المسائل الحلبياتصفحات 138-177

باب التضعيف في تجاور العين واللام في بنات الثلاثة

صفحات 138-177

هذا الضرب من التضعيف إذا كان على هذا التأليف كثير في كلامهم، واسع في الأسماء والأفعال، فالأسماء نحو "طللٍ" و"شررٍ" و"بللٍ"

و"مررٍ" و"قددٍ" و"خززٍ" و"سددٍ".
فأما الفعل فإنه جاء منه مثال الماضي على "فعل" نحو "رد" و"شد" و"عد" و"عف".
وكل ما كان متعدياً من ذلك فمضارعه على "يفعل" نحو "يرد" و"يشد" و"يعد".
قال محمد بن يزيد: وقد شذ منه حرفان، قالوا: وزعم الرياضي "يهرني الكلب" على القياس.
وما كان غير متعد فمضارعه "يفعل" نحو "يعف" و"يكل".
وجاء على "فَعِل" في المتعدي وغير المتعدي، فالمتعدي نحو "شممته" و"عضضته" و"مسسته"، وغير المتعدي نحو "ظللت" و"بللت".
والمضارع منهما على "يفعل" بالفتح، نحو "لم يشمم زيدٌ" و ﴿لم يمسهم سوءٌ﴾ و"لم يظلل زيدٌ قائماً"، و"لم تبلل يا زيد".
ومن قال ﴿ولا تركنوا﴾ قال "لم تبلل" فكسر التاء.
وقال قوم: "ظللت" و"مست" يريد: "ظللت" و"مسست"، حذفوا العين، وألقوا حركتها على الفاء كما قالوا "هبت".

وقال قوم "ظلت"، فلم يلقوا حركة العين المحذوفة على الفاء، لكن أقروا حركة الفاء كما كانت، كما قالوا كلهم "لست"، وفي التنزيل ﴿فظلتم تفكهون﴾.
وقد حذفوا العين أيضاً من قولهم "أحسست"، فقالوا: "أحست"، فكأنهم أعلوه بالحذف كما أعلوه بالإسكان للإدغام حيث كرهوا اجتماع المثلين، ولم يصلوا إلى الإدغام للزوم اللام السكون لاتصال الضمير به.
وهذه الحروف شاذة عن قياس نظائرها وإن كانت مطردة في الاستعمال، كما أن "استحوذ" كذلك.
وأما "فَعُل" في التضعيف فقد حكي عن رونس فيه "لببت".
ولم أسمع غير هذا الحرف.
كأنهم استثقلوا الضمة مع التضعيف، ومن ثم قال قوم فيما حكى أبو عبيدة في جمع "سرير" و"جرير": "سرر" و"جرر" سواء.
نجزت أمثلة الأفعال الثلاثية بغير الزيادة صحيحها ومعتلها ومضاعفها.

مسألة سألت - أعزك الله - عن إعراب قوله تعالى ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم﴾.
والقول في ذلك: إن حرف العطف من قوله ﴿وأقرضوا﴾ لا يخلو من أن يكون عطفاً على الفعل المقدر في صلة ﴿المصدقين﴾ أو على غيره.
فمن البين أن قوله ﴿وأقرضوا الله﴾ لا يجوم أن يكون معطوفاً على الفعل المقدر في الموصول الأول، على أن يكون التقدير: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله، وذلك أنك إذا قدرته هذا التقدير، فقد فصلت بين الصلة والموصول بما ليس منهما، وما هو أجنبي، و

الفصل بين الصلة والموصول

بالأجنبي وما ليس مهما لا يصح، ولذلك لم يجيزوا: رأيت القائمين وزيداً إلا عمراً، وهذا النحو من

المسائل؛ لأن "زيداً" معطوف على "رأيت"، والاستثناء من الصلة؛ من حيث كان المستثنى معمول الفعل الذي فيها، وقد فصلت بينهما بالمعطوف، فلم يجز ذلك، كما لم يجز أن يكون ﴿وأقرضوا الله﴾ معطوفاً على ﴿صدقوا﴾ المقدر في الصلة؛ لفصل ﴿المصدقات﴾ المعطوف على "إن" بينهما.
وإنما لم يجز ذلك لأن العطف على الموضوع وغيره من الأسماء يؤذن بتمامه؛ ألا ترى أنك لا تعطف على الاسم من قبل أن يتم بجميع أجزائه، فغذا كان العطف يؤذن بالتمام، فالعطف ثم أتيت بعد العطف بما هو من تمامه، فقد زعمت أنه تام غير تام، فنقضت بذكرك ما بقي من الصلة ما قدمته من حكم التمام بالعطف، فكان متدافعاً غير مستقيم.
ولا يستقيم أن يكون قوله ﴿وأقرضوا الله﴾ في هذه الآية محمولاً على الفعل المقدر في الصلة، كما كان قوله ﴿فأثرن به نقعاً﴾؛ لأنك لم تزد في هذا الموضع على أنك عطفت على الموضع، ولم تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي منهما كما فصلت بالمعطوف بينهما في الأخرى، والحمل على المعنى في هذا النحو مستقيم حسن، فإذا لم يجز أن يكون معطوفاً

على الصلة لم تحمله على ذلك، ولكن على وجوه أخر، منها: أن تجعل العطف اعتراضاً بين الصلة والموصول، فإن شئت حملته على أن الخبر غير مذكور، وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين، وجعلت العطف عليهم، وسنفصّل ذلك: أما حملة على الاعتراض فهو أرجح الوجوه؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم واتسع وكثر، ولم يجر ذلك عندهم مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تسديداً وتبييناً، فأشبه من أجل ذلك الصفة والتأكيد، فلذلك جاء بين الصلة والموصول، والفعل والفاعل، والابتداء والخبر، والمفعول وفعله، وغير ذلك.
فمما جاء بين الصلة والموصول ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئةٍ بمثلها وترهقهم ذلةٌ ما لهم من الله من عاصمٍ﴾، فقوله {جزاء

سيئة بمثلها} اعتراض بين الصلة والموصول؛ ألا ترى أن قوله ﴿وترهقهم ذلة﴾ معطوف على ﴿كسبوا﴾ الذي هو صلة ﴿الذين﴾ والخبر ﴿ما لهم من الله من عاصمٍ﴾.
ومن ذلك قول الشاعر: ذاك الذي - وأبيك - تعرف مالكٌ... والحق يدفع ترهات الباطل فاعترض بالقسم بين الصلة والموصول.
ومما يمكن أن يكون من ذلك قول الآخر: لي كل يومٍ من ذؤالة... ضغثٌ يزيد على إبالة فلأحشأنك مشقصاً... أوساً - أُويس - من الهبالة فـ "أويس" نداء معترض بين المصدر والجار المتصل به.
فأما قوله "أوساً" فمن باب ﴿صنع الله﴾؛ لأن "لأحشأنك" يدل على "أؤوسك"، فحمل "أوساً" عليه، ولا يجوز أن يكون بدلاً من الاسم المنصوب؛ لأن في

البدل ضرباً من البيان كالصفة، والمتكلم والمخاطب لا يحتاج إلى ذلك معهما، فمن ثم لم يجز سيبويه في قوله "بي المسكين كان الأمر" الجر في "المسكين" على البدل.

