أمثلة للوكالة
مسألة: وكل رجل آخر بطلاق زوجته، فطلقها له، هل يجوز له أن يزوجها؟ أي: الوكيل طلّق المرأة بتوكيل، فإذا جاء المرأة رجل آخر يريد أن يتزوجها فوكّل نفسه لزواجها، فهل فعله يجوز أم لا؟ الوكيل يجوز له أن يطلق، ويجوز له أن يزوج على حسب مرات الوكالة، أما هنا فلا يجوز؛ لأنه طلق بصفته وكيلاً لا ولي أمر، فليس له علاقة بها على الإطلاق.
مثال ذلك: وكّلت أنا الموقع أدناه فلان بن فلان أخي فلان بن فلان في تطليق زوجتي فلانه بنت فلان على أن يسدد لها مؤخر الصداق، وقدره خمسة آلاف جنيه، وأن يعطيها نفقة المتعة والعدة ثلاثة آلاف جنيه، وليس له حق التصرف في أكثر من ذلك، وله الحق في التوقيع نيابة عني أمام المأذون وفي كل ما من شأنه إجراء الطلاق.
فأخذ الوكيل التوكيل وذهب إلى المأذون، وجاءت الزوجة، هل يقول لها: أنتِ طالق؟ لا، وإنما يقول: أنتِ طالق من الذي وكلني، بعد هذا جاءت الزوجة فاطمة نفسها، وآخر وكله بالزواج منها، فقال: قبلت الزواج منها لموكلي، فهو يجري الطلاق ويجري الزواج بصفته موكلاً.
فلا بد أن أوكله في الطلاق، ولا بد أن أنص على الطلاق في الوكالة، وأن الوكالة قائمة، وأن يتحقق منها المأذون.
قال: [تجوز الوكالة بإجماع الأمة في الجملة، وتجوز في الشراء والبيع والنكاح؛ لأن النيابة تدخلها، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عروة بن الجعد ديناراً، وأمره أن يشتري به شاة].
عروة بن الجعد هل كان يشتري لنفسه أم لوكيله؟ لوكيله، من هو وكيله؟ أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، فذهب عروة بن الجعد إلى السوق فوجد رجلاً يبيع شاتين بدينار، والنبي صلى الله عليه وسلم وكله بشراء شاة واحدة، فاشترى شاتين وباع في طريقه شاة، وأتى بشاة ودينار، فالدينار كما هو والشاة معه وقال: يا رسول الله اشتريت بالدينار شاتين فبعت شاة، فهذه الشاة وهذا الدينار، فقال: (اللهم بارك له في بيعه، فكان الرجل لا يبيع ولا يشتري إلا أن يبارك الله له بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم).
وهنا نقول الشاهد من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم وكّل عروة بن الجعد في الشراء.
قال: [وقال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:19]].
فهل إذا بعثني أحد لأشتري له سلعة وأعطاني 100 جنيه فاشتريتها بـ50 جنيه، آخذ الزيادة لي؟
الجواب
لا.
فهذا لا يجوز، فأنت أمين على مال الوكيل.
قال: [وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:60]].
فالعامل عليها وكيل، والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دفع لـ علي رضي الله عنه الهدي ليذبحه بدلاً منه، فهو هنا وكيل، فذبح بيده الطاهرة ثلاثاً وستين، ودفع الباقي لـ علي كوكيل ليذبح الباقي، فالتوكيل في الذبح يجوز.
قال: [فجوّز العمل عليها.
وقال جابر بن عبد الله للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإذا ابتغى منك آية، فضع يدك على ترقوته)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية في قبول نكاح أم حبيبة، وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة.
وتجوز الوكالة بشرط أن تكون فيما تدخله النيابة كالبيع، والشراء، والنكاح، وتجوز في الرهن، والحوالة، والضمان، والكفالة، والشركة، والوديعة، والمضاربة، والجعالة -الجعل هو المقابل- والمساقاة، والإجارة، والقرض، والوصية، والصلح، والهبة، والوقف، والصدقة، والفسخ، والإبراء، والقسمة -كل هذه تجوز فيها الوكالة؛ لأنها تجوز فيها النيابة- وهي في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه، ولا نعلم في شي من ذلك خلافاً].
ما تصح وتبطل به الوكالة
قال: [ويشترط أن يكون الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه بنفسه، وليس معنى الوكالة أن يسقط حق الأصل].
زوج وكّل زوجته في طلب الطلاق متى شاءت، هل معنى ذلك أنه فقد حق الطلاق؟ لا.
فهي لم تقل له: طلقني، وعندما يقول لها: أنتِ طالق يقع، فلو وكّل فلاناً من الناس ثم ذهب بنفسه مباشرة يجوز، فالتوكيل لا يلغي الأصل.
قال: [وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما] إن مات الموكل أو الوكيل بطلت الوكالة.
[وجنونه] فإن وكلك ثم جُن، فإن التوكيل يبطل.
[والحجر عليه لسفه؛ لأنه يخرج بذلك عن أهلية التصرف، ويبطل بفسخ كل واحد منهما].
فإذا أراد أحدهما أن يلغي التوكيل فله ذلك، ولكل واحد منهما أن يفسخ التوكيل طالما لم يشترطا، فإن اتفقا على غير ذلك جاز، ويجوز أن أعطي حق الفسخ لطرف، ويجوز إلغاء توكيل الطرف الأول دون الطرف الثاني، كل هذا جائز طالما اتفق عليه الطرفان.
قال: [وكذلك الحكم في كل عقد جائز كالشركة، والمساقاة، والمزارعة، والجعالة، والمسابقة] أي: أنها تصلح للفسخ.
والوكالة تكون بالقول أو الكتابة أو الفعل، فلو أخذت بضاعتي ووضعتها عند فلان في مكتبته، فهنا كأني وكلته في بيعها، فعندما أقول له: وكلت أنا فلان في بيع السلعة، فهذه وكالة بالفعل، أيضاً تجوز بالقول، فتقول مثلاً: يا فلان أنا وكلتك في شراء السيارة، لكن الأولى ألا تفعل إلا بالكتابة الموثقة، وما أقاموا الشهر العقاري إلا ليوثق، لأنه قد يأتي ويقول: وكلتك في طلاق زوجتي، ثم بعد ذلك ينكر ذلك كله، فهذا لا يجوز، فالوكالة تجوز بالكتابة وتجوز بالفعل وتجوز بالقول.
ما يجوز للوكيل أن يتصرف فيه
قال: [وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً].
أي: ما نص عليه في التوكيل؛ لأن الإنسان ممنوع من التصرف في حق غيره، وإنما أبيح له التصرف في ملك موكله بإذنه، فيجب اقتصار تصرفه فيما تناوله إذنه، إما لفظاً كقوله: بع ثوبي بعشرة، وإما عرفاً كبيعه الثوب بعشرة وزيادة، وإما من جنس العشرة كبيعه بأحد عشرة وما زاد عليها، أو من غير جنسها كعشرة وثوب؛ لأن الزيادة تنفعه ولا تضره.
