عليه، فإذا لم يجز أن يكون العامل "أفعل" كان إما "هذا" [وإما] المضمر.
فإن أعملت فيه المضمر الذي هو "إذ كان" لزم أن يكون العامل في "إذ" هذه المضمرة قولك "هذا" أو ما فيه معنى فعل غيره.
فإذا كان العامل كذلك، ولم يكن لك بد من إعمال [عامل في] الظرف، أعملت "هذا" في نفس الحال، واستغنيت عن إعمال ذلك المضمر في الحال إذ لابد لك من إعمال شيء فيه، فإذا أعملت "هذا" وتأولت ما ذكره من قوله "إنما قال الناس هذا منصوب على إضمار إذ كان" على إرادتهم معنى هذا الكلام لا حقيقة لفظه، وجعلت "أطيب" خبر "هذا" المبتدأ، وإن كان قد عمل في الحال كما تقول "ضرب زيد عمراً حسنٌ"، فتأتي له بخبر بعدما أعملته في المفعول.
فأما قولهم "رُطباً" فالعامل فيه "أطيب".
ولا يمنع أن يعمل في رُطب وإن لم يعمل في بسر؛ لأن ما تأخر عنه لا يمنع أن يعمل فيه،
كما عمل في الظرف في قول أوس:
فإنا وجدنا العرض أحوج ساعةً... إلى الصوت من ريطٍ يمانٍ مسهم
الا ترى أن "ساعةً" معمول "أحوج" فكما عمل في الظرف كذلك يعمل في الحال إذا تقدم عليها.
ولو رفعت فقلت: "أطيب منه رطبٌ" لكان قولك "أطيب منه رطبٌ" خبراً لـ"هذا"، فكان "أطيب" ابتداء، و"رُطب" خبر، والجملة في موضع خبر المبتدأ الأول، ولم يستقم أن يكون "بسراً" خبراً لـ"هذا" مستقلاً به، ويكون "أطيب منه رطبٌ" جملة في موضع الوصف لـ"بسر" النكرة؛ لأن ظروف الزمان لا تكون أخباراً عن الجثث، و"إذ" و"إذا" جميعاً من أسماء الزمان.
ولا يجوز على ما أجازه أبو عثمان في قولهم "زيدٌ خيرٌ ما يكون خيرٌ منك" إذا تؤول على ظاهره، أن يكون "بسراً" حالاً من "أطيب منه" مقدماً؛ لأن "أطيب منه" قد انتصب عنه "رطباً" ولا يجوز إذا انتصب عن فعل أو معنى فعل حال أن ينتصب عنه اسم آخر على أنه حال، كما لا ينتصب عنه مفعولان إلا أن تجعل الثاني صفة للأول، ولا يجوز ذلك في هذه الحال، ألا ترى أنه لايستقيم أن تصف "البسر" بـ "الرطب".
والذي يحمل عليه هذا الباب أن تنصب "بسراً" على هذا الظاهر الذي ذكره، كأنه قال: هذا إذا كان بسراً، وإذ كان بسراً، أطيب منه إذا كان رطباً، فيكون الظرفان جميعاً متعلقين بـ"أطيب" لأن "أفعل" فيه دلالة على فعلين؛ ألا ترى أن أبا الحسن قد أجاز "أنت اليوم أفضل منك غداً" فعلق الظرفين به، وقال: لأن هنا فعلين.
فإذا كان كذلك جاز أن تعلق الظرفين هنا
أيضاً به، فإذا علقتها به انتصب الحالان بالفعلين المضاف إليهما الظرفان، ولا يجوز أن تعمل هذا المعنى في الحالين من حيث أعملته في الظرفين؛ لأن الحال لا تعمل فيها المعاني إذ تقدمت عليهن، وإن جاز أن تعملا في الظرف متقدمة نحو "أكل يومٍ لك ثوبٌ".
وهذا هو الذي عليه عمل الباب، قال: "ومنه مررت برجلٍ أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون، وبرجلٍ خير ما يكون خيرٍ منك خير ما تكون، وهو [أخبث ما يكون] أخبث ما تكون.
فهذا كله محمول على [مثل] ما حملت عليه ما قبله".
قال أبو العباس: سألت أبا عثمان عن قوله
"مررت برجلٍ خير ما يكون خيرٍ منك خير ما تكون":
أتجيز الجر في "خير ما تكون"؟ فقال: لا؛ لأنه صفة لـ"خيرٍ منك" وليس من "مررت" في شيء؛ الا ترى أنك تقول
###: "زيدٌ خير ما يكون خيرٌ منك"،
فانتصابه في المبتدأ دلالة على أنه ليس بمتعلق بـ"مررت".
إن قلت: كيف أجاز أبو عثمان أن يكون "خير ما يكون" منتصباً عن "خيرٍ" وقد قُدِّم عليه، و"خيرٍ منك" معنى، وما ينتصب عن المعاني من الأحوال لا يتقدم عليها، وقد قدمت أنت في هذا الباب ما يدل على خلاف ما قال أبو عثمان؟
قلنا: قول أبي عثمان يحتمل غير وجه، فإن حملته على أن "خير ما يكون" منتصب بـ"خيرٍ منك" نسفه بغير توسط شيء مع أنه ليس بأسهل
ذلك، فوجهه أن "أفعل منك" قد أشبه الفعل من جهات: منها أنه لم يُثَنّ ولم يُجمع، كما أن الفعل كذلك، ولم يؤنث، وقد وصل تارة بالحرف وتارة بغير الحرف، نحو قوله: ﴿أعلم بمن ضل عن سبيله﴾ و ﴿أعلم من يضل﴾، وهذا المعنى إنما يكون في الفعل، فإذا وجد هذا الشبه للفعل في شيء أعطي حكمه؛ الا ترى أنهم أموالوا "يا" في النداء حيث وصل مرة باللام ومرة بلا لام، فكما شبه "يا" بالفعل فأميل، كذلك شبه هذا بالفعل فُدم ما ينتصب عنه.
ومن شبه "أفعل" الفعل أنه قد أغنى عن الفعل الذي يُعلق في قوله ﴿أعلم من يضل عن سبيله﴾.
ومن شبهه به أن الجار قد قُدّم عليه في الشعر نحو:
...................... أو ما زودت منه أطيب
ومنه أيضاً أنه قد نصب الظرف في قوله:
.................. أحوج ساعةً............................
وقال:
فخيرٌ نحن عند الناس منكم...........................
فأكد ما فيه.
فلما حصل فيه هذه المشابهات بالفعل، جاز أن يقدم ما ينتصب بالحال عليه، إذ كان الحال مشبهاً بالظرف من حيث كان مفعولاً فيه كالظرف، فلما كان الظرف قد عملت فيه المعاني مقدماً، وكان الحال مثله في أن المعنى قد عمل فيه، استجيز في هذا الموضع أن يعمل "أفعل" فيه متقدماً، وإن لم يعمل فيه سائر المعاني متقدماً؛ لهذه المشابهات التي في "أفعل" بالفعل، ولأنه من لفظ الفعل وعلى وزنه، وليس شيء من هذه المشابهات في "خلفك" وقولك "في الدار" ونحوه.
فلما اختص "أفعل" بهذه المشابهات، جاز عند أبي عثمان في تأويل قوله على هذا أن يعمل فيها متقدمة عليه، إذ جاز غير ذي شك "زيدٌ منطلقٌ" وإذ قد حمل في هذا الباب أشياء على الاتساع والمجاز؛ ألا ترى أنه قد جاز أن تكون الحال مضافة إلى "ما" التي هي مع الفعل بمنزلة المصدر، نحو "مررت برجلٍ خير ما يكون خيرٍ منك".
ويحتمل أن يكون قول أبي عثمان "لا، لأنه [صفة] لخيرٍ منك" يريد به أن "خير ما يكون" العامل فيه الفعل المضاف إليه الظرف المحذوف، وذلك الظرف [صفة] لـ"خيرٍ منك"، و"خير منك" لا يمتنع أن يعمل في الظرف إذا تقدمه، وإن امتنع أن يعمل في الحال مقتدمة.
