بسم الله الرحمن الرحيم 1
الاستعانة بالله، هذه المسائل الحلبية لأبي علي الفارسي مخروم منها نحو كراسين، وقفها مالكها محمد محمود بن التلاميد على عصبته بعده وقفاً مؤبدا، فمن بدله فإثمه عليه.
وكتبه محمود بن التلاميد التركزي غرة المحرم سنة 1301.
...
"ملقى واحف" والمعنى: أي بمكان إلقاء واحف، وهذا اتساع، وإنما يريد بمنقطعه؛ لأنه أراد: انقطع عنه، فكأنه قد ألقاه؛ ألا ترى أن الشيء المنقطع من الشيء مباين له، كما أن الملقى مفارق للملقي، وليس "الملقى" باسم مكان هنا، ولكنه كـ "المجرى" و "المرسى" في من قرأ
"باسم الله مجراها ومرساها" وقول النابغة: كأن مجر الرامسات ذيولها... عليه قضيم نمقته الصوانع قالوا: القضيم: ما كان من أدم خريز نحو الإداوة، والقربة، والمزادة.
مسألة القول في حروف "يدٍ" وما تصرّف منها
قولهم "يدٌ" كلمة نادرة لا نعرف لها نظيراً في كلامهم، وذلك أن الفاء منه ياء، والعين دال، واللام أيضاً ياء، يدل على ذلك قولهم: "يديت إليه يداً"، فظهرت اللام الساقطة من "يدٍ" في اشتقاق الفعل منه، كما ظهرت الواو المحذوفة من "غدٍ" في قوله ﴿وإذا غدوت من أهلك﴾، وهذا مثل قولهم "شعَّرت الجنين" و" استحجر الطين" في أنه مأخوذ من اسم ليس بعبارة عن حدث، وليس مثل "دمٍ" لأن دماً من قولك "دمي يدمى دماً" الذي يجوز أن يكون فعلاً مثل "الفرق" لمجيء الماضي على "فَعِل"؛ "فَعَلاً" في مصدر "فَعِل" مطرد، وليس في مصدر "فعلت" من الياء كذلك.
ويدل على أن "دماً" مصدرٌ إنشادهم هذا البيت:
(فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا... ولكن على أقدامنا يقطر الدما)
فـ "يدٌ" من باب "سلس" و"قلق"، ولا يُعلم ف يالواو مثل هذا في الفعل؛ ألا ترى أنه لم يوجيء مثل "وعوت"، وقد جاء في اسم واحد، وهو قولهم "واوٌ" والقياس في الألف منها أن تكون منقلبة عن ياء.
وجاءت الهمزة أيضاً فاء ولاماً في أحرف، وذلك قولهم "أجأ".
وحكى ابن حبيب "أتأة" وهو اسم مخصوص.
وقالوا "آءة" وفي جمعها: "آءٌ".
وذهب سيبويه في "آلاءة" و"أشاءة" إلى أنه من هذا البا.
فأما "الأَباء"
فكان محمد بن السري يذهب إلى أن الهمزة فيها منقلبة عن الياء.
وقالوا في اسم علم "أجأ".
وجاء الفاء والعين واوين، وهو قولهم "أول"، ولم يجئ مثل ذلك في الياء.
وجاءت الياء والواو جميعاً في باب "رددت"، فالواو نحو "قوة" و"حوّة" و "صوّة" و "الجوّ" و "التوّ".
وفي التاء: "حيي" و"عيي بأمره" و "تئية" و"إيا الشمس" و"إياؤها".
ولم تجئ العين ياء واللام واواً / في اسم ولا فعل، وأما "حيوة" للاسم ال علم، و"الحيوان" فالواو فيه بدل.
وقد جاء عكس هذا كثير، نحو "طويت" و"لويت" و"زويت" و"رويت".
وجاء الواو فاء والياء عيناً في
"ويل" و"ويح" و"ويس".
وعكس هذا قولهم "يوم".
وقرأت بخط محمد بن يزيد "يُوح" في اسم الشمس.
فأما الهمزة فإنها قد جاءت في باب "سلس" و"قلق" في الح روف التي تقدمت، ولم تجئ في باب "رددت" ولا باب "ددنٍ" و"كوكب" لما كان يلزم من إبدالها وقلبها إلى حرف اللين، كما يلزم ذلك إذا دخلت همزة زائدة أو مبدلة على أخرى أصل أو زائدة نحو "آدم" و"آمن" و"جاءٍ" و"خطايا"، فإذا لم يتواليا في كلمة وإحداهما زائدة، فألا يتواليا وكلاهما أصل أجدر.
قال التوزي: "ثوبٌ يديٌّ: إذا كان ضيق الكم، وإذا كان واسعه"، وأنشد:
بالدهر إذ ثوب الصبا يديُّ
وحكى يعقوب أن بعضهم قال في اليد: "أديٌ"، فأبدل الهمزة من الياء، وأظهر اللام.
قال أبو علي: فهذا ينبغي أن يكون لغة في "اليد" كما كان "أكدت" و "كدت" و "آصدت" و "أصدرت"، وما حكاه أبو زيد من قولهم "يفعة" و "وفعة" لغات في هذا الكلم؛ لأن الهمزة لم تبدل من الياء المفتوحة في هذا النحو، كما أن هذا يحمل على أنه لغتان، وليس ببدل من الفاء.
