المسائل الحلبياتصفحات 45-84

فالجواب: أن الدليل على أنه محذوف من "ويل" دون "وي" هذه قول الشاعر: لأم الارض ويلٌ ما أجنت... بحيث أضر بالحسن السبيل فكما ظهرت اللام في "ويل" لما قدمت "أم"، كذلك تكون في قوله "ويلمها" هي هذه الظاهرة لامها إذا تقدم على اللام، فاللام الظاهرة هي الجارة، والأولى المحذوفة؛ لأنها كما أعلت بالإدغام، كذلك أعلت بالحذف؛ ألا ترى إلى قولهم ﴿تذكرون﴾ كيف أعلت تاء "تتفعل" بالحذف كما أعلت بالإدغام.
وكذلك قالوا "علماء بنو فلان"، فحذفوا الأولى.

ومثل حذف الهمزة على غير القياس قول الخليل في "

لن

" إنه "لا أن"، فحذفت الهمزة استخفافاً، ثم حذفت الألف من "لا" لالتقاء الساكنين، فصارت الكلمة على حرفين.
وقد طعن على قوله هذا بأنه لو كان كذلك لم يجز "زيداً لن أضرب" كما لم يجز أن تقدم ما في صلة "أن" عليها، قالوا: وفي استجازة العرب والنحويين أن يقولوا "زيداً لن أضرب" مع

امتناعهم من أن يقولوا "زيداً أن أضرب" صالحاً، ونحوه، دلالةً على فساد ما ذهب إليه في هذا القول.
قال أبو علي في الجواب عن هذا الاعتراض على قول الخليل: إن الحرفين لما كان في الأول منهما معنى النفي، وصار مع الحرف الثاني بمنزلة حرف واحد، صار بمنزلة الكاف الداخلة على "أن" في "كأن" فكما استجازوا "كأن زيداً أخوك" مع أن تقدير الكاف أن تكون بعد "أن" بدلالة أن المراد التشبيه، والمعنى زيدٌ كأخيك، ولم يجر عندهم مجرى تقديم ما في الصلة عليها، كذلك لا يجري قولهم "زيداً لن أضرب" مجرى تقديم الصلة عليها لاجتماع الحرفين في أن كل واحد منهما عامل، وأن كل حرف منهما، وغن كان مركباً من حرفين، فقد صار يجري مجرى الحرف الواحد، فعلى هذا الحد حذفت الهمزة التي هي عين في قول من قال "رأيت"، وقد جاء في الشعر، قال الراجز: أريت إن جئت به أملودا... مرجلاً، ويلبس البرودا وقال آخر:

أريت

إن أعطيت هيداً هيدبا وقد جاءت الهمزة محذوفة أيضاً في "فعل"، قال الشاعر: من را مثل معدان بن ليلى... إذا ما النسع طال على المطية وهذا الحذف في "أريت" إنما جاء في الأمر الشائع في "رأيت" الذي بمنزلة "علمت"، ولم نعلمه جاء في التي معناها إدراك الحاسة، والبيت الذي أنشدته وقد حذفت العين منه في "را" ذكر معه مفعول واحد.
فإن قلت: إن الشاعل حذف من المتعدية إلى مفعول واحد كما حذف من المتعدية إلى مفعولين.
فهو قول.
وإن قلت: إنه أراد مفعولاً ثانياً حذفه وهو "في الناس" أو "في الوجود" أو "في المقصودين".
كان وجهاً.
وقد قلبت الهمزة التي هي عين إلى موضع اللام في "رأى" فقالوا في "رآه": "راءه" وفي "ساءه": "سآه"، وأنشد سيبويه: وكل خيلٍ راءني فهو قائلٌ... من أجل هذا هامه اليوم أو غد وأنشد: لقد لقيت قريظة ما سآها... وحل بدارها ذلٌّ ذليل ومن قال "راء" فقلب، قال في الفعل المبني للمجهول "ريء" مثل

"بيع"؛ لأن الياء قد وقعت في موضع العين، أنشد أبو زيد: وما ذاك من أن لا تكوني حبيبةً... وإن ريء بالأخلاق منك صدود وفي الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام من "رأى" ضربان: التفخيم، والإمالة.
فالتفخيم: أن تترك الفتحة التي قبل الألف على إشباعها لا تنحو بها نحو الكسرة، فتخرج الألف مفخمة غير ممالة إلى الياء.
والإمالة: أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، فتميل الألف نحو الياء.
فغذا كانت الإمالة ما وصفنا، لم يجز أن تمال الألف من "رأى"، ولا تمال فتحة الهمزة نحو الكسوة.
فأما الفتحة في الراء التي هي فاء فإن إمالتها نحو الكسرة جائزة؛ لأنهم يميلون للإمالة، وذلك قولهم "رأيت عمادا"، فيميلون ألف النصب لإمالة الألف، فكما أمالوا الحرف للحرف، كذلك أموالوا الفتحة للكسرة، فقالوا "رأيت خبط رياح"، وأمالوها وبين الحرفين فاصل، قالوا "رأيت خبط الريف" كما قالوا "هذا جلبابٌ"، فأمالوا مع فصل الحرفين الكسوة والفتحة الممالة، وعلاى هذا قالوا "من عمروٍ"، فأمالوا الفتحة نحو الكسرة مع فصل الميم بينهما.
وقالوا "من النفر"، فأمالوا بضمة القاف نحو الكسرة من أجل كسرة الراء.
وعلى هذا قرئ فيما قالوا ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ ﴿وإنا ظننا﴾، فأمالوا فتحة الفاء والواو نحو كسرة همزة (إنا) و (إنهم).
فكما أمالوا هذه الفتحات من أجل الكسرات التي بعدها نحو الكسرة، فكذلك

يجوز أن تمال الفتحة من راء "رأى" نحو الكسرة؛ لأن الفتحة لما أميل بها نحو الكسرة صارت بمنزلة الكسرة، فكما أمالوا الفتحة إلى الكسرة، كذلك أمالوها للفتحة الممالة، كما أنهم لما أمالوا الألف للياء نحو "شيبان" و "قيس عيلان"، كذلك أمالوها للألف الممالة في قولهم "رأيت عمادا"، فكما نزلت الألف الممالة نحو الياء منزلة الياء في أن أمالوها كما أموالها للياء، كذلك نزلت الفتحة الممالة نحو الكسرة منزلة الكسرة، فأمالوا لها كما أمالوها للكسرة في نحو "خبط رياح".
فعلى هذا وجه قراءة من قرأ ﴿رأى كوكباً﴾، فأمال فتحة الراء نحو الكسرة.
فإذا اتصل شيء مما أمليت ألفه بها يحذف فيه الألف لالتقاء الساكنين جاز فيه وجهان: أحدهما أن تشبع الفتحة ولا تميلها.
والآخر: أن تبقي الإمالة في الفتحة على حالها، وذلك نحو قوله ﴿فلما رأى القمر﴾ ﴿ورأى المجرمون النار﴾ و ﴿في القتلى الحر بالحر﴾.
فوجه قول من لم يمل الفتحة مع ذهاب الألف بين، وهو إنما كان يميلها من أجل الألف ليميل نحو الياء، فإذا حذفت الألف لم تمل الفتحة؛ لأن ما كان يميلها من أجله قد زال، وهو الألف، وإذا لم تمل الفتحة التي كانت تلي الألف، وجب أيضاً أن لا يميل فتحة الراء التي كان يميلها للإمالة.
وزعموا أن من القراء من قرأ (ورأى القمر) فبقي الراء ممالة وإن كانت إمالة