وهذا الوجه أسهل وأشبه بمجرى هذا الباب؛ ألا ترى أن سيبويه قد قال: "فهذا كله محمول
على ما حملت عليه ما قبله".
والذي ذكر قبل أن ذلك على إذ كان، وإذا كان.
ويحتمل أن يكون انتصاب "خير ما يكون" في
"زيدٌ خير ما يكون خيرٌ منك"،
أنه لما قال "خيرٌ منك" دل هذا الكلام على "يفضلك" فانتصب "خير ما يكون" بالفعل الدال عليه "أفعل".
فأما كون المصدر مضافة إليه الحال مع أنه معرفة، وحكم الحال أن تكون نكرة، فقال أبو العباس: سألت أبا عثمان عنه، فقال: جاز أن يكون ما أضيف إليه منتصباً على الحال، وإن كان معرفة، كما جاز أن يكون "جهدك" حالاً.
ويجوز فيه - عندي - وجه آخر، وهو أن "ما" هذه قد وقعت وصفاً للنكرة في قولهم "مررت برجلٍ ما شئت من رجلٍ".
فكما وقعت وصفاً للنكرة، كذلك تقع حالاً للمعرفة في هذا الموضوع.
وهذا كأنه أبين من الأول؛ ألا ترى أن "جهدك" و"العِراك" يدل على "تعترك" و"تجتهد"، و"تعترك" و"تجهد" يقوم مقام "معتركةً" و"جاهداً"، وهذا المصدر - أعني ما مع الفعل الذي يوصل به - لا يدل على ذلك.
فإن قلت: أفليس هو معرفة؟
قيل: هو وإن كان معرفة، فقد قدر في هذا الباب [في] أشياء على لفظ المعارف الانفصال، نحو قولك "مررت بناقة عبر الهواجر" و"قيد الأوابد"، وكـ"ضارب زيد غداً" فكذلك يكون هذا.
قال أبو عثمان: ويجوز أن يجعل "ما" نكرة، و"يكون" صفة له.
قال الحسن أبو علي: إذا جعل "يكون" صفة لـ"ما" كان "ما" بمنزلة "شيء" كما أن قوله ﴿فنِعِمَّا هي﴾ كذلك، صار التقدير: خير شيء يكون، و"شيء" وإن كان على لفظ الواحد، فالمراد به الشياع، وكان في باب إضافة البعض إلى الكل نحو "أفضل رجل" و"أفضل الرجال"؛ لأنه يشيء من الأشياء، كما أنه رجل من الرجال.
فإن قلت: فإذا كان قولك "يكون" صفة، فما العائد منه إلى "ما" المنكورة الموصوفة، وهذا الضرب من الصفة لا يخلو من ذكر يعود منه إلى الموصوف؟
فالقول في ذلك: إن "يكون" في قولك "مررت برجلٍ خير ما يكون"، إذا جعلت "ما" نكرة بمنزلة "شيء"، ففيه ضمير "رجل" الموصوف بـ"خير"، وإذا تضمن هذا الضمير لم يجز أن يكون فيه ضمير يرجع إلى "ما".
والدليل على تضمنه هذا الضمير قولك "مررت برجلٍ خير ما يكون خيرٍ منك خير
ما تكون" فكما أن في "تكون" ضمير المخاطب، كذلك يصير في "يكون" ضمير الغائب.
وإذا لم يخل "يكون" إذا قدرت صفة من ضمير يرجع إلى "ما" الذي قولك "يكون" صفة له، ولم يجز أن يكون الضمير المرفوع الذي للغائب راجعاً إليه، لما ذكرنا من الدلائل على ذلك، وجب أن يعود من غيره، وذلك الغير لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يقدر "يكون" التي بمعنى "وقع وحدث"، وهذا الوجه الذي يحمل عليه هذا الباب.
أو طيكون" الأخرى.
فإن كانت التي في قوله ﴿وإن كان ذو عسرةٍ﴾ وجب أن يكون التقدير: خير ما يكون عليه، فحذفت الكلمة للدلالة، كما قال سيبويه في قوله ﴿واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً﴾: إن المعنى فيه، فحذف.
وإن قدر فيه الاتساع وحذف الجر وإيصال الفعل إلى المفعول في من حذف الضمير المتصل من الفعل، كقولك "هذا رجل قريب" كان وجهاً.
ونظيره فيما حذف هذا الجار منه، وأوصل الفعل، قراءة من قرأ ﴿قدروها تقديراً﴾، أي: عليها.
وقال الأخطل:
كأنه واضح الأقراب في لقحٍ... أسمى بهن، وعزته الأناصيل أي: عزت عليه.
وإن قدرت "يكون" المقتضية للخبر كان التقدير: خير شيء يكونه، ثم حذف الضمير من الصفة.
وهذا الوجه الذي تأول عليه أبو عثمان "ما" من أنها نكرة، أوضح في التقدير من الوجوه الأخر؛ ألا ترى أن "خير ما يكون" في قولك
"مررت برجلٍ خير ما يكون خيرٍ منك
خير ما تكون" لا يخلو من أن يكون حالاً لـ"رجل" في المعنى أو للمخاطب، وكل واحد منهما شيء من أشياء.
ولو قلت "هذا رجل خير شيء" أو "أنت خير شيء" لمخاطب، كان مستقيماً، وكنت مضيفاً لـ"أفعل" إلى ما هو بعض له.
والوجه الآخر هو الذي تكون "ما" فيه بمنزلة الأحوال، وكالعبارة عنها، ليس كذلك؛ ألا ترى أن "الرجل" و"زيداً" ونحوهما ليسا بالأحوال ولا منها، وإنما يجوز على الاتساع، وعلى ضرب من التقدير نذكره إن شاء الله، وهو وإن كان أغمض، فعليه أكثر الناس.
والفرق بين الفصل الثاني والفصل الأول اللذين قدمناهما، أن الاسم المنتصب على الحال في الفصل الثاني معرفة للإضافة إلى المعرفة، والاسم المنتصب على الحال في الفصل الأول نكرة.
وقوله "فهذا كله محمول على حملت عليه ما قبله" أي: كل هذه المعارف المنصوبة على الحال، وهو "بسراً" و"رُطباً"؛ لئلا يظن أن اختلافهما في التعريف والتنكير يمنع أن يحمل القبيلان على أمر واحد.
قال: "وإن شئت قلت: مررت برجلٍ خير ما يكون خيرٌ منك، كأنه
يقول: مررت برجلٍ خير أحواله خيرٌ منك، أي خيرٌ من أحوالك.
وجاز له أن يقول: خيرٌ منك، وهو يريد: خير من أحوالك، كما جاز أن تقول: نهارك صائمٌ".
وإذا قال "مررت برجلٍ خير ما يكون خيرٌ منك" فالجملة صفة للنكرة، والكلام على وجهه لا اتساع، كما كان فيه إذا نصب "خير ما يكون" على الحال من تنزيل العين منزلة الحدث.
فأما الذي فيه من الاتساع فإقامة المضاف إليه مقام المضاف في قوله "خيرٌ منك"، وهو يريد: خيرٌ من أحوالك، كما أن قولهم "نهارك صائمٌ" كذلك؛ لأن تقديره على ما يدل على تشبيهه في هذا الموضع حذف المضاف، أي: صاحب نهارك، وذو نهارك صائم، وهو هو.
وقد حمل على هذا الوجه في موضع آخر.
ويجوز في "نهارك صائمٌ" أن يكون الكلام على وجهه، لا يقدر فيه حذف المضاف، ولكن نسب الصيام إلى النهار لما كان فيه، كان أسند السير إلى الفرسخين لما فعل فيهما في قوله "سير به فرسخان"، وكما أُسندت الولادة إلى الستين في قوله "وُلِد له ستون عاماً" لما كان الولادة فيها.
قال: "وتقول
###: البُر أرخص ما يكون قفيزان،
أي: البُر أرخص أحواله قفيزان".
البر: مبتدأ، وأرخص ما يكون: مبتدأ ثان، فيه ذكره عائد على الأول.
وقفيزان: خبر المبتدأ الثاني، و"أرخص ما يكون" في هذه المواضع على ما ينبغي أن يكون عليه في القياس، وليس هو على حد قولك "مررت برجلٍ خير ما يكون خيرٍ منك خير ما تكون"؛ ألا ترى أن الموصوف في هذا الموضع بمنزلة الحدث.