فإذا جاز الفصل بين الصلة والموصول بما ذكرنا من الاعتراض، فأن يجوز

الفصل بين اسم "إن" وخبرها

بالاعتراض الذي هو قوله ﴿وأقرضوا الله قرضاً حسناً﴾ أحرى؛ لأن اتصال الصلة بالموصول أشد من اتصال المبتدأ بالخبر؛ ألا ترى أنهما يجريان مجرى الاسم الواحد، وأن المبتدأ قد يحذف خبره ولا يستعمل إثباته.
وقوله ﴿يضاعف لهم﴾ على هذا التأويل في الآية، في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ.
ومما جاء من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله: ألا هل أتاها - والحوادث جمةً - بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا فالمبتدأ والخبر اعتراض، والجار والمجرور في موضع رفع بأنه

فاعل، كما أنهما في ﴿كفى بالله﴾ كذلك.
ومثل ذلك القول الآخر: وقد أدركتني - والحوادث جمةٌ -... أسنة قومٍ لا ضعافٍ ولا عزل وإذا جاز ذلك في الفعل والفاعل كان في المبتدأ والخبر أجوز؛ ألا ترى أن اتصال الفعل بالفاعل أشد من اتصال المبتدأ والخبر، فمن ثم لم يحذف الفاعل في الموضع الذي يحذف فيه المبتدأ، ولكنه يضمر.
فمن ذلك ما حكاه سيبويه [من] قولهم "إنه - المسكين - أحمق"، فـ"المسكين" خبر مبتدأ محذوف، وقد اعترض بهما بين اسم "إن" وخبرها.
ومن أنشد قول الشاعر: تبرأ من دم القتيل وثوبه... وقد علقت دم القتيل إزارها و"ثوبه"، كان قوله "وقد علقت دم القتيل" اعتراضاً بين الابتداء والخبر، ومن جر "ثوبه" كان قوله "إزالها" مرتفعاً بـ "علقت"، وكأنه أنَّث على "الملاءة" ونحو ذلك.

ومن الاعتراض قوله ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم.
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم.
إنه لقرآن كريمٌ﴾، فقوله ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيمٌ﴾ اعتراض بين القسم والمقسم عليه، التقدير: فأقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم.
وقوله ﴿لو تعلمون﴾ اعتراض أيضاً بين الصفة والموصوف من الجملة التي هي اعتراض، والتقدير في ﴿لو تعلمون﴾: اعلموا، كما تقول: لو قمت، أي: قم.
وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع، وعلى هذا قالوا: إن زيداً - فافهم قولي - رجل صدقٍ.
ومن الاعتراض بين الصفة والموصوف قوله ﴿ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾.
ولو جاء بين الشرط والجزاء كان حسناً؛ لأن الشرط والجزاء بمنزلة القسم والمقسم عليه.
وقد جاء بين المعطوف والمعطوف عليه فيما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:

أصبح من أسماء قيس كقابضٍ... على الماء لا يدري بما هو بقابض فإن أباها مقسمٌ بيمينه... لئن نبضت كفي - وإني لنابض - ثم رآني لأكونن ذبيحةً... وقد كثرت بين الأعم المضائض وأنشد: كأن - وقد أتى حولٌ جريمٌ -... أثافيها حماماتٌ ركود يريد: كأن أثافيها

وقد جاء

الفصل بين المفعول وفعله

في قوله أبي النجم: وبدلت - والدهر ذو تبدل -... هيفاً دبوراً بالصبا والشمأل وفي قول الأعشى: ومنا الذين أعطاه في الناس ربه... على فاقةٍ - وللملوك هباتها - نساء بني شيبان يوم أوراةٍ... على النار إذ تجلى بها فتيانها فلهذا النحو الذي ذكرت من اتساع الاعتراض كان حمل الآية عليه أولى.
وإن حملته على أن الخبر غير مذكور، ولم تجعل قوله {وأقرضوا

الله} اعتراضاً، ولكن جملة معطوفة على ما تقدمها، جاز في قوله ﴿والمصدقات﴾ أمران: أحدهما: أن تكون الواو بمنزلة "مع" على أن تكون قد سدت مسد خبر الابتداء، كما أنك لو قلت: إن المصَّدقين مع المصدقات، كان كذلك؛ الا ترى أنه لما كان معنى قولك "أقائمٌ الزيدان": أيقوم الزيدان، استغنيت بالفاعل عن خبر المبتدأ، وإن كان قد ارتفع "قائم" ارتفاع المبتدأ، فكذلك قوله ﴿والمصدقات﴾، وإن كان منتصباً بالعطف على "إن" فإنه يسد مسد الخبر، فلا تحتاج مع ذلك إلى تقدير خبر، كما لم تحتج إليه في قولك "أقائمٌ الزيدان" ومثل ذلك قولهم "الرجال وأعضادها" و "النساء وأعجازها" لما كان المعنى: الرجال مع أعضادها، والنساء مع أعجازها، استغنيت عن خبر الابتداء بذلك، فكما استغنيت عن خبر المبتدأ بما كان معطوفاً عليه لما كان المعنى معنى "مع"، كذلك يدخل عليه "إن" على هذا الحد.
ومثل ذلك قولهم "كل رجلٍ وضيعته".
ومثله مما دخل عليه "إن"

ما ذكره من قولهم "إنك ما وخيراً" أي: إنك مع خيرٍ.
فعلى هذا أيضاً يحمل قوله (إن المصدقين والمصدقات)، أي: إنهم معهن في نيل الثواب وارتفاع المنزلة به.
فإذا حملته على ذلك جاز بلا خلاف فيها.
وقد يجوز أن تضمر لهذا النحو خبراً، فيكون التقدير "كل رجلٍ وضيعته مقرونان".
وعلى هذا يضمر أيضاً خبر "إن" في قوله (إن المصدقين والمصدقات) [أي: إن المصدقين والمصدقات] مفلحون، أو يضاعف لهم، ونحو ذلك مما ذكروا به في التنزيل.
ومثله في حذف الخبر قوله ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله﴾ إلى قوله ﴿والباد﴾.
ويكون موضع (يضاعف لهم) على هذا التأويل نصباً لأنه صفة للنكرة المنصوبة.
وإن شئت لم تجعله صفة، ولكن جملة