فتحة الهمزة قد ذهبت لسقوط الألف، وكان ينبغي أن يذهب بإمالة الراء أيضاً، فإن وجهه ما ذكرته بعد.
ووجه قول من أمال الفتحة مع سقوط الألف في ﴿رأى الشمس﴾ و ﴿في القتلى الحر﴾، فلأن سقوط الألف ليس بلازم، الا ترى أن التقاء الساكنين إذا زال ثبتت الألف ممالة.
ويقوي هذا ما حكاه سيبويه من أنهم يقولون "هذا ماشٍ"، فيميلون للكسرة المقدرة في الحرف المدغم وإن كانت لا تظهر، فإذا كانوا قد أمالوا لهذه الكسرة مع أنها لا تظهر، فأن يميلوا الألف في "رأى" المحذوفة لالتقاء الساكنين أجدر وأولى؛ الا ترى أن التقاء الساكنين لما لم يكن لازماً لم يكن معتداً به في نحو "بغت المرأة" و "رمت ابنها"، فكما لم يعتد به هنا؛ بدلالة أن المحذوف لالتقائهما لم يرد مع تحرك الساكن الثاني لما كان التحرك لالتقاء الساكنين، كذلك لا يعتد به في إذهاب الإمالة.
ويقوي ذلك أنهم قالوا في "الصعق": "صعق"، فأتبعوا حركة الفاء حركة العين فيه وفي نحوه مما العين منه أحد الحروف الستة.
فلما نسب بعضهم إليه قال "صعقي"، فبقي كسرة الفاء مع زوال ما كان اجتلبها من أجله، وهو كسرة العين، حيث لم تكن هذه الفتحة عنده لازمة في جميع الاسم، وإنما هي في حال الإضافة، وياء الإضافة قد يمكن أن تنزل في تقدير الانفصال من الاسم، كما أن تاء التأنيث كذلك لمشابهتها لها.
وعلى هذا

يتجه عندي قراءة من قرأ ﴿رأى القمر﴾، بقي إمالة الراء مع إذهاب إمالة الهمزة، كما أن المضيف بقى الكسرة في الفاء مع ذهاب كسرة العين التي من أجلها أبدل من فتحة الفاء كسرة، وإذهاب إمالة فتحة الراء في هذا هو الوجه.
وقال أبو زيد: "راءيت: فاعلت، الرجل مراءاة، والاسم الرياء، وتقول: رأيت الرجل ترئية إذا أمسكت له المرآة لينظر فيها".
فقولهم الرياء: فعال من رأيت، والياء التي هي همزة لام انقلبت همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة، وفي التنزيل ﴿بطراً ورئاس الناس﴾.
فإن قال قائل: هلا أبدلت من الهمزة الأولى التي هي عين في "رثاء" واو، كما أبدلت منها الواو في قولهم في جمع ذؤابة: "ذوائب"؛ ألا ترى أن ما بعد الراء من "رئاء" بمنزلة ما بعد الذال من "ذوائب"؟ قيل له: إن المصدر بمنزلة الفعل، يدلك على ذلك أنه يعمل كما يعمل، وأنه يعتل كما يعتل في "عدة" و "يعد"، وتذكر أحدهما فيكون كذكرك الآخر، نحو "سقياً"، ونحو "من كذب كان شراً له"، ونحو قوله تعالى ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم﴾، فلما كان المصدر بمنزلة الفعل، وكانت هذه الهمزة الثانية في "رثاء" إنما هي في

المصدر، والمصدر كالفعل، وكان الفعل لا همزة فيه إذا قلت "رأيت"، صارت الهمزة الثانية كأنها غير لازمة، وإذا لم تكن لازمة لم يلزم بدل الأولى كما لزم في "ذوائب".
فإن قلت: فهلا لم يلزم البدل في "ذوائب" لأنه في واحدها غير ثابت، وفي تحقيره أيضاً غير لازم، فكما لم يبدل في "رثاء" حيث لم يكن لازماً في الفعل، فكذلك لا يبدل في الجمع، واجعل الواحد من الجمع، والتكسير من التصغير، كالمصدر من الفعل؟ قيل: ليس الواحد من الجمع كالمصدر من الفعل؛ ألا ترى أن ما يعتل في الواحد يصح في الجمع نحو "معيشة ومعايش" و "مقامة ومقاوم"، فالمصدر مع الفعل ليس كالواحد من الجمع؛ لأن المصدر يعل إعلال الفعل، فصار بذلك بمنزلة، والجمع لا يعل لإعلال واحده، بل يخالف فيهما، فيصحح الجمع، فحكماهما مختلفان؛ ألا ترى أن المصدر يتبع الفعل في الإعلال، ولا يتبع الجمع الواحد، وكذلك التصغير مع الواحد هو كالتكسير، وكذلك التصغير مع التكسير هو بناء آخر ومعنىً غيره؛ لأن فيه مثل "عشيشية" و"أبينون" و "لييلية" و "أصيلال" و "مغيربان" ونحو ذلك، فلهذا صحح في "رثاء" الهمز، ولم يقلب كما قلب في "ذوائب".
وإنما لم يعتل في التصحيح في "رثاء" والإعلال في "ذوائب" بأن "ذوائب" جمع و"رثاء" واحد؛ لأن ذلك لا يستقيم على قول الخليل وسيبويه، وذلك أنهما يجعلان هذا الضرب من الجمع المكسر في حكم الآحاد، ومن ثم قالوا في مثل "برد" من البياض": إنه "بيض" مثل "فعل" الذي هو جمع "أفعل"، والذي هو جمع "فعول"، فخفف.

وقد يجيء على قول أبي الحسن أن يحتج بأن هذا جمع، و"رثاء" واحد، فاحتمل الهمزات لخفة الواحد، كما احتمل "عتوّ" وبابه الواوين، ولم يحتملهما نحو "عصيّ، وحقيّ".
ولسيبويه أن يقول: إن إعلال الواو في "عصي" ونحوه لا يدل على أنه إنما فعل ذلك لأنها أثقل عندهم من الآحاد؛ لأن هذا القلب قد جاء أيضاً في الآحاد؛ ألا ترى أنه قد جاء في التنزيل ﴿وكان عند ربه مرضياً﴾، وجاء في موضع فيه ﴿من الكبر عتياً﴾ وفي مكان آخر ﴿عتواً﴾.
وقالوا "مسنيّة"، وهو من قولهم: يسنوها المطر.
فإذا جاء هذا في الآحاد مجيئه في الجموع، لم يكن للجمع في ذلك مزية ليست للآحاد.
وأيضاً فإن الهمزة في "رثاء" لم تقلب وإن كانت قد قلبت في "ذوائب"؛ لأن الهمزة الثانية في "رثاء" لما كانت بدلاً غير لازمة، كانت بمنزلة المبدل منه؛ ألا ترى أن الهمزة في "صحراء" وبابه لما لم تكن لازمة كانت بمنزلة الألف التي هي بدل منها في منع الصرف، كما كانت الهمزة في "علباءٍ" بمنزلة الياء التي هي بدل منها، وكما كانت الهاء في "هراق" بمنزلة الهمزة، فلو سميت بـ "هراق" مذكراً