وكذلك في قولك "أخطب ما يكون عبد الله قائماً".
وليس في قولك "البُر أرخص ما يكون قفيزان" كذلك؛ لأنه في هذا الموضع بمنزلة قولك "زيدٌ أحسن أحواله القيام"، فـ"أحسن" في قولك "أحسن أحواله" عبارة عن حال من أحوال هي أحداها، و"القيام" هو هي في المعنى.
فإن قلت: إن خبر المبتدأ إذا كان مفرداً كان الأول في المعنى، وليس القفيزان بالأرخص في المعنى؛ لأن الأرخص يراد به الحدث، والقفيزان عبارة عن العين المكيل به، والعين لا تكون الحدث!
فالقول: إن المضاف محذوف، والتقدير: أرخص أحواله بيع قفيزين، أو تسعير قفيزين، فأقيم المضاف إليه مقامه لكثرة ذلك في كلامهم والعلم بالمعنى؛ الا ترى أنهم قد حذفوا منه الثمن الذي هو "بدرهم" أو "بدينار" ونحو ذلك لهذا المعنى، فكما حذفوا هذا الذي ذكرت البتة، كما حذفوا من قولهم "الكُرُّ بستين"، كذلك أقاموا المضاف إليه مقام المضاف في قولهم "أرخص ما يكون قفيزان" والتقدير ما تقدم.
وقوله "البر أرخص أحواله التي يكون عليها" إنما وصف الأحوال التي يكون عليها؛ ليعلم بذلك أن القفيزين خبر المبتدأ، وأنه ليس من كلام آخر ولا جملة أخرى، وليس على حد قولك "أخطب ما يكون زيدٌ أحسن ما يكون" إذا جعلتهما خبرين لما قبلهما من المبتدأ، فأراد أن يعلم أن "أرخص ما يكون" في قولك "البُر أرخص ما يكون" مبتدأ ثانٍ، وليس بخبر ابتداء؛ لأن "أرخص ما يكون ونحوه إذا كان خبر
الابتداء في الموضع الذي ذكرنا لا يوصف.
وعلى هذا أيضاً قال: "كأنك قلت: البُر أرخص أحواله" ليبين أنه مبتدأ ثان لا خبر؛ ألا ترى أن من قال "زيد أحسن ما يكون"، فجعله خبر المبتدأ، لم يقل "زيد أحسن أحواله"؛ لأن الاتساع على هذا وقع، كما أن معنى التعجب إنما وقع في قولك "ما أحسن عبد الله"، ولم يستقم "شيءٌ أحسن عبد الله"، وإن تقارب المعنيان.
فإن قلت: لم لا يكون قوله "التي يكون عليها" صفة لـ"أرخص" دون الأحوال؟
قيل: لأن "أرخص" مذكر، فلو كانت الصفة له لوجب أن يكون مذكراً، ولا تحمله على "ذهبت بعض أصابعه"؛ لأن القصد فيه أن يُعلم أنه إذا وصف لم يكن الذي يقع خبراً للمتبدأ في نحو "زيدٌ أحسن ما يكون".
قال: "ومن ذلك هذا البيت، يُنشد على أوجه، بعضهم يقول:
الحرب أول ما تكن فتيةٌ........................
أي: الحرب أولها فتيةٌ، ولكنه أنث الأول كما تقول: ذهبت بعض أصابعه".
هذا مثل قوله: "البُر أرخص ما يكون قفيزان"، وأنت الأول
لأنه الفتية في المعنى، كما أنث البعض لما كان إصبعاً في المعنى.
والعائد على المبتدأ الأول الذي هو "الحرب" الذكر الذي في "تكون".
وقوله "أي: الحرب أولها فتيَّةٌ" تقديره: الحرب أول أحوالها فتيةٌ، إلا أنه مثله بقوله "أولها" دون "أول أحوالها"؛ لأنه قد مثّل على التمام فيما تقدم، فعلم أن المراد به مثل ما تقدم.
قال: "وبعضهم يقول:
الحرب أول ما تكون فتيَّةٌ........................
أي: الحرب فتيةٌ إذا كانت في ذلك الحين".
"أول ما تكون" في هذه المسألة ينتصب على الحال، والتقدير عنده: الحرب إذا كانت أول ما تكون فتيةٌ، فـ"إذا" تتعلق بـ"فتية"؛ لأن الظرف لا يمنع أن يتقدم على المعاني التي تعمل فيه، كقولك "أكل يوم لك ثوب"؟ فإذا جاز تقدم الظرف جاز انتصاب الأول على الفعل المضاف إليه الظرف، وهو "إذ كان"، أو "إذا كان".
فإن قلت: "أول" قد ينتصب على الظرف في نحو "جئت أول الناس"، فهلا جاز أن ينتصب أيضاً على الظرف في قوله:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ.........................
دون الحال؟
قيل: مذهب سيبويه فيه أنه منتصب على الحال، وإن كان الاسم في هذا النحو لا يمتنع أن ينتصب على الظرف؛ ألا ترى أنه قد قال: "ومن رفع الفتية ونصب الأول على الحال قال: البُر أرخص ما يكون قفيزان".
ويدل
على انتصابه على الحال أن الأسماء التي لا تكون ظروفاً تقع ههنا وتنتصب على الحال، فكما ينتصب ما يكون غير ظرف على الحال، كذلك ينتصب ما يكون ظرفاً عليها، وتقديره إذا انتصب على الحال: الحرب مبتدأةً فتيةٌ.
وأجاز أبو عمر انتصابه على الظرف.
وقوله "أي: الحرب فتيةٌ إذا كانت في ذلك الحين"، إنما مثله هذا التمثيل ليُعلم أن ما تعلق به الحال معمول "فتية" دون "الحرف"؛ لأن إيقاعه بعده كأنه أشد إيضاحاً بهذا المعنى وأبين.
فإن قلت: لا يدل قوله "أي: الحرب فتيةٌ إذا كانت في ذلك الحين" على أن "أول" ينتصب عنده على الظرف؛ لتمثيله إياه بما هو ظرف.
قيل: لما نص عليه بعد، ولأن قوله "في ذلك الحين" وإن كان فيه ما يكون ظرفاً، فإنه لا يمتنع أن يقع حالاً، والحال تمتنع أن تقع ظرفاً.
قال: "وبعضهم يقول:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ.........................
كأنه قال: الحرب أولها إذا كانت فتيةٌ، كما تقول: عبد الله أحسن ما يكون قائماً".
تجعل "قائماً" خبر "أحسن" في المعنى.
قوله: "كأنه قال: الحرب أولها إذا كانت فتيةً"، إنما أضاف الأول إلى الضمير لتعلم بذلك أنه ليس لـ"تكون" من قوله "أول ما تكون" عمل في "فتيةً"؛ ألا ترى أن الضمير المضاف إليه "أول" لا يجوز أن يعمل في حال، فكما لم يعمل في الحال هذا الضمير، فكذلك إذا أظهر ما هذا الضمير في موضعه لم يعمل فيها، وإذا لم يعمل "تكون" في هذه الحال، كان "اول" في قولك "الحرب أول ما تكون فتيةً" مرتفعاً بأنه مبتدأ ثانٍ، وهو عبارة عن حدث؛ لأنه مضاف إلى حدث هو بعضها.
وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون ظرف الزمان خبراً عنه، وإذا صار خبراً عنه أضيف إلى الفعل المنتصب عنه "فُتَيَّةً" على
الحال، ثم حذف الفعل لدلالة المنصوب عليه، وكان الأصل: الحرب أولها إذا كانت فُتيةً.
وكذلك قولك "عبد الله أحسن ما يكون قائماً"، تقديره: عبد الله أحسن أحواله يقع ويحدث إذا كان قائماً، فـ"إذا" و"إذ" يتعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ، وهو "يقع"، كما أن قولك "القتال يوم الجمعة" كذلك، ثم حذفت الظرف، فصار "قائماً" في موضع "الخبر" لدلالته على الظرف المحذوف الذي هو الخبر.