مستأنفة، إلا أنك لم تلحق حرف العطف لالتباسها بما تقدم، كما لم تلحقه في قوله ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، فيكون ما ذكرنا في الفعل والفاعل نظير هذه في الابتداء والخبر.
ويقوي ذلك قوله ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له﴾، فلم تجر المضاعفة صفة عليه في اللفظ وإن كان في المعنى كذلك.
فأما قوله ﴿وله أجرٌ كريمٌ﴾ فلا يكون معطوفاً على (يضاعف) في قول من جعله صفة؛ ألا ترى أنك لو قلت: مررت برجلٍ يذهب أبوه وزيدٌ منطلقٌ، وأنت تريد العطف على "يذهب" لم يجز؛ لأنه لا تعلق للموصوف به.
وكذلك الآية، فمن أضمر خبر "إن" أو جعل العطف يسد مسد الخبر، واستأنف (وأقرضوا) وجعل قوله (يضاعف) صفة، لم يكن قوله ﴿ولهم أجرٌ كريمٌ﴾ إذا أراد به العطف إلا معطوفاً على ﴿وأقرضوا الله﴾.
ويجوز أن تجعلها في موضع حال كقوله ﴿يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم﴾، كأنه قال: يضاعف لهم مأجورين.
وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين، وجعلت قوله (وأقرضوا) معطوفاً على ذلك؛ لأن معنى (المصدقين والمصدقات)

كمعنى: إن الناس المصدقين.
فإذا كان ذلك معناه جاز أن تعطف (وأقرضوا) عليه، كما كان يجوز ذلك لو أبرزت ما هذا المذكور في معناه وموضعه.
وعلى هذا الوجه حمله أبو الحسن أرى؛ لأنه قال في تفسيرها: لو قلت: الضاربة أنا وقمت زيدٌ، كان جائزاً.
كأنه يريد: كما استقام أن تحمل "الضارب" على "ضرب"، فعطفت "قمت" عليه، كذلك يستقيم أن تجعل الفاعلين والفاعلان بمنزلة الفاعلين، فتحمل (وأقرضوا) عليه؛ إذ لا يستقم عطف (وأقرضوا) على الصلة الأولى، وإذ العطف على المعنى قد جاء في الصلاة وفي غيره كثيراً، فتأول الآية على الحمل على المعنى الذي هو صحيح دون الوجه الفاسد، والحمل على المعنى أكثر من ذلك في العطف وغيره.
فمن ذلك قوله ﴿أو كالذي مر على قريةٍ وهي خاويةٌ﴾ لما كان معنى قوله ﴿ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم﴾: أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قريةٍ.
ومن ذلك قوله ﴿ما ليَ لا أرى الهدهد﴾، وقوله {ما لنا لا نرى رجالاً

كنا نعدهم من الأشرار} لما كان المعنى في قولك: ما لي لا أراه، وما لنا لا نراهم: أخبرونا عنهم، صار الاستفهام محمولاً على معنى الكلام، حتى كأنه قال: أخبروني عن الهدهد أشاهد هو أم كان من الغائبين.
وكذلك الأخرى في من وصل الهمزة ولم يقطعها في قوله ﴿اتخذناهم سخرياً﴾.
فكما استقام الحمل على المعنى في هذا النحو، كذلك حمل الآية عليه فيما نرى أنه مذهب أبي الحسن.

مسألة قال أبو علي: إن سأل سائل عن الواحد من قوله تعالى ﴿نحن أولو قوةٍ وأُولو بأسٍ شديدٍ﴾، ما واحده من لفظه على القياس؟ وكيف كان يكون لو قيل؟ فالجواب: أنه ينبغي أن يكون "أُلٍ" كما ترى.
يدلك على ذلك قولهم في جمعه "أُلُون" كما قالوا في جمع "عمٍ": "عمون"، فأسكنوا الياء التي هي لام الفعل من "عمٍ" حيث لزم تحريكها بالضم، وألقيت حركتها على العين التي هي ميم، وحذفت اللام التي هي ياء لالتقاء الساكنين: هي وواو الجمع، فصار "عمون".
فكذلك تحريك اللام التي هي عين من قولك "أُلُون" بالضم، يدل على أن الآخر ياء لزم تحريكها بالضم، فأسكنت، وألقيت حركتها على العين التي هي لام، وحذفت فصار "أُلُون" كقولك "عمون".
فإن قلت: فكيف يسوغ هذا و"أُلٍ" على هذا: "فُعِلٌ"، وليس في الأسماء شيء على هذا، فإذا كان كذلك كان فاسداً لخروجه إلى ما لا نظير له، وما كان كذلك كان ساقطاً؟

قيل له: لا يمتنع هذا أن يكون على لفظ "فُعِل"، لا على أن أصل البنية كذلك، ولكن كان الأصل "فُعُلٌ" مثل "عُنق" و "أذن" و"طُنب"، فلما لزم أن يكون آخر الأسم واو أو ياء قبلها ضمة، كره ذلك، فأبدل من الضمة كسرة ليصير الآخر ياء.
ونظير هذا مما سمع منهم وحكاه سيبويه "ثني وثنٍ"؛ ألا ترى أن ثنياً: فعيلٌ كرغيف وكثيب، وجمعه "فُعُلٌ" كرغف وكُثُب، فقيل "ثنٍ"، فأبدل.
وكذلك الواحد من قولك "أُلون" كان على هذا للدلالة التي ذكرنا.
ويجوز أن يكون واحده "فُعَل" مثل "صردٍ" و"هدىً".
فإن قلت: إن الأمر لو كان على هذا لوجب أن يكون الجمع "أُلون"؛ ألا ترى أنك لو سميت رجلاً بـ"هدىً" و"أعشى" لقلت: "هدون" و"أعشون"، فلما لم تجئ اللام التي هي عين من "أُلون" مفتوحة، دل ذلك على أنه لا يجوز أن يكون "فُعَل" كما ذكرت.
قيل له: إنه يجوز أن يكون في الأصل "فُعَل" كما ذكرنا، ولكنهم أبدلوا من الفتحة كسرة إتباعاً للجميع الذي في معناه؛ ألا ترى أنهم قالوا في جمع "ذو": الذوين"، قالت الكميت: فلا أعني بذلك أسفليكم... ولكني أريد به الذوينا يخاطب بذلك أهل اليمن، ويعني بـ"الذوين" ملكوهم كذي يزنٍ

