المسائل الحلبياتصفحات 218-257

باب التضعيف في تجاور العين واللام في بنات الثلاثة

صفحات 218-257

فإن قلت: فهلا استدللت بتنوين ما نون من هذا على أنه اسم نحو "صهٍ" و "مهٍ"؛ لأن التنوين مما يختص الاسم، كما أن دخول لام التعريف كذلك؟ فإن هذا التنوين الذي في "صهٍ" ليس الذي في "يدٍ" و "دمٍ"؛ ألا ترى أن هذا إنما يلحق بعد استيفاء الاسم جميع وجوه الإعراب وتمكنه فيه، وقد لا يلحق ضرباً منها، وإن كان معرباً، كباب ما لا ينصرف.
فإذا كان هذا التنوين من وصفه أن لا يلحقه إلا بعد تمكن ما يلحقه من الإعراب، ولم يكن "صهٍ" وبابه معرباً، علمت أنه ليس إياه، ولكنه التنوين الذي يلحق الأسماء التي هي غير متمكنة، وما أشبهها في قلة التمكن من الأصوات، نحو "غاقٍ" و "عمرويهٍ"، فدل على أن المراد بالاسم أو بالصوت النكرةُ، فلهذا المعنى يلحق، وليس الذي يلحق بعد استيفاء الاسم وجوه الإعراب كذلك؛ ألا ترى أنه يلحق المعرفة في "زيدٍ" و "جعفرٍ" و "فرزدقٍ"، كما يلحق في النكرة في "رجُلٍ" و "فرسٍ"، فتعلَّم أنه وإن كان على لفظه، فهو غيره، كما أن الذي يلحق القوافي: من طللٍ كالأتحمي أنهجاً غيرهما وإن كان على لفظهما؛ ألا ترى أنه يلحق الفعل كما يلحق الاسم، ويلحق ما فيه لام المعرفة كما يلحق ما لا لام فيه، ويلحق المعرفة كما يلحق النكرة، [ولو كان الذي في "رَجُلٍ" لم يلحق في قوله]:

يا أبتا علك أو عساكاً ولا مع اللام في: يا صاحِ ما هاجَ الدموعَ الذرفاً و: أقلي اللوم عاذل والعتاباً........................ فقد تتفق الألفاظ في الحروف وتختلف المعاني، كما كان ذلك في الأسماء والأفعال.
فإذا كانت هذه الكلم التي سميت بها الأفعال أسماء بما ذكر من الأدلة، وقد اتصل ببعضها الضمير على نحو ما يتصل بالفعل، لم يكن في اتصال الضمير بـ "ليس" على حد ما اتصل به دلالة قاطعة على أنها فعل.
ومما يدلك على أن "ليس" كالأمثلة المأخوذة من لفظ أحداث الأسماء، أنها لا توصل بـ "ما" التي تكون مع الفعل بتقدير المصدر، فتكون معه بمنزلة الاسم، كما أنها إذا وصلت بسائر الأمثلة كانت معه بمنزلة المصدر؛ ألا ترى أنه لا يستقيم "ما أحسن ما ليس زيد ذاكراً" كما يجوز "ما أحسن ما كان زيداً ذاكراً"، فلو كانت فعلاً على الحقيقة لوصلت "ما" بها كما وصلت بسائر الأفعال ماضيها وحاضرها وآتيها، فلما لم يوصل بها كما لم يوصل بـ "ما" حتى يكون خبرها فعلاً، كقولك "ما أحسن ما ليس يذكرك زيدٌ"، دل ذلك على أنه أجري مجرى ما ينفى به مما ليس بفعل.

فأما وجه ذكرهم إياها مع الأمثلة المجردة من الدلالة على الحدث فلمشابهتها لها في عمل الرفع والنصب؛ كما ذكر "إما" مع حروف العطف وبابها لمشابهتها "أو" في بعض المعاني.
فإذا باينت هذه الكلمة هذه الأفعال هذه المباينة، وشابهت الحرف هذه المشابهة، لم ينكر أن يجري مجرى الحرف، فلا يعمل عمل الفعل في قولهم "ليس الطيبُ إلا المسكُ" و "ليس المالُ إلا الذهبُ".
فإن قال قائل: فهلا حمل هذه الحكاية على أن في "ليس" ضمير القصة والحديث، كما حمل قولهم "كان أنت خيرٌ منه" و "ليس خلق الله أشعر منه" على ذلك؟ قيل: قد قالوا في جواب هذا: إنه لم يسغ حمله على الضمير كما ساغ في "كان أنت خير منه"؛ لأن الجملة الواقعة خبراً لـ "ليس" موجبة في اللفظ، فلما لم يستقم أن تدخل "إلا" بين المبتدأ وخبره نحو قولنا "زيدٌ إلا منطلقٌ"، لم يسغ أن يحمل "ليس" على أن فيه ضميراً؛ لأنه يصير بمنزلة من قال في الابتداء "زيدٌ/ إلا منطلقٌ"، وهذا غير جائز، وليس كذلك قوله: ......................... وليس منها شفاءُ الداءِ مبذولُ ولا "ليس خلق الله أشعر منه"؛ لأنه لم يقع بين الخبر والمخبر عنه "إلا" في كلام موجب، فلما لم يستقم أن تحمل "ليس" على أنه فيه ضميراً،

فتقع الجملة في موضع الخبر، وسُمع "المسكُ" مرفوعاً في الحكاية، جعلها بمنزلة "ما" إذا دخلت [إلا] بين الاسم والخبر معها".
ومما يدلك على أنها ليست كالأفعال، أنه قد جاء في الشعر "ليسي" بلا نون متصلة بعلامة ضمير المتكلم، وذلك قوله: قد ذهب القومُ الكِرامُ ليسي ألا ترى أن هذه النون في الضمير المنصوب إنما تحذف من الحرف في الضرورة، إلا أن تكون للتضعيف، كقوله: كمنية جابرٍ إذ قال ليتي.... أُصادِفُه، وأفقدُ بعض مالي ولم نعلمهم حذفوها من فعل في اختيار ولا ضرورة، إلا أن تكون في تصعيف كقوله: ............................. يسوءُ الفالياتِ إذا فليني

فحذفهم له من "ليس" كحذفهم له من "ليت" دلالةٌ على أنه جارٍ عندهم مجرى ما ليس بفعل، كما أن "ليت" كذلك.
ومما يدل على أنه ليس بفعل على الحقيقة كـ "كان" وأخواتها، أن هذه الأمثلة إنما صيغت لتدل على الماضي أو الحاضر أو الآتي، فلما خلت "ليس" من أن تكون دالة على قسم من هذه الأقسام على حد ما تدل عليه هذه الأمثلة؛ ثبت أنها ليست مثلها، وإذا لم تكن مثلها كانت دلالتها على نفي الحال كدلالة "ما" التي لا إشكال في أنها حرف.
والدليل على أن هذه الأمثلة إنما صيغت لتدل على الزمان، أنها تتعدى إلى كل ضرب من أسماء الأزمنة، مبهمها ومخصوصها، ومعرفتها ونكرتها، كما تتعدى إلى كل ضرب من اسم الحدث الذي أخذت منه، وما كان معناه وإن لم يكن من لفظه، ولولا إرادة ذلك فيها لأغنت ألفاظ الأحداث عنها.
ويوضح ذلك أنها بنيت على أقسام الزمان، فكما كان الزمان على أنحاء ثلاثة، كذلك كانت هذه الأمثلة التي صاغوها من ألفاظ الأحداث.
ويدل على ذلك أنهم جردوا دلالة الزمان في بعض هذه الأمثلة، وجعلوا منها دلالة الحدث، وتلك الأمثلة "كان" وأخواتها مما يدخل على الابتداء والخبر، فتنصب الخبر، فمن ثم لزمتها الأخبار المنتصبة، وكان الكلام غير مستقل بها؛ لتوازي الجملة بلزوم هذا الخبر له الجملة المركبة من الأمثلة التي لم تخلع عنها دلالة الحدث؛ ألا ترى أنها لو لم تلزم الأخبار لانتقصت عنها ولم توازها، فكان تجريدهم هذه الأمثلة للأزمنة، وخلعهم دلالة الحدث عنها، كتجريدهم من بعض الكلم التي هي أسماء الخطاب، وخلعهم معنى الاسم عنه، وذلك قولهم "ذلك" و "هنالك" و "أبصرك زيداً" و "أنت" ونحو ذلك.
فكما أن الغالب والأعم في هذا النحو معنى الحرف؛ بدلالة بنائهم له قبل خلع معنى الاسم عنه، كذلك يعلم أن القصد والغرض في هذه الأمثلة

