الشريعة للآجريصفحات 524-564

المقدمة

صفحات 524-564

، وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَأَحْمَدَ بْنَ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيَّ، وَوَهْبَ بْنَ بَقِيَّةَ، وَمَنْ لَا أُحْصِيهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلُّ هَؤُلَاءِ سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فِيمَا ذَكَرْتُ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَلَاغٌ لِمَنْ عَقَلَ وَسَلِمَ لَهُ دِينُهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِكُلِّ رَشَادٍ

بَابُ ذِكْرِ النَّهْيِ عَنْ مَذَاهِبِ الْوَاقِفَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ

: وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَقَفُوا فِيهِ وَقَالُوا: لَا نَقُولُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَهَؤُلَاءِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ رَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْوَاقِفَةُ: مِثْلُ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَأَشَرُّ؛ لِأَنَّهُمْ شَكُّوا فِي دِينِهِمْ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّنْ يَشُكُّ فِي كَلَامِ الرَّبِّ: إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَا أَذْكُرُ مَا تَأَدَّى إِلَيْنَا مِنْهُ مِمَّنْ أَنْكَرَ عَلَى الْوَاقِفَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ

187 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُمْ رُخْصَةٌ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، ثُمَّ يَسْكُتُ؟ فَقَالَ: وَلَمْ يَسْكُتْ؟ لَوْلَا مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ كَانَ يَسَعُهُ السُّكُوتُ، وَلَكِنْ حَيْثُ تَكَلَّمُوا فِيمَا تَكَلَّمُوا، لِأَيِّ شَيْءٍ لَا يَتَكَلَّمُونَ؟

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْإِيمَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَلَمَّا جَاءَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَأَحْدَثَ الْكُفْرَ بِقَوْلِهِ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ لَمْ يَسَعِ الْعُلَمَاءَ إِلَّا الرَّدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ بِلَا شَكٍّ، وَلَا تَوَقُّفٍ فِيهِ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ سُمِّيَ وَاقِفِيًّا، شَاكًّا فِي دِينِهِ

188 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ: وَذَكَرَ رَجُلَيْنِ كَانَا وَقَّفَا فِي الْقُرْآنِ، وَدَعَوْا إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمَا وَقَالَ لِي: هَؤُلَاءِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَجَعَلَ يَذْكُرُهُمَا بِالْمَكْرُوهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَأَيْتُ أَحْمَدَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، مِمَّنْ وَقَّفَ فِيمَا بَلَغَنِي، فَقَالَ لَهُ: اغْرُبْ، لَا أَرَاكُ تَجِيءُ إِلَى بَابِي فِي كَلَامٍ غَلِيظٍ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقَالَ لَهُ: مَا أَحْوَجَكَ أَنْ يَصْنَعَ بِكَ مَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِصُبَيْغٍ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَرَدَّ الْبَابَ

189 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: مَنْ قَالَ لَا أَقُولُ الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَهْمِيٌّ

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ: وَقِيلَ لَهُ الْوَاقِفَةُ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْوَاقِفَةُ شَرٌّ مِنْهُمْ، يَعْنِي مِمَّنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَيَسْكُتُونَ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءٍ، يَعْنِي مِمَّنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ: عَمَّنْ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا يَقُولُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا مَخْلُوقٍ؟ فَقَالَ: هَذَا شَاكٌّ، وَالشَّاكُّ كَافِرٌ

190 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلٍ الْعَبَّادَانِيَّ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ فِي الْوَاقِفَةِ: هُمْ عِنْدِي شَرٌّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ

191 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ أَمْسَكَ فَقَالَ: لَا أَقُولُ: لَيْسَ هُوَ مَخْلُوقًا، إِذَا لَقِيَنِي فِي الطَّرِيقِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، أُسَلِّمُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ؟ وَلَا تُكَلِّمْهُ، كَيْفَ يَعْرِفُهُ النَّاسُ إِذَا سَلَّمْتَ عَلَيْهِ؟ وَكَيْفَ يَعْرِفُ هُوَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ؟ فَإِذَا لَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ عَرَفَ الذُّلَّ، وَعَرَفَ أَنَّكَ أَنْكَرْتَ عَلَيْهِ، وَعَرَفَهُ النَّاسُ

192 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُؤَمَّلَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ قَالَ ابْنُ أَبِي بَزَّةَ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، أَوْ وَقَفَ، وَمَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، فَهُوَ عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَدِينِ رَسُولِهِ حَتَّى يَتُوبَ