وذي كلاع، فجمعهم على "ذوين".
فلما كان "الذوين" في معنى "أُلين" كسره ككسره وإن كان الأصل الفتح، كما أن "يذر" لما كان في معنى "يدع" فتحت العين منه وإن لم يكن حرف حلق كما في "يدع".
ويؤكد هذا ويقويه أنهم جعلوا جمع المؤنث بالألف والتاء كجمع تأنيث "ذوين"؛ ألا تراهم قالوا "أُلات"، وفي التنزيل ﴿وأولات الأحمال﴾، فحذفوا لام الفعل لما كانت محذوفة من "ذوات".
فكما أتبعوا جمعوا التأنيث في أن حذفوا اللام، كذا أتبعوا جمع التذكير التذكير في أن كسروا فقالوا "أُلين"، وإن كان الأصل فتح العين، إتباعاً للجمع الذي هو بمعناه، وهو "الذوين".
وجاز أيضاً أن تجمع "أُلين" وإن كان الواحد "أُلىً" مثل "هدىً" كما جاز أن تجمع "ذوىً" على "ذوين"؛ ألا ترى أن واحد "الذوين": "ذوىً".
يدل على ذلك ﴿ذواتا أفنانٍ﴾ و ﴿ذواتى أُكُلٍ خمطٍ﴾، وجمعه الكميت على "الذوين".
وكما جاز أن تجمع "ذوىً" الذي هو "فعلٌ" جمع ما آخره ياء، وكان واحده "ذوىً"، كذلك يجوز أن تجمع "ألىً" الذي هو "فُعَل" كأنه على وزن "فُعِلٍ".
ويؤكد ذلك أنهم قد جمعوا في الشعر القديم "قناً" على

قنين"، فأبدلوا من الفتحة كسرة في الجمع، فكذلك يجوز أن يكون واحد "أُلين" "أُلىً"، وإنما غيروا في الجمع.
وحكى أبو زيد أن بعضهم قالوا في "مقتوين": "مقتوين"، فأبدل من

الكسرة فتحة.
فكما جاز أن تبدل من الكسرة فتحة في هذا الذي حكاه أبو زيد، كذلك يجوز أن تبدل من الفتحة كسرة في "أُلين"؛ لأن الفتحة والكسرة كالمثلين؛ ألا ترى أنهم قد حركوا بالفتح مكان الكسر في جميع ما لا ينصرف، وجعلوا النصب والجر على لفظ واحد في التثنية وضربي الجمع المسلم: التذكير والتانيث.
فهذا مما يعلم به مقاربة كل واحد من النصب والجر الآخر، وكونه مثلاً له.

مسألة قرأ - أطال الله بقاء سيدنا الأمير سيف الدولة - عبد سيدنا الرقعة النافذة من حضرة سيدنا، فوجد كثيراً منها شيئاً لم تجر عادة عبده به، لا سيما مع مثل صاحب الرقعة، إلا أنه يذكر من ذلك بعض ما يدل على قلة تحفظ هذا الرجل فيما يقوله، وهو قوله: "لو يبقى عمر نوح ما صلح أن يقرأ على السيرافي" مع علمه بأن ابن بهزاذ السيرافي يقرأ عليه الصبيان ومعلموهم؛ أفلا أصلح أن اقرأ على من يقرأ عليه الصبيان! هذا ما لا خفاء به، كيف وهو قد غلط فيما حكاه عني، وأني قلت: "إن السيرافي قرأ علي"، ولم أقل هذا، إنما قلت: "تعلم مني" وأخذ عني هو وغيره ممن ينظر اليوم في شيء من هذا العلم" وليس قول القائل "تعلم مني" مثل "قرأ علي"؛ لأنه قد يقرأ عليه من، وتعلُّم ابن بهزاذ السيرافي مني في أيام محمد بن السري وبعده، لا يخفى على من كان يعرفني ويعرفه، كعلبي بن عيسى الوراق، ومحمد بن أحمد بن يونس، ومن كان يطلب هذا الشأن من بني الأزرق الكاتب وغيرهم، وكذلك كثير من الفرس، الذين كانوا يرونه يغشاني في صف شونيز، كعبد الله بن جعفر بن دستويه النحوي، لأنه كان جاري بيت بيت قبل أن يموت الحسن بن جعفر أخوه، فينتقل إلى داره التي ورثها عنه في درب الزعفراني.

وأما قوله: "إني قلت: إن ابن الخياط كان لا يعرف شيئاً" فغلط في الحياكة، كيف استجيز هذا وقد كلمت ابن الخياط في مجالس كثيرة! ولكني قلت: "إنه لا لقاء له"؛ لأنه دخل بغداد بعد موت محمد بن يزيد، وصادف أحمد بن يحيى قد صم صمماً شديداً لا يخرق الكلم معه سمعه، فلم يمكن تعلم النحو منه، وإنما كان يعول فيما كان يؤخذ عنه على ما كان يمليه دون ما كان يقرأ عليه.
وهذا أمر لا ينكره أهل هذا الشأن ومن يعرفهم.
وأما قوله: "قد خطأته البارحة في أكثر ما قاله" فاعتراف بما أن استغفر الله منه كان حسناً، وكذلك حكم كل من خطأ مصيباً.
نجز جواب ما ليس من العلم الذي أعاني.
فأما قوله: "إني قلت" ما قال أحد إن القوم يقع على الجن" فما أعلمني قلت هذا، ولكني قلت: إن القوم يقع على الرجال دون النساء بدلالة قوله تعالى ﴿يا أيها الذي آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ﴾ ثم قال ﴿ولا نساءٌ من نساءٍ﴾ وبدلالة قول زهير: ......................... أقومٌ آل حصنٍ أم نساءٌ وبدلالة أن "القوم": "فَعْلٌ" من "القيام"، والرجال هم القوامين على النساء والصبيان كما جاء ذلك في التنزيل، وليس للنساء قيام على الرجال في هذا الوجه.
فقال قائل في المجلس: فقد قيل: إن قوماً يقع على النساء أيضاً بدلالة قوله ﴿إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾.
فقلت: إن هذا لا يدل على

أن قوماً يقع على النساء؛ لأن النساء وقع عليهن هذا الاسم لاختلاطهن بالرجال، فأطلق عليهن ما يختص به الرجال من حيث يغلب المذكر على المؤنث في هذا الموضع.
هذا ما ذكرته مما جرى في "قوم" لا أذكر غيره.
ولو قال قائل: إن قوماً لا يقع على الجن، لم يكن فيما أورد من القرآن دلالة على أن "القوم" يقع على الجن؛ لأنه يمكن أن يكون المعنى أنهم قالوا لزعمائهم ومن ينوب ويقوم عن سائرهم ما تقولونه أنتم أيها الإنس لمن كان منكم، هذا وإن لم يكونوا مستحقين لهذا الاسم في الحقيقة.
وهذا النحو في اللغة غير ضيق، من ذلك قوله تعالى ﴿إن شجرة الزقوم.
طعام الأثيم.
كالمهل﴾ ثم قال ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾.
ومعلوم أن من كانت هذه صفته لم يكن كريماً عند الله في الحقيقة قوله ﴿ويخلد فيه مهاناً﴾ وقوله ﴿ومن يهن الله فما له من مكرمٍ﴾، فاستحقاقه أن يسمى بالمهان ينافى أن يكون كريماً.
وإذا كان كذلك ثبت أن المعنى: أنت العزيز الكريم عند نفسك، وأنت الذي يسمى بالعزيز الكريم، وليست كذلك.
وكذلك قوله تعالى ﴿ورد الله الذي كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً﴾، فسمى ما كان يناله المشركون من المسمين لو نالوه خيراً، على حسب ما كان عند المشركين، وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، وقد قال زهرة اليمن يعني جريراً: أبلغ كليباً، وأبلغ عنك شاعرها... أني الأغر، وأني زهرة اليمن