وكذلك "أسروع" و "يسروع"، فـ"أسروع" مثل "أخدود" و"يسروع" مثل "يعفور"، إلا أن الياء ضمت لضمة الفاء كقولهم "مغلوق".
ومثل "يدٍ" و "أدي" قولهم:
(............................... طاف والركب بصحراء أسر)
ويروى: "يُسُر".
وقال النوزي: "يقول أهل الحجاز: آدِني عليه، أي: أعِنِّي عليه، ويقولون: استأديته يريدون: استعديته" فقولهم "آدِني عليه" يحتمل ثلاثة أوجه:
يجوز أن يكون أبدلت من العين التي هي فاء الهمزة، وكان الأصل "أعدني": "قوني"، وأنشد يعقوب:
(ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت... سبل المسالك، والهدي تعدي)
قال: "يقول: إبصارك الهدى يقويك".
وكأن معنى قول الرعية لسلطانها: أعدني على خصمي: قوِّني.
ويجوز أن تكون الهمزة غير بدل، ولكنها من الأداة، والمعنى قريب من المعونة، كأن إعانته كالأداة التي يتقوى بها عليه.
ومثل بدل الهمزة من العين في "أعدني" إبدالها من الهاء في "آلٍ".
ويجوز في "آدني" أن يكون / "أفعلني" من "اليد" في من أبدل من الياء التي هي فاء همزة، كأنه أراد: اجعلني ذا يدٍ وقوة عليه.
وذكر محمد بن يزيد "آدني" في كتابه في "إعراب القرآن"، وأجاز فيه الوجه الأول، وهو إبدال الهمزة من العين، وأجاز فيه أن يكون "أفعلني" من "الأيد"، وهو القوة.
قال أبو علي: فأما الوجه الأول فسائغ، وأما الوجه الآخر فشبيه بالسهو؛ لأن "الأيد" و "الآد" المراد بهما القوة، الهمزة منه فاء والياء عين، فلو بنيت من هذا "أفعلني" للزم أن تقول "أيدني"، فتبدل من الهمزة التي هي فاء الألف،
كما تبدل منها في "آمن"، وتصحح الياء، ولا يجوز غير ذلك إذ قالوا "أطيب" و "أجودت"، صححوا مع انتفاء توالي الإعلال فيهما، فلما صححوا ذلك وجب أن يلزم التصحيح ما توالى فيه إعلالان؛ الا ترى أنهم بنوا الماضي من "الود" على "فعلت" ليلزم في المضارع "أفعل"، فلا يتوالى إعلالان، فكذلك لزم أن يصحح العين من الفعل من "أفعل" في "الأيد"، وهكذا تكلم به من آثر أن يجعله على "أفعل"، دون "فعلني"، وعلى هذا قوله:
(يبني تجاليدي وأوتادها... ناوٍ كرأس الفدن المؤيد)
وكأن الأكثر تكلم به على "فعل" لئلا يلزمه تصحيح العين لما ذكرنا، وتصحيح هذه العين مكروه عندهم، فقالوا "أيدتك"، وفي التنزيل ﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾؛ لأن العين على هذا لم يلزمها التصحيح في موضع يكره فيه التصحيح.
فإن قلت: فاجعل "آدِني" الذي قال أبو العباس فيه "أفعلني" من "الأيد" على ما ذكره على القلب، كأنه قلب العين إلى موضع اللام.
قيل: هذا ممكن في القياس وإن لم يكن بسهل في التأويل؛ لأنا
لم نعلمه استعمل مقلوباً، ولم يقل هو أيضاً ذلك، فلذلك قلنا: إنه شبيه بالسهو.
وفي "الأيد" الذي هو القوة لغتان: "أيدٌ" و "آدٌ" كـ "العيب" و "العاب"، قال:
(من أن تبدلت بأيدي آدا... لم يك ينآد، فأمسى انآد)
ينآد: مطاوع "أدته"، وفي التنزيل ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾، قال قتادة: لا يكرثه.
وقال حسان:
(وقامت تراعيك مغدودنا... إذا ما تنوء به آدها)
أي: اثقلها.
وقال التوزي: "رجل مودٍ: إذا هلك، ورجل مودٍ: إذا كان ذا سلاح / قوياً".
ولم ينبغ أن يذكر ذلك في الأضداد؛ لأن اللفظين وإن اتفقا، فليسا من أصل واحد؛ ألا ترى أن "المودي" الذي يراد
به "الهالك" الفاء منه واو، يقال: أودى الرجل: إذا هلك، كما قالوا: فاضت نفسه، ومنه "الوادي" إنما هو "فاعلٌ" من ذلك إلا أنه اسم بمنزلة "الغارب" و"الكاهل"، قال:
(................................ عوم السفين تفيض منه الأنفس)
ومن ذلك قولهم: ودى الرجل، وقال:
كأن عرق أيره إذا ودى... حبل عجوزٍ ضفرت خمس قوى
وقال:
(يدي لك، إن ركبت - فلا تلمني -... أتان الحي، عير بني تميم)
وأنشد ابن حبيب:
كيف السبيل................................
قال: "يوديهم: يهلكهم"، فهذا "أفعل" و"فعلته".
وقولهم لصغار النخل: "الودي" يشبه أن يكون لضرب عروقه في الثرى
وذهابها وغرسها.
قال: أهل المدينة يسمون الفسيل "الودي" ثم "الجعل" ثم "الجبار" ثم "الطريق" ثم "العيدان" ثم "الخصاب" الواحدة: خصبة.