بَابُ ذِكْرِ اللَّفْظِيَّةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حِكَايَةٌ لِلْقُرْآنِ الَّذِي فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَذَبُوا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: احْذَرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ لَفْظَهُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمَنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَتِهِ مُنْكَرٌ عَظِيمٌ، وَقَائِلُ هَذَا

مُبْتَدِعٌ، خَبِيثٌ وَلَا يُكَلَّمُ، وَلَا يُجَالَسُ، وَيُحَذَّرُ مِنْهُ النَّاسُ، لَا يَعْرِفُ الْعُلَمَاءُ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ , وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَقَفَ فَهُوَ جَهْمِيٌّ , وَمَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ أَيْضًا، كَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَلَّظَ فِيهِ الْقَوْلَ جِدًّا وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَءُوهُ النَّاسُ، وَهُوَ فِي الْمَصَاحِفِ حِكَايَةٌ لِمَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَهَذَا قَوْلٌ مُنْكَرٌ، يُنْكِرُهُ الْعُلَمَاءُ يُقَالُ لِقَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْقُرْآنُ يُكَذِّبُكَ، وَيَرُدُّ قَوْلَكَ، وَالسُّنَّةُ تُكَذِّبُكَ وَتَرُدُّ قَوْلَكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ إِنَّمَا يَسْمَعُ النَّاسُ كَلَامَ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: حِكَايَةَ كَلَامِ اللَّهِ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ

تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] فَأَخْبَرَ أَنَّ السَّامِعَ إِنَّمَا يَسْمَعُ الْقُرْآنَ، وَلَمْ يَقُلْ: حِكَايَةَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ﴾ [الإسراء: 9] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 30] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: 1] وَلَمْ يَقُلْ يَسْتَمِعُونَ حِكَايَةَ الْقُرْآنِ وَلَا قَالَتِ الْجِنُّ: إِنَّا سَمِعْنَا حِكَايَةَ الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ، وَأَتَى بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِخِلَافِ قَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ

، وَقَالَ النَّبِيُّ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» وَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ» وَقَالَ: «مَثَلُ الْقُرْآنِ مَثَلُ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ تَعَاهَدَهَا صَاحِبُهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا ذَهَبَتْ» وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَقَالَ: فِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا تُسَافِرُوا بِالْمَصَاحِفِ إِلَى الْعَدُوِّ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَنَالُوهَا»

وَقَالَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ " وَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى: قَرَأَ طه، ويس قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ، قَالُوا: طُوبَى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ هَذَا، وَطُوبَى لِأَلْسُنٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا، وَطُوبَى لِأَجْوَافٍ

تَحْمِلُ هَذَا " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَاتْلُوهُ، فَإِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَفِي السُّنَنِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ كَثِيرٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَيَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، وَيَتَعَلَّمُوا أَحْكَامَهُ، فَيُحِلُّوا حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَيَعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَيُؤْمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَلَا يُمَارُوا فِيهِ، وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، غَيْرَ مَخْلُوقٍ، فَإِنْ عَارَضَهُمْ إِنْسَانٌ جَهْمِيٌّ فَقَالَ: مَخْلُوقٌ، أَوْ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَقَفَ، أَوْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، أَوْ قَالَ: هَذَا الْقُرْآنُ حِكَايَةٌ لِمَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَحُكْمُهُ أَنْ يُهْجَرَ وَلَا يُكَلَّمَ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، وَيُحَذَّرَ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسُّنَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسُنَنِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَقَوْلِ التَّابِعِينَ، وَقَوْلِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ تَرْكِ الْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ، فَمَنْ كَانَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ رَجَوْتُ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّ خَيْرٍ، وَسَأَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَا بُدَّ لِمَنْ كَانَ هَذَا مَذْهَبَهُ وَعِلْمَهُ، عَمِلَ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْإِيمَانِ، وَشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِكُلِّ رَشَادٍ، وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ

193 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ إِدْرِيسَ الْقَزْوِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُمْتَنِعِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ قَالَ: أنا أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ الْهَاشِمِيُّ وَكَانَ مِنْ وُجُوهِ بَنِي هَاشِمٍ وَأَهْلِ الْجَلَالَةِ، وَالشَّأْنِ مِنْهُمْ قَالَ: حَضَرْتُ الْمُهْتَدِيَ بِاللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ

جَلَسَ يَنْظُرُ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ، فَنَظَرْتُ إِلَى قِصَصِ النَّاسِ تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَيَأْمُرُ بِالتَّوْقِيعِ فِيهَا وَإِنْشَاءِ الْكُتُبِ لِأَصْحَابِهَا، وَيَخْتِمُ وَيَدْفَعُ إِلَى صَاحِبِهِ، بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَرَّنِي ذَلِكَ، وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَفَطِنَ وَنَظَرَ إِلَيَّ، فَغَضَضْتُ عَنْهُ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ مِنِّي وَمِنْهُ مِرَارًا ثَلَاثًا، وَإِذَا نَظَرَ غَضَضْتُ، وَإِذَا اشْتَغَلَ نَظَرْتُ، فَقَالَ لِي: يَا صَالِحُ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُمْتُ قَائِمًا، فَقَالَ: فِي نَفْسِكَ مِنَّا شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ تَقُولَهُ؟ أَوْ قَالَ: تُرِيدُ أَنْ تَقُولَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَا سَيِّدِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لِي: عُدْ إِلَى مَوْضِعِكَ، فَعُدْتُ، وَعَادَ فِي النَّظَرِ، حَتَّى إِذَا قَامَ قَالَ لِلْحَاجِبِ: لَا يَبْرَحُ صَالِحٌ، فَانْصَرَفَ النَّاسُ ثُمَّ أَذِنَ لِي، وَقَدْ أَهَمَّتْنِي نَفْسِي فَدَخَلْتُ فَدَعَوْتُ لَهُ، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ، فَقَالَ: يَا صَالِحُ، تَقُولُ لِي، مَا دَارَ فِي نَفْسِكَ، أَوْ أَقُولُ أَنَا: مَا دَارَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ دَارَ فِي نَفْسِكَ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَعْزِمُ عَلَيْهِ، وَمَا تَأْمُرُ بِهِ فَقَالَ: وَأَقُولُ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدِ اسْتَحْسَنْتَ مَا رَأَيْتَ مِنَّا، فَقُلْتُ: أَيُّ خَلِيفَةٍ خَلِيفَتُنَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَوَرَدَ عَلَى قَلْبِي أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَأَهَمَّتْنِي نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ: يَا نَفْسُ، هَلْ تَمُوتِينَ إِلَّا مَرَّةً؟ وَهَلْ تَمُوتِينَ قَبْلَ أَجَلِكَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ الْكَذِبُ فِي جَدٍّ أَوْ هَزْلٍ؟

فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا دَارَ فِي نَفْسِي إِلَّا مَا قُلْتُ، ثُمَّ أَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: وَيْحَكَ، اسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ، فَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ مِنِّي الْحَقَّ، فَسُرِّيَ عَنِّي فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي وَمَنْ أَوْلَى بِقَوْلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَأَنْتَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَابْنُ عَمِّ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَقَالَ لِي: مَا زِلْتُ أَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ صَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ الْوَاثِقِ، حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَهْلِ أَذَنَةَ فَأُدْخِلَ الشَّيْخُ عَلَى الْوَاثِقِ مُقَيَّدًا، وَهُوَ جَمِيلُ الْوَجْهِ تَامُّ الْقَامَةِ

، حَسَنُ الشَّيْبَةِ، فَرَأَيْتُ الْوَاثِقَ قَدِ اسْتَحْيَى مِنْهُ، وَرَقَّ لَهُ، فَمَا زَالَ يُدْنِيهُ وَيُقَرِّبُهُ، حَتَّى قَرُبَ مِنْهُ، فَسَلَّمَ الشَّيْخُ فَأَحْسَنَ السَّلَامَ، وَدَعَا فَأَبْلَغَ الدُّعَاءَ، وَأَوْجَزَ، فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ، نَاظِرِ ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَلَى مَا يُنَاظِرُكَ عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ يَقِلُّ وَيَضِيقُ، وَيَضْعُفُ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ فَغَضِبَ الْوَاثِقُ، وَعَادَ مَكَانَ الرَّأْفَةِ لَهُ غَضَبًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ يَصْبُو وَيَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنْ مُنَاظَرَتِكَ أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بِكَ وَائْذَنْ لِي فِي مُنَاظَرَتِهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: مَا دَعَوْتُكَ إِلَّا لِلْمُنَاظَرَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ، إِلَى مَا دَعَوْتَ النَّاسَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِلَى أَنْ تَقُولَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَالَ الشَّيْخُ: إِنْ رَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ مَا نَقُولُ، قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ الشَّيْخُ: أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، أَوَاجِبَةٌ دَاخِلَةٌ فِي عَقْدِ