لم يصرف، كما أنه لو سميته بـ"أراق" لم تصرف، فكما أن هذه الأبدال صارت بمنزلة مبدلاتها لما كانت غير لازمة، كذلك كانت الهمزة في "رئاء" الثانية، لما لم تكن لازمة كانت بمنزلة الياء، وكما لم يلزم بدل الهمزة واواً مع الياء، كذلك لم يلزم مع ما هو بدل منها، وليس بدل الهمزة في "ذوائب" كذلك لأنه لازم؛ ألا ترى أنه يثبت في التحقير في قولك "قبيئل" اسم رجل، ولا تثبت الهمزة في "عطاء" وبابه إذا حقرت في قول أحد، ومن ثم لم تبدل الهمزة التي هي بدل من اللام إذا لحقت الألف في النصب، كما أبدلت من الهمزة في "خطايا" و "مطايا"؛ لأن ألف النصب غير ثابتة، فكما لم تكن الصورة في الرفع والنصب موجبة لبدل الياء من الهمزة ولا الواو، كذلك كان النصب.
ويؤكد ذلك أن منهم من لا يبدل الألف من التنوين في النصب، كقول الأعشى: ....................... وآخذ من كل حي عصم

ومما كانت صورته صورة "رثاء" فلم يبدل من الهمزة الأولة قولهم "

رأي وأرآء

" و"نؤي وأنآء" قال أبو زيد: "قالوا: رأي وأرآء، ورئي، ورئي"، جرى في كلامهم تصحيح الهمزتين، ولم يكن كـ"ذوائب" في

البدل لما ذكرنا، قال: وأنآء حي تحت عينٍ مطيرةٍ... عظام القباب ينزلون الروابيا وقال آخر: لا يسجن الرأي إلا ريث يبعثه... ولا يشارك في أرآئه أحداً وفيما هو من لفظ "رأى" قولهم "رؤيا"، وفي التنزيل ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾، فهذا البناء على وزن "فعلى".
فأما الهمزة فإنها تحقق وتخفف.
فمن خففها لزمه أن يقلبها واواً فيقول "رويا"، ولا يقبلها ياء فيدغمها في الياء التي بعدها كما يفعل ذلك بـ"طي" و "شي" مصدر "طويت" و"شويت"، وقولهم "قرنٌ ألوى، وقرون لي"، ولكنه يدع الواو على سكونها مبينة غير مدغمة، كما يدعها على صحتها في قولهم "ضوٌ" إذا خفف الهمزة من "ضوءٍ"؛ لأن الهمزة في كلا الموضعين منوية، فصارت لذلك بمنزلة المظهرة.
وحكى سيبويه فيها الإدغام "ريّا" و "ريّة".
وفي إدغامها وجهان: أحدهما: أن تنزل غير اللازم منزلة اللازم، فتدغم كما تدغم فيما لزم نحو "طي" و "شي" كما نزلت نحو "جعل لك" و "فعل لبيد" بمنزلة اللازم حين أدغمت، كما أدغمت "مل" و "حل".

والآخر: أن تقدر في الهمزة القلب إلى الواو على حد "أخطيت" لا على التخفيف القياسي، وإن كان اللفظان واحداً، كما كانت ورة "رمية"، و "خطية": في تخفيف "خطيئة"، واحدة، وإن كانت اللام من إحداهما همزة، ومن الأخرى حرف مد، فكذلك تكون "رؤيا"، لفظ من قدر فيها القلب على حد "أخطيت" كلفظ من قدر تخفيفها على القياس كـ "جونة" من "جؤنة"، ولما جعلوها بمنزلة حرف المد في الإدغام، جعلوها بمنزلة في أن كسروا فاء الفعل منه، فقالوا "ريّا" كما قالوا "لي" في جمع "قرن ألوى".
والوجه ترك الإدغام وتبيين الواو كما بينت في "ضوٍ"؛ ألا ترى أن من أدغم كما أدغم "ليُّ" ونحوه، لزمه أن يعل الواو من "ضوٍ" كما اعتلت في "ذات مال" ونحوه، و"جيل" و "مولة"، فكما لم يعل الواو في "ضوٍ" أحدٌ، كذلك ليزم ألا يدغم الواو في "رويا".
على أن العين أقرب إلى التصحيح من اللام، كما أن الفاء أقرب إليه من العين.
ومن هذا اللفظ قوله تعالى ﴿هم أحسن أثاثاً ورئياً﴾.
قال أبو عبيدة في قوله (ورئياً): "هو ما ظهر مما رأيت"، فهذا "فعلٌ" من "رأيت" على تفسير أبي عبيدة.
وسألت أحمد موسى عن القراءة فيه، فذكر أنه قرئ

على ثلاثة أضرب: (رِئياً) و (رياً) و (زياً).
فـ (رئياً) على ما فسره أبو عبيدة، و (رياً) على تخفيف الهمزة؛ لأنك تقول إذا خفت نحو "ذئب" و "مثرة": "ذيب" و"ميرة" فقلت الهمزة ياء، فكذلك لما خففتها في قوله (رئياً) أبدلتها ياء، ثم اجتمع مثلان، فأدغمت، وكان الإدغام هنا حسناً، ولم يكن مثله في (رؤيا) إذا خففت همزتها؛ لأن نية الهمزة في (رؤيا) مع مخالفة الحرف الحرف مثل الحركة في الحرف المقارب، تمنع الإدغام في مقاربة كما تمنع الحركة، وليس الأمر في (رؤيا) كذلك؛ لأنه لا يبلغ من قوة نية الهمزة أن تمنع الإدغام في المثلين، كما لا يبلغ من قوة الحركة أن تمنع الإدغام، فلهذا كان إدغام (رئياً) إذا خففت الهمزة حسناً، وإن لم يكن إدغام (رؤيا) في التخفيف بالحسن لما ذكرته.
فإن قال قائل: إن العين المدغمة في من قرأ (رياً) واو قلبت للإدغام في الياء مثل "قي" و "سي"، وهي من "القواء"، كما أن "سياً" من السواء، وتكون في "الري" من رويت.
فهذا المعنى ملائم غير بعيد؛ لأن "الري" الذي هو خلاف "العطش" في الأصل يدل على الغضارة والنضارة؛ ألا تراهم يصفون به إذا أرادوا

ذلك، ولم يريدوا خلاف العطش، كقوله: وفي العاج منها والدماليج والبرا... قناً مالئٌ للعين ريان عبهر

فكأنهم اتعسوا فيه هذا الاتساع لما كان الذي يتبعه النضارة والطراوة، كما كان العطش يتبعه الجهد والذبول، فسموه باسم المصاحب له.
ومن ذلك قولهم "حسن

الرواء

" لحسن الشارة والهيئة، قال ابن مقبل: أما الرواء ففينا حق ترئية... مثل الجبال التي بالغور من إضم فالعين واو والهمزة منقلبة من الياء التي هي لام في "رواء" لهذا المعنى، ويكون من "روي".
ويجوز أن يكون "الرواء" من "رأيت" إلا أن العين قلبت واواً للتخفيف، كما ألزموا العين التخفيف في هذه الكلمة في "يرى"، فصار مثل "جون".
لكان قولاً.
وحمل قول من قرأ "رياً" بالإدغام على ما ذكرناه آنفاً من أنه على تخفيف الهمز هو الوجه.