فإن قلت: فـ"قائماً" المنتصب على الحال حالٌ لأي شيء هو والضمير في "كان" في قولك "عبد الله أحسن ما يكون إذا كان قائماً"؟ ألِقولك "ما يكون"، أو لضمير الاسم الأول الذي هو "الحرب"، أو "عبد الله"؟
فالقول: إن الحال تكون للضمير الذي هو الاسم الأول دون قولك "ما يكون"؛ ألا ترى أنه قد قال في التمثيل "كأنه قال: الحرب أولها إذا كانت فُتيةً"، فدل ثبات علامة التأنيث في "كانت" على أن ما فيه يعود إلى "الحرب" لا إلى "الأول"؛ لأن الأول مذكر.
ولا تحمله على "ذهبت بعض أصابعه"؛ لأن غيره أظهر.
وقال: "ومن رفع الفتية أيضاً ونصب الأول على الحال قال: البُر أرخص ما يكون قفيزان.
ومن نصب الفتية ورفع الأول قال: البُر أرخص ما يكون قفيزين".
اعلم أن سيبويه ليس يفصل بين المبتدأ الأول في هذا الباب إذا كان حدثاً وبينه إذا كان عيناً، في أن الظرف الذي يتعلق به المحذوف المضاف إلى ما ينتصب الحال عنه لا يتعلق به، كما لا يتعلق بما هو عبارة عن عين؛ ألا ترى أنه إذا قال: "ومن رفع الفُتية ونصب الأول على الحال"، يريد
"الأول" في قوله: أول ما تكون فُتيةٌ، قال: البُر أرخص ما يكون، فجعل انتصاب "أول ما يكون" بعد "الحرب" كانتصاب "أرخص ما يكون" بعد "البُر"، ولم يجعل تعلق "أول ما تكون" بـ"الحرب" وإن كان اسماً لحدث، كما لم يجعل تعلق "أرخص" بـ"البُر".
فإن قلت: هلا أجاز أن يتعلق الظرف المحذوف بـ"الحرب"، وإن لم يجز أن يتعلق بـ"البُر"؛ لأن "الحرب" اسم حدث، وظروف الزمان قد تتعلق بأسماء الأحداث، وتعمل فيها؛ ألا ترى أنك تقول "القتال يوم الجمعة"، فتجعله خبراً عنه، و"القتال يوم الجمعة واقعاً"، فتجعله متعلقاً بالمصدر؟
قيل: إن "الحرب" وإن كان اسماً لحدث، فكأنه قد أزيل عما ينبغي أن يكون عليه في أصله، فصارت كالأسماء التي ليست بأحداث، كما أن "دَرَّاً" من قولك "لله درُّك" قد أزيل عن أصله؛ ألا ترى أن سبيويه قد قال فيه: "هو بمنزلة لله بلادُك".
وكذلك "صاحب" وإن كان في أصل اسم فاعل مثل "قائم"، فقد صار لا يعمل عمله، ولا يجري مجراه، فكذلك "الحرب".
فإن قلت: فإذا لم تجعل تعلق الظرف المحذوف المتعلق به "أرخص" بـ"البُر"، كما لم يتعلق "أول ما تكون" بـ"الحرب"، ولم يسغ أن يتعلق "أخرص ما يكون" بقولك "قفيزان"؛ لأن القفيزين ليس بحدث، وإنما هو عبارة عن العين التي هي مكيال.
فإذا كان كذلك لم يكن كـ"فُتية" في قولك "الحرب أول ما تكون فتيةٌ"؛ لأن في "فتية" معنى الفعل، فجاز أن يتعلق به الظرف لذلك، وإن لم يتعلق بالقفيزين لتعرّيه من معنى الفعل، فبم يتعلق الظرف المحذوف المنتصب "أرخص" عما اتصل به؟
فالقول: غن القفيزين وإن كان عبارة عن العين كما ذكرت، فـ"الشعير"
لا يقع عليهما، وإنما يقع على ملئهما.
فإذا كان كذلك كان التقدير: البُر أرخص ما يكون ملء قفيزين، ومكيل قفيزين، فتعلق الظرف بهذا المحذوف المراد الذي لا يصح الكلام إلا على تقديره، وإذا لم تقدره لم يستقم؛ لأن القفيزين لا يكونان البُر، وخبر المبتدأ ينبغي أن يكون الأول، فإذا كان كذلك لم يكن من تقدير فيه يصح الكلام به بُد، فإذا حصل فيه من معنى الفعل ما يوجبه تصحيح الكلام، تعلق [به] الظرف المتصلة به الحال، كما يتعلق بقوله "فُتية"، وجاز انتصاب الحال عنه إذ جاز انتصاب الحال عن الظرف المضمر في نحو قول من قدر:
...................................... وإذ ما مِثلهم بشر
على الحال.
وكذلك قول الآخر:
بحران ما مثلهما بحران
فإذا جاز إضمار الظروف وإعمالها في الحال كان إضمار هذا أسوغ وأحسن؛ لأن حذف المضاف قد كثر جداً، ولأن المضاف بمنزلة الفعل، والأفعال تعمل مضمرة كثيراً، وعلى أن المضاف إذا كان في تقدير الثبات كان بمنزلة الملفوظ به؛ ألا ترى أن علامة التأنيث قد ثبتت في نحو (كذّبت قبلهم
قوم نوحٍ) حيث كانت الجماعة المرادة بمنزلة المثبتة في اللفظ.
فكما أنه في هذا الموضع بمنزلة المثبت، كذلك يكون في مسألتنا بمنزلة المثبت.
وإذا كان كذلك كان هو العامل في الحال.
ومن ذلك قوله (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة).
قياس قوله أن يكون "جميعاً" مثل "أرخص ما يكون" في قولك "البُر أرخص ما يكون قفيزان"، وتجعل الأرض القبضة على الاتساع، كما تقول "عتابك السيف"، ولا تجعله على حذف المضاف وإن كان المعنى عليه؛ لأن ما يتعلق بالمضاف إليه لا يتقدم على المضاف؛ ألا ترى أنه لم يجز "القتال زيداً حين تأتي"، والأرض مجتمعة متذللة، فـ"جميعاً" متعلق بمعنى الفعل في "القبضة"، كما كان "أول ما تكون" متعلقاً بما في "الفُتية".
فإن قلت: فلم لا يستقيم أن أقدرها على غير الاتساع، نحو "عتابُك السيف"، ولكن على حذف المضاف، كأنه "والأرض جميعاً ذات قبضته"، وأحمل الحال على المعنى؛ لأن معنى "ذات قبضته": "متذللة" أو "منقادة" أو نحو ذلك، كما حملت الظرف في قوله ﴿يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين﴾ على المعنى في ﴿لا بشرى يومئذٍ﴾؟
قيل: إن هذا الذي ذكرته لا يمتنع في الظرف والحال، إذ قد جاء في المفعول نحو ما أنشدناه عليُّ بن سليمان:
تبدل خليلاً بن كشكلك شكله... فإني خليلاً صالحاً بك مقتوي
فإن قلت: فلم لا يكون قوله (والأرض) مرتفعاً بالابتداء، و"قبضته" مرتفعاً بأنه ابتداء ثانٍ؛ لأن القبضة ليست بالأرض، و"جميعاً" منتصباً بـ"إذا تكون"، كأنه: والأرض قبضته إذا تكون جميعاً، فتكون "إذا" خبراً عن القبضة؛ لأنه مصدر، وقد قدمت خبر المبتدأ مثل قولك "يوم الجمعة القتال"؟
قيل: يحمل هذا على ما حملنا عليه قوله "البُر أرخص ما يكون قفيزان"؛ ألا ترى أن القفيزين ليس بمصدر، وقد جاء فيما قبله النصب، كما جاز النصب فيما قبل القفيزين، وإن لم يكن اسم حدث، كذلك يكون فيما كان اسم حدث على هذا الحد.
وقوله: "ومن نصب الفتية ورفع الأول قال: البُر أرخص ما يكون قفيزين".
فالبُر: مبتدأ.