أي: أني وكلتك في بيع ثوبي هذا بعشرة، فأنت وفقك الله وبعت الثوب بخمسة، فلا بد أن أقول لك: وكلتك في بيعه بعشرة ولا تبعه بتسعة؛ لأن الوكالة منصوص عليها، إن باعه بزيادة جاز، ولكن ليس له أن يبيعه بأقل، طالما قبلت الوكالة فلترجع له بسلعته.
قال: [وليس للوكيل توكيل غيره، وذلك أن الوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال].
ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا بإذن الموكل، وأن يكتب بأن له الحق بتوكيل غيره.
[وذلك أن الوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال].
ليس له أن يوكل غيره إلا بنص في التوكيل إلا في أحوال ثلاثة، وهذا ما سنذكره في الدرس القادم حتى نجيب عن بعض التساؤلات، وننطلق إلى باب الشركة، ثم بعد ذلك إلى الجعالة واللقطة والإجارة، ثم إلى الفروض لنشرح المنظومة الرحبية في علم المواريث بعنوان الهدية في شرح المنظومة الرحبية في علم المواريث.
الأسئلة
حكم العمل في إصلاح أجهزة الكاسيت
السؤال
أنا أعمل بتصليح أجهزة الكاسيت، وربما يأتي كثير من الناس لإصلاح أجهزتهم التي قد تستخدم في سماع ما لا يجوز، فما حكم عملي؟
الجواب
يجوز أن يصلح الكاسيت؛ لأن الكاسيت له استخدامات عديدة ومنها سماع القرآن والمحاضرات وكذلك الأغاني، ولكن الإثم على المستخدم، فالعمل أصله مباح؛ لأن هذه الصنعة غير مخصصة في الأعمال المحرمة، بل هي للمباحة أيضاً، فهو لا يشترط قبل تصليحه فيما إذا كان استخدامه له في الخير أو الشر، فهذا فيه تحقيق وإثبات حالة، فعندما يأتي الذي يريد الموس مثلاً هل ستسأله: تحلق شعر الرأس أم اللحية أم العانة أم الإبط أم غير ذلك، فهذا تنطع.
ففي الأشياء التي الأصل فيها الإباحة جائز بيعها وتصليحها؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:275] طالما أن السلعة تستخدم في الحلال، أما إن استخدمها في الحرام فالإثم عليه.
جهاد المرأة
السؤال
هل يوجد أجر للمرأة يعدل أجر الرجل في الجهاد في سبيل الله؟
الجواب
نعم، لكن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة.
حكم قضاء الفوائت من الفروض
السؤال
عندما أريد أن أصلي فرضاً لم أصله من قبل، هل عليّ أن أصليه قبل الفرض الحاضر أم بعده إذا كان بعده؟
الجواب
لا، فـ ابن تيمية يقول: ننازع في أصل القضاء، فالقضاء لا يجوز للفائتة وإنما تكثر من النوافل، والفائتة بنوم أو نسيان يقضيها عندما يذكرها في الحال ولا يشترط الترتيب.
حكم الإقراض من الأمانة والتصرف فيها
السؤال
المال الأمانة هل يجوز أن أقرض أحداً منه؟
الجواب
لا يجوز؛ لأنها أمانة، هب أن الأمانة ضاعت عند الآخر، أو تظن بأنك قادر على السداد فأفلست فجأة، هب أنه حدث لك حادث، فالأمانة يشترط فيها عدم التصرف إلا بإذن صاحبها.
وقال لي بعضهم: أن رجلاً وضع أمانة من المال عند أخته المتزوجة، فأعطت أمها جزءاً منه دون علمه، ثم ردت له المال ناقصاً فهل يجوز هذا؟ فنقول: هذا لا يجوز.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
العدة شرح العمدة [67]
الوكالة هي الاستنابة من جائز التصرف لمثله فيما تجوز فيه النيابة، وتبطل الوكالة عند موت أحدهما أو جنونه أو سفهه؛ لأنه يخرج بذلك عن أهلية التصرف، ويلزم الوكيل أن يفعل ما تناولته الوكالة وأذن له فيه لفظاً أو عرفاً.
تابع باب الوكالة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: قال المصنف رحمه الله: [وهو عقد جائز].
يعني: عقد الوكالة عقد جائز شرعاً، جائز يعني: غير ملزم للطرفين، فهناك عقود ملزمة لطرف وغير ملزمة لطرف آخر، وهناك عقود ملزمة للطرفين، وهناك عقود جائزة للطرفيين.
والعقود الملزمة للطرفين مثل: الزواج والبيع.
ومثال الملزم لطرف وجائز لطرف آخر: الرهن، ملزم للراهن، وجائز للمرتهن، إذا قلت لك: لن أعطيك ديناً إلا برهن، فجئت بالرهن ثم قلت لك: لا أريده.
فهذا لي، لكن أنت ملزم بالرهن.
كذلك الوصية ملزمة لمن يسمعها، غير ملزمة لمن يوصي، إذ له أن يوصي وألا يوصي.
ما تبطل به الوكالة
قال: [وهو عقد جائز، تبطل بموت كل واحد منهما، وجنونه، والحجر عليه لسفه].
بمعنى: لو مات الموكل تبطل الوكالة، أو مات الوكيل تبطل الوكالة، أو أصيب الوكيل بسفه، أو جنون؛ فإن وكالته لا تسري، فبمجرد أن جُن تسقط الوكالة.
رجل وكلك ثم حجر عليه، تسقط الوكالة بالحجر.
قال: [لأنه يخرج بذلك عن أهلية التصرف، ويبطل بفسخ كل واحد منهما].
يعني: إذا فسخ الوكيل عقد الوكالة بطلت الوكالة، وللموكل أيضاً أن يفسخ، إلا إذا تشارطا على غير ذلك، يعني: أنت وكلتني، ثم ذهبت إلى الشهر العقاري وألغيت التوكيل، والوكيل أيضاً له حق الإلغاء.
مسألة: لو أن زوجاً يقيم في السعودية أرسل توكيلاً لموكله بطلاق زوجته: وكلت أنا فلان بن فلان في تطليق زوجتي بشروط كذا وكذا، وبينما التوكيل في الطريق توفى الله الزوج، هل يقع الطلاق أم لا يقع؟ يعني: في الطريق مات أحدهما إما الموكل وإما الوكيل هل يقع الطلاق أم لا يقع؟ لا يقع؛ لأنه نوى الطلاق أو وكل بالطلاق لكنه ما وقع الطلاق، كرجل قال لزوجته: سأطلقك، وعد بالطلاق لكنه ما طلق، والطلاق لا بد أن يقع باللفظ والنية، فحينما وكل هذا يعتبر نية طلاق لكنه ما تلفظ لا هو ولا وكيله، فالتوكيل أمر مستقبلي، لكنه ما وقع، فإذا مات أحدهما لا تطلق، ولها سائر الحقوق.