[إنما هو دلالة الحدث]، إنما هو دلالة الزمان، فمن ثم جاز أن يخلع عنها معنى الحدث، فتتجرد دلالتها على الزمان، وجرى ذلك مجرى رد الشيء إلى أصله نحو "القود" و "القُصوى" ليُعلم به الأصل، فتكون أمارة له ليعلم، وإن كان الأكثر في الاستعمال غيره، والمطرد سواه.
ويدل على ذلك أنه ليس مثال من هذه الأمثلة التي تنزع عنها دلالتها على الحدث إلا وجائز أن ينزع ذلك عنه؛ فيستقل بفاعله استقلال سائر الأمثلة بفاعليها، والأصل الثابت في هذه الأمثلة هو ما لا ينفك من دلالتها عليه، ومن ثم جاءت المصادر المشتق منها هذه الأمثلة دالة على الحدث دون الزمان؛ ألا ترى أن "الكون" الذي هو مصدر المثال المستقل بفاعله في دلالته على الحدث كـ "الكون" الذي هو مصدر المثال الذي لا يستقل به.
فهذا مما يدلك على أخذ المثالين جميعاً من لفظ الحدث.
وإنما جُرد من دلالة الزمان ليعلم أن الغرض في صياغة هذه الأمثلة إنما هو الدلالة على أقسام الأزمنة، وإذا كان حد الأمثلة هذا الذي ذكرناه، ولم يكن في "ليس" دلالة على ضرب من الضروب الثلاثة، ثبت أنها ليست بفعل على الحقيقة، وإنما أجروها مجرى الأفعال في اللفظ، كما أجروا النون في "لدن غُدوة" مجرى النون في "ضاربٍ" ونحوه من الأسماء المعملة عمل الفعل، حيث نصبوا بها في "لدن غُدوةً".

فإن قال قائل: إذا كان قولنا "ليس" على ما ذكرته من مباينة ضربي الأفعال ومشابهتها الحرف، فهل تزعم أن الرفع في قول القائل "ليس زيدٌ إلا قائماً" أوجه من النصب، أو تقول إن النصب لا يجوز كما لم يجز في خبر "ما" نحو قوله ﴿وما أمرنا إلا واحدة﴾، وكيف القول في ذلك؟ فالقول في هذا: إن الجائز النصب للخبر في نحو "ليس زيدٌ إلا ذاهباً"، واذكرناه من مباينة "ليس" للأفعال ومشابهتها الحروف، لا يحسن في خبرها الرفع، ولا يسوغه؛ لأنه ليس يلزم أن لا تعمل الكلمة عمل الفعل حتى تكون فعلاً؛ ألا ترى أنهم قد أعملوا "لا" و "ما" و "لات" و "لكن" المشددة، و "لعل" وأخواتها، و "أن" المخففة من الثقيلة عمل الأفعال، وليس شيء منهن فعلاً، ولا على وزن فعل، وإذا كان كذلك لم يمتنع النصب في خبر "ليس" من حيث كانت حرفاً أو مشبهة للحرف، كما لم يسغ النصب مع سائر الحروف وإن لم تكن أفعالاً، بل النصب في "ليس" مع اشتهاره في السماع يقويه القياس، وذلك أنها مشبهة الأفعال من غير جهة، فبحسب كثرة الشبه فيها بالفعل يحسن إعماله عمله، من ذلك أنه على وزن من أوزان الفعل المحض ومثال من أمثلته، وذلك أنهم يقولون: صيد البعيرُ يصيدُ، فإذا خففوا على قول من قال: علم زيدٌ، قالوا: صيد البعيرُ، فكان "ليس" على وزنه.
فإن قلت: هلا حرك الثاني منه كما حرك العين من "صيدَ"؟

فإن ذلك لا يلزم؛ أنهم قد يرفضون الأصول في أشياء كثيرة، فلا يستعملونها، كما رفضوا الإعلال في "قودٍ"، وكما رفضوا التصحيح في العين من الأفعال المعتلة، وكما اجتمع الأكثر على "نِعْمَ" و "بِئْسَ"، ولم يستعملوا الأصل الذي هو "نَعِمَ" و "بَئِسَ" الذي هو تحريك العين.
فكما رفضوا استعمال الأصل في هذه الأسماء، كذلك رفضوا التحريك في الثاني من "ليس".
وقوى ذلك شبهه بـ "ليت" في الامتناع من التصرف، وشبه ألفاظ الكلم في كلمهم بالفعل مما يجريها مجراه، ويجذبها إلى أحكامه؛ ألا ترى أن "أحمد" و "أحمر" لما كانا على وزن الفعل أجريا مجراه في أن لم يلحق الجر والتنوين، كما لم يلحق الفعل، وأن باباً، وداراً، وناباً، ورجل مالٌ، وكبش صافٌ، ويوم راحٌ، ورجل ضفُّ الحال، وطبٌ، لما وافق جميعه أوزان الفعل أُعِلَّ كما أُعِلَّ، ولما لم يوافقها عِوضٌ، وبيضٌ، وصُورٌ، ولُومة، وخُزرٌ، وسُررٌ، صحح جميع ذلك، ولم يعل كما أعل ما تقدم.
وكذلك "عِدة" و "زِنة" وبابهما.
وكذلك "ضاربٌ" أُعمل عمل الفعل لخلال، منها موافقة وزن الفعل.
فإذا كان موافقة وزن الفعل لها من جذب ما كان منه ذلك إلى حكم الفعل، وكان في قولنا "ليس" فيه ما ذكرنا، وطأ ذلك إعماله/ عمل الفعل، وأجراه مجراه.
ومن ذلك أن آخرها مفتوح، كما أن آخر مثال الماضي مفتوح.
ومن ذلك أنه إذا اتصل به ضمير المتكلم أو المخاطب أسكن الآخر منه كما يسكن أواخر الماضية لذلك، وهذا مما يختص به الفعل دون غيره.
ومن ذلك أنه لما اتصل به ضمير الفاعل، فسكن الآخر له كما سكن

لام الفعل من "ضربتُ" و "ضربتُم"، حذفت الثاني لالتقاء الساكنين، كما حذفت العين من "هبتُ" و "خِفتُ" و "هِبتُمْ" و "خِفْتُمْ" لذلك.
فإن قلت: فهلا ألقيت الحركة المقدرة في الثاني على الحرف الأول، كما ألقيت حركة العين على الفاء في "خِفْتُمْ" "هِبْتُم" و "هِبْتَ" و "خِفْتَ"؟ فالجواب: أن هذه الحركة لما رفضوا استعمالها، وإن كانت مقدرة في الأصل، جرت مجرى ما أصله السكون، ولم يلزم ذلك في "خاف" و "هاب"؛ لأن انقلابها بمنزلة كون الحركة فيها؛ ألا ترى أنه لولا تقدير الحركة لم تقلب، وكان ذلك في "ليس" واجباً إذا قالوا "ظلتُ" و "مستُ"، فحذفوا عيناً مستعملة الحركة، ولم يلقوا حركتها على الفاء.
فإذا كان الشبهان في الشيء، بل الشبه الواحد إذا قام في الشيء من الشيء يجذبه إلى حكم الذي فيه الشبه، نحو إعمالهم "لا" عمل "ليس" لموافقتها في النفي، فلا نظر أن ما حصل فيه من الشبه مثل ما حصل في قولهم "ليس" من الفعل، يجب أن يعمل عمله، وتكون قوته في ذلك بحسب كثرة الشبه فيه.
فهذا من جهة القياس.
فأما في السماع فهو في الفشو والكثرة بحيث يستغنى عن ذكره، ولو لم يعاضد القياس السماع حتى يجيء السمع بشيء خارج عن القياس، لوجب اطراح القياس والمصير إلى ما أتى به السمع؛ ألا ترى أن التعلق بالقياس من غير مراعاة السماع معه يؤدي إلى الخروج عن لغتهم، والنطق بما هو خطأ في كلامهم، فلو أعللت نحو "استحوذ"، ولم تراع فيه السماع، وقلت: إن بابه كله جاء مُعلاً نحو "استعاد" و "واستفاد"، فكذلك أُعِلُّ هذا المثال قياساً على هذا الكثير الشائع، لكنت ناطقاً بغير لغتهم، ومدخلاً فيها السمع، فأما أن يُترك السماع للقياس فخطأ فاحش، وعدول عن الصواب بين؛ ألا ترى أنه يجوز في القياس أشياء كثيرة نحو الجر في "لدن غُدوة"،

والضم في "لَعَمْرُك" في القسم، واستعمال الماضي في "يَذرُ"و "يَدَعُ"/ وإيقاع أسماء الفاعلين أخباراً لـ "كاد" و "عسى"، ثم لا يجيء به السماع، فيرفض ولا يؤخذ، ويطرح ولا يستعمل، ويكون المستعمل لذلك آخذاً بشيء رفضه أهل العربية، كما رفضوا استعمال سائر اللغات التي ليست بلغة لهم.
وهذا طريق يؤدي سالكه إلى خلاف ما وُضعت له العربية؛ لأن هذه العلل إنما تستخرج من المسموعات بعد اطرادها في الاستعمال؛ لتوصل إلى النطق به على حسب ما نطق به أهل اللغة العربية، وتسوي في الفصاحة بمن أدركها، ويأمن بتمسكه بها الزيغ عن لغة الفصحاء المعربين إلى لغة من لم يكن على وصفهم، فإذا أدى إلى خلاف ذلك، وجب أن يُنبذَ ويُطرح من حيث كان ضدًّا عمّا له وضعت هذه الصناعة، واستخرج من أجله هذا العلم.

