل فيه عن نيته، فما يحتمل يسأل فيه عن النية.
ألفاظ الوقف الصريحة
قال المصنف رحمه الله: [فالصريح: وقفت وحبست وسبّلت، متى أتى بواحدة من هذه الثلاثة صار وقفاً من غير انضمام أمر زائد].
فلو قال: حبست الفدان لله، فقد سبل الثمرة وانتهى.
قال المصنف رحمه الله: [لأن هذه الألفاظ ثبت لها حكم الاستعمال بين الناس، يفهم الوقف منها عند الإطلاق، وانضم إلى ذلك الشرع بقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمر: (إن شئت حبست أصلها وسبّلت ثمرتها).
فصارت هذه الألفاظ في الوقف كلفظ الطلاق في التصديق].
ألفاظ الوقف الكنائية
قال المصنف رحمه الله: [وأما الكناية فهي تصدقت، وحرمت، وأبدت].
فتصدقت هذه تحتمل الوقف وتحتمل غيره، فلابد من ذكر القيد، فممكن أن تقول: تصدقت بدينار من زكاة مالي، وهذا ليس وقفاً وإنما هو زكاة، فتصدقت كناية يحتمل الوقف ويحتمل غيره، وكذلك لفظ حرمت، فقولك: حرمت زوجتي على نفسي، أو حرمت على نفسي أكل الحمام هذا ليس وقفاً، وهو حرام، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:1].
فالتحريم يحتمل الوقف وغيره، وكذلك أبدت فلابد في هذه الألفاظ الثلاثة من النية ومن أمر زائد يوضح معناها.
قال المصنف رحمه الله: [فليست صريحة؛ لأن لفظة الصدقة والتحريم مشتركة، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة والهبات، والتحريم يستعمل في الظهار والأيمان، ويكون تحريماً على نفسه أو على غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم وتأبيد الوقف، ولم يثبت في هذه الألفاظ عرف الاستعمال، فلم يحصل الوقف بمجردها، فإن ضم إليها أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها: أحدها: أن ينضم إليها أخرى تخلصها من الألفاظ الخمسة، فيقول: صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو محرمة، أو مؤبدة].
فالأول: تقييدها بأحد هذه الألفاظ، وهذه تسمى عند العلماء
الاشتراك اللفظي
، وهذا في القرآن كثير جداً.
الاشتراك اللفظي
والاشتراك اللفظي هو أن يكون للكلمة الواحدة أكثر من معنى، كلفظ أمة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:45]، معناها هنا فترة زمنية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:120] معناها إمام، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص:23] معناها: جماعة من الرجال، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:22] معناها ملة ودين.
فلفظ أمة من الألفاظ المشتركة، وهناك رسالة ماجستير في هذا بعنوان: المشترك اللفظي في الحقل القرآني.
فالمشترك اللفظي هو: أن يكون للكلمة الواحدة أكثر من معنى، ويعرف ذلك بتتبع المعاني في القرآن، وعدم فهم معنى الكلمة يسبب مشاكل.
والدكتور مصطفى محمود لعدم علمه بالاشتراك اللفظي وقع في الفخ فقال: لا رجم في القرآن، بل إن القرآن لا يعترف بالرجم، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25].
ففهم أن الإحصان هو الزواج، ولكن الإحصان هنا يقصد به الحرة، ((فَإِذَا أُحْصِنَّ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ))، يعني: ما على الحرائر، فقوله: ((فَإِذَا أُحْصِنَّ)) المقصود: الأمة المملوكة.
وبعض الناس يقول: لا شفاعة في الآخرة؛ لأن ربنا يقول: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:18].
ونقول: قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:28]، ففي موضع أثبت الشفاعة، وفي موضع نفاها، فالشفاعة المثبتة تختلف عن الشفاعة المنفية.
ونحن في زمن الإحن والمحن، فقد قرأت مقالاً في صحيفة الجمهورية تقول فيه الكاتبة الكريمة الجهبذة عالمة العلماء: إن الأصوليين لا يفهمون القرآن، فإن الشرع نهى عن تعدد الزوجات، فربنا قال في سورة النساء: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:3]، ثم قال في موضع آخر: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:129].
ففي موضع نفى العدل، وفي موضع قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء:3].
فعدم فهمها للنصوص القرآنية جعلها تخرج بقاعدة: أن الأصل هو الواحدة، ولا يجوز التعدد، ونقول لها: إن العدل الأول هو العدل المادي، فإذا أعطى الزوج لهذه شقة فليعط الثانية أيضاً شقة، وإذا أحضر للأولى جلباباً فليحضر للثانية جلباباً.
وأما المقصود في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:129] فهو الميل القلبي، فالجهة منفكة، وهذا هو التخبط الذي نراه على الساحة، وهذا الأمر هو الذي دفع الدكتور عبد الله بدر إلى أن يقول في أحد أشرطته: سأترك الخطابة والوعظ؛ لأن المسألة أصبحت فوضى، فالناس الآن في مصر خمسة وسبعون مليوناً، وثلاثة أرباع الشعب يحب الفضائيات، ويسمع ما يطلبه المستمعون، ويقول لك: هذا الداعية داعية على الموضة، داعية خمسة نجوم، يعني: كل حاجة عنده جائزة، فتأتي إليه المرأة وهي تلبس البنطلون وتقول له: ما رأيك في منظري، فيقول: لا بأس به، والناس يقولون عن هذا الداعية: إنه منفتح، وهوايتهم في هذا النوع.
وهذه الظاهرة ستنقرض؛ لأنها لا جذور لها وستنقضي بعد فترة، فلابد أن يؤصل العلم، ولا نريد تهييج ومخاطبة المشاعر.
فلو ألقيت خطبة عن الموت فستجد مائتي ألف يبكون، وإذا ألقيت درساً عن أصول الفقه فلن تجد إلا خمسة أشخاص حاضرين تقريباً، فالناس أصبح عندها رفض للعلم الشرعي؛ لأننا تعودنا على العواطف، وإثارة الجماهير، وعدم التأصيل العلمي، وكان الشيخ صفوت نور الدين رحمه الله دائماً يقول: هناك دعاة يقدمون ما يطلبه المستمعون، فلا تكن داعية لما يطلبه المستمعون، والمستمعون الآن عندهم فساد في الذوق العام، بل حتى في الباطل عندهم فساد، ففي الحق عندهم فساد وفي الباطل عندهم فساد.
فقد تجد شريطاً لمطرب هابط وهو جديد على الساحة فيباع منه عشرة ملايين نسخة، وكلهم يسمعونه، فهذا فساد في الذوق العام.
والأمور لا تقاس بكثرة الأتباع، ففي مولد البدوي يجتمع ثلاثة ملايين من الشرقية والدقهلية والمنوفية وغيرها، وبعضهم يحضر عجلاً، ومنهم من يحضر الماعز، ومنهم من يحضر عائلته، ومنهم من يحضر امرأته، ومنهم من يحضر عياله، ومنهم من يحضر الشاي، ومنهم من يحضر القرفة، وفي يوم الجمعة الماضية صلى أحد طلبة الجامعة في الأزهر مع أساتذة في الأزهر يعتنقون التصوف، فصعد الخطيب على المنبر وإذا به يقول: قال الله تعالى: {وَأَلَّوِ ا