قال: [وكذلك الحكم في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة].
أي أنه في كل هذه العقود يجوز لكل طرف فسخ العقد.
المساقاة هو: أن أعطيك شجرة وأقول لك: ارعها بجزء من ثمرتها محدد.
وعقد المزارعة هو: ازرع هذه الأرض على أن تأخذ نصفها أو ربعها، ولا يجوز أن أقول لك: ازرع هذه الأرض على أن تأخذ نتاج هذا الجزء، لا بد أن يكون مشاعاً.
في عقد الشركة شروط الربح لا بد أن تكون واضحة، الربح لا بد أن يكون مشاعاً، وأن يكون معلوماً، ومشاع أي مختلط بين الطرفين، كلاهما شريك فيه.
مسألة: لو قال أحد الطرفين للآخر: أنا شريك معك بربح ألف جنيه شهرياً.
لم يصح فقد تربح الشركة تسعمائة فقط.
مسألة: لو قلت لك: شاركتك على أن تعطيني بعض الربح هل يجوز أم لا؟ لا يجوز؛ لأن بعض الربح غير معلوم، ولا بد أن يكون الربح معلوماً أو: شاركتك على أنه لك ربح الأطعمة وأنا لي ربح السيارة، لا يجوز، فربما تربح الأطعمة وتخسر السيارة، فأنا أربح وأنت تخسر هذا لا يجوز، وبعض الناس الآن يأكلون الربا ويتجرعونه حينما يعطي شخصاً مبلغاً ويشترط عليه أن يدفع له مبلغاً شهرياً ثابتاً، لا بد أن تكون شريكاً في الربح والخسارة، فالشريكان شريكان في المغنم والمغرم، هذه شروط عقد الشركة.
ما يجوز للوكيل التصرف فيه
قال: [وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً].
يعني: ليس للوكيل أن يتصرف إلا فيما يتناوله عقد الوكالة إما باللفظ وإما بالعرف.
مثال ذلك: أخذت هذا التسجيل ووضعته عند تاجر أدوات كهربائية، لما وضعته أصبح وكيلي لبيع هذا الجهاز، والعرف يقول: إن هذا يباع بمائة جنيه.
أيضاً لو كتبت في التوكيل: وكلت أنا الموقع أدناه الأستاذ فلان الفلاني في بيع العقار الكائن بشارع كذا خمسة طوابق بمبلغ ثلاثمائة ألف جنيه لا تقل عن ذلك، وللوكيل أن يوقع نيابة عني في البيع والشراء.
إذاً: المهمة هنا محدودة بوظيفة بيع هذا العقار؟ فهل يجوز للوكيل أن يأخذ هذا التوكيل يوزوج به الموكل؟ لا؛ لأن التوكيل في البيع فلا يجوز له أن يستخدمه إلا في البيع فقط، وهل يجوز له أن يبيع سيارتي بتوكيل العقار؟ لا؛ لأن التوكيل هنا محدد، ولذلك قال: [وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً].
ثم قال: [وليس للوكيل توكيل غيره]، الأصل ألا يوكل غيره إلا إذا نُص في التوكيل على ذلك، كقوله: وله حق توكيل غيره في كل ما ذكر.
وإذا لم يذكر فليس له حق التوكيل إلا في حالات آتية.
أحكام توكيل الوكيل لغيره
قال: [وليس للوكيل توكيل غيره، وذلك أن الوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن ينهاه الموكل عن التوكيل، فلا يجوز له ذلك رواية واحدة]، يعني: إذا نهاني الموكل عن التوكيل وكتبت في التوكيل: وليس له الحق في أن يوكل غيره في كل ما ذكر، فلا يجوز له أن يوكل؛ لأنه نهاني عن توكيل غيري.
قال: [وإن أذن له في التوكيل فيجوز له رواية واحدة؛ لأنه عقد أذن له فيه فكان له ذلك، كما لو أذن له في البيع، ولا نعلم في هذين خلافاً]، إما أن ينهاه وإما أن يأذن له.
هذه الروايات لا خلاف فيها بين العلماء.
لكن الخلاف في النوع الثالث: لو أطلق الوكالة، لم يأمر ولم ينه، ففي هذه الحالة قال: [فلا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله، كالأعمال الدنيئة في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها، فإنه يجوز له التوكيل فيها؛ لأنها إذا كانت مما لا يفعله الوكيل لنفسه عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة فيه]، بمعنى: وكلتك في بيع سيارة بطيخ، وأنت عالم تصعد المنابر هل يليق بالعالم أن يبيع البطيخ؟ لا.
فطبيعة هذا العمل تتنافى مع عمل العالم، العرف يقول: ليس من عمله بيع البطيخ، فإذاً في هذه الحالة له أن يوكل غيره حتى ولو لم ينص، طالما أن الأعمال الدنيئة لا تليق بصاحب التوكيل، إذاً: طالما أن العرف يتنافى مع طبيعة العمل فيجوز له أن يوكل غيره.
الحال الثاني: [أن يكون عمل لا يرتفع عن مثله إلا أنه عمل كثير لا يقدر الوكيل على فعله جميعه؛ فإنه يجوز له التوكيل].
مثلاً: وكلني في هدم عمارة مكونة من عشرة طوابق وإزالتها حتى سطح الأرض، فهنا لا بد أن أوكل غيري؛ لأن هذا العمل أنا لا أطيقه، ولا بد أن أوكل غيري؛ لأن الوكالة هنا انصبت على عمل ليس في طاقتي.
الحال الثالث: [أن يكون مما لا يرتفع عنه الوكيل ويمكنه عمله بنفسه فليس له أن يوكل فيه؛ لأنه لم يأذن في التوكيل ولا تضمنه إذنه، فلم يجز كما لو نهاه عنه].
بمعنى: أن التوكيل مطلق، والعمل في طاقتي، والعمل في عرف الناس يناسبني، في هذه الحالة ليس لي أن أوكل.
إذاً: نحن أمام ثلاثة أحوال: إذا أذن له بتوكيل غيره فيجوز باتفاق، وإذا نهاه عن توكيل غيره فيمتنع باتفاق، وإذا أطلق الوكالة فنحن أمام ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون العمل من الأعمال الدنيئة التي لا تناسب الموكل، كأن أقول: وكلتك في بيع هذا اللبن صباحاً، على أن تحمله وتمشي وتقول: من يشتري اللبن؟ فله أن يوكل من يبيع اللبن؛ لأن هذا لا يناسب طبيعته، والله سبحانه وتعالى يريد منا أن ننزل الناس منازلهم.
الاحتمال الثاني: ألا يكون في طاقته.
الاحتمال الثالث: أن يكون في طاقته وليس من الأعمال الدنيئة، فليس له أن يوكل غيره.
بيع الوكيل لنفسه وشراء ما لم يأذن به الموكل
قال: [وليس للوكيل الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن].