فأما قولهم "المؤدي" لذي السلاح القوي، فليس من باب "أودى"، ولكن الأوجه أنه ذو أداة، فالفاء منه همزة كما أنها من "الأداة" كذلك، والسلاح وجميع ما يتقوى به العامل على عمله.
القول على قوله تعالى (في سبيل الله)
السبيل في اللغة: الطريق الذي هو ممر ومدرج، والدليل على ذلك ما أنشده سيبويه: (فما كنت ضفافاً، ولكن طالباً... أناخ، فأغفى فوق ظهر سبيل) فالإناخة والإغفاء لا يكونان إلا على مستقر، ولهذا قالوا للذين يسلكونه "سبل، وقياس واحده "سابل"، قال العجاج أو رؤبة: (منهرت الأشداق غضب مؤكل... في الآهلين واخترام السبل) وهذا اسم على معنى النسب، وليس جارياً على الفعل، كما أن
"دارعاً" و "عطاراً" و "بواباً" كذلك، فكأن المعنى: أصحاب السبيل، ومن ثم قالوا للمسافر البعيد عن بلده وماله "ابن سبيل"، فنسب إلى الطريق لممارسته له وعلاجه إياه، وهم أحد الأصناف الثمانية الذين هم موضع الصدقة، فقولهم منه "ابن" مثل "صاحب"، وقد استعملوا في هذا المعنى "الابن" و"الأخ"، فقولوا "هو ابن بجدتها" للخبير بالبلدة وغيرها، وأنشد أحمد بن يحيى:
(بينا أنازعهم ثوبي وأمنعهم... إذا بنو صحفٍ بالحق قد وردوا)
بنو صحف: الشهود الذي يشهدون عليه بدين.
والأخ في هذا الباب كأنه أوسع في استعمالهم، قال ذو الرمة:
(ويشبح بالكفين ضاحٍ كأنه... أخو فجرةٍ أعلى به الجذع صالبه)
وأنشد سيبويه:
(أخا الحرب لباساً إليها جلالها... وليس بولاج الخوالف أعقلا)
وقد جاءت "أم" في هذا المعنى أيضاً، أنشد أحمد بن يحيى:
(خوت نجوم بني شكس لقد علقت... أظفارهم بعقابٍ أمها أحد)
وقال أوس:
(وجارت على وحشيها أم جابرٍ... على حين أن نالوا الربيع وأمرعوا)
قالوا: أم جابر: إياد، فسماهم "أم جابر" من حيث كانوا أصحاب حراثة، قال أبو زيد: قالوا للخبز "جابر بن حبة" معرفة غير مصروفة.
وفي الحديث "أم مثواي" يريد به صاحبة منزله.
فإذا جازم تسمية صاحب الشيء بملابسته أماً، جاز أن يكون قوله ﴿فأمه هاويةٌ﴾ على هذا كما قال ﴿مأواكم النار﴾ أي: أمه نار هاوية، أي: هي مثواه، وقد تكون ﴿فأمه هاويةٌ﴾ على قول الشاعر:
(هوت أمه! ما يبعث الصبح غادياً... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب)
وجاء "أبٌ" في هذا المعنى أيضاً، قال أوس:
(على العمر واصطادت فؤاداً كأنه... أبو علقٍ في ليلتين مؤجل)
قيل: المعنى: كأنه صاحب رهن غلق في ليلتين.
ومثل "السبيل" في أنه المدرج والطريق قولهم "الصراط"، يدل على ذلك قوله تعالى ﴿ولا تقعدوا بكل صراطٍ توعدون﴾، فلم يتعد إليه الفعل الذي لا يتعدى إلى المفعول حيث كان مخصوماً، كما لم يتعد إلى غيره من الأسماء التي هي عبارة عن الأشخاص والجثث المخصوصة، ثم اتسع فيه فجاء في قولهم "سبيل" حتى قيل في المعتقدات والآراء في الديانات وغيرها، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً﴾ وقال ﴿قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني﴾، ففسر السبيل بقوله ﴿أدعو﴾.
فالسبيل في هذه المواضع كالمعتقد؛ لأن هذه الأشياء ليست بذوات جثث، فيجوز أن يكون لها طرق ومسالك.
وأما قوله {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل
السلام} فهو - والله أعلم - أن يراد به طرق الجنة؛ لأن من اتبع رضوانه فقد أوتي الهداية التي هي الاستدلال، فقد هدي إلى صراط مستقيم، فتكون الهداية في هذه الآية مثل الذي في قوله ﴿والذين قتلوا في سبيل الله فلن يَضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم﴾ في أنه ليس بهداية الاستدلال، ولكنه الهداية إلى طرق الجنة للثواب.
وقوله ﴿سبل السلام﴾ يجوز أن يكون على حذف المضاف، كأنه: سبل دار السلام، كما قال ﴿فهم دار السلام عند ربهم﴾.
ويجوز ﴿سبل السلام﴾: طرق السلام التي يسلم سالكها من أن يعذب أو يعاقب.
ويجوز أن يكون ﴿السلام﴾ اسم الله تعالى كما جاء ﴿سبيل الله﴾ و ﴿صراط الله﴾، فإذا كان على هذا الوجه بعد أن يكون المراد به الطريق الذي هو ممر؛ لأن هذا التقييد قد صار فيه كالأمارة للإيضاح، ويكون المعنى حينئذ كقوله تعالى ﴿والذين اهتدوا زادهم هدىً﴾.