وأرخص: مبتدأ ثان؛ لأنه ليس البُ {، ألا ترى أنه مضاف إلى أحوال، فهو بعضها، وليس البُر بالأحوال، و"قفيزين": يتصلان بالظرف المحذوف، وذلك الظرف المحذوف خبر "أرخص"؛ لأن ظروف الزمان تكون أخباراً عن الأحداث، فالظروف التي تتصل بها الحال المحذوفة تتعلق بمحذوف كقولك "القتال يوم الجمعة".
وهذا أوضح من الوجه الذي قبله.
وفي بعض النسخ: "فالخبر مضمر".
والمعنى فيه أن خبر المبتدأ الذي هو "أرخص" محذوف لدلالة ما ذكر منه عليه.
قال: "وأما
عبد الله أحسن ما يكون قائما
ً فلا يكون فيه إلا النصب - يعني قائماً - لأنه لا يجوز لك أن تجعل أحسن أحواله قائم على وجه من الوجوه".
اعلم أنهم قد جعلوا في مواضع من كلامهم للاتساع المعاني بمنزلة الأعيان، والأعيان بمنزلة المعاني، على ما نذكر صدراً منه في هذا الباب ليتضح به بعض مشكله إن شاء الله تعالى.
قالوا "شعرٌ شاعرٌ" و"موتٌ مائتٌ" و"شغلٌ شاغلٌ".
والقول في "فاعلٍ" في هذا الموضع: إنه لا يخلو من أن يراد به النسب أو الجاري على الفعل، فيبعد أن يراد الجاري لرفضهم الفعل في ذلك وتركهم إسناده إليه، فإذا بعد هذا وامتنع ثبت الوجه الآخر، وهو النسب، كما قال الخليل: "إنه بمنزلة همٌّ ناصبٌ".
وكأن المعنى فيه المبالغة والتفخيم، كأنه إذا قال "شعر شاعرٌ"، فقد أخبر أنه شعر مستقل بنفسه وغير مفتقر إلى شاعر، فصار في ذلك تشبيه له بالعين، ولم يصح المعنى إلا على ذلك؛ ألا ترى أن الموت لا يكون ذا موت، والشعر لا يكون ذا شعر في الحقيقة، كما لا يسند إليه "مات" ولا شيء من هذه الأمثلة في الحقيقة.
وإذا جاز تشبيه المعنى بالعين للمبالغة في أمره والرفع منه، جاز أيضاً تشبيه العين بالمعنى إذا أكثر من محاولة ذلك المعنى، وكثر أخذه فيه وإكثاره منه، فتقول على ذلك "أبو حنيفة الفقه" و ﴿إن أصبح ماؤكم غوراً﴾، كما قالوا "شِعرٌ شاعرٌ".
والدلالة على استعمالهم لذلك قول ابن مقبل:
إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى... لها شاعراً مثلي أطب وأشعرا
وأكثر بيتاً شاعراً ضربت به... بطون جبال الشعر حتى تيسرا
فكما أن في قوله "وأكثر بيتاً شاعراً" دلالة على أنه جعل المعنى بمنزلة
العين، كذلك في قوله "ضربت به بطون جبال الشعر" دلالة على ذلك؛ ألا ترى أن أثبت له ما يكون للأعيان.
وأما الدلالة على جعلهم الأعيان بمنزلة المعاني فقولهم
"زيدٌ إقبالٌ وإدبارٌ"،
إذا أكثر من ذلك، [على أنه جعله إياهما] على حذف المضاف.
والدليل على أن ما ذكرنا معنى مقصود إليه على حذف المضاف قول البعيث:
ألا أصبحت خنساء جازمة الوصل... وضنَّت علينا، والضنين من البخل
فكما جاز أن يقال "الضنين من البخل" كما يقال "الخاتم من الفضة"، كذلك يجوز أن يقال "زيدٌ بخلٌ" على هذا الحد دون غيره من الحذف.
فإن قلت: ما تنكر أن يكون ذلك على القلب، كأنه أراد: والبخل من الضنين؟
قيل: هذا ليس يشهل لضعف المعنى وقلة الفائدة؛ ألا ترى أنه معلوم
أن البخل من الضنين لا من غيره.
وإذا كان كذلك كان في الامتناع مثل الإخبار عن الهاء في قولك "زيدٌ ضربته".
ومثل قولك "الذاهبة جاريته صاحبها"، ونحو ذلك مما لا يكون في خبره فائدة ولا زيادة على ما في المبتدأ، وليس المعنى إذا حمل على ما قلنا على هذا الضعف؛ لأن فيه مبالغة في الذم، كما أنه لو قيل: البخيل من طينة سوء، ومن عنصر خبث، كان مبالغة في الذم.
وعلى هذا أيضاً قول البعيث:
............................. وهن من الإخلاف قبلك والمطل
فإن قلت: ما تنكر أن يكون أيضاً "البخل من الضنين" على الحمل على المعنى؛ لأن الضنين مذموم، فكأنه قال: البخل من المذموم، كما كان معنى الضنين من البخل: الضنين من أصل سوء؟
قيل: ليس الحمل على المعنى بمستعمل في كل موضع؛ ألا ترى أنه لو ساغ هذا لجام "الضرب من الضارب" يريد به: الحاذق به أو المتأتي له، و"الشتم من الشاتم" يريد به: من البذيٌ.
وبعد، فلو كان ذلك سائغاً كما ساغ الأول لكان ما قلنا أرجح لكون الظاهر عليه.
ومما يدل على أن هذا ليس على القلب، وأنه على النحو الذي نحوناه، ما حكى لنا من لا يتهم أن أحمد بن يحيى أنشده:
ألا في سبيل الله تغيير لمتى... ووجهك مما في القوارير أصفرا
فجعل وجهها مما في القوارير من الخلوق أو نحوه من الطيب لكثرة
استعمالهم لذلك.
فكما أنه لا سبيل إلى القلب هنا، ولا مصرف للكلام إلا إلى هذا الظاهر الذي هو عليه، كذلك ما تقدم من الأبيات.
ومما يقرب من هذا قوله:
ألف الصفون فما يزال كأنه... مما يقوم على الثلاث كسيرا
فأما قولهم
"إني مما أفعل" و"إني مما أن أفعل"
فالظاهر فيه أنه من هذا الباب، وأنه يراد به إكثاره من ذلك ومحاولته له.
وعلى هذا قوله:
وإنا لمما نضرب الكبش ضربةً... على رأسه تلقي اللسان من الفم
كأن المعنى: إنا منشؤون من ذلك لكثرة فعلنا إياه واعتيادنا له.
فقولك "إني مما أن أفعل" كقولك "إني في الدار".
فأما قولك "أن أفعل" فيحتمل ضربين: أحدهما أن يكون "أن أفعل" بدلاً من "ما"، ويكون "ما" نكرة، كأنه قال: إني من أمرٍ فعله، أي: من فعل
أمر، فيكون مثل "إني في الدار".
والمعنى كثير الاهتمام به والخوض والشروع/ فيه، كقوله:
............................. وهن من الإخلاف قبلك والمطل
ونحو ذلك، وفي البدل منه تخصيص له، كما يكون في الصفةـ، على أنه قد جاء "من أحسن زيداً" و ﴿فنعما هي﴾ بلا صفة.
والآخر: أن تكون حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه، فصار المعنى: إني من أمرٍ صاحبِ أن أفعل ذاك، فيكون قولك: "من أمرٍ" و "صاحب أنْ أَفْعَلَ" جميعاً الخبر، كقولك "حلوٌ حامضٌ".
وهذا في المعنى مثل الأول إلا فيما انضم إلى الخبر من زيادة الجزء الآخر، واقتضاء الظرف لما يتعلق به في هذا الوجه كاقتضائه في الوجه الأول.
وإذا كان كذلك كان في هذا الوجه أيضاً دلالة على ما نحوناه في هذا الباب من تشبيههم العين بالمعنى.
فأما قولهم "إني مما أفعل" فيجوز أن تكون "ما" فيه نكرة، وتكون "أَفْعَل" صفة له، أي: إني من شيء أفعله.
ويجوز أن تكون "ما" معرفة، و "أَفْعَل" صِلَتُهُ، والمعنى على ما تقدم.