يعني: أنا وكلتك في بيع السيارة الخاصة بي، هل يجوز أن تبيعها لنفسك؟ المذهب يقول: لا، لكن الراجح نعم، طالما أن هذا البيع ليس فيه ظلم للموكل، ولكن المذهب لا يجوز أن يشتري الوكيل أو أن يبيع لنفسه إلا بإذن الموكل، طالما أن الموكل أذن له في البيع والشراء فيبيع لنفسه أو لغيره، طالما كان ذلك في مصلحة الموكل.
نفترض أنك ذهبت بالسلعة إلى السوق فسعرت بخمسين ألف جنيه، وأنت كغيرك لم أصادر حقك، إذا كان غيرك سوف يشتريها بنفس السعر، وليس هناك ظلم على الموكل؟ ولذلك في بيع السيارات دائماً يكتبون هذه الصيغة: وله حق البيع لنفسه أو لغيره.
قال: [وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز].
المعنى: إن اشتريت لك مروحة دون أن تكلفني؛ لأني رأيت أنك بحاجة لها، فأجزت ذلك وأخذتها صح، وإن رديتها لزمت من اشتراها لك.
ما يضمن فيه الوكيل
قال: [والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما أتلف إذا لم يتعد].
يد الوكيل يد أمين وليست يد ضامن، والوديعة كذلك لو وضعت عندك مبلغاً من النقود -مائة ألف جنيه أمانة- فوضعته في الخزنة وأغلقت الخزنة، وأخذت بالأسباب التي في عرف الناس، ورغم ذلك سرق، المذهب أنه لا يلزمك الضمان؛ لأنك الآن أمين، وأخذت بالأسباب ويدك يد أمانة، وكذلك لو أعطيتك السيارة لبيعها ثم صدمت من الخلف، هل يلزم الوكيل تلف السيارة؟ لا؛ لأنه حافظ عليها ورعاها ولم يفرط فيها، ولم يتعد الحدود، والتلف جاء بغير إرادة منه، ولذلك قال: والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد.
مداخلة: إذا معرض السيارات فتح أبوابه وأجر السيارات؟ الشيخ: هذه مشكلة؛ لأنه يعطيه سيارة ويوقع المستأجر على وصف أن يده يد أمانة، مع أن إيجار السيارة للمعرض، وإن أتلف السيارة ينظر هل تعدى أم لم يتعد؟ طالما لم يتعد فلا ضمان عليه؛ لأن يد السائق يد أمين وليست يد ضمان، ولو كانت يد أمين فلا شيء عليه، أما إن كانت يد ضمان فيلزمه.
قال: [وإن قضى الدين بغير بينة وأنكره الغريم المدين ضمن؛ لأن الموكل لا يقبل قوله على الغريم وكذلك وكيله].
بمعنى: أن وكيلك أرسلك لسداد دين عليه فقضيته، ثم ذهبت إلى الموكل وقلت له: قضيت عنك ألفاً من الجنيهات لفلان، فقال: هل معك بينة؟ قلت: لا، قال: هل أشهدت على هذا القضاء؟ قلت: لا، لا بد أن تقيم بينة على هذا القضاء، وتقيم دليلاً على أنك وفيت هذا الدين، وإلا ضمنته في حال أنكره الدائن.
قال: [إلا أن يكون قضاه بحضرة الموكل].
يعني: إذا حضر الموكل فلا بينة، ولا ضمان عليه؛ لأن التفريط من الموكل حيث لم يشهد ومعنى هذا أنه قبل أن يقضيه.
وهنا نقول: هل يصح التوكيل بجعل؟ الجعل هو المقابل، يعني: يجوز أن أوكل غيري بمقابل، وهذا توكيل المحامين، فالوكيل له حق في أخذ مقابل، ويجوز التوكيل بغير جعل.
قال: [لأنه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ العوض عنه].
المعنى: ممكن يكون بمقابل ويمكن ألا يكون بمقابل.
قال: [لأنه تصرف لغيره لا يلزمه أخذ العوض عنه، كرد الآبق، فإذا قال: بعه بعشرة، فما زاد فهو لك.
صح، وله الزيادة؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما ما كان يرى بذلك بأساً].
وهذا شرط الموكل على نفسه إذا باعه بزيادة جاز.
أما لو قال له: بع هذا بمائة فباعه بمائة وعشرة لا بد أن يعطيه الباقي، وليست الزيادة من حقه؛ لأنه الآن وكيل، فلا بد أن يبين للموكل ما باع به وما اشترى.
والقول في الرد والتلف ونفي التعدي قول الوكيل، إلا إذا جاء الموكل ببينة.
العدة شرح العمدة [68]
من أبواب المعاملات المالية في الإسلام الشركة، وتكون الشركة بين اثنين وأكثر في مال أو بدن أو وجاهة، فإن كانت الشركة بالمال والبدن فهي شركة عنان، وإن كانت بالوجاهة فهي شركة وجوه، وإن كانت بمال أحدهما وجهد الآخر والربح بينهما فهي مضاربة، وإن كانت ببدنيهما فهي شركة أبدان.
باب الشركة
قال: [باب الشركة].
تعريف الشركة هي: اجتماع في استحقاق أو تصرف.
مثال الاجتماع في الاستحقاق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:12]، يعني: إن كانوا أكثر من اثنين فهم شركاء في ثلث التركة توزع عليهم.
أيضاً: لو توفي زوج وترك أربع زوجات، وأنجب من كل واحدة أولاداً، فإن الزوجات الأربع شركاء في الثمن يوزع عليهن بالتساوي.
هذه شركة استحقاق.
النوع الثاني من الشركات: التصرف، قال: [وهي على أربعة أضرب]، يعني: الشركات عنده أربعة أنواع، وهي خمس على الراجح.
شركة العنان
أولاً: شركة العنان: لماذا سميت بذلك لأننا حينما نطلق فرسين متساويين في الرهان والسباق وأحدهما يكون موازياً للآخر يقال: عنان هذا مساوٍ لهذا، كذلك الشركاء كلهم له نفس الحقوق والواجبات، شركة العنان يشترك فيها كل الأطراف بالمال والأبدان، فلو أعطيتني المال ولم تعمل ببدنك فليس عناناً؛ لأن العنان يشترط فيها أن تكون بالأموال والأبدان معاً.
إذاً: يشترط في شركة العنان أن تكون بالأموال والأبدان، والربح بين المشتركين بالتساوي على حسب الأسهم.
فأنا أتصرف في حدود سهمي باعتبار أنني مالك له، وأتصرف في سهم غيري باعتباري وكيلاً له، كذلك شريكي يتصرف في سهمه باعتباره ماله، ويتصرف في سهمي باعتباره وكيلاً لي، إذاً: لكل من الطرفين أن يتصرف في حقه باعتباره مالكاً، وفي حق شريكه باعتباره وكيلاً له.
وليس معنى التساوي أن يكون رأس مال هذا كرأس مال هذا، وربح هذا كربح هذا لا، بل المراد التساوي في الحقوق والواجبات.
