الشريعة للآجريصفحات 444-472

المقدمة

صفحات 444-472

إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ هَوَانَا عَلَى هَوَاكُمْ قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَوَى كُلُّهُ ضَلَالَةٌ

127 - حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ، وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإِيَّاكَ وَآرَاءِ الرِّجَالِ، وَإِنْ زَخْرَفُوا لَكَ بِالْقَوْلِ

128 - حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ مُحْرِزٍ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَشَبَبَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ، يَتَجَادَلُونَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْفُضُ ثَوْبَهُ وَقَامَ وَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتُمْ جَرَبٌ إِنَّمَا أَنْتُمْ جَرَبٌ

129 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا

الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا أَبُو الْحَكَمِ قَالَ: أنا مُوسَى بْنُ أَبِي كَرْدَمَ وَقَالَ غَيْرُهُ: ابْنُ أَبِي دَرْمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: بُلِّغَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مَجْلِسٍ، كَانَ فِي نَاحِيَةِ بَابِ بَنِي سَهْمٍ، يَجْلِسُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَيَخْتَصِمُونَ، فَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى وَقَفْنَا، فَقَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْهُمْ عَنْ كَلَامِ الْفَتَى الَّذِي كَلَّمَ بِهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فِي بَلَائِهِ، قَالَ وَهْبٌ: فَقُلْتُ: قَالَ الْفَتَى: يَا أَيُّوبُ أَمَا كَانَ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ مَا يَكِلُّ لِسَانَكَ وَيَقْطَعُ قَلْبَكَ وَيَكْسِرُ حُجَّتَكَ، يَا أَيُّوبُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادًا أَسْكَنَتْهُمْ خَشْيَةُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ وَلَا بُكْمٍ , وَإِنَّهُمْ لَهُمُ النُّبَلَاءُ الْفُصَحَاءُ

الطُّلَقَاءُ الْأَلِبَّاءُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَأَيَّامِهِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ وَطَاشَتْ عُقُولُهُمْ وَأَحْلَامُهُمْ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهَيْبَةً لَهُ فَإِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ اسْتَبَقُوا إِلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، لَا يَسْتَكْثِرُونَ لِلَّهِ الْكَثِيرَ وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُ بِالْقَلِيلِ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الظَّالِمِينَ الْخَاطِئِينَ، وَإِنَّهُمْ لَأَنْزَاهٌ، أَبْرَارٌ، أَخْيَارٌ، وَمَعَ الْمُضَيِّعِينَ الْمُفْرِطِينَ، وَإِنَّهُمْ لَأَكْيَاسٌ أَقْوِيَاءُ، نَاحِلُونَ دَائِبُونَ، يَرَاهُمُ الْجَاهِلُ فَيَقُولُ: مَرْضَى وَلَيْسُوا بِمَرْضَى، وَقَدْ خُولِطُوا وَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ

130 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ

بْنُ حَسَّانَ بْنِ فَيْرُوزَ الْأَزْرَقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي دَرْمٍ، عَنْ يُوسُفَ يَعْنِي ابْنَ مَاهَكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ مَجْلِسٍ فِي نَاحِيَةِ بَنِي سَهْمٍ فِيهِ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَخْتَصِمُونَ وَيَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِمْ قَالَ: فَانْطَلَقَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَخْبِرِ الْقَوْمَ عَنْ كَلَامِ الْفَتَى الَّذِي كَلَّمَ بِهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فِي بَلَائِهِ، فَقَالَ وَهْبٌ: قَالَ الْفَتَى: لَقَدْ كَانَ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذِكْرِ الْمَوْتِ، مَا يَكَلُّ لِسَانَكَ، وَيَقْطَعُ قَلْبَكَ، وَيَكْسِرُ حُجَّتَكَ؟ أَفَلَمْ تَعْلَمْ يَا أَيُّوبُ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا، أَسْكَتَتْهُمْ خَشْيَةُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ وَلَا بَكَمٍ، وَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْفُصَحَاءُ الطُّلَقَاءُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَأَيَّامِهِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَكَلَّتْ أَحْلَامُهُمْ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهَيْبَةً لَهُ، حَتَّى إِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ ابْتَدَرُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، لَا يَسْتَكْثِرُونُ لِلَّهِ الْكَثِيرَ، وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُ بِالْقَلِيلِ، نَاحِلُونَ ذَائِبُونَ، يَرَاهُمُ الْجَاهِلُ فَيَقُولُ: مَرْضَى، وَقَدْ خُولِطُوا، وَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ

131 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو

حُذَيْفَةَ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: دَعِ الْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ عَنْ أَمْرِكَ، فَإِنَّكَ لَا تُعْجِزُ أَحَدَ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، فَكَيْفَ تُمَارِي وَتُجَادِلُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ؟ وَرَجُلٍ أَنْتَ أَعْلَمُ مِنْهُ، فَكَيْفَ تُمَارِي وَتُجَادِلُ مَنْ أَنْتَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَلَا يُطِيعُكَ، فَاقْطَعْ ذَلِكَ عَلَيْكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَعَقْلٌ، فَمَيَّزَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرِي لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ عَلِمَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ، فَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَزِمَ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِنَفْسِهِ، لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ الْجَهْلُ، وَكَانَ مُرَادُهُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ، أَنْ يَتَعَلَّمَهُ لِلْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالْخُصُومَاتِ، وَلَا لِلدُّنْيَا، وَمَنْ كَانَ هَذَا مُرَادُهُ سَلِمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ، وَاتَّبَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُسْتَوْحَشُ مِنْ ذِكْرِهِمْ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوفَّقَهُ لِذَلِكَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ قَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الدِّينِ، يُنَازِعُهُ فِيهَا وَيُخَاصِمُهُ، تَرَى لَهُ أَنْ يُنَاظِرَهُ، حَتَّى تَثْبُتَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَيَرُدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ؟ قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي حَذَّرَنَاهُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَاذَا نَصْنَعُ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ كَانَ الَّذِي يَسْأَلُكُ مَسْأَلَتَهُ مَسْأَلَةَ مُسْتَرْشِدٍ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ لَا مُنَاظَرَةً، فَأَرْشِدْهُ بِأَلْطَفِ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَيَانِ بِالْعِلْمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ مُنَاظَرَتَكَ، وَمُجَادَلَتَكَ، فَهَذَا الَّذِي كَرِهَ لَكَ الْعُلَمَاءُ، فَلَا تُنَاظِرْهُ، وَاحْذَرْهُ عَلَى دِينِكَ، كَمَا قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كُنْتَ لَهُمْ مُتَّبِعًا فَإِنْ قَالَ: فَنَدَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَنَسْكُتُ عَنْهُمْ؟ قِيلَ لَهُ: سُكُوتُكَ عَنْهُمْ وَهِجْرَتُكَ لِمَا تَكَلَّمُوا بِهِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ

مُنَاظَرَتِكَ لَهُمْ كَذَا قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ

132 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أنا مَنْصُورٌ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ: لَسْتُ بِرَادٍّ عَلَيْهِمْ , أَشَدُّ مِنَ السُّكُوتِ

133 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَقِيٍّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحِمْصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مَمْرَضَةٌ لِلْقُلُوبِ

143 - حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ: وَمَارَاهُ رَجُلٌ فِي شَيْءٍ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِالْمِرَاءِ مِنْكَ، وَلَكِنِّي لَا أُمَارِيكَ

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَحِمَكَ اللَّهُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي قِلَابَةَ: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي الضَّلَالَةِ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ بَعْضَ مَا لُبِّسَ عَلَيْهِمْ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: أَلَا تُنَاظِرُنِي فِي الدِّينِ؟ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَبْصَرْتُ دِينِي، فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ أَضْلَلْتَ دِينَكَ فَالْتَمِسْهُ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَمَنِ اقْتَدَى بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنِ اضْطَّرَّنِي فِي الْأَمْرِ وَقْتًا مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَى مُنَاظَرَتِهِمْ , وَإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ أَلَا أُنَاظِرُهُمْ؟ قِيلَ لَهُ: الِاضْطِرَارُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ إِمَامٍ لَهُ مَذْهَبٌ سُوءٌ، فَيَمْتَحِنُ النَّاسَ