ويجوز أن تكون "ما" كافة مثل "إني رُبما أفعل" في الكف لا في المعنى، وما يتعلق به الحرف وهو مكفوف عن عمله هو ما يتعلق به و "ما" غير كافة؛ ألا ترى أن "بَعْدَ" في قوله:
....... بعدما... أفنان رأسك.................
إذا كففتها عن العمل تقتضي ما يتعلق به، كما تقتضيه إذا لم تكن كافة، فهذا مما يدلك على جواز "زيدٌ من البخل، ومن الشجاعة" وما أشبه ذلك، وإذا ساغ ذلك في كلامهم، وكان معنى قد استعملوه في هذه المواضع ونحوها، كان قولهم "
أخطب ما يكون الأمير قائما
ً" من هذا الباب عندي؛ ألا ترى أن "أَفْعَلَ" لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، وقولهم "ما يكون" عبارة عن الأحوال، فلولا أن "الأمير" و "زيداً" ونحوهما قد تنزل عندهم منزلة الحدث ما جازت إضافة واحد من الآحاد التي هي عبارات عن الأشخاص إلى هذه الأحوال، فقولهم "أخطب ما يكون زيدٌ قائماً" إنما هو على قول من قال "زيدٌ خطبةٌ"، فجعله إياها لإجادته لها ومهارته بها وكثرة تعاطيه وخوضه فيها.
فإذا كان كذلك انتصب "قائماً" من قولك "أخطب ما يكون زيدٌ قائماً" على تقدير "إذ كان" و "إذا كان".
وكان إضمار ذلك سائغاً لأنه حيث صار "أخطب" ونحوه عبارة عن حدث على الاتساع، لم يمتنع أن تقع أخبارها أزمنة؛ ألا ترى أنك تقول "القتالُ يوم الجمعة".
فالحال من الجملة المضاف غليها ظرف الزمان المحذوف./ ويدل على صحة هذا التقدير والتأويل أنهم قد جعلوا خبره الظرف من الزمان، فقالوا "أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة"؛ أفلا ترى أنه لا يخلو من أن يكون منقولاً كما وصفنا، أو متروكاً على أصله،
ولو كان متروكاً على أصله لم يجز هذا فيه.
فإذا كان كذلك دلك على أنه منقول كما وصفنا.
فأما قول أبي الحسن "
عبد الله أخطب ما يكون قائم
ٌ" فهو قبيح قريب من الامتناع، وذلك أن "أخطب" قد خرج من أصله، وألزم ما دل على ذلك من الإضافة إلى الأحداث، فإذا أضيف إلى الأحداث كان منزلاً على الاتساع حدثاً، فإذا رفعته مع هذا الذي ذكرنا أنه قد أُلزمه، فقد نقضت ذلك الغرض، فقبُح ذلك وبعُد لإلزامهم إياه ما يدل على إخراجه عن أصله، فالرفع في الخبر، مع إضافة المبتدأ إلى ما يجعله حدثاً، لا يستقيم؛ لأنك كأنك الآن تخبر عن الحال بالقيام، والحال لا تقوم، فتعيده بذلك إلى ما قد أخرج عنه.
فإن قلت: فإن القيام قد يكون عبارة عما هو خلاف القعود كقولهم "قام البيع" و ﴿ما دمت عليه قائماً﴾، فما تنكر أن تخبر عن الحال هنا بقيام على هذا الحد ليس على الذي هو خلاف القعود؟
فإن ذلك لا يستقيم؛ ألا ترى أن المراد إنما هو خلاف القعود، وليس الآخر، فلا يستقيم الرفع لهذا؛ ألا ترى أن الآخر ليس بالأول؛ لأن "أحسن" الذي هو حال مضاف إلى جملة أحوال لا توصف بهذا الوصف، ولا يصح فيه من حيث لم يكن خبر المبتدأ، فإذا لم يجز ذلك جعلته حالاً من الذكر الذي في "كان" المضاف إليها الظرف المحذوف.
ووجه قول أبي الحسن أنه يحمله على المعنى؛ لأن "أخطب" وإن كان قد جعل عبارة عن حدث بدلالة إضافته إلى الأحداث، فهو في الأصل والحقيقة على غير ذلك، فتحمل الكلام على الأصل والمعنى، وهذا قبيح لأن هذا الأصل قد أزيل عنه، وألزم ما خرج عن ذلك، فقبح أن ترده إلى الأصل
مع مصاحبة ما يكون مُخرجاً له منه، وقد استقبحوا ما هو دون ذا؛ ألا ترى أنه قد جاء ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم﴾، ولا تكاد تجد الإفراد بعد الجمع، فهذا أجدر أن يستقبح ويمتنع منه.
ومثل قول أبي الحسن في هذا ما رآه في قوله:
لا هيثم الليلة للمطي
و"غابت الثُريا فلا ثُريا لك"، / أنه وإن صار على لفظ النكرة لم يجز وصفه بالنكرة؛ لأنه في الأصل معرفة، والتقدير فيه ذاك، فراعى فيه الأصل دون ما عليه اللفظ الآن، فكذلك راعى في "أخطبُ ما يكون عبد الله قائمٌ" ما عليه الأصل دون ما عليه اللفظ.
قال: وتقول "عبد الله أخطب ما يكون يوم الجمعة" و "البداوة أطيب ما تكون البداوة في شهري ربيع، جمعُه بين قوله "عبد اله أخطب ما يكون يوم الجمعة" و "البداوة أطيب ما تكون شهري ربيع"، مع أن أحد الأسمين عبارة عن جثة والآخر عبارة عن حدث، فيه تنبيه على أن العين في هذا الباب قد جرى مجرى الحدث، ونزل منزلته، ولذلك اجتمعا في أن جعل ظرف الزمان خبراً عن كل واحد منهما، و "أخطب" في المسألة، وإن كان في المعنى لعبد الله، فقد تنزل منزلة الحدث لإضافته إلى قوله "ما يكون".
وإذا كان كذلك فكذلك "أحسن" في قوله "عبد الله أحسن ما يكون قائماً" لعبد الله
بدلالة أن "أخطب" لا يكون إلا له؛ ألا ترى أن الأحوال لا تخطب، ولا يجوز وصفها بذلك، وإن جاز أن توصف بالحسن والقبح، فإذا وقع في هذا الموضع ما لا يكون إلا لعبد الله، كان في ذلك دلالة على أن ما يجوز أن يكون صفة لعبد الله ولغيره يكون لعبد الله، بدلالة وقوع "أخطب" ونحوه مما يختص هو بالوصف به دون أحواله له.
وقوله "كأنه قال: أخطبُ ما يكونُ عبد الله في يوم الجمعة" يريد: أن معنى "عبد الله أخطب ما يكون يوم الجمعة" معنى "أخطب ما يكون عبد الله في يوم الجمعة"، كما أنك إذا قلت "عبد الله جاد قوله يوم الجمعة" معناه: جاد قول عبد الله يوم الجمعة، وإن كنت لما قدمت "عبد الله" فارتفع بالابتداء زاد في الكلام اسم مبتدأ وقع الفعل في موضع خبره، فكما أن معنى "عبد الله قام أبوه" معنى "قام أبو عبد الله"، فكذلك "عبد الله أحسن ما يكون قائماً" في المعنى كقولك "أحسن ما يكون عبد الله قائماً".
قال: ومن العرب من يقول
###: أخطبُ ما يكون الأمير يوم الجمعة، وأطيب ما تكون البداوة شهرا ربيع،
كأنه قال: أخطب أيام عبد الله يوم الجمعة، وأطيب أزمنة البداوة شهرا ربيع.
وجاز "أخطب أيامه/ يوم الجمعة" على سعة الكلام، كأنه قال: أطيبُ الأزمنة التي تكون فيها البداوة شهرا ربيع، وأخطب الأيام التي يكون عبد الله فيها خطيباً يوم الجمعة، [في] هذه المسألة في أنها قد اتسع فيها مثل ما تقدمها، وإن اختلفت جهتا الاتساع في أنه قد نزل العين في الأول منزلة المعاني، ولم يسغ في هذه بأن أُسندت الخطبة إلى الزمان الذي يكون فيه، فجاز على تقدير: "خطُبَت أيام الجمعة"
لما كانت الجمعة فيها كما جاء "ليلٌ نائمٌ"، وقوله:
فنام ليلي وتجلى همي
قد أسند النوم فيه إلى الليل لما كان فيه، فتقديرها: أخطبُ أيامِ كون الأمير يوم الجمعة، وحذفت الأيام كما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه.