الدِّينِ، فَلَا يَكُونُ الدِّينُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِبَادِهِ، هَلْ سَتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي دِينِهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ الشَّيْخُ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَّةَ إِلَى مَقَالَتِكَ هَذِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ فَقَالَ الشَّيْخُ: تَكَلَّمْ فَسَكَتَ، فَالْتَفَتَ الشَّيْخُ إِلَى الْوَاثِقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاحِدَةٌ فَقَالَ الْوَاثِقُ: وَاحِدَةٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، حِينَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] أَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّادِقُ فِي إِكْمَالِ دِينِهِ، أَمْ أَنْتَ الصَّادِقُ فِي نُقْصَانِهِ، فَلَا يَكُونُ الدِّينُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ بِمَقَالَتِكَ هَذِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ فَقَالَ الشَّيْخُ: أَجِبْ يَا أَحْمَدُ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اثْنَتَانِ فَقَالَ الْوَاثِقُ: اثْنَتَانِ

فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، أَعَلِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ جَهِلَهَا؟ قَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: عَلِمَهَا قَالَ الشَّيْخُ: فَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ثَلَاثٌ فَقَالَ الْوَاثِقُ: ثَلَاثٌ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ، فَاتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَلِمَهَا كَمَا زَعِمْتَ، وَلَمْ يُطَالِبْ أُمَّتَهُ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ: وَاتَّسَعَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: نَعَمْ فَأَعْرَضَ الشَّيْخُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْوَاثِقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ قَدَّمْتُ لَكَ الْقَوْلَ أَنَّ أَحْمَدَ يَصْبُو وَيَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَكَ الْإِمْسَاكُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَهُ مَا اتَّسَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ

فَقَالَ الْوَاثِقُ: نَعَمْ إِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَنَا مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْنَا، اقْطَعُوا قَيْدَ الشَّيْخِ، فَلَمَّا قُطِعَ ضَرَبَ الشَّيْخُ بِيَدِهِ إِلَى الْقَيْدِ لِيَأْخُذَهُ فَجَاذَبَهُ الْحَدَّادُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: دَعِ الشَّيْخَ لِيَأْخُذَهُ، فَأَخَذَهُ الشَّيْخُ فَوَضَعَهُ فِي كُمِّهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: لِمَ جَاذَبْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ الشَّيْخُ: لِأَنِّي نَوَيْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ إِلَى مَنْ أُوصِي إِلَيْهِ إِذَا مِتُّ أَنْ يَجْعَلَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ كَفَنِي، حَتَّى أُخَاصِمَ بِهِ هَذَا الظَّالِمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَقُولَ: يَا رَبِّ، سَلْ عَبْدَكَ هَذَا لِمَ قَيَّدَنِي وَرَوَّعَ أَهْلِي وَوَلَدِي وَإِخْوَانِي بِلَا حَقٍّ وَأَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيَّ؟ وَبَكَى الشَّيْخُ فَبَكَى الْوَاثِقُ وَبَكَيْنَا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْوَاثِقُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ وَسَعَةٍ مِمَّا نَالَهُ فَقَالَ الشَّيْخُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي حِلٍّ وَسَعَةٍ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِكْرَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ كُنْتَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ الْوَاثِقُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ فَقَالَ الشَّيْخُ: إِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً فَعَلْتُ فَقَالَ الْوَاثِقُ: تُقِيمُ فِينَا فَيَنْتَفِعَ بِكَ فِتْيَانُنَا، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَدَّكَ إِيَّايَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي

مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ أَنْفَعُ لَكَ مِنْ مَقَامِي عَلَيْكَ، وَلَأُخْبِرُكَ بِمَا فِي ذَلِكَ: أَصِيرُ إِلَى أَهْلِي وَوَلَدِي وَأَكُفُّ دُعَاءَهُمْ عَلَيْكَ، فَقَدْ خَلَّفْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: فَتَقَبَّلْ مِنَّا صِلَةً مَا تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى دَهْرِكَ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَحِلُّ لِي، أَنَا عَنْهَا غَنِيٌّ، وَذُو مِرَّةٍ سَوِيٍّ قَالَ: فَسَلْ حَاجَتَكَ قَالَ: أَوَ تَقْضِيهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَخَلِّ سَبِيلِي إِلَى الثَّغْرِ السَّاعَةَ، وَتَأْذَنْ لِي قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَسَلَّمَ الشَّيْخُ، وَخَرَجَ قَالَ صَالِحٌ: قَالَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فَرَجَعْتُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَظُنُّ الْوَاثِقَ بِاللَّهِ كَانَ رَجَعَ عَنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ

195 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيُّ أَيْضًا قَالَ

: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يُوسُفَ الزِّمِّيَّ، يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا قَائِلٌ فِي بَعْضِ بُيُوتِ خَانَاتِ مَرْوٍ فَإِذَا أَنَا بِهَوْلٍ عَظِيمٍ، قَدْ دَخَلَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لَيْسَ تَخَافُ، يَا أَبَا زَكَرِيَّا قَالَ قُلْتُ: فَنَعَمْ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: وَقُمْتُ وَتَهَيَّأْتُ لِقِتَالِهِ، فَقَالَ: أنا أَبُو مُرَّةَ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا حَيَّاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي هَذَا الْبَيْتِ لَمْ أَدْخُلْ، وَكُنْتُ أَنْزِلُ بَيْتًا آخَرَ، وَكَانَ هَذَا مَنْزِلِي حِينَ آتِي خُرَاسَانَ قَالَ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْعِرَاقِ قَالَ وَقُلْتُ: وَمَا عَمِلْتَ بِالْعِرَاقِ؟ قَالَ: خَلَّفْتُ فِيهَا خَلِيفَةً، قُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: بِشْرٌ الْمِرِّيسِيُّ، قُلْتُ: وَإِلَى مَا يَدْعُو؟ قَالَ: إِلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ

قَالَ: وَآتِي خُرَاسَانَ فَأَخْلُفُ فِيهَا خَلِيفَةً أَيْضًا قَالَ: قُلْتُ: إِيشِ تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا وَإِنْ كُنْتُ شَيْطَانًا رَجِيمًا أَقُولُ: " الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ

حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: كُنَّا نَقْرَأُ عَلَى شَيْخٍ ضَرِيرٍ بِالْبَصْرَةِ، فَلَمَّا أَحْدَثُوا بِبَغْدَادَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ قَالَ الشَّيْخُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا، فَمَحَا اللَّهُ الْقُرْآنَ مِنْ صَدْرِي قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْنَا هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَرَكْنَاهُ وَانْصَرَفْنَا عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ لَقِينَاهُ، فَقُلْنَا يَا فُلَانُ مَا فَعَلَ الْقُرْآنُ؟ قَالَ: مَا بَقِيَ فِي صَدْرِي مِنْهُ شَيْءٌ، قُلْنَا: وَلَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] قَالَ: وَلَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] إِلَّا أَنْ أَسْمَعَهَا مِنْ غَيْرِي يَقْرَؤُهَا

الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ

بَابُ تَفْرِيعِ مَعْرِفَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَمَّا بَعْدُ فَاعْلَمُوا رَحِمَنَا وَإِيَّاكُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً لِيُقِرُّوا بِتَوْحِيدِهِ، فَيَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا

اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَكَانَ مَنْ قَالَ هَذَا مُوقِنًا مِنْ قَلْبِهِ وَنَاطِقًا بِلِسَانِهِ أَجْزَأَهُ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا فَإِلَى الْجَنَّةِ، فَلَمَّا آمَنُوا بِذَلِكَ، وَأَخْلَصُوا تَوْحِيدَهُمْ، فَرَضَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ، فَصَدَّقُوا بِذَلِكَ، وَآمَنُوا وَصَلَّوْا، ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْهِجْرَةَ، فَهَاجَرُوا، وَفَارَقُوا الْأَهْلَ وَالْوَطَنَ، ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمْ بِالْمَدِينَةِ الصِّيَامَ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَصَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةَ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، وَأَدَّوْا ذَلِكَ كَمَا أُمِرُوا، ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادَ، فَجَاهَدُوا الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ، وَصَبَرُوا وَصَدَّقُوا، ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّ، فَحَجُّوا وَآمَنُوا بِهِ، فَلَمَّا آمَنُوا بِهَذِهِ الْفَرَائِضِ، وَعَمِلُوا بِهَا تَصْدِيقًا بِقُلُوبِهِمْ، وَقَوْلًا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَعَمَلًا بِجَوَارِحِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا دِينَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَتْ: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " قِيلَ لَهُ: هَذِهِ كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنا لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّنْ نَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ، وَكَانُوا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ، سِوَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ جُمْلَةٍ مَا عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَقَوْلِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا يُسْتَوْحَشُ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَسَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقِ لِكُلِّ رَشَادٍ، وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَرَاطِيسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا صَدَّقَ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ زَادَهُمُ اللَّهُ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ اللَّهُ الصِّيَامَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمُ الزَّكَاةَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ الْحَجَّ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمُ الْجِهَادَ، ثُمَّ أَكْمَلَ لَهُمْ دِينَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ يَحُجُّونَ جَمِيعًا فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ نُفِيَ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ لَا يُشَارِكُهُمْ فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ، فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمِصِّيصِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْإِيمَانِ؟ فَقَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ قَالَ: يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؟ قَالَ: " يَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَيَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْهُ مِثْلُ هَذِهِ، وَأَشَارَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ، قَالَ الرَّجُلُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِقَوْمٍ عِنْدَنَا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ أَحْكَامُ الْإِيمَانِ وَحُدُودُهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ كَافَّةً أَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا بِهَا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى صِدْقَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِالصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُمْ فَفَعَلُوا، فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ فَفَعَلُوا، فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ وَلَا صَلَاتُهُمْ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ أَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ فَيُقَاتِلُوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، حَتَّى يَقُولُوا كَقَوْلِهِمْ، وَيُصَلُّوا صَلَاتَهُمْ، وَيُهَاجِرُوا هِجْرَتَهُمْ، فَأَمَرَهُمْ فَفَعَلُوا، حَتَّى أَتَى أَحَدُهُمْ بِرَأْسِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَأْسُ شَيْخِ الْكَافِرِينَ فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ، وَلَا صَلَاتُهُمْ، وَلَا هِجْرَتُهُمْ، وَلَا قِتَالُهُمْ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ تعَبُّدًا، وَأَنْ يَحْلِقُوا رُءُوسَهُمْ تَذَلُّلًا فَفَعَلُوا، فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ، وَلَا صَلَاتُهُمْ، وَلَا مُهَاجَرَتُهُمْ، وَلَا قَتْلُ آبَائِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ فَفَعَلُوا، حَتَّى أَتَوْا بِهَا، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ، وَلَا صَلَاتُهُمْ، وَلَا مُهَاجَرَتُهُمْ، وَلَا قَتْلُهُمْ آبَاءَهُمْ، وَلَا طَوَافُهُمْ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ فِيمَا تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِعِ الْإِيمَانِ وَحُدُودِهِ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] قَالَ سُفْيَانُ: فَمَنْ تَرَكَ خَلَّةً مِنْ خِلَلِ الْإِيمَانِ جَاحِدًا كَانَ بِهَا عِنْدَنَا كَافِرًا، وَمَنْ تَرَكَهَا كَسَلًا أَوْ تَهَاوُنًا، أَدَّبْنَاهُ، وَكَانَ بِهَا عِنْدَنَا نَاقِصًا، هَكَذَا السُّنَّةُ أَبْلِغْهَا عَنِّي مَنْ سَأَلَكَ مِنَ النَّاسِ

بَابُ مَعْرِفَةِ أَيِّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] الْآيَةَ

حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ عَلَيْنَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: " أَنَا أَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ

أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أَنَّا نَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، أُنْزِلَتْ وَنَحْنُ وقُوفٌ بِعَرَفَاتٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

197 - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْجَوْزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ قَالَ: ثنا وَكِيعٌ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: لَوْ عَلِمْنَا فِي أَيِّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَعَلْنَاهَا عِيدًا فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذَا بَيَانٌ لِمَنْ عَقَلَ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الدِّينُ إِلَّا بِالتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَالْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ، مِثْلُ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ

بَابُ عَلَى كَمْ بُنِيَ الْإِسْلَامُ؟

جارٍ التحميل