فأجابه جرير: ألم يكن في وسومٍ قد وسمت بها... من حان، موعظةٌ يا زهرة اليمن ومن ذلك قول النابغة الجعدي أو غيره من القدماء: إذ أصبح الديك يدعو بعض أسرته... إلى الصباح، وهم قومٌ معازيل فكما أجرى "الأسرة" و"القوم" على الدجاج وإن لم يكن مما يسمى في كلامهم بـ"قوم" ولا "أسرة"، كذلك يجوز أن يقع اسم "قوم" على الجن لدعائهم إلى الإيمان، وإن كان اسم "قوم" لا يقع عليهم كما لا يقع على الدجاج إلا في هذه المواضع المتسع فيها للتشبيه.
وإذا كان ما ذكرته في التأويل في قول الجن بعضهم لبعض ممكناً لما أوردته من الدليل، سقط ما أتى به صاحب الرقعة من الاستدلال بالآية.
وما ذكره أني قلت: إن أناساً جمع كما قال الفراء، فغلط في الحكاية؛ لأني لم أقل، ولا أقول، إن أناساً ليس بجمع على الإطلاق الذي ذكره صاحب الرقعة، ولكني قلت: إن ليس بجمع تكسير، وليس بجمع إنسان، وقد دللت على ذلك في رقعة نفذت قبل، وسأدل عليه في هذا الكتاب أيضاً بما لم أذكره فيما تقدم، واقول: إن من الدليل على أن أناساً، وإن كان جمعاً، أنه ليس بجمع لإنسان، أنه لا يخلو من أن يكون جمعاً لإنسان أو لا يكون جمعاً له.
فإن كان جمعاً له لم يخل من أن يكون جمع تكسير أو غير جمع تكسير.
فلا يجوز أن يكون جمع تكسير لأن جمع التكسير

ما جمع واحده عليه جمعاً مطرداً، وقيس في أكثر الأمر ما لم يسمع منه على ما سمع، وفي امتناع النحويين أن يقيسوا على "فُعال"، ويكسروا عليه شيئاً لم يسمعوه وقل مجيئه عن العرب، دلالةً على أنه ليس بتكسير، وإنما هو اسم من أسماء الجمع، كما أن ما هو أوسع مجيئاً منه نحو "قردة" اسم من أسماء الجمع عند سيبويه وأصحابه.
ومما يدل على أن أناساً ليس بجمع تكسير أن الآحاد إذا حذف من حروفها شيء رد في جموعها التي للتكسير كقولهم "يدٌ" و "أيدٍ""ابنٌ"] و"أبناء" ونحو ذلك، وقولهم "الناس" بعكس ذلك؛ لأن الفاء الثابتة في "إنسان" محذوفة فيه، فدل مخالفته لهذا الضرب من الجمع أنه ليس منه، فصح ما ذكرته من أنه ليس بجمع تكسير.
فإن قلت: فقد قال أبو الحسن في "أشياء" ما علمت!

قيل: إن قوله خلاف قول الخليل وسيبويه، وليس مثل هذا لاجتماع الأمثال فيه.
فإذا لم يجز أن يكون جمع تكسير وكان جمعاً، كان جمعاً غيره.
وغير جموع التكسير على ثلاثة أضرب: أحدها

###: أن يكون اسماً مصوغاً للجمع من غير لفظ الواحد المجموع.

والثاني

###: أن يكون الاسم يستعمل مرة مفرداً ومرة جمعاً.

والثالث: أن يكون مشتقاً من لفظ الواحد المجموع.

[فالأول]: كقولنا في جمع "واحد": "جمع"، وفي "جزء": "كل"، وفي "رجل": "قوم"، وفي "امرأة"، وفي "امرأة": "نسوة"، وفي "راحلة": "ركاب"، فهذه الأسماء، وإن كانت مصوغة للجموع وموضوعة لها، فإنها جارية مجرى الآحاد بدلالة تحقيرهم ما حصر منها، وتكسيرهم لها في نحو قوله: وقد علم الأقوام.......................................... وإضافتهم إلى ما أضيف منها على لفظها، كقولهم في الإضافة إلى "الجمع": "جمعي"، وإلى "نسوة": "نسويّ".
كذلك قالوا في التحقير "قويم" و "رهيط" و "نسية"، ولم يردوها في ذلك إلى آحادها، لكنهم أجروها مجرى المفردة، فقالوا "قويم" و "رهيط" كما قالوا "ثويب" و"عديل".
وكذلك يقال في الإضافة "قومي"، ولم يقولوا "رجلي" كما لم يقولوا في الإضافة إلى "الجمع": "واحدي".

والضرب الثاني من المجموع

###: أن يكون الاسم يستعمل مرة مفرداً ومرة جمعاً،

وذلك نحو قولهم "بشرٌ"، فإنه قد استعمل اسماً مفرداً في قوله تعالى ﴿ما هذا بشراً﴾ وقوله ﴿ولئن أطعتم بشراً مثلكم﴾.
والدلالة على أن المراد في الآية الأولى الإفراد واضح، وهو أنه خبر اسم مفرد مخصوص

بالإشارة، وخبر المبتدأ إذا كان مفرداً فهو هو، نحو: زيدٌ أخوك، وعمروٌ منطلقٌ.
والدليل على أنه في الثانية أيضاً اسم مفرد قوله ﴿أيعدكم أنكم﴾، فأفرد في الفعل ضميره.
والدليل على استعمالهم له جمعاً قوله ﴿إن أنتم إلا بشرٌ مثلنا تريدون أن تصدونا﴾.
ومثل ذلك في أنه استعمل مرة جمعاً ومرة واحداً: "الحلوبة" و"الركوبة" و"القتوبة" فيما حكاه الجرمي عن أبي عبيدة، فأما "الناس" فليس من هذا الباب؛ لأنه لا يستعمل إلا جميعاً.
الضرب الثالث: وهو أن يكون اسم الجمع مشتقاً من لفظ الواحد المجموع نحو "الباقر" و"الجامل" و"السامر" و"الكابر".
و"البلصوص" لواحد "البلنصي"، و"أشياء" في قول الخليل وسيبويه.
ومنه "الحلوب" و"الركوب" و"القتوب"، فإن هذا لا يستعمل - فيما حكى