ومن ذلك قولهم: "هو مني

مرأى

ً ومسمعٌ" فـ"مرأىً: مفعل" من "رأيت"، قال سيبويه: "فأما قول العرب: أنت مني مرأىً ومسمعٌ، فإنما رفعوه لأنهم جعلوه هو الأول، حتى صار بمنزلة قولهم: أنت مني قريبٌ، وكينونة مرأى ومسمع اسماً أكثر؛ لأنهم جعلوه اسماً خاصاً

لمنزلة المحبس والمتكأ وما أشبه ذلك، فكرهوا أن يجعلوه ظرفاً، وقد زعموا أن بعض الناس ينصبه بمنزلة: ...................................... درج السيول وهم قليل، كأنهم لما قالوا: بمرأى ومسمعٍ، فصار غير الاسم الأول في المعنى واللفظ، شبهوه بقولهم: هو مني بمزجر الكلب.
وحكى يونس أن قاوماً قالوا: هو مني مزجر الكلب، فجعلون بمنزلة مرأى ومسمع" انتهى كلام سيبويه.

وزعم بعض رواة اللغة أن "

المروءة

" مأخوذة من قولهم: هو حسن في مرآة العين.
وهذا من فاحش الغلط، وذلك أن الميم في "مرآة" زائدة" و "مروءة: فعولة"، فلو كانت من المرآة لكانت "رُئيَّة"، ولكنها مأخوذة من أحد شيئين: إما أن تكون "فعولة" من المرء كالرجولة من الرجل.
وإما أن تكون من مراءة الطعام؛ لأن الآخذ بها يهضم نفسه لها، يكفي عن كثير مما يرتكبه المطرح لها، قال أبو زيد: "مرؤ مروءة"، فدل حكاية أبي زيد هذا على أن الميم فاء.
وقال الأصمعي: "إذا استبان حمل الشاة والناقة قيل: أرأت الشاة والناقة، فهي مرئية"، فهذا "أفعلت" من "رأيت"، والمعنى أنها صارت

تُري حملها، كما أن قولهم "أقطف" و "أجرب" كذلك.
فأما مصدر قولك "أرأت" فينبغي أن يكون "إرآء"، ومصدر "اريته الهلال"، و"أريته زيداً أخاك" يكون "إراءً"، الهمزة التي هي عين مخففة، كما كانت في الفعل واسم الفاعل مخففة.
فإن قلت: فهل يلزم أن يلحق الهاء لحذف العين كما لحق في "الإقامة" و "الإقالة"؟ فإن ذلك لا يلزم؛ لأن الدلالة قد قامت على أن الهمزة في نية الثبات، فكما أن الهمزة لو كانت ثابتة لم يلزم إلحاق الهاء على حد إلحاقها في "إقامة" و "عدة"، كذلك لا يلزم إلحاقها في "إراء" إذا قامت الدلالة على ثباتها.
ومن قال "رياً" فأدغم على تقدير الإبدال، فقياس قوله أن يلحق الهاء؛ لأنه يقدر الحذف هنا عن القلب كما يقدر الإدغام عن القلب.

وأما "

المرآة

" فـ"مفعلة" من "رأيت"، كما أن "المخصف" "مفعل" من "خصفت".
وجمعه "مراءٍ" بتصحيح الهمزة لا غير؛ لأنها لم تعترض في جمع، فلا سبيل لذلك إلى القلب كما قلبت في "خطايا"

و"مطايا" و "أداوى".
فإن خففت الهمزة في "مراءٍ" لزم أن تجعل بين بين.

ومما يوافق لفظه لفظ "رأى" وبابه، وإن لم يوافقه في المعنى، قولهم "

رئة

" للعضو المنفس عن القلب.
يدل على ذلك قولهم: رأيت الرجل، إذا ضربت رئته.
وقالوا في جمعه "رئون"، أنشد أبو زيد: فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم... قلوباً وأكباداً لهم ورئينا

وقالوا: معدٌ رئي.
فأما قولهم "

المريء

" لمنفذ الطعام والشراب إلى المعدة، فيمكن أن يكون كـ"المعين" و "المصير" و "المسيل" في من قاله "أمسلة"، ويمكن أن يكون كـ"المسير" و"المعيش" في أخرى.
وقالوا في جمعه "أمرية" و "مرؤٌ": "فعلٌ"، فبين أنه على هذا "فعيل" وليس كـ"المسير".
فالذي يدل على الوجه الأول أنهم قالوا "المرؤ" في جمعه، فدل

ذلك أن الميم فاء.
حكى ذلك أبو عبد الرحمن صاحب أبي الحسن الأخفش.

فأما قوله تعالى ﴿أفرأيتم النار التي

تورون

﴾ فهو من "روي الزند بري" و "أرواه القادح"، وفي التنزيل ﴿فالموريات قدحاً﴾، وليس من باب "رأى" و "رأيت" في شيء.
وقيل في قول ابن مقبل: سل الدار من جنبي جبرٍ فواهبٍ... إلى ما رأى هضب القليب المضيح رأى: حاذى وقابل.
وهذا اتساع؛ لأن الرؤية بالبصر التي هي إدراك للمرئي تكون بمحاذاته ومقابلته، فجعل المقابلة رؤية وإن خلت من الإدراك، أو تكون إرادته من هذا المكان بحيث لو كان يدرك ببصره لأدركه منه.

ومن هذا ما في الحديث في المؤمن والكافر "لا

تتراءى

ناراهما" أي: لا تتحاذى فلا تتقابل، والمعنى به الكافر الحربي دون الذمي؛ لأن الذمي غير ممنوع من ملابسته والمناكحة وأكل الذبيحة، وإنما هو على من لم يكن ذا عهد أنه لا يقارّ في دور الإسلام حتى يصير ذمة بأداء الجزية، أو يكون على نهي المسلمين عن الإقامة بدار الحرب لتعريضه دمه للإباحة.

وقد روي عن علي رضي الله عنه كراهة اتخاذ النسل في دار الحرب.
و"رأيت" فعل على ثلاث أضرب: أحدها أن يراد بها إدراك الحاسة، فتتعدى إلى مفعول واحد.
والآخر: أن يكون من الرأي والنظر، ويكون ذلك متعدياً إلى مفعول واحد أيضاً.
والثالث: أن يكون متعدياً إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، كما أن "علمت" إذا لم تكن بمنزلة "عرفت" كذلك.
فأما "رأيت" إذا أريد بها إدراك حاسة البصر، فهو متعد إلى مفعول واحد، كما أن "ذقت" و"لمست" و "شممت" يتعدى إلى مفعول واحد.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ وكقوله ﴿لترونَّ الجحيم.
ثم لترونها عين اليقين﴾ فأما قوله تعالى ﴿ويوم القيامة ترى الذي كذبوا على الله ووجوههم مسودةٌ﴾ فإن جعلت "رأيت" المتعدية إلى مفعولين، كانت الجملة التي هي ﴿وجوههم مسودة﴾ في موضع نصب بكونها في موضع المفعول الثاني.
وإن جعلت "رأيت" بمنزلة "أبصرت" كانت الجملة في موضع نصب بالحال.
ولو أبدلت (وجوههم) من (الذين) فنصبت (مسودةً) كانت على القول الأول مفعولاً ثانياً، وعلى القول الآخر حالاً، قال سيبويه: "وارفع في هذا النحو إذا كان الثاني هو الأول أعرف في

كلامهم".
ومثل البدل في هذا: "خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها".
والتي بمعنى "أبصرت" هنا حسنة؛ وذلك أنه قد روي في تفسير قوله ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ أنها سواد الوجود وزرقة الأعين، فسواد الوجوه من هذه الآية علم، وزرقة الأعين في قوله ﴿ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقاً﴾، وذلك مما يدرك بالبصر ويعرف به، فلذلك حسن حمله على متعدية إلى مفعول واحد.
ولا يمنع أن يحمل على المتعدية إلى مفعولين؛ لأن كل محسوس معلوم بهذا الضرب من العلم، وإن لم يكن كل معلوم به محسوساً.
فأما ما روي من قوله "ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر"، فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون ذلك من الرؤية التي هي إدراك الحاسة؛ لأنه تعدى إلى مفعول واحد، وتلك الأخرى تتعدى إلى مفعولين؟ فالقول: إن هذه أيضاً ليست التي هي إدراك البصر، وإنما جاز ألا يذكر