فإن قيل: فهل تجيز "

ليس زيد إلا قائم

" من حيث أجزت "ما زيد إلا قائم"، فترفع الخبر مع ليس من حيث رفعته مع ما؟ فالقول: إن هذه الحكاية لو كانت لا تحمل وجهاً غير هذا الوجه، لوجب ألا يقاس عليها لقتلها ومخالفتها الجمهور والأكثر؛ لأن الواحد ومن جرى مجراه، قد يجوز أن يعرض له أمر يستهويه فيغلّظه؛ لأنه إنما يرجع إلى طبعه وعادته، وليس معه من القوة على القياس والدُّرْبة مثل ما مع النُّظَّار المتعلمين، فيميز به بين الإشارة، ويفصل بعضها من بعض بقوته في النظر، والعادةُ قد تردّها عادة أخرى؛ ألا ترى أن ذلك قد وجد في من خالط من الفصحاء غيرهم، ومثل هذا لا يجوز على الجميع.
فإذا كان كذلك لم يُدَع الشائع إلى الشاذ، ولم يعدل إليه ما وجدنا عنه فسحة، وأصبنا دونه مندوحة، فكيف وهي تحتمل وجوهاً تخرج على الشائع المأخوذ به دون الشاذ المرغوب عنه.
فمن ذلك أن يكون التقدير في قولهم "ليس الطيبُ إلا المسكُ" أنّ في

"ليس" ضمير القصة والحديث، ويرتفع "المسك" بأنه خبر المبتدأ الذي هو مع خبره في موضع نصب لوقوعها خبراً لـ "ليس"، [وأُدْخِلَ] إلا بين الابتداء والخبر للحمل على المعنى، كأنه لما كان المعنى أنه ينفى أن يكون مثلَ حالِ المسك طيبٌ، حسُن إلحاقُ "إلا" حُسْنَه في قولهم "ليس الطيبُ إلا المسكُ" و "ما الطيبُ إلا المسكُ".
ومثله في الحمل على المعنى "نَشَدْتُكَ الله إلا فعلت"، لما كان المعنى: ما أطلب إلا هذا.
ومثله في الحمل على المعنى: .................. وإنما... يُدافِعُ عن أحسابِهِم أنا أو مِثْلي لما كان المعنى: ما يدفع إلا أنا.
فإذا حسُن الحمل على المعنى في هذا الموضع لمكان النفي، جاز إلحاق "إلا" بين المبتدأ والخبر، ولم يكن مثل قولهم في الابتداء الذي معناه الإيجاب: "زيدٌ إلا منطلقٌ".
فهذا وجه ظاهر.
ووجه آخر، وهو أن يكون في "ليس" إضمار الحديث والقصة، ويكون التقدير بـ "إلا" التقديم وإن أخرت، كأنه "ليس إلا الطيبُ المسكُ" أي: ليس الأمرُ إلا الطيبُ المسكُ، كقولهم "ليس زيدٌ إلا أبوه منطلقٌ"، فـ "المسكُ" يرتفع كما ارتفع في الوجه الأول، وموضع الجملة كموضع الجملة في الوجه الأول.

ومثل ذلك في التقدير بـ "إلا" التقديم قوله تعالى ﴿إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين﴾، تقديره: إن نحن إلا نظن ظناً.
ولا يستقيم أن تقدر بـ "إلا" وقوعها وموضعها الذي هي فيه لقلة الفائدة؛ ألا ترى أنك إنما تقول "ما ضربت إلا زيداً" لما يقدر من أنك ضربت مع زيد غيره، ومتى قلت "ظننت" لم تقدر في قولك "ظننت" فعلت شيئاً غير الظن.
فإذا كان كذلك لم يجز أن تقدر تقدير "إلا" في موضعها لقلة الفائدة.
وكذلك قول الأعشى: أحل به الشيب أثقاله.... وما اغتره الشيب إلا اغترارا تقديره: ما هو إلا اغتره الشيب؛ لأنه لا يظن إذا قال "اغتره" أنه عنى بقوله "اغتره" غير الاغترار، كما لا يظن إذا قال "ظننت" أنه فعل غير الظن.
فإذا كان كذلك لم يكن بدّ من أن ينوي بـ "إلا" التقديمَ، فلذلك يجوز أن تقدر بـ "إلا" التقديم في الحكاية، كما كان في الآية وقول الأعشى.
ووجه آخر، وهو أن ترفع "الطيب" بـ "ليس" أيضاً، على أن المعنى "ليس طيبٌ" أي: ليس في الوجود طيبٌ، فتضمر الخبر، وتجري الاسم مجرى ما لا ألف ولاماً فيه، كقولهم "القومُ فيها الجماء الغفير"، و "إني لأمرُّ بالرجلِ مثلك فيكرمُني".
فإذا احتملت هذه الحكاية/ الحكاية هذه الوجوه

المطردة على القياس المستمر، والسماع الشائع في كلامهم، لم يكن لأحد أن يجيز الرفع في "ليس زيد إلا قائم" على حد "ما زيد إلا قائم" على أن يكون الكلام من جملة واحدة.
فأما حمل "الطيب" في قولهم "ليس الطيب" على أنه بمنزلة ما لا ألف ولام فيه؛ فإن لام المعرفة تكون على أربعة أضرب: أحدها أن تكون تعريفاً للجنس.
والآخر أن تكون تعريفاً للواحد من الجنس.
والثالث أن تكون تعريفاً للإشارة إلى حاضر.
والرابع أن تكون زيادة.
فأما تعريفها للجنس فكقولنا "الملكُ أفضلُ أم الإنسانُ"؟ و "أهلك الناس الدينار والدرهم"، وفي التنزيل ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً﴾، ثم قال ﴿إلا المصلين﴾، فدل استثناء الجماعة منه على أن المراد به الكثرة والعموم؛ لامتناع استثناء الجماعة من الواحد.
وهذه الإشارة في أسماء الأجناس إنما هي إلى ما في عقول الناس وأفهامهم من معرفة الجنس، وليس على حد الإشارة إلى الواحد من الجنس الذي عرف حساً، كقولي "الرجُل" وأنا أعني واحداً بعينه مخصوصاً بعهد لنا به؛ ألا ترى أن جميع الجنس لا يعلمه أحد من الناس من هذا الوجه، كما يعلم من هذه الجهة الواحد من الجنس.
فإذا كان كذلك تبين أن الجنس لم يعلم من حيث عُلمت الآحاد منه.

وأما ما كان تعريفاً بالإشارة إلى حاضر فنحو "مررت بهذا الرجل" و ﴿يا أيها الإنسان﴾.
وأما الزيادة فنحو ما حكى أبو الحسن من أنهم يقولون "الخمسة العشر درهماً" و "قد أمر بالرجلِ مثلك".
فاللام التي في "العشر" لا تكون إلا زائدة؛ لأن "خمسة عشر" اسمان جُعلا اسماً واحداً، فإن جعلت اللام الثانية غير زائدة لم يخل من أحد وجهين، إما أن تعرف بعض الاسم، أو تعرفه تعريفين.
فلا يجوز تعريف بعض الاسم، كما لا يجوز أن تعرفه تعريفين.
فإذا لم يخل من أحد هذين، ولم يجز واحد منهما، ثبت أنها زائدة.
وأما تقدير خبر "ليس"، وحذفه في الوجهين اللذين حملا على ذلك، فشائع، وذلك أن "ليس" تدخل على المبتدأ والخبر، فكما ساغ حذف خبر المبتدأ، كذلك ساغ حذف خبر "ليس" لكونه بمنزلة خبر المبتدأ، وإن كان انتصابه كانتصاب/ المفعول، والمفعول لا يمتنع حذفه كما يمتنع حذف الفاعل.
ومثل ذلك قولهم في مثل "إن لاحظيةٌ فلا أليةٌ"، تقديره: إن لا تكن له في الناس حطيةٌ فإني غير ألية، ولو عنت بالحظية نفسها لم يكن فيها إلا النصب، وصار المعنى: إلا أكن حظيةً، وحكاه مرفوعاً.