أبو عمر عن أبي عبيدة - إلا جمعاً، وفي التنزيل ﴿فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾.
وأما "الحلوبة" فمن جعله جمعاً فهو من هذا الباب، قال أبو عبيدة: وقد يكون واحداً.
وقولهم "أُناس" في جمع "إنسان" قد كان يمكن أن يكون من هذا القبيل لدلالة "أُناس" و"ناس" على الجماعة وكونهما من لفظ "إنسان" بالدلالة التي ذكره في المسألة النافذة قبل، إلا أن الذي يمنع من ذلك ما حكاه أحمد بن يحيى في تفسير قوله ﴿من الجِنة والناس﴾ أن العرب تقول: "جاءني ناسٌ من الجن"، وما جاء في الرواية من قول الشاعر وهو يخاطب الجن: فقلت: إلى الطعام، فقال منهم... أناسً: نحسد الإنس الطعاما

ووجه المنع من ذلك أن الجموع تنتظم أشخاص آحاد نحو "الشياطين" و"الكابر" و"التؤام" التي تضم أشخاصاً كل واحد منها "شيطان" و"كبير"، ولا يجوز أن تضم ما ليس بـ"شيطان" ولا "كبير".
فكذلك "الأُناس" لو كان جمعاً لـ"إنسان" لم يضم غير الإنسان، ففي ضمه الرجل والمرأة مع الجن فيما رويت واستدللت عليه، دلالةٌ على أنه لا يكون جمعاً لـ"إنسان" كما أن اللفظ المصوغ على لفظ الإفراد لما ضم أشخاصاً أكثر من الجمع المكسر على لفظه لم يجز أن يكون اللفظ المكسر على لفظه جمعاً له، وذلك قولهم "الأعراب" و"العرب"، فلم يجعلوا "العرب" واحداً لـ"الأعراب، ولا "الأعراب" جمعاً له وإن كان "عرب" من لفظ "أعراب"، وباب "فعلٍ" أن يجمع على "أفعالٍ" نحو "جبل وأجبال" و"طلل وأطلال" ونحو ذلك.
فكما أن "أعراباً" ليس بجمع "عرب" وإن كان من لفظ، وعلى ما يجوز في القياس أن يكسر على "أفعال"؛ لأن "عرباً" تضم وتعم ما تضمه "الأعراب" وغيرهم، بدلالة وقوع قولنا "عرب" على الحاضرة والبادية، ووقوع الأعراب على البادية دون الحاضرة، لم يجز أن يكون "أعراب" جمعاً له، فمن ثم قالوا في النسب إلى "الأعراب": "أعرابي"، ولم يردوه إلى واحد هذا التكسير كما ورد "أفعال" إلى "فعلٍ" في قولهم في الإضافة إلى "أبناء فارس": "بنوي"، ومن قال من العرب في ذلك "أبناوي"، ولم يرده إلى الواحد، فإنما ذلك لأنه جعله اسماً لهذا القبيل، كما قالونا "أنصاري" حين صار اسماً لهم، فجعلوه بمنزلة "أنماري" و"كلابي" و"معافري" ونحو ذلك من أسماء الجموع التي سميت بها الآحاد، فكما لم يجعلوا "أعراباً" جمع "عرب" بالدلالة التي ذكرت، حيث كان الواحد يشمل أشخاصاً أكثر مما يشمله الجمع، كذلك لا يكون "أناس" جمع "إنسان" لضم الجمع

أشخاصاً غير "الأناس"، وحكم ضربي الجمع: التكسير، والمصوغ من لفظ الواحد، أن يضم آحاده دون آحاد غيره، كما أن حكم الواحد ألا يكون أعم من جمعه، فلذلك لم يكن "أناس" و"إنسان" من هذا الباب كـ"البلصوص" و"البلنصي"، و"شيء" و"أشياء" ونحو ذلك.
فإذا لم يجز أن يكون "أُناس" و"إنسان" من هذا الباب، كما لم يجز أن يكون من باب التكسير بالدلالة التي ذكرت، لم يجز أن يكون "أناس" جمع "إنسان" كما لم يجز أن يكون "أعراب" جمع "عرب".
وفيما ذكرت في هذا الموضوع وفيما قبله كفاية لمن له فهم.
فأما ما ذكره من أنه سألني عن "الناس" على قول سيبويه: ما وزنه؟ وما الدليل على أن الأصل فيه "الأناس"؟ وأني قلت: كما يعتد "خذ" و"كل"، فغلط في الحكاية، ولم يكن جوابي عن مسألته عن الدليل على صحة المذهب، ولكن دللت على ذلك بنحو ما قد نفذ به جوابي أمس إلى حضرة سيدنا، وهو أن الدلالة على ذلك أنهم قالوا "أُناس" و"إنس" ونحو ذلك، فدل قولهم "إنس" إذا كان بمعنى "أُناس" أن الألف في "أُناس" زائدة، وإذا ثبت زيادة الألف ثبت أن الهمزة في "أناس" فاء الفعل، وإذا ثبتت فاء في "أُناس" وكان "الناس" بمعناه، ثبت أن الفاء من "الناس" همزة أيضاً.
وقلت بعد ذكر الدلالة: إن حذف الهمزة التي هي فاء من "الناس" لا يدل على أن الفاء ليست بهمزة، كما أن حذفها من "كل" و "خذ" لا يدل على أن الفاء ليست بهمزة، وهذا كلام مستقيم صحيح.
وما ذكره من أني شبهت الفعل بالاسم، والكلمة على حرفين بالثلاثي، فكلام ساقط يدل على أن قائله ليس يعرف من التصريف شيئاً، و [لا] من