المفعول الثاني الذي تقتضيه المتعدية إلى مفعولين؛ لأن الكلام قد طال بما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر؛ ألا ترى أن قوله "كما ترون القمر ليلة البدر" إنما هو تأكيد وتشديد للتيقن والتبعيد من اعتراض الشبه على العلم به تعالى.
فإذا كان كذلك كان بمنزلة ذكر ما هو بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصلات، نحو "علمت أن زيداً منطلق" و ﴿أحَسِب الناس أن يُتركوا﴾، فكما سد ما جرى في الصلتين مسد المفعول، كذلك سد ما بعد المفعول الأول في الحديث مسدّ المفعول.
ومن قال: إنه يضمر في الموصولين مفعولاً ثانياً، كان قياس قوله أن يضمر هنا مفعولاً ثانياً، كأنه "متيقناً" ونحو ذلك.
وأن يقالك إن ما ذكر سدّ مسدّ الفعل الذي يقع بعد "لو" حتى لم يظهر ذلك الفعل معه واختزل، فكذلك المفعول مع الموصولين في هذا الباب.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون المعنى: ترون ربكم: ترون علم ربكم، أي تعلمونه كما ترون ليلة البدر، أي: علم ربكم كرؤية ليلة البدر، فالمبتدأ الذي دخل عليه الذي هو بمنزلة "علمت" المتعدية إلى مفعولين: علم ربكم كرؤية ليلة البدر، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فيكون المعنى أنه قد شبه العلم بالقديم سبحانه في الآخرة بما يحس حساً بيناً لارتفاع الشبه العارضة في دار البلوى والمحنة هناك.
وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه من الكثرة بحيث لا يحتاج إلى الإكثار في الاحتجاج له؛ لتقرره عند المبتدئين، فكيف من جاوزهم.
ومثل ذلك قراءة من قرأ {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من

فضله هو خيراً لهم}.
والمعنى: لا تحسبن بخل الذين يبخلون، فكما حذف المفعول الأول في الآية، وأقيم المضاف إليه مقامه، كذلك حذف في الحديث، وأقيم المضاف إليه مقامه.
فأما النظر في قوله تعالى: ﴿ولا ينظر إليهم﴾ فقال أبو الحسن الأخفش: إنه كقول الرجل: إنما أنظر إليك، إذا كان يُنيله شيئاً، فليس حقيقة النظر عندي في الرؤية، وإن كان يجوز أن يقع عليها في الاتساع لما كان تقليب العين نحو المبصر؛ بدلالة قول ذي الرمة: فيامي هل يجزى بكائي بمثله... مراراً، وأنفاسي إليك الزوافر وإني متى أشرف على الجانب الذي به أنت، من بين الجوانب ناظر فاقتضاؤه الجزاء على ذلك يدل على أنه ليس بإبصار، وأنه علاج بمنزلة البكاء، والتنفس نحو ذلك، واقتضى الجزاء عليه كما اقتضى عليها، ولون كان رؤية لم يسغ ذلك فيها؛ لأن المحب لا يقتضي ممن يحب على رؤيته له جزاء، بل الأمر بعكس ذلك؛ ألا ترى أن أبا العباس أنشد: إذا كلمتني، وكحلت عيني... بعينك، فامنعي ما شئت مني فإن قلت: فقد اقتضى على زور طيفه الجزاء، وهذا مما يشتهيه المحب ويريده، فما تنكر أن يقتضي على الرؤية وإن كان يحبها؟

فإن هذا لا يستقيم ويكون بمنزلة الرؤية؛ لأن ذلك مما يهيج من شوق المحب؛ ألا ترى قوله: يا عيدُ مالك من شوقٍ وإبراق..................... فقول ذي الرمة: وإني متى أشرف على الجانب الذي... به أنت، من بين الجوانب ناظر مثل قوله: على أنني في كل سير أسيره... وفي نظري من نحو أرضك أصور إنما هو التلفت إلى الجهة التي هي فيها.
وأخذ بعض المحدثين هذا، فقال: ما سيرت ميلاً، ولا جاوزت مرحلةً... إلا وذكرك يلوي دانياً عنقي ويدل على ذلك قوله، أنشد عن المفضل: وحملت منها على نأيها... خيالاً يوافي، ونيلاً قليلا ونظرة ذي شجنٍ وامقٍ إذا ما الركائب جاوزن ميلا فالنظرة ههنا لا تكون الرؤية، إنما هو على التلَفُّت؛ الا ترى أنه لا يستقيم.

ورؤية ذي شجنٍ وامقٍ... إذا ما الركائب جاوزن ميلا لأن الركائب إذا جاوزن ميلاً لم ير الذي جاوزن به ما هو منه على هذه المسافة.
ومما نقل بالهمز من "رأيت" التي بمنزلة "آنست" قولاه تعالى ﴿أرنا الله جهرةً﴾ ﴿أرنا اللذين أضلانا﴾، كان قبل النقل: رأيت اللذين أضلانا، فإذا نقلت بالهمزة صار الفاعل قبل النقل مفعولاً بعد النقل.
وهكذا الأفعال المتعدية إلى مفعول، إذا نقلت بالهمزة تعدت إلى مفعولين.
فأما قوله ﴿اللذين﴾ فيمكن أن يكون المراد بلفظ التثنية الكثرة، ولا يراد بها اثنان، ولكن كما جاز ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾، إنما يراد به العموم.
فإن قلت: فهل جاء لفظ التثنية يراد به الكثرة والجنس؟ قيل: قد جاء قولهم: نعم الرجلان، ونعم المرأتان، ونعم وبئر لا يعملان إلا في الأسماء الشائعة.
وقد قالوا: "هما خير اثنين في الناس".
وقال الفرزدق: وكل رفيقي كل رحلٍ، وإن هما... تعاطى القنا قَوْماهما، أخوان

فأما قوله ﴿يرونهم مثليهم رأي العين﴾ فمنهم من قال: إن المعنى: يرونهم ثلاثة أمثالهم، وذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، والمشركون تسعمائة وخمسون رجلاً.
واعترض عليه بأن مثل الشيء في تعارف اللغة مساويه، وأن الله تعالى أرى المسلمين أن المشركين إنما هن ستمائة وكسر، وقد أعلم الله أن المائة تغلب المائتين، فأراهم المشركين على نحو ما أعلمهم أنهم يغلبون ليقوي قلوبهم، وأرى الله - سبحانه - المشركين المسلمين أقل من عدد المشركين، وألقى في قلوبهم الرعب.
والدليل على هذا قوله ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم﴾.
وأما "رأيت" المتعدي إلى مفعول واحد، وهو بمعنى النظر والاعتقاد دون الإدراك بالبصر، فكقولنا: فلان يرى الوعيد، ويرى القول بالعدل، يراد به يعتقده ويذهب إليه، وليس للأحديّ في هذا النحو وجه؛ لأن هذه الأمور لا تدرك بالأبصار.
ويدل على ثبات هذا الوجه وصحته قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ﴿فانظر ماذا ترى﴾، فـ"ترى" ههنا متعدية إلى مفعول واحد؛ ألا ترى أن (ماذا) لا يخلو من أن يكون "ما" مع "ذا" اسماً واحداً، أو يكون "ذا" بمنزلة "الذي".
فإن كانا بمنزلة اسم واحد كانا في