وكذلك قول الشاعر: قد قيل ذلك إن حقٌ وإن كذبٌ... فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا أي: إن كان فيه حق، وإن كان فيه كذب، فحذف الخبر.
فكما ساغ حذف الخبر في هذا ونحوه، كذلك يسوغ حذف خبر "ليس" في قولهم "ليس الطيبُ إلا المسكُ".
وما تقدم في بعض وجوه هذه الحكاية أنه على إضمار القصة والحديث، فإن حكم ما يضمر من الأسماء أن يكون بعد أن يُعرف المضمر في الأمر العام الأكثر، وما يُعرف به على ضربين: أحدهما أن يتقدم ذكره، فيضمر للمعرفة به لتقدم ذكره.
والآخر أن يعرف لدلالة الحال عليه، وإن لم يتقدم له ذكر، كقوله ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، وقوله ﴿ما ترك على ظهرها من دابةٍ﴾، و ﴿حتى توارت بالحجاب﴾، ونحو ما حكاه سيبويه من قولهم: "إذا كان غداً فائتني" يريد: إذا كان ما نحن عليه غداً فائتني.
ومن هذا الضرب قولهم "من كذب كان شراً له"؛ لأنك أضمرت الكذب، ولم يتقدم له ذكر، وإنما ذُكر ما يدل عليه.
وإنما صار دلالة الحال على المضمر كتقدم الذكر لاجتماعهما في أن عرف بهما المضمر، ولمّا كان حكم الضمير في الأمر العام ما ذكرت، وأضمرت الأسماء في مواضع قليلة

قبل الذكر أو ما يقوم مقامه من دلالة الحال، أُلزم التفسير ليكون لزومُ التفسير في باب إبانة المضمر والدلالة عليه بمنزلة تقدم الذكر.
وهذا

التفسير المبين للمضمر على ضربين: أحدهما أن يكون مفرداً. والآخر أن يكون جملة.

فالمفرد على ضربين: أحدهما إضمار في فعل، والآخر إضمار في حرف.
فالذي في الفعل كقولهم "نعم رجلاً" و "بئس غلاماً"، لما أضمرت فاعل "نعم" قبل أن يذكر بيّن بالنكرة، ليبين هذا التفسيرُ المضمر، كما يبينه تقدم الذكر أو دلالة الحال، فصار هذا التفسير في إبانة المضمر بعدُ بمنزلة المذكور قبله في باب الدلالة عليه.
وهذا المضمر على شريطة التفسير لا يجوز إظهاره.
والدليل على ذلك أنهم قد أوقعوا هذا الضمير حيث لا يجوز فيه وقوع الظاهر، وذلك قولهم "رُبهُ رجلاً"؛ ألا ترى أن المظهر لو وقع على حده لجاز دخول "رُبَّ" على المعارف المظهرة، كما دخلت على المضمر، وفي امتناع ذلك ورفضهم لاستعماله دلالة على أن المضمر على شريطة التفسير لا يجوز إظهاره، وإذا كان كذلك، لم يكن قولهم "الرجل" في "نعم الرجل" إظهاراً للضمير الذي كان في قولهم "نعم رجلاً"، إذ لو كان على ذلك الحد لجاز إظهاره في "رُبَّ" أيضاً، فكما أن قولهم "رُبَّ رجلٍ" ليس على إظهار لقولهم "رُبَّه رجلاً" بلا إشكال، كذلك لا يكون قولهم "نعم الرجل" إظهاراً للضمير في "نعم رجلاً".
فإذا ثبت هذه الدلالة في المضمر على شريطة التفسير في "رُبه رجلاً"، ثبت أن كل ما أضمر على شريطة التفسير بهذه المنزلة، ولهذا قال سيبويه: "هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمراً"، أراد بقوله "المعروف" المعروف من هذا الوجه الذي هو إضمار قبل الذكر؛ لأنه قد أفصح عن مراده هذا بقوله: "فهي - يعني

نِعَم- مرة بمنزة رُبه رجلاً، ومرة بمنزلة ذهب أخوه".
وإذا كان كذلك فكأنه قال: هذا لا يعمل في هذا المضمر إلا في حال إضماره دون حال إظهاره، فأطلق لفظة معناها الخصوص والتقييد غير مقيدة، وليس ذلك بمعيب إذا أوضحه ما يفهم به عن غرضه؛ لوجود ذلك في التنزيل؛ وفي كلام الحكماء.
وإذا كان هذا سائغاً كان اعتراض محمد بن يزيد عليه في هذا الموضع في كتابه المترجم بـ "الغلط" بقوله: "زعم سيبويه أنه لا يعملفي المعروف إلا مضمراً، وقد يعمل فيه غير مضمر في قولهم: نِعمَ الرجلُ زيداً" اعتراضاً غير صحيح؛ لما ذكرنا من أن المظهر ليس على حد المضمر.
فإن قال قائل: فهلا جعل إتباعهم التفسير المظهر في هذا الباب كإتباعهم المضمر، دلالة على أن المظهر في قولهم "نِعم الرجلُ رجلاً" هو الذي كان مضمراً فظهر؟ قيل: لا دلالة في هذا على ما ذكرت، ولم يتبع التفسير المظهر على حد ما تبعه في المضمر؛ ألا ترى أن التفسير في نحو "نِعم رجلاً" و ﴿بئس للظالمين بدلاً﴾ لازم لا يحذف، وليس بلازم في نحو قوله:

تزود مثل زاد أبيك فينا... فنعم الزادُ زادُ أبيك زادا لأنك لو لم تذكر "زاداً" المفسر لم تحتج إليه، كما أنك لو لم تذكر المفسر في قلك"عندي من الدراهم عشرون" لم تحتج إليه.
فقد بان أن المفسر في "نعم الرجل رجلاً" ليس بمنزلته في "نِعُمَ رجلاً".
ومما يدل على أن هذه المضمرة قبل الذكر على شريطة التفسير ليست كالمضمرة بعد الذكر، وأن إظهارها غير جائز عندهم، أنا لا نعلم أحداً من العرب والنحويين يجيز العطف على المضمر في "نِعْمَ" ولا توكيده، كما أجازوا ذلك فيما أضمر بعد الذكر، وذلك أن هذا الاسم لما أضمر قبل أن يذكر على شريطة التفسير، كان غير مستغنٍ ومفتقراً إلى التفسير، فصار كأنه لم يتم بعد، والعطف والتأكيد لا يُحملان على الاسم حتى يتم الاسم، فلما كان هذا في غير حكم الأسماء الآخر من حيث لم يستقل بنفسه، وجب أن لا يجوز تأكيده ولا العطف عليه.
فإن قال قائل: فإن تم بتفسيره فأجز العطف عليه والتأكيد له، كما أن الموصول إذا تم بصلته جوّزت ذينك فيه.
قيل: ليس هذا التفسير مع هذا المفسَّر كالصلة مع الموصول؛ لأن الصلة تجري مجرى الصفة؛ ألا ترى أنها إيضاح للموصول، كما أن الصفة كذلك.
يدل على ذلك أنه يقتضي ذكراً يعود إليه، وأنه بالصلة يدل على معنى زائد على الموصول، كما أنه بالصفة كذلك، والمفسر إذا تبع المفسر يصير بانضمامه إليه يدل على المعنى الذي يدل عليه الموصول قبل انضمام الصلة إليه؛ ألا ترى أن "مَنْ" و "ما" و "أي" و "الذي" يدل كل واحد منها على معنى لغير الصلة، فإذا انضمت الصلة إليها أوضح ذلك المعنى.
والمضمر في "نعم" إذا انضم إليه التفسير صار حينئذ يدل على ما يدل عليه الاسم الموصول بلا صلة.
فإذا كان كذلك علمت أنه ليس مثله، وأنه إذا فُسِّر لم يجز العطف بلا صلة.
فإذا كان كذلك علمت أنه ليس مثله، وأنه إذا فُسر لم يجز العطف عليه، كما لا يجوز قبل أن يُفسر؛ لأن التفسير له لم يخرجه عن أن يكون المعطوف

