باب أبنية الأفعال الثلاثية الصحيحة التي لا زيادة فيها
أبنية هذه الأفعال إذا كانت ماضية على ثلاث أضرب: "فَعَل" و "فَعِل" و"فَعُل".
فـ"فَعَل" يكون غير متعد إلى مفعول، ويكون متعدياً، فما كان غير متعد فنحو "جلس، وجَمد، وسكت"، ويكون مضارعه على "يفعل" نحو "يجلس"، وعلى "يفعل" نحو "يسكت، ويجمد"، وربما تعاقب اللفظان على
البناء الواحد، نحو "يفسُق ويفسِق" و"عكف يعكُف ويعكِف" و"نَفَر يَنفِر وينَفُر" من قوله ﴿انفِروا خفافاً﴾.
وما كان متعدياً إلى مفعول مما جاء على "فعل" فمضارعه كمضارع ما لا يتعدى، وذلك نحو "ضرب يضرب" و "قتل يقتل"، وقالوا: "حشَر يحشِر ويحشُر".
ولا يكون المضارع منه على "يفعل" إلا أن تكون العين منه أو اللام حرفاً من حروف الحلق، وحروف الحلق التي تفتح معها العين ستة: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، وذلك نحو "بدأ يبدأ" و"قرأ يقرأ" و"جبه يجبه" و"قلع يقلع" و"ذبح يذبح".
وما كان هذه الحروف فيه عيناً فنحو "سأل يسأل" و"ثأر يثأر" و"ذهب يذهب" و"بعث يبعث" و"نحر ينحر" و"فغر يفغر" و"فخر يفخر".
وقد جاء ما كان من هذا النحو على الأصل نحو "هنا" يهنئ" و"رجع يرجع" و"نزع ينزع"، وذلك في الهمزة والعين أقل لأنهما أدخل في الحلق.
وقالوا "صلح يصلح" و"فرغ يفرغ" و"مرخ يمرخ".
وما كان من ذلك الحرف فيه عين فنحو "زأر يزئر" و"نأم ينئم" و"نهق ينهق" و"نعر ينعر" و"نغرت القِدر تنغر" و"نخل ينخل".
فإذا كان الحرف الذي من الحلق فاء لم تفتح العينات، وذلك نحو "أمر يأمر" و"أكل يأكل" و"أبق يأبق" و"هرب يهرب" و"عمر يعمر".
وقالوا "أبى يأبى" فشد هذا وقولهم "قلى يقلى"، كأنهم شبهوا الألف بالهمزة في "قرأ يقرأ" لقربها منها.
وحكي عن أبي زيد أنه قال: ربما [احلت] منهم "غضضت".
وقالوا "يذر" ففتحوا تشبيهاً بـ"يدع" حيث كان في معناه، ولم يستعمل منه "فعل" ولا اسم فاعل في الأمل الشائع، ولا من
"يدع" قالوا: استغنوا عنه بـ"ترك".
وزعموا أن بعضهم قرأ ﴿ما وَدَعَك﴾، وهذا نادر.
فإذا كان مثال الماضي من هذا الضرب على "فعل" جاء المضارع منه على "يفعل" مثل "ضخم يضخم" و"صعب يصعب" و"قمؤ يقمؤ" و"ملؤ يملؤ" و "قبح يقبح" لأن مضارع "فعل" لا يختلف كما يختلف مضارع "فعل"، فألزموه طريقة واحدة لذلك، كما أن هذا النحو من الأبنية المزيدة فيها جرى عندهم مجرى لا ما لا حرف من حروف الحلق فيه حيث لم يختلف المضارع منه، وذلك نحو قولهم "ابتأس يبتئس" و"استبرأ يستبرئ" و"ارتأى يرتئي" و"انتسأ ينتسئ".
وقالوا "جأر يجأر" وهو "جئر"، وقالوا "جئز" كما قالوا "صعقٌ".
وقد حكيت "ركن يركن" وليس يثبت، ويمكن أن يكون قد جاء منه "فعل يفعل" و "فعل يفعل"، كما قالوا "نقم ينقم" و"نقم ينقم".
ويقوي ذلك
أن بعض الفصحاء قرأ ﴿ولا تِركَنوا﴾، فهذا يقوي أن الماضي منه "فَعِل".
وما كاان على "فعل" فإنه أيضاً مثل "فعل" في أنه يكون على ضربين: أحدهما أن يكون غير متعد إلى مفعول.
والآخر أن يكون متعدياً إلى مفعول، فغير المتعدي نحو "فرق" و "عطش" و "سكر"، والمتعدي نحو "شرب" و"لقم".
فالمضارع من الفعلين جميعاً يجيء على وزن "يفعل" نحو "يفرق و"يعطش" و "يسكر" و "يشربه" و"يلقمه"، ولم يجئ مضارع "فعل" على غير "يفعل" إلا أحرف شذت، فجاءت على "يفعل"، وذلك قولهم "حسب يحسب" و"يئس ييئس" و"نعم ينعيم" و"يبس ييبس".
قال سيبويه: سمعنا من ينشد لامرئ القيس:
............................ وهل ينعمن من كان في العصر الخالي
وقد جاء مضارع "فعل" "يفعل"، قالوا: "فضل يفضل"، قال
أبو عثمان: أنشدني الأصمغي:
ذكرت ابن عباسٍ بباب ابن عامرٍ... وما مر من عمري ذكرت وما فضل
ونظيره من المعتل "مت أموت" و"دمت أدوم"، وقد حكى بعضهم "يدام"، وليست بالمعرفة.
وقالوا "نعم ينعم".
وهذه حروف قليلة وحكي عن أبي زيد وأبي الحسن أنهما سمعا "فضل يفضل".
وأما "فعل" فبناء يختص به غير المتعدي، ولا يكون في الأفعال المتعدية إلى مفعول، لا يكون في الكلام: ظرفت عبد الله، ولا نحو ذلك.
فأما قولهم "الداية قدته" فأصله "فعلته"، فلذلك تعدى إلى مفعول به.
ومضارعه يطرد على "يفعل"، ولم نعلم شيئاً منه شذ عنه كما شد "يفعل" نحو "يحسب" و"يفعل" نحو "يفضل" إلا ما حكاه سيبويه من أن بعضهم قال: "كدت تكاد"، وبعض أهل العربية يذهب إلى أن هذه الأشياء نحو "حسب يحسب" لغات تداخلت.
وما كان من الأمثلة على "فَعِل" أو "فَعُل" أو "فُعِل" فإن العين قد تسكن
فيه تخفيفاً وكراهة للضمة والكسرة، وذلك قولهم "قد علم" في "علم"، و"عُصر" في "عُصِر" و "ظرف" في "ظرف"، قال: وإن أهجه يضجر كما ضجر بازلٌ... من الأدم دبرت صفحتاه وكاهله وقالوا: لو عُصر منه المسك والبان انعصر وقد جعلوا ما كان في تضاعيف الكلمة من أصل على هذا الزن، فأسكنوا المتحرك منه كما أسكنوه في الأسماء والأفعال، وذلك قولهم "أراك منتفخاً" لما كان "تفخاً" من "منتفخ" بمنزلة "عَلِم" و"كتفٍ" قال العجاج يصف ثوراً: فبات منتصباً وما تكردسا وما كان من هذه الأمثلة ثانية حرف من حروف الحلق فإن فيه أربع لغات، وذلك نحو "شهد" تقول: "شِهِد" و"شِهْد" و"شَهد" و"شهد"، وعلى هذا قالوا "نِعم" و "بئس" في فعلي المدح والذم.