ويدل على ذلك رفع "يوم الجمعة" الذي هو خبر "أخطب"، والخبر إنما يكون المبتدأ في المعنى، و "أَفْعَلُ" لا يضاف إلا إلى أشياء هو بعضها، فإذا لم يضف إلا إلى ما هو بعضه، ولم يكن الخبر إلا المبتدأ، أثبت من ذلك أن الأيام المضاف إليها "أخطب" مرادةٌ في التقدير والمعنى، وإن كانت محذوفة في اللفظ، للدلالة عليها وأن الكلام لا يصح إلا بتقديرها، وقد بيَّن ذلك بقوله: كأنه قال: أخطبُ أيام عبد الله يومُ الجمعة.
وقولهُم "أطيبُ ما تكون البداوة شهرا ربيع" في أن تقدير "أطيب" الإضافة إلى الأزمنة، كما أن تقدير "أخطب" الإضافة إلى الأيام، سواء.
قال: وتقول: أتيك يوم الجمعة أبطؤه، و
أتيك يوم الجمعة أو يوم السبت أبطأه
. أبطؤه في الوضعين خبر مبتدأ محذوف دل عليه ما تقدم في الكلام، فصار لذلك بمنزلة المذكور في اللفظ، كأنك قلت: ذاك الإتيان أبطأه، أي: أبطأ الإتيان، فكنيت عن الإتيان لما تقدم من الذكر.
وإذا كان المصدر قد حذف من اللفظ في نحو من قرأ ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ لأن
ما يجيء بعد من الفعل يدل عليه، فحذفه إذا تقدم الفعل أسوغ؛ لأن الدلالة عليه أبين.
قال: "وإن شاء قال: يوم السبت أبطؤه".
يريد: إن شئت قلت: أتيكُ يومُ الجمعة أو يوم السبت أبطؤه، فرفعت يوم السبت، والمعنى: أو إتيانُ يومِ السبتِ أبطؤُه، فحذفت المضاف لما تقدم من الدلالة عليه، كما حذفته في قولك: "أخطبُ ما يكون الأمير يوم الجمعة"، / ولا يكون إلا على ذلك؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى، ولا وجه للإخبار عن يوم السبت بالبطء.
قال: "و
أعطيته درهماً أو درهمين أكثر ما أعطيته".
قوله "أكثر" مضاف إلى "ما أعطيته"، و "ما" التي وقعت الإضافة إليها تحتمل ثلاثة أضرب:
أحدها- وهو الأسبق في هذا الباب- أن تكون مع الفعل بمنزلة المصدر، كأنه قال: أعطيته أكثر الإعطاء، والضمير المضاف إليه على هذا للمفعول به؛ لأن "ما" هذه حرف كـ "أنْ" عنده، فلا يعود عليها ذكر من صلتها، كما لا يعود إلا "أنْ".
ويجوز أن تكن "ما" بمنزلة "الذي"، كأنه قال: أعطيته درهماً أو درهمين أكثر الذي أعطيته، فتكون "ما" -وإن كانت موصولة- يراد بها الإعطاء؛ لأنها تقع على الأجناس التي هي معانٍ، كما تقع على الأجناس التي هي أعيان.
ويجوز أن تكون نكرة بمنزلة "شيء"، ويكون موضع الجملة جراً لكونها صفة لمجرور، ولا موضع لها في الوجهين الأولين.
وفي كل ذا قد أضيف "أفعل" إلى ما هو بعض له؛ ألا ترى أن ما أعطيته إذا أردت به الإعطاء وقع
على القليل والكثير.
وكذلك إذا جعلتها الموصولة.
وإذا جعلتها النكرة فالتقدير فيه: أكثر شيء أعطيته، إذا جعلت الأشياء شيئاً كقولك "هذا خير رجل في الناس" و "هما خير اثنين في الناس".
قال: "وإن شاء قال: أو درهمان أكثر ما أعطيته".
درهمان: يرتفع بالابتداء.
فإن جعلت ما أعطيته المصدر احتمل "درهمان" ضربين: أحدهما أنه يلزم أن تقدر إضافة المصدر إلى المفعول وحذفه، كأنك قلت: أو إعطاء درهمين أكثر ما أعطيته؛ لأن "أكثر" إذا كان مضافاً إلى المصدر كان منه، فلا يصح على هذا أن يكون "أكثر ما أعطيته" خبراً للدرهمين؛ لأنه ليس إياهما.
وإذا كان كذلك لزم أن تقدر حذف المضاف كما قدرته في قولك أو يوم السبت أبطؤه: أو إتيان يوم السبت أبطؤه.
والآخر: أنك إن وقعت الإعطاء على المعطى كما أوقعت الخلق على المخلوق، والنسج على المنسوج، كان الكلام على ظاهره.
والكلام الأول أشبهُ.
قال: وإن شاء نصب الدرهمين ورفع "أكثر ما أعطيته".
يعني أنك تقول: "أعطيته درهماً أو درهمين أكثر ما أعطيته"، فتحذف المبتدأ كما حذفته في قولك "أتُيك يوم الجمعة أو يوم السبت أبطؤه" أي: ذاك أبطؤه، فكما حذفت المبتدأ ثم وأضمرته، / كذلك تحذفه في قولك "أكثر ما أعطيته"، ويكون المبتدأ المحذوف وتقدم الإشارة به إلى المصدر، لأن تقدم الفعل وذكر يدل عليه.
وقولك "أكثر ما أعطيته" لما كان مضافاً إلى الإعطاء كان منه، ولما كان منه جاز أن يكون خبر المحذوف المشار به إلى المصدر؛ لأن الثاني هو الأول.
قال: "وإن شاء نصب "أكثر" على أنه حال وقعت فيه العطية".
إجازته
انتصابه على الحال يدلك على أن ما عنده مصدر، لأن المصادر قد جاءت منتصبة على الحال، وإن كانت معارف، نحو "جهدك" و "طاقتك" و "العِراكَ".
وكما أجاز في هذا الباب انتصاب "أول ما يكون" على الحال، فكذلك ينتصب "أكثر ما أعطيته" على الحال.
قال: وإن شاء قال: أتيك يوم الجمعة أبطأه، أي: أبطأ الإتيان.
هذا ينتصب على المصدر؛ لأن المثال الذي هو "أتى" يتعدى إلى جميع ضروبه بطيئه وسريعه، وغير ذلك مما يكون ضرباً منه، كما قدم ذلك في أول الكتاب.
ذكرت ما حضر فيما رويته في ذلك، والحمد لله كثيراً.
مسألة
حكى سيبويه قولهم "ليس الطيبُ إلا المسكُ"، وذهب فيه إلى أنه بمنزلة "ما"، ولم يحمله على أن في "ليس" ضمير القصة والحديث كما حمل قوله "ليس خلق الله أشعر منه" على هذا الضمير.
ووجه قوله "إنه بمنزلة ما وليس ككل وأخواتها" أن "ليس" وإن كانت قد رفعت ونصبت، فليست فعلاً على الحقيقة؛ ألا ترى أن الفعل لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون دالاً على الحدث وأحد الأزمنة الثلاثة، وإما أن يكون دالاً على أحد الأزمنة الثلاثة مجرداً من الحدث، فإذا لم يخل الفعل من أحد هذين القسمين، ولم تكن "ليس" من واحد منهما، ثبت أنه ليس بفعل وإن كان فيه بعض الشبه منه.
وإذا لم يكن إياه وقد اختص بنفي الحال كما اختصت "ما" بذلك، وكانت تدخل على المبتدأ والخبر كما كانت كذلك، ولم يكن في
"ما" إذا توسطت "إلا" بين اسمها وخبرها إلا الرفع، فكذلك "ليس" لما لم تدل على حدث فيما مضى كـ "ضَرَبَ" و "عَلِمَ"، ولا على ما مضى مجرداً من الحدث كأخواتها، كانت بمنزلة "ما".