وَيَدْعُوهُمْ إِلَى مَذْهَبِهِ، كَفِعْلِ مَنْ مَضَى فِي وَقْتِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: ثَلَاثَةُ خُلَفَاءَ امْتَحَنُوا النَّاسَ، وَدَعَوْهُمْ إِلَى مَذْهَبِهِمُ السُّوءِ، فَلَمْ يَجِدِ الْعُلَمَاءُ بُدًّا مِنَ الذَّبِّ عَنِ الدِّينِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ مَعْرِفَةَ الْعَامَّةِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَنَاظَرُوهُمْ ضَرُورَةً لَا اخْتِيَارًا، فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَقَّ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَأَذَلَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُعْتَزِلَةَ وَفَضَحَهُمْ وَعَرَفَتِ الْعَامَّةُ أَنَّ الْحَقَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَمَنْ تَابَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَرْجُو أَنْ يُعِيذَ اللَّهُ الْكَرِيمُ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ مِحْنَةٍ تَكُونُ أَبَدًا وَبَلَغَنِي عَنِ الْمَهْتَدِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا فَظَّعَ أَبِي يَعْنِي الْوَاثِقَ إِلَّا شَيْخٌ جِيءَ بِهِ مِنَ الْمَصِيصَةِ، فَمَكَثَ فِي السِّجْنِ مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّ أَبِي ذَكَرَهُ يَوْمًا، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالشَّيْخِ، فَأُتِيَ بِهِ مُقَيَّدًا، فَلَمَّا أُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا اسْتَعْمَلْتَ مَعِي أَدَبَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا أَدَبَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّ السَّلَامِ، فَقَالَ لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ أَبِي دُؤَادٍ: سَلْهُ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَا مَحْبُوسٌ مُقَيَّدٌ، أُصَلِّي فِي الْحَبْسِ بِتَيَمُّمٍ، مُنِعْتُ الْمَاءَ فَمُرْ بِقُيُودِي تُحَلُّ، وَمُرْ لِي بِمَاءٍ أَتَطَهَّرُ وَأُصَلِّي، ثُمَّ سَلْنِي قَالَ: فَأَمَرَ، فَحَلَّ قَيْدَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ قَالَ: لِابْنِ أَبِي دُؤَادٍ: سَلْهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: الْمَسْأَلَةُ لِي، تَأْمُرُهُ أَنْ يُجِيبَنِي فَقَالَ: سَلْ، فَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الَّذِي تَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، أَشَيْءٌ دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَشَيْءٌ دَعَا إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَشَيْءٌ دَعَا إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدَهُمَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَشَيْءٌ دَعَا إِلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَشَيْءٌ دَعَا إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَشَيْءٌ لَمْ يَدْعُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ، وَلَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُمَّ عَنْهُمْ

، تَدْعُو أَنْتَ النَّاسَ إِلَيْهِ؟ لَيْسَ يَخْلُو أَنْ تَقُولَ: عَلِمُوهُ أَوْ جَهِلُوهُ، فَإِنْ قُلْتَ: عَلِمُوهُ، وَسَكَتُوا عَنْهُ، وَسِعَنَا وَإِيَّاكَ مَا وَسِعَ الْقَوْمَ مِنَ السُّكُوتِ، وَإِنْ قُلْتَ: جَهِلُوهُ وَعَلِمْتُهُ أَنَا، فَيَا لُكَعُ بْنَ لُكَعٍ، يَجْهَلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ شَيْئًا تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ؟ قَالَ الْمُهْتَدِي: فَرَأَيْتُ أَبِي وَثَبَ قَائِمًا وَدَخَلَ الْحَبْزِي، وَجَعَلَ ثَوْبَهُ فِي فِيهِ، يَضْحَكُ؟ ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: صَدَقَ، لَيْسَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ: جَهِلُوهُ أَوْ عَلِمُوهُ، فَإِنْ قُلْنَا: عَلِمُوهُ وَسَكَتُوا عَنْهُ وَسِعَنَا مِنَ السُّكُوتِ مَا وَسِعَ الْقَوْمَ، وَإِنْ قُلْنَا: جَهِلُوهُ وَعَلِمْتَهُ أَنْتَ، فَيَا لُكَعُ بْنَ لُكَعٍ يَجْهَلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ شَيْئًا تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْمَدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: لَسْتَ أَعْنِيكَ، إِنَّمَا أَعْنِي ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الشَّيْخَ نَفَقَتَهُ وَأَخْرِجْهُ عَنْ بَلَدِنَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَبَعْدَ هَذَا نَأْمُرُ بِحِفْظِ السُّنَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسُنَنِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَقَوْلِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ مَالِكِ بْنِ

أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَمَنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَيُنْبَذُ مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا نُنَاظِرُ، وَلَا نُجَادِلُ وَلَا نُخَاصِمُ، وَإِذَا لَقِيَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ أَخَذَ فِي غَيْرِهِ , وَإِنْ حَضَرَ مَجْلِسًا هُوَ فِيهِ قَامَ عَنْهُ هَكَذَا أَدَّبَنَا مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا

حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَصْبَغِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ فَخُذْ فِي غَيْرِهِ

وَحَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أَهْلُ الضَّلَالَةِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ

وَحَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ عُثْمَانَ الْمِصِّيصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: صَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ وَلَا جِهَادٌ، وَلَا صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ

وَحَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَاَلَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ الرَّجُلُ بِدْعَةً إِلَّا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ

وَحَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بِنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، بِطَرَسُوسَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ الزَّائِغُونَ فِي الدِّينِ يَقُولُ: قَالَ

عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا اتِّبَاعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ تَغْيِيرُهَا وَلَا تَبْدِيلُهَا، وَلَا النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُورٌ، وَمَنْ تَرَكَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَبَيَّنْتَهُ قَدْ عَرِفْنَاهُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُنَاظَرَتُنَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَهْوَاءِ الَّتِي يُنْكِرُهَا أَهْلُ الْحَقِّ، وَنُهِينَا عَنِ الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ مِنَ الْفِقْهِ فِي الْأَحْكَامِ , مِثْلُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، هَلْ لَنَا مُبَاحٌ أَنْ نُنَاظِرَ فِيهِ وَنُجَادِلَ، أَمْ هُوَ مَحْظُورٌ عَلَيْنَا، عَرَفْنَا مَا يَلْزَمُ فِيهِ كَيْفَ السَّلَامَةُ، قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ مَا أَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الْمُنَاظَرَةِ فِيهِ، حَتَّى لَا

يَلْحَقَهُ فِيهِ فِتْنَةٌ وَلَا مَأْثَمٌ، وَلَا يَظْفَرُ فِيهِ الشَّيْطَانُ فَإِنْ قَالَ كَيْفَ؟ قِيلَ لَهُ: هَذَا، قَدْ كَثُرَ فِي النَّاسِ جِدًّا فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي كُلِّ بَلَدٍ يُنَاظِرُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ يُرِيدُ مُغَالَبَتَهُ، وَيَعْلُو صَوْتُهُ، وَالِاسْتِظْهَارُ عَلَيْهِ بِالِاحْتِجَاجِ، فَيَحْمَرُّ لِذَلِكَ وَجْهُهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، وَيَعْلُو صَوْتُهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحِبُّ أَنْ يُخْطِئَ صَاحِبُهُ، وَهَذَا الْمُرَادُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأٌ عَظِيمٌ، لَا يُحْمَدُ عَوَاقِبُهُ وَلَا يَحْمَدُهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْعُقَلَاءِ؛ لِأَنَّ مُرَادَكَ أَنْ يُخْطِئَ مُنَاظِرُكَ: خَطَأٌ مِنْكَ، وَمَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمُرَادُهُ أَنْ تُخْطِئَ خَطَأٌ مِنْهُ وَمَعْصِيَةٌ، فَمَتَى يَسَلَمُ الْجَمِيعُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّمَا نُنَاظِرُ لِتَخْرُجَ لَنَا الْفَائِدَةُ؟ قِيلَ لَهُ: هَذَا كَلَامٌ ظَاهَرٌ، وَفِي الْبَاطِنِ غَيْرُهُ