عبارات أصحابه شيئاً يغني به، وذلك أنهم لا يختلفون في أن قائلاً لو قال: إن الهمزة في "أحمر" زائدة لأنك تقول "الحمرة"، فتشتق منه ما تسقط الهمزة [فيه]، في أن ذلك صواب بمنزلة قوله: الهمزة في "أحمر" زائدة لأنك تقول "احمر زيدٌ" فتشتق منه ما تسقط فيه، فلا يفصلون في ذلك بين الاسم والفعل.
وكذلك لو قال قائل: الهمزة في قولنا "اضرب" زائدة لأنك تقول "الضرب"، فتشتق منه ما تسقط فيه، وتقول "ضرب" فتشتق منه ما تسقط فيه.
وكذلك لا يختلفون في أن قائلاً لو قال: الهمزة من "أخذٍ" أصل لأنك تقول "أخذ"، ولأنك تقول "الأخذ"، فيستدلون بثباتها إذا كانت أصلاً في الاسم كما يستدلون بثباتها في الفعل، كما استدلوا بسقوطها على أنها زائدة بالفعل تارة وبالاسم أخرى.
وليس يلزم إذا اختلف الفعل والاسم في أحكام لهما أن لا يتفقا على وجه ولا موضع، فإذا ثبت الحرف فاء في مصدر لم يكن في الفعل الصادر عنه ولا في سائر الأبنية المأخوذة منه إلا فاء، وكذلك العين واللام.
وقوله: "والكلمة التي على حرفين بالثلاثي" فكلام لا وجه له؛ لأنه ليس في هذه الكلم التي جرت شيء على حرفين في الأصل، وإن كان بعضه في اللفظ على ذلك، كما أن "سل" و"عد" و"ثب" و"بع" و"قل" و"عِه حديثاً" و"شِه ثوباً"، وإن كان منها شيء على حرفين وشيء على حرف واحد، فهو كله من الثلاثة.
وقوله: "اختلف أهل النحو في "الناس" على أربعة أوجه: فقام قوم:

نَوَسٌ.
وقال آخرون: نيسٌ، بالياء واحتجوا بأن الكسائي قرأ ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ بالإمالة.
وقال آخرون: النسى، بتأخير الياء، فقدمت اللام إلى موضع العين".
فإن تعديد هذا الوجه وجعله وجهاً غير الذي تقدمه خطأ؛ لأن هذا نفس الذي ذكره، وليس غيره، فلو جاز أن يعد المقلوب [والمقلوب] عنه وجهين، فيقال: إن المقلوب غير المقلوب عنه، لجاز أن يعد المحذوف والمحذوف منه وجهين، فيصير خمسة أوجه.
فهذا غلط في العدد ودلالة على ضعف التمييز، وفيما قدمته من الدلالة على أن الهمزة في "أُناس" فاء الفعل، وما يدل على أن الألف زائدة، وفي كونها زائدة ما يبطل كونها منقلبة، وإذا لم تكن منقلبة سقط هذان القولان اللذان ذكرهما في قسمته، وفسد ما ذهب إليه من انقلاب الألف في "أُناس" عن الياء أو عن الواو.
وإذا سقط ذلك لم يبق إلا قول واحد، وهو أن الكلمة فاؤها همزة، وعينها نون، ولامها سين، والألف فيها زائدة.
فأما من احتج منهم بأن العين ياء لقراءة من قرأ ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ بإمالة الألف، فاحتجاجه بذلك دليل على ضعف بصره بالإمالة، وذلك أنهم قالوا: "مررت ببابه" و"مررت بمال" و"من أهل عاد"، فأمالوا هذه الألفات مع أنها منقلبة عن الواوات، ولا يمتنع من كان من لغته الإمالة في هذا النحو أن يقول: "مررت بكتابه" و"رأيت عماداً"، فيميلون الألف الزائدة للكسرة، كما يميلون المنقلبة عن الياء والواو، فكيف صارت الإمالة فيما ذكره دلالة دون من خالفه فقال: هي من الواو، وهي زائدة!

والقول بأن الألف في "ناس" منقلبة عن ياء أو واو مع ما قام على فساده في اللفظ، فهو ضعيف في المعنى؛ لأن النوس: تذبذب الشيء وتدليه، وحمل "الناس" على هذا المعنى ليس بسهل ولا قريب، ومن ادعى أن الانقلاب في الألف عن الياء كان ممتنعاً من معنى النسيان لأجل اللفظ، وإن كان المعنى لا يمتنع.
وقد روي عن بعض السلف أنه قال: إنما سمي الإنسان لأنه نسي، هذا القول لا يساعده ما عليه لفظ الإنسان من البنية.
وقولهم في التحقير "أنيسيان" لا يدل على ذلك؛ لأن زيادة الياء كزيادتها في "لييلية".
وهذا قول سيبويه.
وكما أن الياء في قولهم "أنيسيان" في تحقير "إنسان" لم تدل على أن الاسم من باب النسيان، وأن اللام غير السين عند سيبويه؛ لأن الياء إنما تلحق في التحقير كما لحقت في تحقير "لييلية"، وكما قالوا "عشيشية" و"أصيلال" في تحقير "عشية" و"أصيل"، فألحقوا التحقير زوائد لم تكن في التكبير، فكذلك لا تدل الواو في قولهم "نويس" على أن الواو عين الفعل لما تقدم من الدالة على أن عينها النون.
فإن قيل: فكيف قلبت الألف واواً في "نويس" تحقير "ناسٍ" ولم تقلب ياء؟ فالقول في ذلك: إنها لما كانت ثانية زائدة كما أن ألف "فاعلٍ" كذلك، وقد أجمعوا على قلب ألف "فاعلٍ" واواً في التحقير، كذلك قلبوا الألف واواً في "ناسٍ" لموافقتها لها فيما ذكرت.

ويجوز أن تكون قلبت واواً لأنها كما أن فيها شبهاً بألف "فاعلٍ" من الوجهين اللذين ذكرت، ففيها شبه من بنات الثلاثة لوقوعها ثانية من موضع العين، وبنات الثلاثة من هذا النحو الواو أغلب عفيها من الياء؛ لأن سيبويه قال: "إن إبدالها من الواو أكثر"، فعلى هذا أبدلت الواو من ألف "ناسٍ" الزائدة في التحقير.
ويدل على غلبة الواو على الياء في هذا الباب أنهم قالوا في تحقير "نابٍ": "نويب"، فأبدلوا من الألف المنقلبة عن الياء الواو في التحقير، قال سيبويه: "فهذا غلط منهم".
فإن قيل: فهلا ردت الفاء التي هي همزة عند سيبويه، فقال "أنيس"، ولم يقل "نويس" وقد زعم سيبويه أنه ليس من العرب إلا من يقول "نويس" في تحقيق "ناسٍ"، وهلا دل امتناعهم من رد الهمزة في التحقير على أن الهمزة ليست بفاء؟ فالقول في ذلك: إن الامتناع في رد المحذوف لا دلالة فيه على أن الهمزة فيه ليست بفاء؛ بدلالة أنهم جميعاً حقروا "هاراً" و"ساراً" وهم يريدون "السائر" و"الهائر" المحذوف منهما عيناهما، فقالوا فيهما "سوير" و"وهوير"، ولم يردوا العين.
فكما لم يدل امتناعهم من رد العين في التحقير على أن العين ليست من نفس الكلمة، كذلك لا يدل امتناعهم من رد الهمزة في قولهم "نويس" على أن الهمزة ليست فاء.
وكذلك قالوا في تحقيق "ميت": "مُييت"، فلم يردوا.
وزن ذلك من الفعل "فويل" أو "فييل"، ومن أمثلة التحقير "فعيل".
ويختلفون في جواز الرد، فروى يونس أن ناساً يقولون في