موضع نصب بـ"ترى"، وإن كان "ذا" بمنزلة "الذي" كان التقدير: ما الذي تراه، والضمير محذوف من الصلة، فعلى أي الوجهين حملت الآية، فالفعل متعد إلى مفعول واحد، فلا مذهب للإدراك بالبصر هنا، وليس السؤال عنه، إنما السؤال: هل تتابعني على ما أحاول من ذبحك، وتنقاد لي؟ ومما وقع في هذا منقولاً بالهمزة قوله تعالى ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾.
واستدل أبو يوسف بهذه الآية على جواز الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم.
ووجه ذلك أن النقل بالهمزة لا يخلو من أن يكون من "رأيت" التي هي بمنزلة "واعتقدت"، أو التي بمعنى "أبصرت"، أو المتعدية إلى مفعولين.
فلا يجوز أن تكون من التي بمعنى "أبصرت" فيكون كقولك "أراني زيد الهلال"؛ لأن حكم الرسول ليس بمقصور على ما يبصر، إنما يحكم عرفه الله ودله عليه.
فإذا كان كذلك علمت أنه لم ينقل من التي بمنزلة "أبصرت".
ولا يجوز أيضاً أن يكون النقل من المتعدية إلى مفعولين؛ لأن تلك إذا نقلت بالهمزة تعدت إلى مفعولين لم يقتصر عليهما في قول الناس جميعاً حتى تعدى إلى المفعول الثالث؛ ألا ترى أنك إذا قلت: أرى الله زيداً عمراً، لم يكن بد من أن تعديه إلى المفعول الثالث من حيث كنت إذا عديته إلى المفعول الأول قبل النقل، لم يكن بد من أن تعديه إلى المفعول الثاني؛ لأن المفعول الثاني هو خبر المبتدأ في المعنى، فكما لا يقتصر على المبتدأ دون خبره، كذلك لا يقتصر على المفعول الأول في "علمت زيداً" حتى تقول "خير الناس" وما أشبهه.
وإذا لم يجز الاقتصار على المفعول الأول في باب "علمت"، لم يجز الاقتصار على الثاني دون الثالث في باب "أعلمت"؛ لأن الثالث في

باب "أعلمت" هو الثاني في باب "علمت".
فإذا كانت المنقولة من

"رأيت" المتعدية إلى مفعولين

لا يجوز الاقتصار فيه على المفعول الثاني؛ لم يجز أن يكون قوله في الآية ﴿بما أراك الله﴾ منقولاً من المتعدية إلى مفعولين؛ لأنه لم يتعد في الآية إلى ثلاثة مفعولين، وإنما تعدى إلى اثنين، أحدهما كاف المخاطبة، والآخر الضمير المحذوف العائد من الصلة إلى الموصول.
فإذا لم يخل هذا النقل من أن يكون من واحد من الألفاظ الثلاثة، وبطل أنه من اثنين منها كما بينا، ثبت أنه منقول من الوجه الثالث، وهو الذي بمعنى "اعتقدت"، دون الضربين الآخرين.
الضرب الثالث من وجوه "رأيت": وهي المتعدية إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما، وذلك نحو "رأيت زيداً أخاك" و "علمت بكراً منطلقاً"، فهذا يجوز أن يقوله الأعمى كما يقوله البصير؛ لأنه لا يراد به الإبصار، وأنشد أبو زيد: تقوه أيها الفتيان إني... رأيت الله قد غلب الجدودا رأيت الله أكبر كل شيءٍ... محاولةً وأكثرهم جنودا وإنما لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين لأنهما في معنى المبتدأ وخبره، فكما لا يجوز الاقتصار [على أحدهما، كذلك لا يجوز الاقتصار] على أحد هذين المفعولين.
وكذلك ما يدخل عليه "كان" وأخواتها، و"إن" وأخواتها.

فإن قلت: فقد أقول "علمت أن زيداً منطلق"، و"حسبت أن يقوم بكر"، فاقتصرت على "أن" واسمها وخبرها، و"أن" وما في صلتها.
قيل: إنما جاز ذلك لسد الخبر الذي جرى في الصلة مسد خبر "أن".
وكذلك ما في صلة "أن" من الفعل.
ومثل ذلك "أقائمٌ الزيدان" و"أقائمٌ الزيدون" في أن الفاعل المرتفع بالاسم المبتدأ أغنى عن خبره، فحمل الكلام على المعنى؛ الا ترى أن قولك "علمت أن زيداً منطلق" و"علمت أن زيداً منطلق" و"علمت زيداً منطلقاً" في المعنى سواء.
فمما جاء في التنزيل من ذلك متعدياً إلى مفعولين قوله تعالى ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق﴾.
وقال ﴿إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً﴾.
فدخول الفصل في الموضعين يدلك على أن ما بعد الفصل مفعول ثان.
ويذهب أبو الحسن إلى أن الاقتصار على الفاعل في هذا الباب لا يحسن - وإليه ذهب أبو عمر الجرمي - فقال في قوله عز وجل ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾: "لا يعجبني قراءة من قرأ الأولى بالياء، وليس لذلك مذهب في العربية؛ لأنه إذا قال: لا يحسبن الذين يفرحون، فإنه لم يوقعه على شيء".
ووجه قوله

عندي في هذا أن "علمت" و "ظننت" وبابهما قد أجريا مجرى القسم في كلامهم؛ ألا تراهم تلقوها بما يتلقى به القسم في نحو قوله عز وجل ﴿وظنوا ما لهم من محيصٍ﴾.
وحكى سيبويه "ظننت لتسبقني"، وأنشد: ولقد علمت لتأتين منيتي... إن المنايا لا تطيش سهامها فكما أن القسم، وإن كان جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، لا يكون كاملاً مستقلاً حتى يوصل بالمقسم عليه، كذلك "ظننت" و"علمت" لما كانا قد أجريا مجراه، لم يستحسن الاقتصار عليهما حتى يوصل بالمفعولين.
وأيضاً فإن ذلك وإن كان جملاً، فإنها تدخل على المبتدأ والخبر، فكما أن سائر ما يدخل على المبتدأ وخبره لا يستقل حتى يدخل عليهما، كذلك كان "علمت" و "ظننت" وبابهما.
فإن قال قائل: فقد قال الكميت: بأي كتابٍ أم بأية سنةٍ... ترى حبهم عاراً علي وتحسب فلم يعد "تحسب" إلى شيء.
قيل: لا يقدح هذا في ما ذهب إليه أبو الحسن، وذلك أن الشاعر أراد إعمال الفعلين، فاستغنى بإعمال الأول عن أن يعمل الثاني، فحذف المفعولين من الفعل الثاني لدلالة ما تقدم عليهما؛ ألا ترى أن المعنى: ترى