عليه على غير حدّ الأسماء المعطوف عليها.
فإذا كان كذلك لم يجز، ألا ترى أن سائر الأسماء مستقلة بأنفسها، ولم تجعل في دلالتها على المعاني موكولة إلى غيرها، وليست كذلك الأسماء المضمرة بعد الذكر، لأن تلك تقدم مظهراتها تنبيهاً، وتدل عليها، وإذا قبح في نوع من ذلك العطف مع تقدم ذكر مظهراتها نحو "قام وزيدٌ"، وجب أن لا تجوز في هذا العطفُ.
ومما يدل على أن هذا المضمر على شريطة التفسير ليس على حد ما أضمر بعدُ، أنه لم يُكْنَ عنها في شيء من كلامهم، كما كني عن المضمر بعد الذكر، ولم يعد ذكر إلى مظهر كما عاد المضمر بعد، وإذا كان كذلك فلو قال قائل "كان زيدٌ منطلقٌ" [و]: ............................. وليس منها شفاءُ الذاء مبذولُ فأخبر عما في "كان" بالذي وبالألف واللام، وعما في "ليس" بالذي، لم يجز، ألا ترى أنه لو قال: الكائن زيد منطلق هو، أو: الذي ليس منها شفاء الداء مبذول هو، للزم أن يرد ما في "الكائن" و "ليس" على اللام والذي، وهذا الضمير لم يعد إلى مذكور في موضع من كلامهم، فإذا أدى هذا الإخبار إلى ما كان مرفوضاً عندهم لم يجز.
فإن قلت: لا أجعل الضمير يعود إلى الموصول، كان أذهب في الخطأ؛ لأن الموصولة حينئذٍ لا يعود عليها من صلاتها شيء، فإذا أخرجه الإخبار عنه عما حكمه أن يكون جارياً عليه، لم يجز؛ ألا ترى أنهم لم يجيزوا الإخبار عن الاسم في "رُبَّ رجلٍ"، لأن الإخبار عنه يخرجه عما يكون عليه في الكلام.
فإن قلت: فقد أخبروا عما أضمر على شريطة التفسير في قولهم "ضربني وضربتُ زيداً"؟ فإن ذلك ليس من كلام العرب، وإنما أرادوا به أن لو كان كيف كان

قياسه، على أن منهم من لم يجز الإخبار في هذا الباب، ولو أخبر عنه على أن لا يعود الذكر على الموصول مع فساده، لفسد من وجه آخر، وهو أنك إذا أوقعت المخبر عنه خبر الابتداء على عبرة هذا الباب لم يجز، لأن المخبر عنه حكمه أن يكون هو وحده الخبر، ولا يجوز في هذا الاسم أن يكون وحده الخبر؛ لأن التفسير يلزمه، وإذا لزمه التفسير لم يكن وحده خبراً، فخالف بذلك سائر الأسماء المخبر عنها، وخرج عن عبرة هذا الباب وأصوله.
ومن الأفعال التي يضمر فيها على شريطة التفسير، وفُسِّر المضمر منها بالمفرد، الفعلُ المعطوف عليه فعل إذا أعمل الثاني منهما، وذلك قولك "ضربني وضربتُ زيداً"، وهذا هو الذي يختاره أهل البصرة، وعليه التنزيل، وذلك قوله ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، وقوله ﴿آتوني أُفرغ عليه قِطراً﴾.
فإذا أعمل الآخر في هذا النحو لزم أن تضمر في الفعل الأول الفاعل قبل الذكر؛ لأن الفعل لا يخلو من الفاعل، وما يذكر من المفعول والفعل الثاني يفسره، ولا يجوز أن يحذف الفاعل ويفرغ الفعل منه كما يحذف المبتدأ؛ من حيث اجتمعا في أنهما محدَّث عنهما؛ لأن الفاعل يضمر في فعله حيث يحذف المبتدأ.
فإذا كان كذلك لم يجز أن يحذف الفاعل من حيث حذف المبتدأ، كما ذهب إليه الكسائي.
فلما اجتمع في هذا الموضع أمران مكروهان عندهم، أحدهما حذف الفاعل، والآخرُ الإضمار قبل الذكر، ولم يكن حذف الفاعل وإخلاء الفعل من الإسناد إليه سائغاً في الأفعال الصحيحة التي لم تشابه الحروف، ولم تنزل منزلتها، ولم تكن بمنزلة أسماء الزمان في المعنى، ولا مستعملاً في كلامهم، رفضوا

ذلك، وعدلوا إلى الإضمار قبل الذكر لاستعمالهم له في مواضع من كلامهم، وليس اتصال الفعل بالفاعل كاتصال المبتدأ بخبره، فيجوز أن يحذف الفاعل كما حذف المبتدأ، لعدة أدلة ذكرت في غير هذه المسألة.
وقال بعض البغداديين: إن الفراء قال في قولهم "ضربني وضربت زيداً": لا يجوز قول الكسائي؛ لأن الفعل لا يكون بلا فاعل، ولا يجوز قول البصريين؛ لأنه لا يضمر قبل الذكر، ولا يجيزها هو إلا أن يجعل الفعلين كشيء واحد، كأنه رفع "زيداً" بهما.
وهذا الذي أخذ به، وترك قول الناس إليه، أبعدُ من الأقوال التي تركها، وذلك أنه لا يخلو في قوله: الفعلان كفعل واحد، وجعله إياهما بمنزلة، من أن يكون رفع الفاعل بالفعلين أو بأحدهما، أو جعلهما جميعاً كالشيء الواحد.
فإن كان رفع الفاعل بالفعلين، فذلك ممتنع؛ لأنا لا نعلم فاعلاً عمل فيه فعلان في موضع واحد.
بل لم نعلم شيئاً واحداً اسماً مفرداً، ولا كلمة مفردة عمل فيها عاملان، ولا يمكن أحداً أن يوجد ذلك؛ ألا ترى أن كل عامل يوجب عملاً، فلو عمل فيه عاملان للزم أن يكون في حرف الإعراب منه إعرابان، كما أنه إذا عمل فيه عامل واحد صار فيه ضرب واحد من الإعراب، وذلك مما لا خفاء بفساده.
وإن كان رفع الفاعل بأحدهما فقد ترك الآخر بلا فاعل، ودخل فيما عابه على الكسائي.
فإن كان قد جعلهما كالشيء الواحد، فجعله إياهما كالشيء الواحد غير جائز؛ لأنه لا دلالة عليه، ولا نظير له، ألا ترى أنه لا يوجد في الأفعال فعلان جُعلا بمنزلة فعل واحد.
ولا فصل بين أن يقول: أجعل فعلين كفعل واحد، وبين: ما زاد على الواحد الاثنان فما فوقهما.

ويقال له: كيف جعلتهما بمنزلة الفعل الواحد؟ أبِان أعملتهما جميعاً في الفاعل الواحد؟ فهذا لا نظير له، أم بأن أعملت أحدهما وتركت الآخر؟ بيِّنْ ذلك، فإنه إنما هو عبارة لا يصح لها معنى ولا يلتئم.
فأما ما ذكرته من أنه لا يضمر قبل الذكر، فقد أريناه أشياء أضمرت قبل الذكر.
وقول الكسائي أشبه، وإلى الصواب أقرب، وإن كان خطأ عندنا؛ لأن له أن يقول: شبهت الفاعل بالمبتدأ، فحذفته من حيث اجتمعا في أن كل واحد منهما محدَّث عنه، وإن كان الفاعل لا يشبه المبتدأ للفصول التي أريناها في مواضعهما.
فإن قلت: إذا كان الفعل لا يجوز عندكم أن يخلو من الفاعل، فإلام أسند الفعل في قوله تعالى ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾، وقوله ﴿أو لم يهد لهم كم أهلكنا﴾ في من قرأ بالياء، وقول الهذلي: فقلت تحمل فوق طوقك إنها... مطبعةٌ، من يأتها لا يضيرها وهذه الأشياء المذكورة بعد هذه الأفعال لا يجوز أن يسند إليها حديث قبلها، لانقطاعها عما قبلها من حيث كانت جزاء واستفهاماً أو بمنزلة الاستفهام.
قيل: أما قوله ﴿ثم بدا لهم﴾ فإن أبا عثمان يقول: إن فاعله مضمر