وكما قالوا للغريب "ابن سبيل" فنسبوه إلى الطريق، قالوا فيه "ابن أرض"؛ لأن الطريق ضرب منها، وأنشد أبو زيد:
(دعاني ابن أرضٍ يبتغي الزاد بعدما... ترامى حلاماتٌ به وأجارد)
ومثل ذلك قول طرفة: (رأيت بني غبراء لا ينكرونني... ولا أهل هذاك الطراف الممدد) فقوله "بني غبراء" كقوله "ابن أرض"؛ لأن الغبراء: الأرض، وكأنهم نسبوا إليها على هذه اللفظة العامة لما لم يعرفوا الموضع الذي أتوا منه مخصوصاً، وأراد بهم الفقراء؛ لأن "الطراف": بيوت الأدم، وإنما تكون للأغنيات، فكأن المعنى: لا ينكرني الفقراء ولا الأغنياء لإعطائي الفقراء وإخراجي في الحقوق التي يخرج فيها الأغنياء.
مسألة
وقفت - أدام الله عزك - على ما ذكرته من استفصال محمد بين قولهم للعبد "رقبتك حُرٌّ" و"رأسك حُرٌّ" و"فرجك حُرٌّ" وبين قولهم "يدك حرٌُّ".
قالقول في ذلك إن "الرقبة" قد جرى لفظها في اللغة والعرف مجراها، فأجرى عليها حكمها، و"اليد" لم تجر مجراه في العرف ولا في اللغة، فأما إجزاؤهم "الرقبة" على ما ذكرته فظاهر واضح، وذلك أنه قد جاء في التنزيل: ﴿أو كسوتهم أو تحرير رقبةٍ﴾، وقال: ﴿فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسا﴾، وقال: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ﴾، وقال: ﴿والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب﴾، والمعنى - والله أعلم- في تحرير الرقاب، أي: إعانتهم على أداء مكاتبتهم، أو: في فك الرقاب، كما قال في موضع آخر ﴿فك رقبةٍ﴾ أي: فكها من الرق.
وجاء عن علي رضي الله عنه: "جناية العبد في الرقبة".
وروي "احبس رقبتها".
فكما أن "الرقبة"
في هذه المواضع في الرقبة قد جرى مجرى الجملة والجميع، فصار قوله (وفي الرقاب) كقوله: وفي المكاتبين، كذلك قوله (فتحرير رقبةٍ) في الآي الأخر بمنزلة: تحرير نسمة، أو نفس، أو نحو ذلك مما يكون عبارة عن جملة الشخص وجميعه.
ومما يمكن أن تكون "الرقبة" قد أجريت فيه مجرى الجملة، قول أبي كبير أو غيره من الهذليين:
(فليس كعهد الدار يا أم مالكٍ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل)
فـ "الرقاب" يريد بها الأشخاص لا هذه الأعضاء منها، والمعنى أن الإسلام لما جاء منعت شرائعه وزواجره عما لم يكن منه منعٌ قبله، وهذا المنع شائع في جميع الشخص، وليس في الرقبة دون غيرها؛ ألا ترى أن بعد هذا البيت:
(وعاد الفتى كالكهل، ليس بقائلٍ... سوى الحق شيئاً، واستراح العواذل)
وقد قالوا "نسأل الله فكاك رقابنا".
ذكره أبو عثمان.
وليس يريدون بذلك الرقبة دون سائر الشخص.
ولما كانت الرقبة قد عني بها جملة الشخص، حتى صار ذكرها بمنزلة ذكره، اتسعوا في ذلك حتى قال الشاعر:
(إن لي حاجةً إليك، فقالت... بين أذني وعاتقي ما تريد)
كأنه قال: قد ضمنته لك في رقبتي وفي عنقي.
وعلى هذا تأويل الحديث، وهو قوله "فليخفف الرداء" لما كان موضعه العاتق.
وإذا كانت بمعنى الشخص في هذه المواضع وجب أن تكون في العتاق والطلاق بمنزلتها، واشتهار العرف في هذا كاشتهاره في اللغة.
فأما "الرأس و "الفرج" فقد جرى ذكرهما في تعارف الناس ومقاصدهم مجرى جملة الشخص وجميعه، وذلك أنهم يقولون: عنده كذا وكذا رأساً من الرقيق، وفي إصطبله عشرون رأساً من الدواب، وعشرة أرؤس من البغال.
وكذلك: ملك كذا وكذا فرجاً، ووطئ عشرين فرجاً، كما يقولون: وطئ عشرين جارية، وهو مقيم على فرجٍ حرام.
فإذا جرى ذلك في تعارفهم ومقاصدهم مجرى ما ذكرناه من جملة الأنفس والأشخاص، وجب أن يكون لفظه بكل واحد من ذلك كلفظه بالشخص نفسه ونحوه مما يكون عبارة عن الجملة.
ومثل قولهم "الرقبة"، وقولهم "الفرج" و "الرأس" في أن "الرقبة" وقعت على الشخص في اللغة، فألحق بها "الفرج" و "الرأس"، وأجريا مجراها لاشتهارهما بمعنى "الرقبة" في مقاصد الناس وعرفهم، قولهم "البدنة"،
وفي جمعها "البدن"، وقالوا "البدن" مثل "ثمرة" و "ثمرة"، فإن ذلك وقع في اللغة على الإبل، ثم أجري البقر مجراها، حيث ساواها في الحكم، كما ساوى الفرج والرأس في العرف الرقبة التي صارت في اللغة كالشخص.
