553 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: " حَسِيبُ غَيْلَانَ اللَّهُ، لَقَدْ تَرَكَ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي مِثْلِ لُجَجِ الْبِحَارِ
554 - وَأَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا نَصْرٌ قَالَ: نا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: «وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ لَا تَمُوتُ إِلَّا مَفْتُونًا» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَنْ أَئِمَّةُ الْقَدَرِيَّةِ فِي مَذَاهِبِهِمْ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ أَجَلَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَأَئِمَّتُهُمْ فِي مَذَاهِبِهِمُ الْقَدَرِيَّةُ: مَعْبَدُ الْجُهَنِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ مَا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، وَقَبْلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَنَصَّرَ، فَأَخَذَ عَنْهُ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ الْقَدَرَ، كَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَخَذَ غَيْلَانُ عَنْ مَعْبَدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِقَصَّةِ غَيْلَانَ، وَمَا عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ أَعْظَمُ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَمَا ذَمَّهُ الْعُلَمَاءُ وَهَجَرُوهُ وَكَفَّرُوهُ، هَؤُلَاءِ أَئِمَّتُهُمُ
الْأَنْجَاسُ وَالْأَرْجَاسُ
555 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: " أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِالْقَدَرِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ: سَوْسَنُ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَنَصَّرَ، فَأَخَذَ عَنْهُ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، وَأَخَذَ غَيْلَانُ عَنْ مَعْبَدٍ
556 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: نا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ فَقَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ يُتَّهَمُ بِالْقَدَرِ إِلَّا رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ يُقَالُ لَهُ مَعْبَدٌ
الْجُهَنِيُّ، فَعَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَوَاتِقِ اللَّائِي لَا يَعْرِفْنَ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى "
557 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَوْنٍ يَقُولُ: " أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ وَأَبُو يُونُسَ الْأُسْوَارِيُّ
558 - وَأَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَمِّهِ سَمِعَهُمَا يَقُولَانِ: سَمِعْنَا الْحَسَنَ " وَهُوَ يَنْهَى عَنْ مُجَالَسَةِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ يَقُولُ: لَا تُجَالِسُوهُ فَإِنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ اعْلَمُوا رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ أَنَّ الْقَدَرِيَّ لَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ وَفَّقْنِي، وَلَا
يَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي، وَلَا يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ إِلَيْهِ، إِنْ شَاءَ أَطَاعَ وَإِنْ شَاءَ عَصَى، فَاحْذَرُوا مَذَاهِبَهُمْ لَا يَفْتِنُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ
559 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذٍ، يَقُولُ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الرَّقَاشِيُّ، خَلْفَ الرَّبِيعِ بْنِ بَرَّةَ قَالَ مُعَاذٌ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَنَّهُ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ مَرَّةً أُخْرَى، فَصَلَّى خَلْفَهُ قَالَ: فَقَعَدْتُ أَدْعُو فَقَالَ: لَعَلَّكَ مِمَّنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي؟ قَالَ: مُعَاذٌ: فَأَعَدْتُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ بَرَّةَ هَذَا قَدَرِيًّا، وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ عِنْدَهُمْ
560 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَ
بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ: خَرَجْتُ فِي سَفِينَةٍ إِلَى الْأُبُلَّةِ أَنَا وَقَاضِيهَا هُبيَرْةُ بْنُ الْعُدَيْسِ قَالَ: وَصَحَبَنَا فِي السَّفِينَةِ مَجُوسٌ وَقَدَرِيُّ قَالَ: فَقَالَ الْقَدَرِيُّ لِلْمَجُوسِيِّ: أَسْلِمْ قَالَ: فَقَالَ الْمَجُوسِيُّ حِينَ يُرِيدُ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ الْقَدَرِيُّ: اللَّهُ يُرِيدُ وَالشَّيْطَانُ لَا يَدَعُكَ قَالَ: يَقُولُ الْمَجُوسِيُّ: أَرَادَ اللَّهُ، وَأَرَادَ الشَّيْطَانُ، فَكَانَ مَا أَرَادَ الشَّيْطَانُ، هَذَا شَيْطَانٌ قَوِيُّ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذَا الْكَلَامُ ذَكَرَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالْفَارِسِيَّةِ عَنِ الْقَدَرِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، ثُمَّ فَسَّرَهُ لَنَا الْفِرْيَابِيُّ هَذَا الْمَعْنَى وَنَحْوَهَ