فيه.
كأنه عنده: ثم بدا لهم بدوٌ، فأضمر الفاعل لدلالة فعله عليه.
وجاز هذا وحسُن وإن لم يحسُن أن يقول: ظهر ظهورٌ، وعلِن علنٌ؛ لأن البدو والبداء قد استعمل على غير معنى المصدر؛ ألا ترى أن قولهم: بدا لهم بدوٌ، بمنزلة: ظهر لهم رأيٌ، كما أن قولهم "قد قيل فيه قولٌ" كذلك فلهذا أقيم المصدر فيه مقام الفاعل.
وأما قوله ﴿أو لم يهد لهم﴾ فإن شئت جعلته من هذا الوجه، لأن الهداية قد تستعمل استعمال الدلالة التي يراد بها الحجة على الشيء والبرهانُ فيه، فكأنه قال: أو لم نُبين لهم حُجتنا.
وإن شئت جعلت فاعله مدلولاً عليه فيما تقدم، كأنه قال: أو لم يهدِ لهم قصصُنا وضربُنا لهم الأمثال.
وأما قوله ﴿ليسجننه﴾ فحمله أبو عثمان على أنه حكاية، تقديره: بدا لهم أمر قالوا ليسجننه، فأضمر القول، كما قال ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم﴾ أي: قالوا ما نعبدهم/، وكما قال ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ سلام عليكم﴾ أي: يقولون، وهذا كثير.
فأما قوله ﴿كم أهلكنا﴾ فيجوز أن تكون الجملة في موضع نصب بما دل عليه قوله ﴿أولم يهد لهم﴾ لأنه بمنزلة: أولم يعلموا، فتحمله على ذلك.
وأما قول الهذلي: ........................................... من يأتها لا يضيرها

على مذهب سيبويه -وتقديره فيه التقدم- ففاعله فيه المصدر، كالفاعل في قوله ﴿ثم بدا لهم﴾؛ لأنك تقول: لا يضيرُك ضيرٌ، فدل المصدر على الفاعل.
وأما قوله تعالى ﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾ ففي كل كلمة ذكر لما تقدم، تقديره: هيهات إخراجُكم، نشركُم وبعثكُم، على مذهبهم في استبعادهم النشر وإنكارهم البعث، كما قالوا ﴿من يحيى العظام وهي رميم﴾، وكما قالوا ﴿أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجعٌ بعيدٌ﴾، فقال تعالى محتجاً عليهم ﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه﴾، وقال تعالى ﴿كذلك النشور﴾.
وأما قول جرير: فهيهات هيهات العقيقُ وأهلهُ... وهيهاتَ خِلٌ بالعقيقِ نُواصِلُه ففي الكلمة الأولى- في من أعمل الثاني- ذكر العقيق، وأضمره قبل الذكر.
ومن أعمل الأول كان في الثانية ذكر من الفاعل.
ومن ذلك قول الهذلي:

فلم يبق منها سوى هامدٍ... وسُفعُ الخُدودِ معاً والنُّئيُّ إن قلت: ما فاعل "يبق"؟ فالقول فيه: إنه لا يخلو من أحد أمرين: إما [أن] تسنده إلى ما تقدم ذكره، فتضمره، لأن قبل هذا البيت: على أطرقا باليات الخيا.... م إلا الثُّمامُ وإلا العِصِيُّ فدل هذا على أنه لم يبق كثير أثر، فأضمره لذلك.
وإما أن تجعل الفاعل "سوى"، لأنه، وإن كان لم يجر في الكلام إلا ظرفاً، فقد يجعل في الشعر اسماً، كما أن "سواء" كذلك، قال: .................... وما قصدت من أهلها لسوائكا وكما أن كاف الجر كذلك، قال: أتنتهون ولا ينهى ذوي شططٍ... كالطعنِ يهلكُ فيه الزيتُ والفُتُلُ

وأنشدنا محمد بن السري: فوا عجبا إن الفِراق يروعُني... به كمناقِيشِ الحُلىِّ قِصارِ فالكاف فاعلة، كما أنها في بيت الأعشى فاعلة.
ومن ذلك قول الشاعر: ومجوفات قد علا أجوازها... أسار جُرد مُترصات كالنوى أي: علا التجويف أجوازها، فأضمر لدلالة ما تقدم عليه، والمعنى: بلغ البياض من بطونها إلى غيرها.
وكذلك قول أبي زبيد: لم يهب حُرمة النديم وحُقت... يا لقومي للسواةِ السواءِ أي: حُقت الحرمة أن تهاب وقال: ﴿فزادهم إيماناً﴾ أي جمعُ الناس لهم.
وقال: ﴿ما زادهم إلا نفوراً﴾ أي: ما زادهم مجيء النذير.
فكل هذا فيه ضمير دل عليه ما تقدم.
وأما قوله تعالى ﴿وقلن حاش لله﴾ فإن (حاشا) لا يخلو من أن

يكون فعلاً أو حرفاً، فلا يجوز أن يكون حرفاً لأنه جار، وحرف الجر لا يدخل على مثله في كلام مأخوذ به، فثبت أنه فعل.
فإذا كان فعلاً فلابد من إسناده إلى فاعل، والمسند إليه "حاشى" "يوسف"؛ لأن ذكره قد جرى.
ومعنى "حاشى" "فاعل" من "الحشا"، وهو الناحية، قال الهذلي: ................... بأي الحشا صار الخليطُ المُباينُ فكأن المعنى: بعُد من هذا الأمر، فصار في ناحية، ولم يقترفه.
ويدل أيضاً على كونه فعلاً الحذفُ اللاحق له، والحذف يلحق الأسماء والأفعال دون الحروف.
ومما أضمر على شريطة التفسير، وفُسِّر باسم مفرد، قوله "رُبه رجُلاً"، فأضمر ذكر الرجل في "رب"، وفسر بالمنصوب، كما أضمر في قولهم "نِعم رجُلاً"، وفسر بالمنصوب، فالهاء في موضع جر بالحرف وانتصب "رجلاً" لحجز المضمر بينه وبين الجار أن يكون فيه بمنزلته، كما انتصب في قولهم "كذا درهماً" لحجز المبهم بينه وبين الكاف، وكما انتصب في قولهم "كأيٍ رجلاً أتاني" لحجز التنوين بين "أي والمفسر.
فإن قلت: فكيف دخلت "رُبَّ" على المضمر، والمضمر معرفة، و "رُبَّ" لا تدخل إلا على النكرة من حيث أريد بالمفرد بعدها جماعة، وهذا المعنى يكون في الآحاد النكرة؟

فإنه إنما جاز ذلك لأن هذا المضمر لما لم يختص بذكر متقدم، صار الاسم لما يقتضيه من التبيين بالتفسير مشابهاً للنكرة، وإن كان على لفظ المعرفة، فكأنهم استجازوا لذلك إدخاله على الضمير، واستتب ذلك في هذا الباب لما ذكرنا، إذ كانوا قد أجروا المضمر بعد تقدم الذكر، مع أنه لا يقتضي تفسيراً، مجرى النكرة، وذلك قولهم في الاستثباب لقائل قد قال: "ذهبت معهم": "مع منين"؟ ألا ترى أن الاستثبات بهذا الحرف إنما يكون في النكرات دون المعارف، فإذا تركوا هذا مع اختصاصه، فإنه لا يقتضي تفسيراً، [يجري] مجرى النكرة، فالضمير في "رُبه" أجدر.
وهذا مما يدلك على أن المعرفة المظهرة لا يصلح وقوعها بعد "رُب" كما جاز وقوع المضمر؛ ألا ترى أن المظهر لا يقتضي لهذا التفسير، فيشابه بذلك غير المختص، ولم يشتثبت عنه كما يستثبت عن النكرة.
فإن قلت: فقد حكى أبو الحسن أن بعض العرب يجعل "واحد أمه" و "عبد بطنه" نكرة، ويدخل عليه "رُبَّ"، وأنشد: أماوي إني رُبَّ واحِدِ أُمِّهِ... أخذت، فلا قتلٌ عليه ولا أسرٌ فقد حكى هذا، وقال مع ذلك: الوجه الجيد أن يكون معرفة، وهو أكثر.
ووجه قول من أجاز ذلك أنه لما كانا صفتين، قدر فيهما الانفصال كما قالوا: مررت بفرس قيدِ الأوابد، وبناقةٍ عُبر الهواجر، حيث قدر

فيهما الانفصال، فكذلك "عبد بطنه" و "واحد أمه" تقدير: عبدٌ لبطنه، وواحدٌ لأُمِّه، ويؤنس بذلك قولهم: رُبَّ رجلٍ وأخيه، وكلُّ شاةٍ وسخلتها، وقوله: وكم دون بيتك من مهمهٍ... ودكداك رملٍ وأعقادها ووضع سقاءٍ وإحقابه... وحلِّ حُلُوسٍ وإغمادِها فإن قلت: فإن ما يدخل عليه "رُبَّ" من الأسماء النكرة يراد به الأكثر من الواحد، وهذا المعنى يكون في النكرة المظهرة دون المضمرة، فهلا امتنع دخول "رُبَّ" على المضمر لذلك؟ فالقول: إن دخول "رُبَّ" على المضمر لا يمتنع من أجل هذا، لما ذكرنا من بعده عن الاختصاص لاقتضائه التفسير؛ ألا ترى أن الفعل المخصوص بالمدح أو الذم لا يعمل في الأسماء المخصوصة، كما لا تعمل "رُبَّ" فيها، وقد احتمل هذا الضمير، فكما أن "نِعمَ" ونحوه لا يعمل في