وتحسبه إياه حبهم عاراً، وما حذف من اللفظ لقيام الدلالة عليه فهو بمنزلة الثابت في اللفظ.
ومثل هذا قول جرير: كنقا الكثيب تهيلت أعطافه... والريح تجبر متنه وتهيل وفلم يع الثاني لدلالة الأول على إرادته تعديته.
وفي التنزيل ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ والمعنى: وتبدل السموات غير السموات، فحذف المفعول من اللفظ لدلالة الأول عليه.
وذكر سيبويه أن بعض العرب تقول: "متى ظننت أو قلت زيداً منطلقاً"، فتعمل "ظننت" ولا تعمل "قلت" في شيء.
فإذا كان هذا على ما ذكرناه، لم يكن فيه قدح على قول أبي الحسن.
وتقول: من زيدٌ؟ وزيدٌ من هو؟ فإن أدخلت "رأيت" أو "علمت" على: زيدٌ من هو؟ قلت: علمت زيداً من هو، فنصبت زيداً لأنه المفعول الأول، والاستفهام في موضع المفعول الثاني، كما كان قبل في موضع خبر الابتداء.
والدليل على حسن النصب قولك: علمته من هو، وقد يجوز أن تعلق "علمت" عن "زيد" وترفعه، فتقول: علمت زيدٌ من هو، تحمل الكلام على المعنى؛ لأن المعنى: علمت من زيدٌ، فكما أن زيداً لا يكون فيه إلا الرفع، فيما تعطفه على "إن" بعد عملها في اسمها وخبرها نحو "إن زيداً منطلقٌ وعمروٌ" لما كان معنى "إن زيداً منطلقٌ" و "زيدٌ منطلقٌ" واحداً، فكذلك يجوز

في الاسم المتقدم على الاستفهام الرفع إذا كان معناه بعد الاستفهام كمعناه قبله، والرفع قول يونس.
ومن قال: "علمت زيدٌ أبو من هو" فرفع وعلق "علمت" و "رأيت" عنه لما ذكرت لك، قال: "أرأيتك زيداً ما صنع" فنصب زيداً ولم يرفعه بعد "أرأيتك" كما رفعه بعد هذه الأفعال الأخر، وذلك أن "أرأيتك" قد صار كقوله "أخبرني"، فكما أنك لا تعلق "أخبرني" وما أشبهه من الأفعال التي لا تلغى، كذلك لا تعلق "أرأيتك" في قولك: "أرأيتك زيداً ما فعل"، ولا تقتصر فيه على مفعول واحد، كما يفعل ذلك في "أخبرني" لأنه في الأصل متعد إلى مفعولين، ولأن المعنى: أخبرني عن كذا.
والتاء في "أرأيتك" على لفظ التذكير والإفراد، كان الفاعل مفرداً أو مثنى أو مجموعاً، أو مؤنثاً، استغنى بما لحق من علامة الخطاب على هذه الوجوه على تثنية الضمير وجمعه وتأنيثه، فمن ثم جاء ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً أو جهرةً﴾.
ومثل ذلك قولهم "هاك" و "هاكما"، ولو لم يلحق الكاف غيرت، كما قال ﴿هاؤم اقرؤوا﴾: فجمع لما لم يلحق الكاف.
فأما الكاف فلا موضع لها من الإعراب، وإنما هي علامة للخطاب؛ الا ترى أنه لو كان لها موضع لكان نصباً، ولوجب أن يكون

الاسم الواقع بعدها إياها في المعنى.
وفي كون الاسم الواقع بعدها غيرها دلالة على أنها ليست المفعول الأول، فغذا لم تكن المفعول الأول لم يكن لها موضع من الإعراب، كما ليس لكاف "ذلك" و "هنالك" و"رويدك" في من جعله اسماً للعفل موضع من الإعراب.
ومثل هذه الكاف تاء "أنت".
فأما الاسم المنصوب بعد "أرأيتك" فالمفعول الأول، وما بعده من الاستفهام في موضع المفعول الثاني، وموضعه نصب بذلك.
فأما قوله عز وجل ﴿أرأيت الذي ينهى.
عبداً إذا صلى.
أرأيت إن كان على الهدى.
أو أمر بالتقوى.
أرأيت إن كذب وتولى.
ألم يعلم بأن الله يرى﴾ فـ"أرأيت" الثانية بدل من الأولى، والاستفهام في موضع المفعول الثاني للفعل الأول.
ويجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفاً من الأول لدلالة قوله ﴿ألم يعلم بأن الله يلى﴾ على ذلك، كأنه "ناج" أو "غير مأخوذ بفعله" أو ما أشبه ذلك.
وقد يجوز أن يكون كرر توكيداً، كما كرر "قل" توكيداً في قوله عز وجل ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾.
فـ"قل" ههنا توكيد؛ لأن "أرأيتك" و "أرأيت" تعمل على ضربين:

أحدهما

###: أن يكون بمعنى "أخبرني".

وإذا كان كذلك فلا بد من أن يتعدى إلى مفعول ينتصب به، ويوقع الاستفهام في أكثر الأمر في موضع المفعول الثاني.

والآخر: أن يكون بمعنى "انبته".
فإذا كان الأمر على ما وصفنا لزم أن يكون "قل" تكريراً؛ ليقع الاستفهام الذي بعدها في موضع المفعول الثاني.
ويقارب ذلك في التوكيد والاعتراض بين المفعول الأول والثاني قوله ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ ح لأن المفعول الأول لما تعدى إليه "أرأيتم" لازم أن يتعدى إلى الثاني الذي هو الاستفهام، فصار "أروني" تأكيدا" لما دل عليه "أرأيتم"؛ ألا ترى أن "أرأيتم" بمنزلة "أخبروني" [و"أخبروني"] و"أعلموني" متقاربان.
وإنما وقع الاستفهام في خبرها لأنه بقوله "أرأيتك" مستفهم، إنما يريد: أرأيت زيداً ما حمل زيداً، فكرره مرتين للتأكيد.
ومن ذلك قوله عز وجل ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله﴾.
ومثله قوله ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل﴾.
فأما قوله ﴿أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل على مثله﴾ فقد حذف الاستفهام الذي يقع في موضع المفعول الثاني، وكأن التقدير: أتأمنون عقوبة الله؟ أو: لا تخشون انتقامه؟ وأما ما جاء "أرأيت" فيه بمعنى "انتبه" و"انتبهوا" كما أن ﴿ألم تر﴾ كذلك، فقوله ﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت﴾ كأن

المعنى: انتبه، فإني نسيت الحوت، ولذلك دخلت الفاء كما تدخل في جواب الجواء.
ومثله ﴿أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم﴾، كأنه قال: انتبهوا، فمن يأتيكم، كما كان قوله ﴿فإني نسيت الحوت﴾ كلك.
ولا يكون جواب الجزاء الذي هو ﴿إن أصبح ماؤكم غوراً﴾، ولكن جواب ما دل عليه "أرأيتم" الذي هو بمعنى "انتبه"، كما أن الفاء في قوله ﴿فسلامٌ لك من أصحاب اليمين﴾ ليس هو بجواب، إنما هو جواب "أما".
وقد جوز أبو الحسن زيادة الفاء في هذا النحو، إنما هو جواب (أما).
وقد جوز أبو الحسن زيادة الفاء في هذا النحو، فيكون الاستفهام بعد تقدم زيادة الفاء قد سدت مسدّ المفعولين.
ولا يكون "أرأيتم" بمعنى "أخبرني" على هذا؛ لأن تلك تتعدى إلى مفعول قبل الاستفهام، أو يلحق الكلام ما يكون بدلاً من لمفعول، كقولهم: أرأيتك أنت من حملك على هذا، فـ"أنت" قد صار بدلاً من المفعول به، حتى لم يستعمل معه المفعول، كما لم يستعمل الواو في قولهم "لاها الله ذا".
فأما قوله عز وجل ﴿أفرأيتم اللات والعزى.
ومناة الثالثة الأخرى.
ألكم الذكر﴾، فهو بمنزلة "أخبروني"، فتعدى "أرأيت" إلى المفعول، ووقع الاستفهام في موضع المفعول الثاني، والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله ألكم الذكر.
وإن قلت: فقد نص على أن الموصول لا يحذف، فكيف ساغ هذا؟ قيل: جاز هذا لأن هذا المعنى قد تكرر فصار معلوماً لتكريره، فكذلك