فأما دلالتها على نفي الحال فهي على حد دلالة "ما" عليه، وليس على نحو قوله تعالى ﴿وإن ربك ليحكم بينهم﴾ وقوله ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم﴾؛ ألا ترى أنه لو كان على هذا النحو لم يعر من حرف للمضارعة يلحقه، ومن كونه على مثال من/ أمثلته، فإذا لم يكن مثالاً للحاضر، وثبت أنه لا دلالة فيه على ما مضى، ولا على ما لم يقع، وخلا من ذلك، لم يكن في الحقيقة فعلاً.
فإن قال قائل: إنه قد اتصل به الضمير على نحو ما يتصل بالفعل كقولهم "ليسوا" و "لستم".
قيل: إن اتصال الضمير به هذا الاتصال ليس بدلالة قاطعة على أنها فعل؛ ألا ترى قد اتصل الضمير على هذا النحو بما هو اسم، وذلك قول بعضهم "هاءا" و "هاؤوا" كما تقول للمخاطب "افعلا" و "أفعلوا"، وهذا الحرف من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وهذه الكلم التي سميت بها هذه الحرف من الأسماء التي سميت بها الأفعال أسماء، وليست بأفعال ولا حروف.
يدل على أنها أسماء أنها لا تخلو من أن تكون أسماءً أو أفعالاً أو حروفاً.
فالدلالة على أنها ليست بحروف أن
الحروف لا تتضمن ضمير الفاعلين، ولا ينتصب المفعول بها، وقد قال الشاعر:
رويد علياً جد ما ثدى أُمهم... إلينا، ولكن حبهم متماين
أفاطم هائي السيف غير مذمم......................
وقالوا: "رُيدكُم أجمعون"، فأكدوا ما فيه من الذكر، كما قالوا "مررتُ بقومٍ عربٍ أجمعون".
فالحروف لا تتضمن ضمير الفاعلين، وإنما تتضمنه الأفعال وما أشبهها من الصفات والظروف، ففي احتمال هذا الكلم الضمير، ونصبها ما نصبت، ما يدل على أنها ليست بحروف.
والدلالة على أنها ليست بأفعال أنها لم تؤخذ من لفظ أحداث الأسماء، ولا هي على أمثلتها، فإذا لم تكن أفعالاً ولا حروفاً ثبت أنها أسماء.
ودل أيضاً على أنها أسماء أنه قد ثبت في هذا الباب أسماء لا إشكال فيها، نحو "فرطك" و "رويدك".
و "دونك" و "عليك" و "إليك".
ووجد فيه أيضاً ما يختص بالأسماء، وهو لحاق التنوين للتنكير لها منكورة، وسقوطه عنها في حال التعريف مسندة إلى الفاعل.
وهذا معنى يختص الاسم؛ ألا ترى أن الفعل لا يلحقه التنوين للتنكير، وهذا استدلال أبي الحسن الأخفش.
فإن قلت: إن الصوت يلحقه التنوين للتنكير، وذلك نحو "غاقِ" و "غاقٍ"، و "ماءِ" و "ماءٍ" لصوت الشاء.
فإن الصوت ليس مسنداً إلى شيء، وأنت قد أسندت هذه الأسماء إلى المخاطبين المأمورين، والصوت ضرب من الأسماء.
فأما قولهم "إذاً" في الحرف الذي هو جواب/ وجزاء، فإذا وقفوا عليه قالوا "إذا"، فليست النون فيه كالتي في "صهٍ" و "إيهٍ" ولا في "غاقٍ"؛ لأنها من نفس الكلمة، والتي في "صهٍ" زيادة للتنكير، وإبدالهم لها لا يدل على أنها زيادة ليست من نفس الكلمة؛ بدلالة أنهم قد أبدلوا الياء من الألف في "على" "إلى"، فكما لم يدل إبدالهم الياء من الألف في "على" و "إلى" على أن الألف فيها ليست من أنفس الكلم، كذلك لا يدل إبدالهم الألف من النون في "إذاً" على أنها ليست من نفس الكلمة.
فإن قال قائل: ما تنكر أن تكون "هاء" في قول من لم يلحقه علامة الضمير على الوجه الذي ذكرت اسماً، وفي قول من ألحقه الضمير فعلاً؛ إذ لا ينكر أن يتفق اللفظان ويختلف المعنيان نحو "على زيدٍ الثوبُ" و:
.......... من عليه......................................
قيل: إن هذه الكلمة قد ثبت أنها اسم بالدلالة التي ذكرنا، وهي التي تلحقها هذه العلامات للضمير، وليس "هاؤوا" بفعل كـ "خافوا".
فإذا لم يكن مشتقاً من لفظ حدث كـ "خافوا" و "شاؤوا"، علمت أنها تلك الكلمة لحقتها
هذه العلامات لإجرائهم إياها مجرى خلافها التي هي "هاتِ"، كما أجروا "رب" حيث كان خلاف "كَمْ" مجرى "كَمْ"، وكما بنوا "عَطشان" و "ظمآن" على بناء "ريان"، وكما قالوا "عَلِمَ" و "جَهِلَ" و "رَغِبَ" ونحو ذلك؛ لأنهم مما يجرون الشيء مجرى خلافه كثيراً، كما يجرونه مجرى مثله كقولهم "يذرُ" و "يدعُ"، وكقولهم "أيهم عندك؟ فأجروه مجرى البعض، فكذلك "هاءِ" لما كان خلاف "هاتِ" أجري مجراه في أن أظهر الضمير فيه، كما أظهر في الأفعال حيث جعل بمنزلة "هاتِ".
ويدل على أن هذا الضرب من الكلم أسماء وليست بأفعال، أن ما كان على بناء "فَعالِ" نحو "دَراكِ" و "نَزالِ" لا يخلو من أن يكون اسماً أو فعلاً، فلو كان فعلاً لوجب إذا نقلته فسميت به شيئاً أن تعربه، ولا تدعه على بنائه؛ ألا ترى أن الأفعال إذا نقلت فسمي بها تعرب، وتزال عما كانت عليه قبل النقل، لا تختلف العرب والبصريون في هذا، وإن كان عيسى بن عمر قد خالف في كيفية الإعراب، وهم إذا نقلوا شيئاً من ذلك، وكان آخره راء، تركوه في قول الحجازيين والتميميين على بنائه، ولم يغيروه عما كان عليه قبل التسمية به.
فإن قلت: فهلا قلت إنه فعل لإعراب بني تميم من ذلك في التسمية ما لم يكن آخره راء؟
قيل: هذا لا يدل؛ لأنهم/ جعلوه بمنزلة "كيف" و "أين" ونحوهما إذا سمي به، وإجماعُهم مع الحجازيين على إقرار البناء فيه بعد النقل فيما كان آخره راء، دلالةٌ على أنه اسم عندهم، فلم يغيروه عن البناء، كما لم يغيروه قبل؛ لأنه في كلا الموضعين اسم.
فإن قلت: إنه لم يعربه لأنه حكي، فكان بمنزلة "برق نحره" وبابه.
قيل: هذا لا يستقيم؛ لأن الضمير الذي يحتمله هذا الضرب ليس على حد ما يحتمله الفعل، إنما هو على حد ما يحتمله الاسم؛ ألا ترى أنه لا يظهر إذا جاوزت الواحد في عامة هذه الأسماء، كما لا يظهر في أسماء الفاعلن والظروف ونحوها، ولو كان الضمير فيها على حد كونه في الأفعال لظهرت له في اللفظ علامة، فلما لم تظهر فيها عند الجمهور والعامة إلا في الحرف الذي شذ، كما لم يظهر في أسماء الفاعلين والصفات المشبهة بها، دلّ أنها احتملت الضمير على حد ما احتملته.
وإذا كان كذلك لم تُحْكَ، كما لم تُحْكَ أسماء الفاعلين إذا سميت بها، فلا يكون إذاً "سَفارِ" و "حَضارِ" و "حَذامِ" في الحكاية كقوله:
أنا ابنُ جلا........................................ ولكن "حَذامِ" في قوله: إذا قالت خَذامِ..................................... بعد النقل مثله قبل النقل؛ لأنه نقله من اسم إلى اسم، فتركه في النقل على حاله قبل النقل.