يدل على أن "البدن" في اللغة من الإبل قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خيرٌ فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾، قال أبو عبيدة: "مصطفَّه".
ثم قال ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها﴾، فدل قوله (فإذا وجبت جنوبها) على أن المعنى بها الإبل؛ لأنها توجأ في نحورها وهي قائمة، كما قال (صوافَّ) و (صوافن)، ثم تجب، أي: تسقط وتقع على الأرض، كما يقال: وجب الحائط والبيت إذا سقطا.
فهذا يختص به الإبل في نحرها، ثم أجري البقر مجراها لما اجتمع معها في الإجزاء عما تجزئ عنه، كما اجتمع الفرج والرأس مع الرقبة في أن عُني بهما ما عُني بها.
فأما "اليد" فلم تجر في العرف ولا في اللغة مجرى الشخص ولا جميعه، فأما ما ذكره من قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ و ﴿بما قدمت أيديكم﴾، فلا يشبه أن تكون "اليد" فيه عبارة عن الجارحة،
ولكن المراد بها القوة والقدرة.
فهذا بمنزلة قوله: ﴿اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون﴾؛ لأن قوله: ﴿ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ بمنزلة قوله: ﴿اصلوها﴾ و ﴿بما كنتم تكفرون﴾ مثل ﴿بما قدمت يداك﴾، فكان معنى (بما قدمت يداك) بمنزلة: ما كسبته، أي: هذا العذاب عقوبة على ما اجترمته واكتسبته.
يقول: ليس بشيء أجبرناك عليه ولا أكرهناك.
و"اليد" بمنزلة "القوة"، بدلالة قولهم "لا يد لي بفلان"، أي: لا طاقة لي به ولا قوة عليه.
وكما قال أهل الطائف لما قرأ عليهم عتاب بن أسيد ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله﴾: لا يد لنا أن نكون حرباً لله ورسوله.
وقال سيبويه في هذا المعنى "لا يدين بها لك".
على أن "اليد" في الآي ليس يرلاد بها الجارحة، وإنما يراد بها القوة، كما ذكرنا / أن فيما يعاقب عليه الإنسان مما كسبه واختاره ما لا عمل لليد التي هي الجارحة فيه، وذلك نحو الاعتقادات وغير ذلك مما لا عمل لهذه الجارحة فيه، وأن الموبخ بقوله (ذلك بما قدمت يداك) موبخٌ بهذا الضرب توبيخه على ما هو فعل هذه الجارحة التي هي اليد، فدل ذلك على أن "اليد" في الآية ليس يعني بها الجارحة، وإذا لم يعن بها لم يجز أن يكون استغنى بها عن ذلك الشخص كالرقبة والرأس والفرج.
فإن قلت: فإن اليد إنما استعملت بمعنى القوة إذا أفرد اللفظ بها، كقول القائل: لا يد لي بهذا الأمر ولا قوة، وما في الآي من ذكرها مثنى ومجموع.
فالقول في ذلك: إنها تستعمل مثنى ومجموعاً في هذا المعنى، كما تستعمل فيه في الإفراد؛ ألا ترى أن ما ذكرناه عن سيببويه في هذا المعنى تثنية، وأن الأصمعي قد أنشد فيما جاء "اليد" فيه على التثنية، والمراد بها القوة، وذلك فيما قاله علي بن الغدير الغنوي:
(وإذا رأيت المرء يشعب أمره... شعب العصا، ويلج في العصيان)
(فاعمد لما تعلو فما لك بالذي... لا تستطيع من الأمور يدان)
وفي التنزيل: ﴿مما عملت أيدينا أنعاماً﴾، كما قال: ﴿لما خلقت بيدي﴾.
فالتثنية والجمع في هذا بمنزلةٍ كالإفراد في هذا المعنى.
والتقدير: لما خلقت بقوتي، كقوله: ﴿والسماء بنيناها بأيدٍ﴾ أي: بقوة، ألا ترى أن الأيد والآد: القوة.
وإن شئت جعلت قوله (بأيدٍ) جمع
"يدٍ"، كما قال "مما عملت أيدينا"، والمعنى فيه: القوة.
ومعنى التثنية التأكيد والتقرير.
ومثل "اليد" في أنه أريد بها القوة قولهم "اليمين"، يعنون بها ذلك وعلى هذا قوله:
(......................... تلقاها عرابة باليمين)
وقوله: ﴿والسموات مطوياتٌ بيمينه﴾، وقد فسر قوله: ﴿فراغ عليهم ضرباً باليمين﴾ أنه بالقوة، وقيل: باليمين التي حلفها في قوله: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾، وقيل: الجارحة.
ومما جاء "اليد" فيه يراد بها القوة نحو قولهم "في يد فلان ضيعة"، يراد بها فيما حازه، فأمكنه بذلك تصرفه فيها.
ومن ذلك ما أنشده أبو زيد:
(لهم حبقٌ، والسود بيني وبينهم... يدي لكم والعاديات المحسبا)
وقد اسعملت "اليد" في الكلام على غير وجه، ما علمت أن شيئاً منه أريد به جملة الشخص وجميعه في عرف ولا أصل لغة، كما كانت "الرقبة" و "الرأس" و "الفرج" كذلك.
فمن ذلك ما يراد به النصرة، كما روي من قوله عليه السلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم"، أي: هم أهل كلمة واحدة ونصرة على من شق عصاهم.