561 - حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشِّكْلِيُّ: قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَسْأَلَةٌ يُقْطَعُ بِهَا الْقَدَرِيُّ يُقَالُ لَهُ أَخْبِرْنَا: " أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْعِبَادِ أَنْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَقْدِرْ، أَوْ قَدَرَ فَلَمْ يُرِدْ؟ فَإِنْ قَالَ: قَدَرَ وَلَمْ يُرِدْ، قِيلَ لَهُ
: فَمَنْ يَهْدِي مَنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ؟ وَإِنْ قَالَ: أَرَادَ، فَلَمْ يَقْدِرْ، قِيلَ لَهُ: لَا يَشُكُّ جَمِيعُ الْخَلْقِ أَنَّكَ قَدْ كَفَرْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ "
562 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو تَقِيٍّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو غِيَاثٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُغَسِّلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ قَالَ: فَتَفَرَّقُوا عَنِّي، فَبَقِيتُ وَحْدِي فَقُلْتُ: وَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِأَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: فَانْتَفَضَ حَتَّى سَقَطَ عَنْ دَفِّهِ قَالَ: فَلَمَّا دَفَنَّاهُ عِنْدَ بَابِ الشَّرْقِيِّ فَرَأَيْتُهُ فِي لَيْلَتِي تِلْكَ فِي مَنَامِي، كَأَنِّي مُنْصَرِفٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِذِ الْجِنَازَةُ فِي السُّوقِ يَحْمِلُهَا حَبَشِيَّانِ رِجْلَاهَا بَيْنَ يَدَيْهَا فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: فُلَانٌ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَلَيْسَ قَدْ دَفَنَّاهُ عِنْدَ بَابِ الشَّرْقِيِّ؟ قَالَ
: دَفَنْتُمُوهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَتَّبِعَنَّهُ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُصْنَعُ بِهِ، فَلَمَّا أَنْ خَرَجُوا بِهِ مِنْ بَابِ الْيَهُودِ مَالُوا بِهِ إِلَى نَوَاوِيسِ النَّصَارَى، فَأَتَوْا قَبْرًا مِنْهَا فَدَفَنُوهُ فِيهِ، فَبَدَتْ لِي رِجْلَاهُ، فَإِذَا هُوَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ "
563 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، إِمْلَاءً عَلَيَّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: مَنْ أَرَادَ الْحِظَّةَ فَلْيَتَوَاضَعْ فِي الطَّاعَةِ فَقَالَ لِي: وَيْحَكَ، وَأَيُّ شَيْءٍ التَّوَاضُعُ؟ إِنَّمَا التَّوَاضُعُ أَنْ لَا تُعْجَبَ
بِعَمَلِكَ، وَكَيْفَ يُعْجَبُ عَاقِلٌ بِعَمَلِهِ؟ وَإِنَّمَا نَعُدُّ الْعَمَلَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، يَنْبَغِي أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُتَواضَعَ، إِنَّمَا يُعْجَبُ بِعَمَلِهِ الْقَدَرِيُّ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْمَلُ، فَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُسْتَعَمَلُ، فَكَيْفَ يُعْجَبُ؟ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: يُقَالُ لِلْقَدَرِيِّ: يَا مَنْ لَعِبَ بِهِ الشَّيْطَانُ، يَا مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الشَّرَّ، أَلَيْسَ إِبْلِيسُ أَصْلَ كُلِّ شَرٍّ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ خَلْقَهُ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الشَّيَاطِينَ وَأَرْسَلَهُمْ عَلَى مَنْ أَرَادَ لِيُضِلُّوهُمْ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ؟ فَأَيُّ حُجَّةٍ لَكَ يَا قَدَرِيُّ؟ يَا مَنْ قَدْ حُرِمَ التَّوْفِيقَ، أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: 25] إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: 25] ؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 37] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83] ؟
564 - حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ قَالَ: نا أَبُو شِهَابٍ يَعْنِي الْحَنَّاطَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، وَعُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُوَ عَطِيَّةَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْنَا لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَأَيُّنَا يُحِبُّ الْمَوْتَ؟ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، حَدَّثَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ وَأَمْسَكَ عَنْ آخِرِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تُحَدِّثُ فَقَالَتْ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يُسَدِّدُهُ وَيُوَفِّقُهُ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى خَيْرِ أَحَايِينِهِ، فَيَقُولُ النَّاسُ: مَاتَ فُلَانٌ عَلَى خَيْرٍ أَحَايِينِهِ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى مَا أُعِدَّ لَهُ، جَعَلَ يَتَهَوَّعُ
نَفْسَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ، هُنَاكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ غَيْرَ ذَلِكَ، قَيَّضَ لَهُ شَيْطَانًا قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يُغْوِيهِ وَيَصُدُّهُ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى شَرِّ أَحَايِينِهِ , فَيَقُولُ النَّاسُ: مَاتَ فُلَانٌ عَلَى شَرِّ أَحَايِينِهِ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى مَا أُعِدَّ لَهُ حَتَّى يَبْتَلِعَ نَفَسَهُ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تَخْرُجَ، هُنَاكَ: كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ "
565 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: أنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ، عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَذَكَرْنَا لَهَا قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَكُمْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ تَسْأَلُوهُ عَنْ آخِرِهِ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا قَيَّضَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ وَيُبَشِّرُهُ، حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَ، وَيَقُولُ النَّاسُ: مَاتَ فُلَانٌ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى ثَوَابَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَجَعَلَ يَتَهَوَّعُ نَفْسَهُ، وَدَّ لَوْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ حِينَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا قَيَّضَ لَهُ شَيْطَانًا قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ، فَجَعَلَ يَفْتِنُهُ وَيُضِلُّهُ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى شَرِّ مَا كَانَ، وَيَقُولُ النَّاسُ: مَاتَ فُلَانٌ عَلَى شَرِّ مَا كَانَ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، فَجَعَلَ يَبْتَلِعُ نَفْسَهُ أَنْ تَخْرُجَ، هُنَاكَ حِينَ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ
566 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَاصِمٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يَعْنِي لِرَجُلٍ سَمِعَهُ يَقُولُ: مَا أَجْرَأَ فُلَانًا عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: " لَا تَقُلْ مَا
أَجْرَأَ فُلَانًا عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُجْتَرَأَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قُلْ: «مَا أَغَرَّ فُلَانًا بِاللَّهِ» قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّرَانِيَّ فَقَالَ: صَدَقَ ابْنُ مُبَارَكٍ , اللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُجْتَرَأَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ هَانُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُمْ وَمَعَاصِيَهُمْ، وَلَوْ كَرِمُوا عَلَيْهِ لَمَنَعَهُمْ مِنْهَا "
567 - وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ: نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أنا شَرِيكٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: 45] قَالَ: الْأَيْدِي: الْقُوَّةُ فِي الْعَمَلِ، وَالْأَبْصَارُ: بَصَرُهُمْ مَا
هُمْ فِيهِ مِنْ دِينِهِمْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فَإِنِ اعْتَرَضَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ بِتَأْوِيلِهِ الْخَطَأَ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79] فَيَزْعُمُ أَنَّ السَّيِّئَةَ مِنْ نَفْسِهِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَضَاهَا وَقَدَّرَهَا عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: يَا جَاهِلُ، إِنَّ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ هُوَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهَا مِنْكَ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ لَنَا جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، هُمُ الَّذِينَ بَيَّنُوا لَنَا وَلَكَ إِثْبَاتَ الْمَقَادِيرِ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَقِيلَ: لَوْ عَقَلْتَ تَأْوِيلَهَا لَمْ تُعَارِضْ بِهَا، وَلَعَلِمْتَ أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْكَ لَا لَكَ فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ؟ قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79] أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى أَصَابَهُ بِهَا: خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا؟ فَاعْقِلْ يَا جَاهِلُ، أَلَيْسَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: 56] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوَ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: 100] وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22] وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْبِرُنَا أَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ تَكُونُ بِالْعِبَادِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَاللَّهُ يُصِيبُهُمْ بِهَا، وَقَدْ كَتَبَ مُصَابَهُمْ فِي عِلْمٍ قَدْ سَبَقَ، وَجَرَى بِهِ الْقَلَمُ عَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، فَاعْقِلُوهُ يَا مُسْلِمُونَ فَإِنَّ الْقَدَرِيَّ مَحْرُومٌ مِنَ التَّوْفِيقِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْقَدَرِيُّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ
568 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيٍّ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ
569 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ
حَمَّادٍ قَالَا: نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «قُضِيَ الْقَضَاءُ وَجَفَّ الْقَلَمُ، وَأُمُورٌ تُقْضَى فِي كِتَابٍ قَدْ خَلَا»
570 - أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَأْذَنْ لِي أَخْتَصِي قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ
، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: اعْلَمُوا رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ الْعِبَادَ بِاتِّبَاعِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَنْ لَا يَعْوَجُّوا عَنْهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28] فَفِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ جَلَّ
ذِكْرُهُ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِقَامَةِ وَاتِّبَاعِ سَبِيلِهِ وَجَعَلَ فِي الظَّاهِرِ إِلَيْهِمُ الْمَشِيئَةَ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّكُمْ لَنْ تَشَاءُوا إِلَّا أَنْ أَشَاءَ أَنَا لَكُمْ مَا فِيهِ هِدَايَتُكُمْ، وَإِنَّ مَشِيئَتَكُمْ تَبَعٌ لِمَشِيئَتِي، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَشِيئَتَهُمْ تَبَعٌ لِمَشِيئَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: 213] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: انْقَطَعَتْ حُجَّةُ كُلِّ قَدَرِيٍّ قَدْ لَعِبَ بِهِ الشَّيْطَانُ فَهُوَ فِي غَيِّهِ يَتَرَدَّدُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابْتَلَاهُمْ بِهِ، وَبَعْدُ فَقَدِ اجْتَهَدْتُ وَبَيَّنْتُ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ بِمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبِمَا قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُبِينُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ
، وَذَكَرْتُ قَوْلَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَوْلَ التَّابِعِينَ، وَكَثِيرًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَذَا فَهُوَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿لَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: 111]
كِتَابُ التَّصْدِيقِ بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى جَمِيلِ إِحْسَانِهِ , وَدَوَامِ نِعَمِهِ حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَوْلَاهُ الْكَرِيمَ يُحِبُّ الْحَمْدَ , فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ , وَصَلِّ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ , وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ , أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ , خَلَقَ خَلْقَهُ كَمَا أَرَادَ لِمَا أَرَادَ , فَجَعَلَهُمْ شَقِيًّا وَسَعِيدًا , فَأَمَّا أَهْلُ الشِّقْوَةِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ , وَعَصَوْا رُسُلَهُ , وَجَحَدُوا كُتُبَهُ , فَأَمَاتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , فَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ يُعَذَّبُونَ وَفِي الْقِيَامَةِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَحْجُوبُونَ , وَإِلَى جَهَنَّمَ وَارِدُونَ , وَفِي أَنْوَاعِ الْعَذَابِ يَتَقَلَّبُونَ , وَلِلشَّيَاطِينِ مُقَارِبُونَ , وَهُمْ فِيهَا أَبَدًا خَالِدُونَ , وَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ: فَهُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى , فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ , وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَصَدَّقُوا الْقَوْلَ بِالْفِعْلِ , فَأَمَاتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , فَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ يُنَعَّمُونَ , وَعِنْدَ الْمَحْشَرِ يُبَشَّرُونَ , وَفِي الْمَوْقِفِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَعْيُنِهِمْ يَنْظُرُونَ , وَإِلَى الْجَنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَافِدُونَ , وَفِي نَعِيمِهَا يَتَفَكَّهُونَ , وَلِلْحُورِ الْعِينِ مُعَانِقُونَ , وَالْوِلْدَانُ لَهُمْ يَخْدُمُونَ , وَفِي جِوَارِ مَوْلَاهُمُ الْكَرِيمِ أَبَدًا خَالِدُونَ؛ وَلِرَبِّهِمْ تَعَالَى فِي دَارِهِ زَائِرُونَ , وَبِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ يَتَلَذَّذُونَ , وَلَهُ مُكَلِّمُونَ , وَبِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَالسَّلَامِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ يُكَرَّمُونَ , ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21] , فَإِنِ اعْتَرَضَ جَاهِلٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ مَعَهُ , أَوْ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلرَّشَادِ , وَلَعِبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ وَحُرِمُوا التَّوْفِيقَ فَقَالَ: الْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ , قِيلَ لَهُ: نَعَمْ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ , فَإِنْ قَالَ الْجَهْمِيُّ: أَنَا لَا أُؤْمِنُ بِهَذَا.