احتمل الحذف، وكان الحذف بمنزلة الأداة؛ ألا ترى أنه جعل "كلاً" في قوله: أَكُل امرئٍ تحسبين امرأً... ونارٍ توقد بالليل نارا بمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به، وإن كان محذوفاً.
وقد دل قوله عز وجل ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ على ذلك.
وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة.
فأما ما روي أنه كان يتصل بقراءة بقوله ﴿أفرأيتم اللات والعزى.
ومناة الثالثة الأخرى﴾ ﴿وتلك الغرانقة العلا.
وإن شفاعتهم لترتجى﴾ وقوله ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ فقد ذهب قوم من أهل النظر إلى إنكار ذلك، وذهبوا إلى أن مثله لا يجوز على الأنبياء،

كما لا يجوز عليهم الكبائر.
فإن ثبتت الرواية بذلك احتمل وجهين: أحدهما: أن يعني بالغرانقة العلا الملائكة دون الأصنام؛ لأن الملائكة قد جرى ذكرهم، وشفاعة الملائكة ترتجى بقوله ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، وبقوله ﴿فاغفر للذين تابوا اتبعوا سبيلك﴾.
والآخر: أن يُعنى بالغرانقة العلا الأصنام، ولا يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها على الحد الذي أنكره من ذكرنا من أهل النظر، بل يكون على جهة التوبيخ لهم بذلك، كما أنهم يوبخون بعبادة اللات وغيرها وتعظيمهم، فيكون معنى الغرانقة وشفاعتهم ترتجى، أي: الغرانقة العلا عندكم، وشفاعتهم ترتجى عندكم، ويكون هذا مثل قوله ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ عند نفسك، وكقوله حكاية عن السحرة لموسى ﴿وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك﴾.
فإن قال قائل: كان الساحر في ذلك الوقت يعظم.
فهو قول بعيد؛ لأن هؤلاء السحرة آمنوا بدلالة إخبار الله عنهم بذلك في غير موضع.
وإذا آمنوا تبينوا بطلان ما كانوا عليه، وأنه لم يكن له حقيقة، فإذا تبينوا ذلك لم يكن الساحر معظماً عندهم، وإن كان معظماً عند غيرهم من

أهل عصرهم، فإذا كان غير معظم عندهم ثبت أن قوله ﴿يا أيها الساحر﴾ عند هؤلاء.
فإن قيل: فهذا على غير هذه الجهة، وهو على الحقيقة كقوله ﴿فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون﴾.
فالذين قالوا ﴿يا أيها الساحر﴾ مؤمنون.
قيل: يكونون مؤمنين بدلالة إخبار الله بذلك، وإنما قال ﴿إذا هم ينكثون﴾ وعنى به من لم يؤمن من هؤلاء السحرة وغيرهم دون من آمن؛ لأن هؤلاء سألوا أن يدعو الله لهم، وأخبروا أنهم مهتدون.
ونظير هذا أيضاً قوله ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً﴾ أي: خيراً عندهم؛ لأن ذلك لو نالوه من المسلمين لم يكن ذلك خيراً في الحقيقة.
ونظيره أيضاً قولهم ﴿يا أبانا إن ابنك سرق﴾ في من فتح الأول وخفف، أي: سرق فيما نظن وفيما ظهر لنا.
ومثله أيضاً قول عالم موسى ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبراً﴾ أي: في غالب ظني، وفي رأيي، وعندي، ونحو ذلك؛ ألا ترى إلى موسى عليه السلام ﴿قال ستجدني إن شاء الله صابراً﴾ أي: في غالب ظني، فلولا أن ذلك على ما قلنا لكان موسى قد أكذبه، وتكذيبه لا يجوز، لأن هذا العبد الصالح نبي لإخباره بالغيب.

ومثل ذلك من الشعر ما أنشدناه بعضهم لجرير في جواب زهرة اليمن وقد قال فيه: أبلغ كليباً، وأبلغ عنك شاعرها... أنى الأعز، وأني زهرة اليمن ألم يكن في وسومٍ قد وسمت بها... من حان موعظةٌ يا زهرة اليمين فعلى هذا النحو يكون تأويل "الغرانقة العلا" وروايته، وإذا صح فقد نسخ على وجهة النسيان من الناس له، لا على جهة التبديل له بشيء آخر؛ لأنه ليس بأمر، إنما هون خبر، وإنما نسخ لأنه كان أبلغ في المصلحة.
فإن قال قائل: فهلا لم ينزل لئلا يحتاج إلى إنسائه؟ قيل: كان إنزاله في الوقت الذي أنزله فيه أصلح من أن لا ينزل، فلذلك نزل.
وتقول: "رأي عيني زيداً يفعل ذلك"، فقولك "يفعل" في موضع نصب على الحال، كقولك "ضربي زيداً قائماً" و "أكثر شربي السويق ملتوتاً".
ولو جعلت المصدر للمتعدية إلى مفعولين لم يجز أن لا تأتي له بخبر؛ لأن الحال لد سدّ مسدّ أخبار المصادر، والمفعول الثاني لم يسدّ مسدّ أخبار المصادر، ومن ثم لم يجز "سمع أذني زيداً يقول ذاك" حتى تقول "حسنٌ" أو "حقٌّ" ونحو ذلك؛ لأن "سمعت" إذا عُدّي إلى "زيد" ونحوه، لم يكن له من مفعول مما يسمع زيد، كقولك: سمعت زيداً يقول ذاك، أو: يشتم عمراً، ونحو ذلك من المفعولات التي تسمع.

فإن قلت: فقد جاء ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾، فعدي إلى المخاطبين، ولم يذكر مفعولاً آخر مما يسمع.
فالقول: إن المعنى: هل يسمعون دعائكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم﴾.
واعلم أن المضارع من "رأى" على "يفعل" مفتوح العين للهمزة التي هي عين الفعل.
ويوافق أهل التحقيق أهل التخفيف في تخفيفها، حتى صار التحقيق فيها شاذاً عن الاستعمال، كما بني "يذر" و "يدع" ونحوه مما رفضوه في استعمالهم، وإن كان القياس يوجبه، قال سيبويه: "مما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قولك: أرى وترى ويرى، وذلك أن كل شيء أوله زائدة سوى ألف الوصل من رأيت فقد أجمعت العرب على تخفيفه لكثرة الاستعمال، جعلوها تعاقبها زائد المضارعة.
وذكر أبو الخطاب أنه يسمع من يقول من العرب الموثوق بهم: قد أرآها".
وربما في الشعر كما يجيء "وذر" و"ودع" وإظهار التضعيف الذي لا يظهر في الكلام، فمن ذلك قول سراقة البارقي، أنشده أبو زيد:

أُرِي عيني ما لم ترأياه... كلانا عالمٌ بالترهات وأنشد أبو زيد أيضاً: ألم تر ما لاقيت، والدهر أعصرٌ... ومن يتمل العيش يرأ ويسمع وأنشد: لما استمر بها شيحان مبتجح... بالبين عنك بما يراك شنآنا وقال: "الشيحان: الغيور، والمبتجح: المفتخر".
فأما قول الشاعر: وتضحك مني شيخةٌ عبشميةٌ... كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً

جارٍ التحميل