وجاءت حيث يراد بهم اللزوم، كما روي "لصاحب الحق اليد واللسان".
ومن ذلك ما يراد به النعمة نحو ما أنشده أبو زيد:
(فلن أذكر النعمان إلا بصالحٍ... فإن له عندي يدياً وأنعما)
ومن ذلك قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولةٌ غلت أيديهم﴾، وقال
ابن عباس: "المعنى: نعمه مقبوضة، وليس يعنون أنها موثقة".
ويدل على صحة ما فسره قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾.
وقد روي أن اليهود أبخل قوم لقوله ﴿غلت أيديهم﴾.
ولما استعمل البسط في اليد حيث يراد بها السعة في الإعطاء والإنفاق، وضعت بخلاف البسط حيث أريد بها البخل والمنع، فمن ثم قال:
(مناتين أبرامٌ، كأن أكفهم... أكف ضبابٍ أشنقت في الحبائل)
فشبه أيديهم بأيدي الضباب لأنها توصف بالصغر والقصر، كقول الآخر، أنشده أبو الحسن:
(إنا وجدنا بني جلان كلهم... كساعد الضب لا طولٍ ولا قصر)
فلم يقتصر الأول بتشبيهه إياها بأيدي الضباب حتى جعلها أيدي ضباب
قد أشنقت بالحبائر، أي: نشبت فكتفت لذلك، فاجتمعت وتقبضت على ما كان قبل من الصغر والتقبض.
فهذه جملة من القول في "اليد" وما استعملت فيه، ولم أجدها استعملت في موضع حيث يراد جملة الشخص وجميعه، فيجوز أن تجري مجرى تلك الكلم التي استعملت هذا الاستعمال.
فإن قلت: فقد قالوا "يداك أوكتا"، وإنما المراد: أنت أوكيت فهذا يدل أن "اليد" قد قامت مقام الجملة كـ"الرقابة" وأخواتها؛ لأن فعل الفاعل قد نسب إلى بعضه.
فإن هذا لا دلالة فيه؛ لأن الإيكاء لما كان باليد نسب إليها، وإن كان الفاعل الجملة، كما جاز أن يقال: كتبت يدي، ورأت عيني، وفي التنزيل: ﴿فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم﴾، فنسب الفعل إلى الجارحة التي بها فعل الفاعل، وإن كان للجملة، فـ "اليد" على هذا عبارة عن العضو المخصوص، ليس يراد بها الجملة.
وعلى هذا قالوا "وفوك نفخ"، فنسب النفخ إلى الفم لما كان به يكون، وإن كان الفاعل في الحقيقة جملة الإنسان.
فكما أن "الفم" لا يقع ولا يكون عبارة عن جملة الإنسان كقوهم "يداك أوكتا"، والوكاء: الخيط الذي يشد به القربة، والعصام: حبلها، وأوكيت السقاء والقربة: شددتهما بالوكاء.
مسألة القول في
"الدّاء" و "الدّواء"
ولغة ذلك، وتصرّفه، جَمْعه
قال قيس بن الخطيم:
(وبعض خلائق الأقوام داءٌ... كداء البطن ليس له دواء)
(وبعض القول ليس له عناجٌ... كمخض الماء ليس له إتاء)
ليس له عناج: ليس بثقة ولا معقود.
إتاء: زبد.
القول على لغة ذلك: قال أحمد بن يحيى عن ابن سلاّم: "داء الرجل يداء داءً" قال: هكذا سمعت ابن سلام يقول.
قال: وقال غيره: أداءت الرحم فهي مدئية: صار بها الداء.
قال: وحدثنا ابن سلام قال: كحل كحالٌ أعربياً، فقال: حلتني بالمكحال الذي تكحل به العيون الداءة.
وقال أبو زيد: "يقال للرجل إذا اتهموه: قد أدأت يا فلان إداءةً مهموز" مثل أجدت إجادة.
قال: "وقال رجل من بني كلاب: أدوأت يا فلان، فأنت مدوئٌ، واتهمت فأنت متهمٌ، وهما واحد، أي: في جوفك الداء والغش".
وقال أبو زيد: "لجل دوىً،
ورجلان دويان، أي سقيمان، ورجال أدواءٌ"، وأنشد أبو زيد:
خالت خويلة أني هالكٌ ودأى.............................
و"داءٌ: فعل".
أراد: "داءً" على أنه وصف بالمصدر، ثم قلب اللام إلى موضع العين.
وأنشد بعض أصحاب الأصمعي عنه:
(أضر بهم ترك الدوى فترحلوا... لأرضٍ قديمٍ عهدها لا دوى لها)
المعنى: أنهم تركوا رعي النشر وأكله، فتركوه وارتحلوا إلى أرض أخرى قديم عهدها بالمطر لم يصر فيها نشز لقدم عهدها بالمطر، والنشر: الكلأ إذا جف ثم أصابه مطر فأخضر، وهو داءٌ إذا أكلته الإبل موتت.
وكأنه سمي هذا الكلأ "دوىً" - والدوى: الداء - الماء يحدث عنه أكله من الداء.
وروي لنا عن أحمد بن إبراهيم في هذا البيت، قال: الدواء: اللبن، ممدود، وكانوا بأرض لا لبن فيها، فارتحلوا إلى أخرى يرجون فيها اللبن كقولهم:
.............. كالمستجير من الرمضاء بالنار
فإذاً: لا لبن لها.