الأسماء المخصوصة وقد احتمل هذا الضميرَ، كذلك يحتمله "رُبَّ"، وإن لم يعمل في الأسماء المخصوصة.
ومما يؤنس بذلك أن محمد بن السريٌ أخبرني عن محمد بن يزيد عن أبي عثمان عن أبي زيد قال: سمعت أبا السمال يقول "هؤلاءٍ قومك" فنون، وذلك أنه جعله نكرة.
قلت لأبي عثمان: كيف تكون هذه نكرة وهو يوميٌ به إلى "قومك"؟ فقل: ألا ترى أنك تقول: هؤلاء رجالٌ فـ "هؤلاء" معرفة، وما بعده نكرة.
الضرب الثاني من القسمة الأولى: ما أضمر قبل الذكر وفُسر بجملة.
هذا الضرب أصله أن يقع في الابتداء، وإذا كان موضعه الابتداء دخل عليه ما يدخل على المبتدأ من "كان" و "إن" وبابيهما، و "علمت" و "ظننت" وأخواتهما.
قالوا في قوله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾: إن الضمير للأمر والحديث، وإن الجملة التي هي المبتدأ وخبره في موضع خبره.
وتدخل "إن" على المبتدأ فتقل "إنه زيدٌ منطلقٌ"، وفي التنزيل ﴿إنه من يأت ربه مجرماً فإن له﴾ وفيه ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾، فجاء التأنيث على ضمير القصة، كما جاء التذكير على ضمير الحديث والأمر.
فإن قلت: هلا فُسر هذا بالمفرد كما فُسر ما تقدم به؟ فإن هذا لم يجز فيه التفسير بالمفرد كما جاز فيما تقدم؛ لعدم ما ينصب المفسر في هذا الموضع؛ ألا ترى أن النصب إنما يكون بفعل أو ما شُبِّه به، والاس المضمر ليس بفعل، ولا فيه شبهٌ منه، فإذا لم يكن في هذا الموضع كـ "نِعْمَ" وبابه هناك، ولا جاز فصل بينه وبين المنصوب مجروره ولا بتنوين

لعمل فصله، فيكون كالفاعل في فصله بين المفعول وفعله، ثبت أنه لا سبيل إلى تفسير هذا الضمير على نحو ما فُسر في "نِعْمَ" و "رُبَّ".
فأما قولهم "ضربني وضربت زيداً" فليس تفسير "زيد" للضمير في "ضربني" على حد تفسيره النكرة المنصوبة في "نِعْمَ" و "رُبَّ"؛ لأن المفسر في "نِعم" و "رُب" شائع مفسر بالمنكور الذي تفسر به الأسماء الشائعة المبهمة، والمضمر في "ضربني" مخصوص ليس شائعاً، فمن ثَمَّ لم يبين إلا بإظهار اسمه المخصوص، كما يبين الاسم المخصوص بصفته والعطف عليه، ولما لم يجز أن يبين المضمر في الابتداء بالمفرد، فُسِّر بجملة هي حديث وقصة، كما فُسر ما كان أمراً نحو "الوصية" و "العِدة" و "المَثل" بجمل هي هي في المعنى، وذلك نحو قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ ثم قال ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فبين الوصية، وقوله ﴿وعد الله الذين آمنوا﴾ ثم قال ﴿لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ﴾ ففسر الوعد، وقال ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ ثم فسر المثل فقال ﴿خلقه من ترابٍ﴾.
ومن هذا قول الفرزدق: عشية ما ود ابن غراء أنها... لها من سوانا إذ دعا أبوانِ ففسر بقوله "لها أبوان" فكذلك فُسر هذا الضمير الذي هو أمر وحديث، بما هو حديث وأمر في الابتداء وما دخل عليه.
فإن قال قائل: هلا جاز أن يُفسر هذا الضرب أيضاً بالمفرد، كما فُسر

بالجملة، لقولكم إن هذه الجملة في موضع مفرد، فإذا كان الموضع للمفرد، والأصل له، والجملة داخلة عليه، فهلا كان المفرد أولى من حيث كان الأصل؟ أو هلا استويا جميعاً في ذلك، وصلحا له؟ قيل: كونُ المفرد الأصل في هذا الباب، والحكمُ على الجملة بأنها في موضعه، لا يوجب إجازة وقوع المفرد ههنا؛ ألا ترى أن في كلامهم مواضع أصلها للمفرد، ولم يجز مع ذلك وقوع المفرد فيها.
فمن ذلك قولهم "كاد زيد يذهب" وقوله ﴿يكاد سنابرقه يذهب بالأبصار﴾ و ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾، وقولهم "ما أحسن زيداً"، وقولهم "اذهب بذي تسلم".
فكما أن هذه جملة واقعة موقع المفرد، ولم يستجيزوا استعمال [الأسماء] المفردة الواقعة هذه الجمل مواقعها، كذلك لم يستجيزوا استعمال المفرد في موضع هذه الجملة.
على أنه لو بُيِّن بالمفرد لم يكن إلى نصبه سبيل لتعري الاسم من معنى الفعل وشبهه، وإذا لم يكن سبيل إلى نصبه وجب أن يكون المفرد مرفوعاً لعدم ما ينصبه، وإذا ارتفع كان في موضع الخبر عنه، وإذا حصل في موضع الخبر عنه لم يكن تفسيراً له ولا تبييناً، كما أن سائر الأخبار عن المبتدآت لا تكون تبيناً لها ولا تفسيراً، وكان مع ذلك يُلبس بما تقدم ذكره من المضمرة، فلا يوصل إلى تحصيله فيما تقدم ذكره، وإذا كان كذلك ثبت أن هذا المضمر لا يُفسر بالمفرد؛ إذ لا يخلو الأمر فيه من أن يُفسر بما تقدم ذكره من المضمرة، فلا يوصل إلى تحصيله فيما تقدم ذكره، وإذا كان كذلك ثبت أن هذا المضمر لا يُفسر بالمفرد؛ إذ لا يخلو الأمر فيه من أن يُفسر بالمفرد

أو الجملة، وقد قامت الدلالة على أنه لا يجوز تفسيره بالمفرد، فبقي الجملة.
ومن هذا الباب قوله تعالى ﴿من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريقٍ منهم﴾، ومذهب سيبويه، أن في "كاد" ضمير القصة والحديث، وفُسر بالجملة من الفعل والفاعل.
وجاز ذلك فيها وإن لم تكن مثل "كان" وبابها من الأفعال المجردة من الدلالة على الحدث لمشابهتها لها في لزوم الخبر إياها، ألا ترى أنها لا تخلو من الخبر، كما أن تلك الأفعال كذلك، ومِنْ أخوات "كاد" ما جاء خبره منصوباً كـ "كان"، وذلك قولهم في المثل "عسى الغُوير أبؤساً".
وأنشدنا عن محمد بن يزيد.

أكثرت في القول مُلِحاً دائما... لا تُكثِرن إني عسيتُ صائما فإن قلت: فإن الخبر لا يلزمه لزوم "كان" وبابها؛ لأنه قد جاء ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً﴾، ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً﴾، فقد اضطر الشاعر فقال: قد كاد من طُول البِلى أن يمصحا قيل: هذا الذي ذكرته من أن الخبر لا يلزمه، لا يخرجه من شبه ما يدخل على الابتداء؛ لأن الخبر إنما يستغنى عنه لوقوع الحديث والمحدَّث عنه في الصلة، كما استغنى عنه في "علمت أنك قائم" وكما قالوا "ليت أنك قائم" فكما استغنوا عن أخبار هذه الأشياء، وإن كانت مما تدخل على الابتداء والخبر، كذلك إذا استغنى عن خبر "عسى" و "كاد" بما ذكرت، لا يدل على أنهما لا يشابهان ما يدخل على الابتداء والخبر.
وحكى أبو عُمر أن أبا الحسن أجاز "ليت أك قائم" فكما استغنوا عن أخبار هذه الأشياء، وإن كانت مما تدخل على الابتداء والخبر، كذلك إذا استغنى عن خبر "عسى" و "كاد" بما ذكرت، لا يدل على أنهما لا يشابهان ما يدخل على الابتداء والخبر.
وحكى أو عُمر أن أبا الحسن أجاز "ليت أنك ذاهب"، و "لعل أنك ذاهب"، و "كأن أنك ذاهب".
قال أبو عمر: وهذا ضعيف؛ لأنها إنما تدخل على المبتدأ، وهذا لا يبتدأ به، فكما لا يبتدأ به، كذلك لا تعمل فيه "ليت" قال: وقد سُمع هذا في "ليت".
ووجه قول أبي الحسن عندي أن "أن" وإن لم يبتدأ به، ولم يكن إلا