قال: [وهي جائزة بالإجماع.
ذكره ابن المنذر].
ابن المنذر يتساهل في مسائل الإجماع؛ لذا قالوا: لا يعتد بإجماع ابن المنذر ولا بتصحيح الحاكم، ولا بوضع ابن الجوزي، يعني: أنه للاستئناس ولا يعتبر به.
شروط شركة العنان
قال: [وإنما اختلف في بعض شروطها، وسميت شركة العنان؛ لأنهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فإن عنانيهما يكونان سواء، ولا تصح إلا بشرطين: أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير].
إذاً الشرط الأول: أن يكون رأس مال الشركة دراهم أو دنانير، وهذه هي العملة التي كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ويحل محلها اليوم أي عملة الجنيه أو الدولار.
وهل تجوز بالعروض؟ خلاف بين العلماء، والراجح أنها تجوز، ومعنى بالعروض: أنك معك عشرة آلاف جنيه، وأنا معي سيارة بعشرين ألف جنيه، دخلنا شركاء أنت برأس مالك النقدي وأنا بسيارتي، هل يجوز أم لا يجوز؟ قول المذهب: أنه لا يجوز، ولا بد أن تكون بالأموال، لكن الراجح أن تقوم العروض بالمال، فتدخل بقيمة السيارة شريكاً.
الشرط الثاني: [أن يشترط لكل واحد منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً].
شرطان لأي ربح: أن يكون مشاعاً أي: غير محدد بل متفرقاً في كل الشركة، ومعلوماً: ربحي وخسارتي أنا 40%، لكن الربح غير محدد، ومن هنا جاءت ربوية البنوك التجارية؛ لأنهم يحددون الربح سلفاً، يقولون لك: الربح كذا في المائة دون دراسة أو تحقيق لأرباح أو خسائر، أما العنان فأنت شريك في الربح والخسارة بنسبة كذا.
قال: [الشرط الثاني: أن يشترط لكل واحد منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً، ولا خلاف في ذلك في المضاربة المحضة].
المضاربة هي النوع الثاني من الشركات، فالعامل يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يتفقان عليه بعد أن يكون ذلك معلوماً، والمعنى: الاتفاق على نسبة ربح.
لكن ينتبه إلى أنه في شركات الشرع لا يجوز أن أتحمل خسارة أكثر من نصيبي في رأس المال، يعني: أنا دفعت عشرة وأنت دفعت خمسة، الربح على حسب ما نتفق، والخسارة ليست على حسب الاتفاق، لا.
بل ينبغي ألا تزيد عن نصيبي في رأس المال.
حتى إذا اشترط علي شريكي أن أتحمل خسارة بمقدار أكبر لم يجز.
شركة الوجوه
القسم الثاني من الشركات: شركة الوجوه.
يعني: أنا وأنت لا نمتلك شيئاً من المال، ونريد أن نفتح معرضاً للسيارات، دخلنا على تجار السيارات، وأنت رجل وجيه أخذت عشر سيارات بالوجاهة، وأنا وجيه ذهبت إلى معرض آخر وأتيت بخمسة، وفتح المعرض بالوجاهة، ولذلك قال: [وهو أن يشتركا فيما يشتريان بجاههما، وثقة التجار بهما، فما ربحا فهو بينهما؛ لأن مبناها على الوكالة والكفالة، لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه فيما يشتريه ويبيعه كفيل عنه بذلك، والملك بينهما على ما شرطاه نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً، والوضيعة على قدر ملكيهما فيه، ويبيعان فما رزق الله تعالى فهو بينهما على ما شرطاه، فهو جائز، ويحتمل أن يكون على قدر ملكيهما.
وهما في جميع تصرفاتهما وما يجب لهما وعليهما في إقرارهما وخصومتهما بمنزلة شريكي العنان على ما سبق].
يعني: شركة الوجوه هي شركة يشترك فيها أكثر من واحد بجاههما على أن يتفقا على الأرباح والخسائر بحيث لا تزيد الخسائر عن ملك أحدهما في الشركة.
شركة المضاربة
النوع الثالث من الشركات: المضاربة.
مثال المضاربة: أنت صاحب معرض سيارات، وأنا معي مائة ألف، فقلت لك: خذ المائة ألف ضارب بها، وشغلها في السوق، فأنا لست شريكاً معك لكني أعطيك رأس المال تستثمره وتعطيني ربحاً على حسب الاتفاق.
والبنوك الإسلامية فيها نظام المضاربة والمشاركة والمرابحة.
قال: [المضاربة: وهو أن يدفع أحدهما ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما، ويسمى مضاربة وقراضاً، وينعقد بلفظهما، وكل ما يؤدي معناهما -لأن القصد المعنى- فجاز لما دل عليه كالوكالة].
يعني: أي لفظ يفهم منه المضاربة.
قال: [وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة.
ذكره ابن المنذر، ويروى ذلك عن جماعة من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم -فيكون إجماعاً- ولأن بالناس حاجة إليها، فإن الدراهم والدنانير لا تنمو إلا بالتقليب والتجارة].
تنبيه: من الاعتقادات الخاطئة أن المضارب لا يقبل بالخسارة، ولكنه شرعاً مفروض عليه أن يقبل بها، لكن البعض يقول: بدلاً من وضعها في البنك بنسبة كذا في المائة أعطيها لفلان وآخذ منه 20% أو 15%! يحسبها بهذه الطريقة، وعند الخسارة لا يقبل، وعند الربح ما شاء الله، يحبك إذا ربحت، ويكرهك إذا خسرت.
شركة الأبدان
قال: [شركة الأبدان].
آخر قسم ذكره المصنف شركة الأبدان، ومن اسمها يتضح معناها، وأنها شركة بالأبدان وليست بالأموال، والمعنى: أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما، يعني: أشترك أنا وأنت بصناعة أو اصطياد وما نأتي به شركة ونتفق على الربح، أنت عشرة وأنا تسعين، يعني: واحد ذهب يصطاد معي شركة وإمكانياته في الصيد ضعيفة، فالربح من العدل أن يوزع على حسب الجهد المبذول، مثلاً: اشتركنا في شركة أبدان لحصد هذه المساحة من الأرض، أنا أحصد في الفدان 12 قيراطاً وأنت 12 قيراطاً إذاً النصف، أنا في يومين انتهيت وأنت لم تنته إلا في شهر إذاً: لا يستويان، المفروض ربحي يزيد على حسب العمل والجهد والكفاءة والمهارة والطاقة.
هذه هي شركة الأبدان.
كالاحتطاب والتلصص على دار الحرب، وفي المعادن، وسائر المباحات، يقول ابن مسعود: اشتركت أنا وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر في التلصص على دار الحرب على المشركين وأن يأتوا بأسارى، يقول ابن مسعود: فلم آت أنا وعمار بشيء وجاء سعد بأسيرين، سيدنا سعد جاء بأسيرين.