ومن هذا قول الآخر:
ليت السماك ونوءه لم يخلفا... ومشى الأويرق في البلاد سليما
الأويرق: تصغير أورق.
ومثله قول الآخر:
سقى سكراً كأس الزعاف عشيبة... فلا عاد مخضرّاً بعشبٍ جوانبه
سكر: اسم رجل، وعشيبه: موضع معشب.
وقد سموا ما يسقون دوابهم من اللبن "دواء" لما فيه من صلاحهم به كصلاح المتداوي بالدواء، وسموا إصلاح الشيء دواء، قال:
(إذا شئت غناني على رحل قينةٍ... حضجرً يداوى بالبرود كبير)
يعني وطب لبنٍ.
القول في تصريف ذلك
قولهم "داء يداء" اللام منه همزة، ولا يجوز أن يكون حرف علة من الحرفين الآخرين الياء والواو؛ لأن حملة على ذلك يؤدي إلى إعلال حرفين متواليين، وهذا مرفوض من كلامهم إلا فيما لا حكم له في القلة والشذوذ.
وأما العين منه فواو بدلالة ما حكاه أبو زيد من قولهم "أدوأ فلان فهو مدوئٌ"، فظهرت العين واواً.
وما ذكرته من أنه لا يجوز أن يكون اللام منه
إلا همزة قد أكده ما حكاه أبو زيد أيضاً من قولهم "أدوأت"، فظهرت الهمزة، ولو كانت اللام ياء أو واواً لظهرت ياء إذا اتصل بها ضمير المتكلم أو المخاطب، فأما ما أنشده أبو عبيدة من قول الشاعر:
(بدا منك غشٌّ طالما قد كتمته... كما كتمت داء ابنها أم مدوي)
فـ"مدوٍ" ليس بمفتعلٍ من "الداء"؛ لأن "الداء" لامه همزة بالدلالة التي تقدم ذكرها من جهة السماع والقياس، ولكنه من قول المرأة التي قال لها ابنها "أدوي" أي: آكل الدواية، وهو ما خثر من الدسم على الجفنة، فقالت مجيبة له: اللجام مكان كذا.
فكتمت قول ابنها هذا، وأخفته عمن كان يخطبه إليها.
فكأن الشاعر جاء بهذا على استعارة هذا المثل الذي للمرأة
فإن قلت: هل يجوز أن يكون "مدوٍ" "مفتعلاً" من "الداء" لأن العين من "الداء" واو؛ بدلالة ما حكاه أبو زيد من قولهم "أدوأت يا فلان"، فيكون قد بنى من "الداء " "مفتعلاً" للحاجة إلى القافية، وإن كان الفعل منه "داء يداء"
كما حكاه أحمد بن يحيى عن ابن سلاّم، وحكم "مفتعل" و "منفعل" أن لا يبنيا في الأمر العام إلا مما كان "فعل" منه متعدياً؟
فإن ذلك جائز، ويكون قلبه اللام التي هي همزة إلى الياء للضرورة، وكان القياس أن يجعلها بين بين كقوله:
(وكنت أذل من وتدسٍ بقاعٍ... يشجج رأسه بالفهر واجي)
وهو من "وجأت".
ونظير بنائه "افتعل" منه وإن كان "فعل" غير متعد قول الراجز:
(حتى إذا اشتال سهيلٌ للسحر... كشعلة القابس يرمى بالشرر)
فقال "اشتال": "افتعل"، وهو من "شال يشول"، وهو غير متعد بدلالة قول الراجز:
(تراه تحت الفنن الوريق... يشول بالمحجن كالمحروق)
المحجن: يريد به رؤوسها.
فأما "منفعل" ففي هذه القصيدة:
............................................ منغوي
وفيها:
(وكم موطنٍ لولاي طحت كما هوى... فأجرامه من قلة النيق منهوي)
ويجوز أيضاً في "مدوٍ" في البيت وجه آخر، وهو أن يكون "مفتعلاً" منه مثل قوله "اشتال" و"منغوٍ"، وهذا القول أشبه من الذي قبله؛ لأنه لا يلزم فيه أن يكون قلب الهمزة قلباً على غير قياس؛ ألا ترى أن اللام منه ياء؛ لأنك تحمله على باب "طويت" و "رويت" ونحوهما.
وقوله "العيون الداءة": "فعلة"، ونيظرها "نعجة صافة".
القول في جمع هذه الأحرف
قالوا: "داءٌ" و "دوىً" و "دواءٌ"، فجمعوا "داءً" على "أدواء"، واستعمل ذلك سيبويه في بعض ألفاظه.
وأما "دوى" الذي يراد به السقيم فقد قال أبو زيد فيه "رجال أدواء"، و"أدواء" في جمع "دوىً" وإن كان موافقاً في اللفظ لقولهم "أدواء" جمع "داءٍ" فإن التقدير في الهمزتين يختلف؛ لأن الهمزة
في "أدواءٍ" جمع "داءٍ" همزة هي لام الفعل غير منقلبة عن شيء، كما أنها في "أفياء" كذلك، وكما أن الهمزة في "فراءٍ" جمع "فرأٍ" إذا أريد به حمار الوحش، ليست كالتي في "فراءٍ" إذا أريد به جمع "فروة"، والهمزة في "أدواءٍ" إذا أريد به جمع "دوىً" منقلبة عن الياء التي هي لام، وليست من نفس الكلمة، كما أنها في "أناء" جمع "نؤي" كذلك.