مبنياً على شيء فإنه لما تقدمت "ليت" جاز ذلك فيه؛ ألا ترى أنه قد جاز وقوعها بعد "لولا" حيث كانت متقدمة عليها، والاسم بعدها مرتفع بالابتداء، ولولا تقدم "لولا" لم يجز أن يبتدأ بعدها، فكما جاز أن يبتدأ "أن" بعد "لولا" حيث تقدمت عليه، وإن لم يجز أن يبتدأ به أولاً، كذلك جاز أن تقع بعد "ليت" وإن لم يجز أن يبتدأ بها أولاً، بل ذلك في "ليت" أولى؛ لأنه عامل فيها ومغير، وليس لـ "لولا" في "أن" عمل.
فأما "كأن أنك منطلقٌ" فلو قال قائل: إنه قبيح لدخول "أنط على "أن"؛ لأن الكاف في "كأن" داخلة على "أن" فإذا استقبح أن يجتمع "أن" مع "أن" ولم يجز "أن أن"، فكذلك هذا لا يحسن، بل يكون أقبح لاتفاقهما واختلاف "أن أن"، لكان قولاً.
ووجه الجواز الذي ذهب أبو الحسن إليه أنها لما ضُمت إلى الكاف صار للتشبيه، وزال ذلك الحكم عنه، فصار لدخول هذا المعنى فيه بمنزلة حرف آخر، فكأن اللفظين، وإن اتفقا، فالمعنيان مختلفان.
وقد أجاز أبو الحسن في قوله تعالى ﴿من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم﴾ ما أجازه سيبويه على التشبيه بـ "كأن"، وأراد أن يكون في "كاد" ضمير ممن تقدم، ويُرفع "قلوب" بـ "تزيغ"، قال: "وإن شئت رفعتها -يعني القلوب- بكاد، وجعلت تزيغ حالاً".
فأما احتماله الضمير مما جرى، فوجهه أنه لما تقدم قوله ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العُسرة﴾،

وكانوا قبيلاً، ومن عاندهم من الكافرين والمنافقين قبيلاً، قال ﴿من بعد ما كاد﴾ أي: كاد القبيل تزيغ قلوب فريق منهم، كما قال: إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت... حبال الهويني بالفتى أن تقطعا وأما رفع القلوب على "كاد" و "تزيغ" حالاً، فيدل على صحته قول العجاج: إذا سمعت صوتها الخرارا... أصم يهوي وقعها الصرارا ألا ترى أنه قد قدم "يهوي" على "وقعها" وهو في موضع "هاوياً".
وهذا يدل على جواز تقديم الحال من المظهر.
والبغداذيون يسمون هذا الضمير المفسر بالجمل "المجهول".
ونرى أنهم سموه مجهولاً لأنه أضمر قبل أن يذكر، وإنما يعرف الضمير إذا تقدمه ذكر، فلما لم يتقدم هذا الضمير مظهرٌ كان مجهولاً إلى أن يبين بالتفسير.
ومذهب سيبويه في قوله ﴿ولم يكن له كفؤاً أحدٌ﴾ أن انتصاب

﴿كفؤاً﴾ على أنه خبر "يكن"، مثل قوله ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ في نصب الخبر متقدماً، ولم يجعل له مستقراً وإن كان متقدماً، قال: "وأهل الجفاء يقرؤون ﴿ولم يكن كفواً له أحد﴾، فيؤخرون الظرف إن لم يجعلوه مستقراً".
ومن البغداذيين من قال في قوله ﴿ولم يكن له كفؤاً أحد﴾ إن في "يكن" مجهولاً، وإن "كفؤاً" انتصب على الحال لما تقدم على الاسم وكان نكرة.
وهذا ينبغي أن يكونوا حملوا الكلام فيه على المعنى؛ لأنه إن لم يحمل على المعنى فحُش وامتنع؛ لأن الجملة التي تقع بعد المجهول توجب.
فإذا كان كذلك صار ﴿له كفؤاً أحدٌ﴾ بمنزلة "له أحد كفؤاً"، فهذا عظيم، وحكي عن أبي عثمان إنكار له.
ووجه جوازه -عندي- أنه يكون محمولاً على معنى النفي في "يكن".
وجاز ذلك لأن المعنى: لم يكن أحد كفؤاً له، كما جاء "ليس الطيبُ إلا المسكُ"، فدخل "إلا" بين المبتدأ والخبر حيث كان المعنى: ليس إلا الطيبُ المسكُ، ولولا النفي اللاحق لأول الكلام لم يجز.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون "له" حالاً من "كفؤ" في قولنا؛ لأن

"له" قد كان يجوز أن يكون صفة لـ "كفؤ"، فلما قدم انتصب على الحال؟ فإنا لا نسحب ذلك؛ لأن سيبويه قال: "إن هذا كلام يقل في الكلام، ويكثير في الشعر"، ولو أجازه مجيز لكان العامل فيه "يكن".
وعلى قول البغداذيين يكون العامل في "كفؤاً" المنتصب على الحال "له"، و "له" متعلق بمحذوف في الأصل، و "أحد" مرتفع به على قولهم.
وكأن "له" إنما قدمت، وإن لم يكن مستقراً، لأن فيه تبييناً وتخصيصاً للكفؤ، فلهذا قدم وحسُن التقديم، وإن لم يكن مستقراً.
ولما كان أصل هذا الضمير أن يكون في المبتدأ كما تقدم، وكان مفسراً بجملة واقعة موضع خبر المبتدأ، والجملة الواقعة خبراً للمبتدأ لا تخلو من أن تكون مبتدأ وخبراً، أو فعلاً وفاعلاً، أو ظرفاً، أو شرطاً وجزاء، فسر هذا الضمير بهذه الأشياء.
فمما جاء من ذلك مفسراً بالابتداء والخبر ما أنشده سيبويه: هي الشفاءُ لدائي لو ظفرتُ بها... وليس منها شفاءُ الداءِ مبذولُ

وأنشد أبو زيد: ولا أُنبأن أن وجهك شانه... خُموشٌ وإن كان الحميمُ حميمُ وأنشد غيره: قنافذ هداجون حول خبائهم... بما كان إياهم عطيةُ عودا فـ "عطية" يرتفع بالابتداء، والفعل والفاعل في موضع الخبر، ولا يكون "كان" إلا على إضمار القصة أو الحديث؛ لأنك إن لم تحمله على ذلك، فصلت بين الفعل والفاعل بمفعول مفعول "كان"؛ ألا ترى أنك إن حملت "عطية" على "كان"، فصلت بينهما بـ "إياهم" الذي هو مفعول "عودا"، فإذا صار في "كان" ضمير الحديث ارتفع بهذا الفعل، وكان "إياهم" مفعولاً مقدماً بمنزلة قولك "عمراً زيدٌ ضاربٌ" في تقديمك مفعول خبر المبتدأ على المبتدأ، وتقديم خبر المبتدأ حسنٌ كما حكاه سيبويه في قولهم "تميمي أنا ومنشوءٌ من يشنؤك".
ويدل على جواز ذلك وحسنه قول الشماخ: كلا يومي طواله وصل أروى... ظنونٌ آن مُطرحُ الظنونِ

ألا ترى أن "كلا" من صلة "ظنون"، وأنه لولا حسن تقديم "ظنون" ما جاز تقديم ما تعلق به عليه.
ومما جاء مُفسراً بالفعل والفاعل قوله: فأصبحوا والنوى عالي مُعرسهم... وليس كل النوى يُلقي المساكين فقوله "يلقي المساكين" في موضع نصب لكونه خبراً لـ "ليس"، ولا يكون "المساكين" على "ليس" لفصلك بينهما بـ "كل النوى"، وهو مفعول "يُلقي".
فإن قلت: إذا كان الفصل بين الفاعل وفعله قد جاء في قوله: ألا هل أتاها - والحوادثُ جمةٌ -... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا وقول الآخر: وقد أدركتني - والحوادث جمةٌ-... أسنة قومٍ لا ضعافٍ ولا عُزل فهلا جاز الفصل بينهما بهذا المفعول؟ قيل: ليس هذا الفصل كالفصل بمفعول المفعول؛ لأن في هذا الفصل تسديداً للقصة وتوكيداً لها، فلما كان كذلك لم يكن الفصل بهذه الجملة كالفصل بمفعول المفعول الذي هو أجنبي من الفعل والفاعل.

جارٍ التحميل