قال: [والربح في جميع ذلك على ما شرطاه]، يعني: الربح في سائر الشركات على ما اشترطا ليس هناك حدود للربح، وما اتفقا عليه جاز؛ [لأن الحق لا يخرج عنهما].
والوضيعة يعني: الخسارة على كل واحد منهما بقدر ماله إن كانا متساويين تساويا في الخسران، قال: [ولا نعلم في ذلك خلافاً]، إذاً: الخسارة على قدر رأس المال.
شروط الأرباح في الشركات
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين].
المعنى: أن الربح في الشركات الشرعية لا بد له من شرطين، سواء كانت شركة وجوه، أو عنان، أو أبدان، أو مضاربة الربح في أي عقد شركة لا بد له من شرطين حتى يكون شرعياً.
الشرط الأول: أن يكون الربح معلوماً، أي: ليس مجهولاً.
أي: أنت لك نسبة (50 %) وأنا (50 %)، وليس من الإسلام ولا من الشرع في شيء تعيين مبلغ من الدراهم، فالمعلوم المقدار كأن يكون 20 أو 30 أو 40 أو 50 أو 80 % من الأرباح المحققة.
فإن قال: لي بعض الأرباح ولك البعض الآخر لم يجز؛ لأنه ليس معلوماً.
أو قال: لك ربح السيارات ولي ربح الأقمشة، لا يجوز؛ فربما تربح السيارات وتخسر الأقمشة، فلا بد أن يكون الربح في عقود الشركات الشرعية معلوماً.
الشرط الثاني: أن يكون مشاعاً.
أي لا يكون بين الشريكين تحديد مبلغ من المال معيّن، إنما يكون معلوم النسبة، كأن تملك مساحة 10 أمتار في عقار 50 متر مشاع، فأين العشرة أمتار؟ الله أعلم، فأنت لا تدري هل هي في الأمام أم في الوسط، فأنت كذلك ربحك مشاع في الربح المحقق.
حققنا أرباحاً في الشركة (3000)، في آخر السنة أنت لك (60 %) وأنا (40 %) إذاً فأنت لك (1800) وأنا لي الباقي وهي (1200) هذا هو الربح.
لذلك يقول المصنف: [ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين؛ لأن ذلك يفضي إلى جهل حق كل واحد منهما في الربح، ومن شرط المضاربة كون ذلك معلوماً فيفسد بها العقد؛ لأن الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه، فأفسد العقد].
والمعنى: أنه لو حدد الربح لأحدهما بمبلغ معين لكان من احتمال ذلك ألا يأخذ الثاني ربحاً على الإطلاق، قال أحدهما للآخر: أنا لي (1000) من الربح، فهنا حدد المبلغ، وحققت الشركة (999)، فمن يأخذ الربح هنا؟ الذي حدد الألف، والآخر لا يأخذ شيئاً، وهذا ظلم.
حكم مقولة: العقد شريعة المتعاقدين
هناك كلمة تسري على الألسنة وهي خطأ شرعاً، وهي: العقد شريعة المتعاقدين، وهذا ينتشر عند المحامين، وهو خطأ شرعي، والأصل: أن العقد شريعة الله؛ لأن المتعاقد قد يتعاقد مع أخيه على أمر غير شرعي، فأنا وأنت متعاقدان اتفقنا على شركة لبيع لحم الخنازير، فهذا لا يجوز، فهنا انصرفت الإرادة لتكوين الشركة بهذه الشروط، فلو أن العقد شريعة المتعاقدين لكان معنى ذلك أن من حقهما أن يتفقا على أي شيء حتى ولو خالف الشرع، وإنما العقد شريعة الله، فما أباحه الله جاز، وما لم يبحه لم يجز.
وهذا خطأ نراه في واقعنا، فقد يعطي الرجل الرجل مائة ألف، ويقول له: سآخذ منك أرباحاً كل شهر بمقدار ألف جنيه وهذا أمر غير شرعي، فالشرع -وليس الهوى أو العرف المخالف- هو الذي يحكم المعاملات، ولذلك تقرأ العجب العجاب، فالمجلس القومي للمرأة كان يناقش الاقتراح الأول وهو: أن يُعاقب الرجل الذي يتزوج بأخرى معاقبة مالية، أو بمعاقبة تصل به إلى السجن.
الاقتراح الثاني: أن تساوى المرأة مع الرجل في الشهادة، مع أن الله يقول: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282] وهم يريدون للمرأة أن تكون كالرجل.
فهذه معاندة ومكابرة لشرع الله لأناس رضعوا من الغرب، وتربوا على مائدته، ولا يعرفون من الإسلام شيئاً، يحملون اسم الإسلام والإسلام منهم براء، فالله سبحانه هو الذي أباح التعدد، بل هو من محاسن شريعتنا، فنحن نتباهى به ونفتخر أمام الناس جميعاً أن الإسلام أباح للرجل أن يعدد بشرط أن يعدل، فكوننا نناقش: أن من تزوج بأخرى يعاقب عقوبة تصل إلى السجن هذا أمر بالغ الخطورة.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم قال: [والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك] أي: أن عقود المساقاة والمزارعة لا بد أن يكون فيها الربح معلوماً مشاعاً.
جبران الخسائر في الشركات
قال: [وتجبر الوضيعة من الربح] والوضيعة هي الخسارة، وإذا حققت الشركة خسارة، جبرت الخسارة من الربح.
[وتجبر الوضيعة من الربح؛ لأن الربح الفاضل عن رأس المال] أي: الزائد عن رأس المال.
وربما تطال الوضيعة رأس المال إن لم يكثر الربح، أي أننا حققنا أرباحاً هذا العام مقدارها (3000)، ففي السنة القادمة حققنا خسارة قدرها (1000)، فهنا الألف تخصم من الثلاثة آلاف؛ لأن الربح هو الزيادة على رأس المال، فهي تجبر من الربح أولاً ولو لم يغط الربح لتناول رأس المال.
حكم بيع النسيئة في الشركات
قال: [وليس لأحدهما البيع نسيئة].
المعنى: إذا فتحنا شركة لبيع السيارات، فليس لأحدنا أن يبيع بالتقسيط إلا بموافقة الآخر، لكن الشيخ ابن عثيمين يستدرك على هذه المسألة ومعه الحق، يقول: العرف في هذه الحالة هو الذي يحكم التعامل، فلو أن بيع السيارات في عرفنا يجري بالقسط، وباع أحد الشريكين بالقسط لم يخالف ما تعارف عليه الناس في البيع والشراء، إلا إن أراد أحد الشريكين أن يخالف الواقع المعمول به طالما لم يخالف الشرع فله ذلك، فيقول لشريكه: أنا أشاركك بشرط ألا نبيع بالتقسيط؛ لأن الواقع أن الناس جميعاً تبيع قسطاً، فواقع الناس هو الذي يحكم العلاقة في البيع بالقسط والبيع بالنقد، وهذا من حقوق الشريكين أحدهما على الآخر.