"هارٍ": "هويئر".
وقاس على ذلك ما أشبهه.
وإلى ذلك ذهب أبو عثمان.
وذهب سيبويه إلى [أن] من قال "هويئر" لا يقاس على قوله، كما لا يقاس على "أُنيسيان" في تحقير "إنسان" ونحوه.
وقوله: "اختلفوا في الناس، فقالوا: قد يكون لمعنى واحد، قال الله تعالى ﴿الذي قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ وكان نعيم بن مسعودٍ".
يقول: من ذهب إلى أن "الناس" واحد في هذه الرواية فخطأ؛ لأنه لو جاز أن يكون الناس واقعاً على الواحد؛ لأن القائل لهم ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ واحد، لجاز أن يكون الناس في هذه الآية، وهو قوله ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ واحداً أيضاً؛ لأنه أبو سفيان بن حرب، وفي امتناع "الناس" أن يكون واحداً في هذه الآية، وإن كان المراد به أبا سفيان، بدلالة إجراء لفظ الجمع عليه، وهو قوله ﴿جمعوا لكم﴾، دلالة على أن "الناس" المذكورين أولاً في الآية لم يخرجه إجراؤه إياه على المفرد عن أن يكون جمعاً، وإنما هذا لفظ عام وضع في موضع الخاص، فلم يخرجه هذا الاتساع من أن يكون جمعاً.
ومثله قوله ﴿تدمر كل شيءٍ بأمر ربها﴾.
ومثله قوله:

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه... يهدم..................... ومثله: .................................. ومن لا يَظلم الناس يُظلم وهذا وإن كان على لفظ العموم، فالمراد به الخصوص؛ لأنه ليس كل من لم يَظلم يُظلم لا محالة، ولا كل من لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم حوضه، وهذا النحو كثير.
ومما يقوي أن "الناس" في قوله ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ المراد به واحدٌ، قوله ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوِّف أولياءه﴾، فوقعت الإشارة بقوله ﴿ذلكم﴾ إلى واحد، ولو كان المعنى به جمعاً لكان: إنما أولئكم الشيطان.
فهذه دلالة ظاهرة من اللفظ.
وقال سيبويه: "سير عليه الدهر والليل"، وذهب فيه إلى أنه على التكثير ووضع العام موضع الخاص، وأن ذلك كما يقول القائل: جاءني أهل الأرض، وعسى أن الذين جاءوه عشرة، وإنما كثرهم.
ومثل ذلك "الأبد"، فجعل هذه الأشياء في جواب "كم".
وقد قيل: إن التأويل بقوله ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ إن الذي قال وإن الذي جمع من هذا القبيل الذي هو الناس دون الملك والجن.

وأما قوله "و

الإنسان

واحد، وقد يكون جمعاً، قال الله تعالى {والعصر

إن الإنسان لفيل خسرٍ} فالإنسان هنا جنس جمع بدلالة أنه استثنى الجمع منه، وهو قوله ﴿إلا الذين آمنوا﴾ "، فإن القول في ذلك إنه ليس للإنسان بأن يكون جمعاً من هذا الوجه اختصاص ليس لغيره من سائر الأسماء المفردة؛ لأنه إنما صار جمعاً بدخول لام التعريف عليه لتعريف الجنس به والإشارة إلى ما في العقول من معرفته، وعلى هذا قالوا: "أهلك الناس الدينار والدرهم"، و"ذهب الناس بالشاة والبعير"، وأنشد أبو زيد: إن تبخلي يا جُمْلُ أو تعتلِّي... أو تبصحي في الظاعن المولِّي ومثله في من فتح العين قول الآخر: إني كأني لدى النعمان أخبره... بعض الأودِّ بقولٍ غير مكذوب واليس في الرقعة التي وصلت إلى عبد سيدنا شيء حكمه أن يتكلم عليه، وفي آخرها حرف لم يبعد فيه، وهو قوله: "وليس يعرف أحد ما أقول، فكيف ينقضه".
ومما يصدق هذا أن رقعة من ثلاث رقاع وردت حضرة سيدنا الأمير سيف الدولة، أطال الله بقاءه.
فمما ذكره فيها قول الشاعر:

قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا............................... وتعاطى تفسير الرفع والنصب في الحمام، فقرأت: "ومن رفع الحمام جعله خبر ليت".
وهذا -أطال الله بقاء سيدنا- من العويص الذي لا يفهمه أحد، ولا يعرفه، ولا ينقضه، ولا يبرمه.
وقد نفذ جواب عبد سيدنا في ذلك على الوجه الذي يعرف.
باب

ذكرت - أعزك الله - إشكال الباب المترجم بـ"باب من ينتصب من الأسماء والصفات لأنها أحوال تقع فيها الأمور".
وسأكتب من ذلك مما رويته ورأيه ما يكون معيناً على معرفته بعون الله.
قال: "هذا باب ما ينتصب من الأسماء والصفات لأنها أحوال تقع فيها الأمور، وذلك قولك

###: هذا بسراً أطيب منه رطباً.

فإن شيئت جعلته حيناً قد مضى، وإن شئت مستقبلاً نحو إذا كان.
وإنما قال الناس: هذا منسوب على إضمار إذا كان فيما يستقبل، وغذ كان فيما مضى؛ لأن هذا لما كان ذا معناه أشبه عندهم أن ينصب على إذ كان".
فإذا كان لا يخلو العامل في قولهم "بسراً" من أن يكون "هذا"

أو "أطيب" أو مضمراً هو "إذ كان" و "إذا كان"، فلا يجوز أن يكون العامل فيه "أطيب" وقد تقدم علايه؛ لأن أفعل هذا لا يقوي قوة الفعل فيعمل فيما قبله؛ ألا ترى أنك لا تجيز "ممن أنت أفضل" ولا "ممن أفضل أنت" فتقدم الجار عليه؛ لضعفه أن يعمل فيما تقدمه.
فإذا لم يعمل فيما كان متعلقاً بحرف جر إذا تقدم، مع أن ما يكون متعلقاً بحرف الجر قد يعمل فيه ما لا يعمل في غيره نحو "هذا مارٌّ بزيدٍ أمس" و"هذا معطٍ لزيدٍ أمس درهماً"، فأن لا يعمل فيما لم يتعلق بحرف الجر مما يشابه المفعول به أولى.
فأما قول الفرزدق: ....................... أو ما زودت منه أطيب [فشرورة].
وإذا كان كذا لم يعمل "أطيب" في "بسر" المتقدم

جارٍ التحميل