وَقِيلَ لَهُ: إِذَا أَرَدْتَ وَجْهَ السَّلَامَةِ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِطَلَبِ الْفَائِدَةِ، كَمَا ذَكَرْتَ، فَإِذَا كُنْتَ أَنْتَ حِجَازِيًّا، وَالَّذِي يُنَاظِرُكَ عِرَاقِيًّا، وَبَيْنَكُمَا مَسْأَلَةٌ، تَقُولُ أَنْتَ: حَلَالٌ، وَيَقُولُ هُوَ: بَلْ حَرَامٌ فَإِنْ كُنْتُمَا تُرِيدَانِ السَّلَامَةَ، وَطَلَبَ الْفَائِدَةِ، فَقُلْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الشِّيُوخِ، فَتَعَالَ حَتَّى نَتَنَاظَرَ فِيهَا مِنَّا صِحَّةً لَا مُغَالَبَةً فَإِنْ يَكُنِ الْحَقُّ فِيهَا مَعَكَ، اتَّبَعْتُكَ، وَتَرَكْتُ قُولِي، وَإِنْ يَكُنِ الْحَقُّ مَعِي، اتَّبَعْتَنِي وَتَرَكْتَ قَوْلَكَ، لَا أُرِيدُ أَنْ تُخْطِئَ وَلَا أُغَالِبُكَ، وَلَا تُرِيدُ أَنْ أُخْطِئَ، وَلَا تُغَالِبُنِي فَإِنْ جَرَى الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فَهُوَ حَسَنٌ جَمِيلٌ، وَمَا أَعَزَّ هَذَا فِي النَّاسِ فَإِذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: لَا نُطِيقُ هَذَا، وَصَدَقَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا قِيلَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، قَدْ عَرَفْتَ قَوْلَكَ وَقَوْلَ صَاحِبِكَ وَأَصْحَابِكَ وَاحْتِجَاجِهِمْ، وَأَنْتَ فَلَا تَرْجِعْ عَنْ قَوْلِكَ، وَتَرَى أَنَّ خَصْمَكَ عَلَى الْخَطَأِ وَقَالَ خَصْمُكَ كَذَلِكَ، فَمَا بِكُمَا إِلَى الْمُجَادَلَةِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ حَاجَةٌ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا لَيْسَ يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْ مَذْهَبِهِ , وَإِنَّمَا مُرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَنْ يُخْطِئَ صَاحِبُهُ، فَأَنْتُمَا آثِمَانِ بِهَذَا الْمُرَادِ، أَعَاذَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ الْعُقَلَاءَ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْمُرَادِ

فَإِذَا لَمْ تُجْرَ الْمُنَاظَرَةُ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ، فَالسُّكُوتُ أَسْلَمُ، قَدْ عَرَفْتَ مَا عِنْدَكَ وَمَا عِنْدَهُ وَعَرَفَ مَا عِنْدَهُ وَمَا عِنْدَكَ، وَالسَّلَامُ ثُمَّ لَا نَأْمَنُ أَنْ يَقُولَ لَكَ فِي مُنَاظَرَتِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَقُولُ لَهُ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، أَوْ تَقُولَ: لَمْ يَقُلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ ذَلِكَ، لِتَرُدَّ قَوْلَهُ، وَهَذَا عَظِيمٌ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ لَكَ أَيْضًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا يَرُدُّ حُجَّةَ صَاحِبِهِ بِالْمُخَارَقَةِ وَالْمُغَالَبَةِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ رَأَيْنَا يُنَاظِرُ وَيُجَادِلُ وَنَتَجَادَلُ، حَتَّى رُبَّمَا خَرَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ هَذَا الَّذِي خَافَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَرِهَهُ الْعُلَمَاءُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

بَابُ ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ الْمِرَاءِ فِي الْقُرْآنِ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ

أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِرَاءٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ»

حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ

بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى التَّيْمِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ»

حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ: إِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا إِذْ سَمِعَ صَوْتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ»

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ

قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا يَتَدَارَءُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَإِنَّمَا كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ»

144 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوا الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّ الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ»

145 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ أَبُو حَاتِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَتَذَاكَرُ عِنْدَ بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ، يَنْزِعُ هَذَا بِآيَةٍ وَهَذَا بِآيَةٍ فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَأَنَّمَا صُبَّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ، فَقَالَ: «يَا هَؤُلَاءِ، لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ لَمْ تَضِلَّ أُمَّةٌ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: عَرَفْنَا هَذَا الْمِرَاءَ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ , مَا هُوَ؟

قِيلَ لَهُ: نَزَلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَمَعْنَاهَا: عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَقِّنُ كُلَّ قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ الْقُرْآنَ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُ مِنْ لُغَتِهِمْ، تَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانُوا رُبَّمَا إِذَا الْتَقَوْا، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَيْسَ هَكَذَا الْقُرْآنُ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَعِيبُ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ بَعْضٍ فَنُهُوا عَنْ هَذَا: اقْرَءُوا كَمَا عَلِمْتُمْ، وَلَا يَجْحَدُ بَعْضُكُمْ قِرَاءَةَ بَعْضٍ، وَاحْذَرُوا الْجِدَالَ

جارٍ التحميل