قال: [وليس لأحدهما البيع نسيئة؛ لأن فيه تغريراً بالمال، وفيه وجه آخر يجوز؛ لأن عادة التجار البيع نسأ والربح فيه أكثر] أي: أن الوجه الآخر هو الأرجح عند الإمام أحمد -كما قال المصنف- على حسب حال التجارة.
حكم الأخذ من الأرباح بدون إذن الشريك
قال: [وليس له أن يأخذ من الربح شيئاً إلا بإذن الآخر؛ لأنه إذا أخذ من الربح شيئاً يكون قرضاً في ذمته، فلا يجوز إلا بإذن كما في الوديعة].
في الشركات يشارك الرجل الرجل على مقدار من الأرباح المعلومة المشاعة، ثم يأخذ من الأموال في جيبه ويقول هذا من ربحي إلى حين تحقيق الربح، وهذه تسمى في المحاسبة مسحوبات الشركاء، وتعامل معاملة المسحوبات، أو تسمى في الشركات جاري الشريك (أ)، وجاري الشريك (ب)، وهذا قرض؛ لأن الأرباح لم تحدد بعد، فلا ينبغي لأحد الشركاء أن يسحب من الشركة إلا بإذن الآخر.
وهذا مما عمت به البلوى، فتجد أحد الشركاء يأخذ ما لذ وطاب من الشركة، وإن سألته: لم تفعل ذلك؟ قال لك: هذا من أرباحي، وأرباحه ليست معلومة، وربما قد تخسر الشركة، حتى أن البعض يأخذ من متاع الشركة من عروضها ومن أموالها لبيته، وينفق على البيت من الخضروات واللحم ما لذ وطاب، فنقول له: بأي حق تأخذ؟ يقول: من أرباحي، قلت: هذا لا يجوز شرعاً، فلا بد لك أن تخبر الشريك الآخر، ويعتبر ذلك قرضاً، ولا يعتبر ربحاً موزعاً إلا بعد تحقيقه.
فالشرع مريح لكن الناس تبتعد عنه، فيحدث العجب العجاب والخلافات لا سيما أنه يزيد الطين بلة إذا كان بين اثنين ملتزمين، ولا يحتكمان إلى الشرع؛ لأنهما يجهلان الشرع، وهذه مصيبة كبيرة بل هي طامة.
الأسئلة
حكم من أخذ الصدقات لتأثيث بيت ابنته المقبلة على الزواج
السؤال
هل يجوز أخذ الصدقات لشراء أثاث ابنتي المقبلة على الزواج؟
الجواب
جهاز المرأة ليس على الأب، شرعاً ليس على الأب، فلا يستحق أن يأخذ مساعدة؛ لأجل أن يعد جهاز الزوجة لابنته، يحضر ثلاجة وأشياء أخرى.
حكم إدخال شريك بالمال بخمس الأرباح
السؤال
رجل أسس مشروعاً بمبلغ مائتين وخمسين ألف جنيه، ثم أراد هذا المشروع مبلغ خمسين ألف سنة لكي يتم، فهل له أن يُدخل شريكاً مقابل خمس الأرباح؟
الجواب
نعم يجوز، وهل الأصل الشركات أم الفرادى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
؟ من النادر أن تجد شركة تستمر، الأفضل أن تستثمر أموالك بنفسك.
حدث أمام عيني أن أخاً مع أخيه حول له مائتين وخمسين ألف جنيه لبناء بيتٍ له، فقام الأخ ورخص البيت باسمه وبنى لنفسه، وسكن وما زالت القضية في المحاكم، وليس معنى ذلك أن تفقد الثقة في الناس، ولكن: لست خباً ولا الخب يخدعني.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.
العدة شرح العمدة [69]
للمساقاة في الزراعة عدة أحوال، وهي أن يساقي على شجر قائم، أو يساقي على ثمر على شجره، أو يساقي على شجر لم يغرس بعد، أما المزارعة فصفتها أن يدفع مالك الأرض أرضه لمن يزرعها ويقوم عليها بجزء من زرعها.
باب المساقاة والمزارعة
قال المصنف: [باب المساقاة والمزارعة].
المساقاة هي: أن يدفع شجراً لمن يقوم عليه بجزء من ثمره.
ما الفرق بين الشجر والزرع؟ أولاً: الشجرة لها ساق وفروع وثمرة، أما الزرع فليس له ساق، ويمكن أن يكون له ثمرة.
ثانياً: أن الزرع له الحصاد، والشجر له الجذاذ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141]، وفي سورة القلم: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:17].
أنواع المساقاة
قال: [أن يدفع شجراً لمن يقوم عليه بجزء من ثمره، ولها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: شجر قائم يساقي عليه.
الحالة الثانية: ثمر على شجر يساقي عليه.
الحالة الثالثة: شجر لم يغرس بعد].
الحالة الأولى: شجر قائم يساقي عليه: عندي مثلاً نخلة، جريد وساق وجذع والثمر غير موجود على الإطلاق، وأساقي عليها بمعنى أن أقول لك: اسقها وراعها حتى تنبت الثمرة، وعند جذاذ الثمرة لك الربع.
هذه تسمى مساقاة على شجرة قائمة لم تنبت بعد.
الحالة الثانية: إذا طرحت النخلة خميماً -وهو بلح صغير أخضر لم يلقّح بعد- فقلت لك: الشجرة في طريقها للنمو خذها واسقها وراعها إلى أن تكتمل الثمرة ولك النصف ولي النصف، جاز ذلك، وهذه تسمى: مساقاة على ثمر على شجر.
الحالة الثالثة: مساقاة على شجر لم يغرس بعد: أردت أن أزرع نخلة، فجئت بك وقلت لك: أريد أن أغرس نخلة هنا وأنت تراعيها بالسقيا والمتابعة حتى تنمو وتضع الثمرة، وثمرتها بيني وبينك مناصفة، وهذه مساقاة على شجرة لم تزرع، وهذا يجوز أيضاً.
ما تصح فيه المزارعة
قال: [وتجوز المزارعة في الأرض بجزء من زرعها سواء كان البذر منهما أو من أحدهما؛ لحديث ابن عمر].
انتقل المصنف إلى المزارعة، ويقصد بالمزارعة: أن يدفع المالك الأرض لمن يزرعها ويقوم عليها بشرط أن يقول له: لك ربع الإيراد ولي الثلاثة أرباع، وينهى عن المزارعة إن حدد له مساحة، يقول: لك هذا القيراط ولي الباقي، أي أنه حدد له جزءاً من الأرض، قال: ناتج هذا الجزء لك، والباقي لي، فهذا منهي عنه؛ لأن ناتج هذا الجزء لا أعرفه، وربما لا ينتج أصلاً وينتج الباقي، ففي هذه الحالة يكون المظلوم المزارع، بل لابد أن يكون مشاعاً بيننا، فالحلو والمر لا بد أن يكون بيننا، أما أن تعطيني المنطقة السوداء الجرداء التي لا تنتج وتأخذ أنت الصفراء التي تنتج، وتقول: لك هذا القيراط ولي الباقي؟ فهذا لا يجوز شرعاً.