قِيلَ لَهُ: كَفَرْتَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
فَإِنْ قَالَ: وَمَا الْحُجَّةُ.
قِيلَ: لِأَنَّكَ رَدَدْتَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَقَوْلَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , وَقَوْلَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ , وَاتَّبَعْتَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ , وَكُنْتَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى , وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] , فَأَمَّا نَصُّ الْقُرْآنِ فَقُولُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] وَقَالَ تَعَالَى وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: 15] فَدُلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ , وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ عَنْ رُؤْيَتِهِ , كَرَامَةً مِنْهُ لَهُمْ , وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] فَرُوِيَ أَنَّ الزِّيَادَةَ هِيَ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 43] وَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ أَنَّ اللُّقَى هَاهُنَا لَا يَكُونُ إِلَا مُعَايَنَةً يَرَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَرَوْنَهُ , وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ , وَيُكَلِّمُهُمْ وَيُكَلِّمُونَهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44] , وَكَانَ مِمَّا بَيَّنَهُ لِأُمَّتِهِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ: أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ تَعَالَى» رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ صَحَابَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , وَقَبِلَهَا الْعُلَمَاءُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ الْقَبُولِ , كَمَا قَبِلُوا عَنْهُمْ عِلْمَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ , وَعِلْمَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ , كَذَا قَبِلُوا مِنْهُمُ الْأَخْبَارَ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ , ثُمَّ قَالُوا: مَنْ رَدَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ فَقَدْ كَفَرَ
571 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُضَرُ الْقَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: «لَوْ عَلِمَ الْعَابِدُونَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى لَذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ فِي الدُّنْيَا»
572 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَشِيُّ قَالَ: نا أَبُو
حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُدْرِكٍ الْقَاصُّ قَالَ: نا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ , عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَتَجَلَّى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ , فَإِذَا رَآهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ نَسُوا نَعِيمَ الْجَنَّةِ»
573 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ قَالَ: نا جَرِيرٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ , عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: " مَا نَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْجَنَّةِ قَطُّ إِلَا قَالَ: طِيبِي لِأَهْلِكِ , فَزَادَتْ ضِعْفًا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ , حَتَّى يَأْتِيَهَا أَهْلُهَا , وَمَا مِنْ يَوْمٍ كَانَ لَهُمْ عِيدًا فِي الدُّنْيَا إِلَا يَخْرُجُونَ فِي مِقْدَارِهِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ , فَيَبْرُزُ لَهُمُ الرَّبُّ تَعَالَى , فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ , وَيُسْفِي عَلَيْهِمُ الرِّيحَ بِالْمِسْكِ وَالطِّيبِ , وَلَا يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ تَعَالَى شَيْئًا إِلَا أَعْطَاهُمْ , حَتَّى يَرْجِعُوا وَقَدِ ازْدَادُوا: عَلَى مَا كَانُوا مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ سَبْعِينَ ضِعْفًا , ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَزْوَاجِهِمْ وَقَدِ
ازْدَادُوا مِثْلَ ذَلِكَ "