قال: [المزارعة: دفع الأرض لمن يزرعها].
لو قلت لك: ازرع هذه الأرض -وبذرها على المالك- قطناً، فأنت الآن تبذرها وتسقيها، وتقوم على رعايتها إلى أن نحصد الزرع وبالنصف، وربما نقول: البذر مناصفة بين المالك وبين المزارع، فهذا جائز أيضاً، وربما يقول: أنا مالك وليست عليّ البذور، وإنما هي على المزارع، فكله جائز حسب الاتفاق.
والزكاة كل على حسب نصيبه، فإذا أخذتُ النصف وأنت أخذت النصف إذاً زكاتك تلزمك وزكاتي تلزمني إن بلغ النصيب النصاب، وهذه مسألة أخرى في الزكاة.
قال: [لحديث ابن عمر، وفي لفظ: (على أن يعمروه من أموالهم)].
أهل خيبر عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بشطر ما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع -متفق عليه- ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأرض ليهود خيبر على أن يزرعوها ويسقوها، وعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم على نصفها، فهم يزرعون ويسقون ونحن نأخذ النصف، وهكذا عاملهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
ما يجب على العامل في المزارعة
قال: [وعلى العامل ما جرت العادة بعمله في المساقاة والمزارعة من الحرث، والإبار، والتلقيح، وإصلاح طرق الماء، والحصاد والدراس، والذري؛ لأن لفظهما يقتضي ذلك].
أي أن العامل يقوم بما جرت به العادة، وعلى ما هو واجب عليه؛ فيسقي الزرع، يحصد، يلقّح، يؤبر، يخزّن، يسقي فكل ما من شأنه عمل العامل يقوم به.
حتى بعد أن يحصد الزرع يدرسه، ثم يعبئه، وبعد التعبئة يخزنه في الأكياس، ثم يحملها إلى المخازن، فكل ما من شأنه حفظ الزرع حتى يصل إلى المخازن هو من صميم عمل العامل.
قال: [ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك؛ لأنه يشبه ما لو دفع ماله إلى من يتجر فيه والربح بينهما، ويشترط أن يكون ما بينهما معلوماً كالمضاربة].
لو كان عندي حمار ولكني لا أجيد العمل عليه، فقلت لك: شغل الحمار بيني وبينك مناصفة، سخّره ليحمل أي شيء بمقابل والمال مناصفة بيني وبينك، أو على حسب الاتفاق، فالدابة قد تشمل السيارة والأنعام وكل ما يحمل، وهذا معمول به في القرى، فبعض الناس يقتني البعير ويدفع به إلى الجمّال، والجمّال يقوم بنقل الحطب، والقطن ويأخذ أجرته.
باب إحياء الموات
قال المصنف رحمه الله: [باب إحياء الموات].
ويقصد بإيحاء الموات: إحياء الأرض الميتة.
ذكر الخلاف في إحياء الموات وتملكه
مذهب الحنابلة أن من أحيا أرضاً فهي له، لكن الراجح وهو قول جمهور العلماء: أن ولي الأمر لو نظّم إحياء الأرض فهذا من المصالح المرسلة التي ينبغي فيها طاعة ولي الأمر، والمعنى أن تمليك الأرض الموات لا يتم إلا عن طريق ولي الأمر، إذاً الخلاف بينهم: هل هذا على التشريع أم التنظيم؟ والأمر في حديث الترمذي: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، هل هذا من سبيل التنظيم أم التشريع؟ فعند الحنابلة أنه على التشريع، وأن من أحيا أرضاً ميتة سواء بإذن أو بغير إذن من ولي الأمر فهي له، لكن الراجح من أقوال العلماء: أن ذلك بإذن ولي الأمر؛ لأن ولي الأمر إذا أصدر قراراً يصبح في حكم الشرع طالما لم يخالف؛ لأن المصالح المرسلة التي ليس فيها معارضة للشرع ينبغي أن تطيع فيها ولي الأمر، وولي الأمر في النظام الملكي هم الملوك، وفي النظام الجمهوري رئيس الجمهورية أو من ينيبه.
ولا يجوز الخروج على ولي الأمر، هذا منهج السلف قاطبة؛ لحديث عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان)، قال علماء السلف: حتى لو رأيت كفراً بواحاً ولم تستطع الخروج لاستضعاف ولعدم قوة فالمختار هو عدم الخروج، ولذلك لم يخرجوا على الحجاج بن يوسف الثقفي رغم ما صنع بالتابعين، فقد قتل سعيد بن جبير واستباح الدماء، ومع ذلك لم يخرجوا عليه، وصلوا خلفه.
حكم تملك الأرض
قال رحمه الله: [باب إحياء الموات.
وهي الأرض الدائرة التي لا يعرف لها مالك].
الأرض الدائرة يقاس عليها كل ما لا يعرف له مالك.
حين تنزل إلى مكان موجود فيه ماء، وتريد أن تغتسل، فوجدت في القاع شيئاً ثميناً صاحبه ألقاه، إما ساعة ذهب أو غير ذلك ألقاها لأنه لا يريدها، وأنت وجدتها هل هي من حقك أم من حق صاحبها؟ طالما أنه استغنى عن ملكه وألقاه فهي لمن وجدها، وهذا أصل في كل ما يلقى؛ لأن المالك تخلص من ملكه وألقاه بإرادته، ولا يريد أن يتملك هذا الملك، وهذا يختلف عن اللقطة، فلا بد أن نفرق بين الأمرين.
قال: [لما روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)].
والأرض الميتة هي التي لا يعرف لها مالك، ولو أن هناك أرضاً مخصصة، أو يجتمع فيها الناس في كل سنة، أو يوضع فيها الحطب، أو تجري فيها السيول فهي مخصصة، فلا يجوز أن تحييها وتقول أنا مالك لها؛ لأنها أصبحت مخصصة، وتعارف الناس على أنها مخصصة.
حكم تملك ما لم يعلم مالكه
قال: [النوع الثاني: ما كان فيها من آثار الملك، ولا يعلم لها مالك ففيها روايتان].
مثاله: لو أنني ذهبت إلى صحراء سيناء فوجدت أرضاً ميتة، ولكن هذه الأرض فيها آثار استراحة أو ساقية أو بئر، إذاً فهي آثار استصلاح ملك قبل ذلك.
ففيها روايتان: فإن عُرف لها مالك فلا يجوز؛ لأنها لمالكها الأول، وإن لم يعرف لها مالك ففيها روايتان، والراجح: أنها لمن استصلحها؛ لأن الأرض تأخذ حكم الميتة؛ لأن المالك تركها.
ولذلك قال: [إن رأى فيها آثار الملك ففيها روايتان] عن الإمام أحمد.