ومثل قولهم "داءٌ" في أن العين منه واو واللام همزة "ماءٌ" لأن الألف منقلبة عن الواو بدلالة ما ح كاه أبو زيد من أنهم يقولون: ماهت الركية تموه موهاً، وأماهها صاحبها يميهها إماهةً.
فقوله "تموه" و"موهاً" يدلان على ذلك.
فأما الهمزة في "ماءٍ" فمخالفة للتي في "داءٍ" لأن التي في "ماء" منقلبة عن الهاء بدلالة قولهم "ماهت الركية" و "أماهها صاحبها"، وقوله:
..................... ثم أمهاه على حجره
إنما هو "أماهه" ولكنه قلب.
وقالوا في جمع "ماءٍ": "مواهٌ" وهو الأكثر، أنشد سيبويه:
سقى الله أمواهاً عرفت مكانها..........................
وقالوا "أمواء"، أنشد أحمد بن يحيى:
وبلدةٍ قاصلةٍ أمواؤها... ماصحةٍ رأد الضحى أفياؤها
فترك الأصل الذي هو الهاء.
وأنشد الأصمعي:
إنك يا جهضم ماه القلب... ضخمٌ عريضٌ مجرئش الجنب
مصح الظل: إذا ذهب.
قال: يقول: ليس فيه شيء له ظل ولا فيء.
فـ"ماءٌ" و "أمواء" على ما جاء في الشعر مثل "داءٍ" و "أدواءٍ".
وأما "دواء" فجمعه في القياس "أدوية" كـ "كساء" و "اكيسة" و "رشاء" و "أرشية"، وعلى هذا الضرب من الجمع جمعوا هذا النحو واستغنوا به في الأمر العام.
فإن قلت: فقد حكى أبو زيد: "حياء" و "أحياء"، فهل يجوز أن تكسر عليه "أدواء"؟ وحكى أيضاً: "جواد" و "أجواد".
فإن ذلك في القلة بحيث لا يسوغ القياس عليه، فأما قول رؤبة:
إذا السراب انتسجت إضاؤه... أو مجن عنه عريت أعراؤه
فالأعراء في القياس جمع "العراء" الذي هو اسم ما انكشف من الأرض، فلم يكن فيه بناء ولا نبات، وجمعه على "أعراء" كما جمعوا "حياء"
على "أحياء"، فـ "أعراء" في كونه جمع "عراء" مثل "أحياء" في جمع "حياء" و "أجواد" في جمع "جواد".
وكأن رؤبة استجاز ذلك لأن "أفعلالاً" بناء كثر به الجمع، حتى يجمع به غير شيء مما زاد على الثلاثة كقولهم "ميت وأموات" و "شريف وأشراف" و "يتيم وأيتام" وقالوا "شاهد وأشهاد" و"صحب وأصحاب"، وقالوا "فلوا وأفلاء" و "عدو وأعداء"، فجمعوا هذا الضرب من الأسماء الزائدة على الثلاثة على "أفعال"، فكذلك جمع "أعراء" فيما ذكرناه، وفي قوله:
يغشى قرىً عاريةً أعراؤه
وقد يجوز أن يكون "أعراء" جمع "عرىً" على إجراء اسم الحدث على العين، كما قالوا "جِمال أعراء".
ويجوز أن يكون "أعراء" جمع "عرىً" من قولهم: لا تقرب عراه، أي: ناحيته وما قرب منه.
وأما "شاءٌ" فاسم جمع، ولم تكسر عليه "شاةٌ" كما أن "قوماً" ليس بجمع "رجلٍ".
وقد يمكن أن يكون مثل "ماءة" و "ماءٍ"، ومثل قوله:
........................................ تَنُّومٌ وآء
فهي مثل "شجرة" و "شجر"، وكذلك "راءةٌ" و "راءٌ".
مسألة في "رأى" وما تصرف منه
قال أبو علي: قول القائل "رأى" مثال من أمثلة الفعل، وهو على وزن "فعل"، فاء الفعل راء، وعينه همزة، ولامه ياء، بدلالة أن الفعل إذا أسند إلى المخاطب والمتكلم ظهرت الياء كما تظهر فيه "سقيت" و "رميت"، ولو كانت اللام واواً لظهرت الواو كما ظهرت في "دعوت" و "غزوت".
ويدل على أن اللام ياء ثباتها في "الرَّأي" و "الرؤية"، فصحة الياء في المصدر والفعل المسند إلى المتكلم والمخاطب، تدل على أن اللام ياء، وإنما انقلبت ألفاً في "رأى" لوقوعها طرفاً في موضع حركة مفتوحاً ما قبلها، ومتى كان حرفا اللين الياء والواو بهذه الصفة انقلبا ألفاً اسماً كان أو فعلاً، فالأسماء نحو "رحىً" و"رقفاً" و "فتىً"، والأفعال نحو "غزا" و "دعا" و "رمى" و "سعى".
وفي الهمزة التي هي عين الفعل من "رأى" ضربان من اللفظ: التحقيق، والتخفيف، فالتحقيق: أن تخرجها نبرة لا تنحو بها نحو حرف من حروف اللين.
والتخفيف: أن تجعل الهمزة بين الهمزة وبين الحرف الذي حركتها منه، فإذا خففت التي في "رأى" جعلت بين الهمزة والألف، فقلت
"رأى".
فأما قراءة عيسى ﴿أريتم﴾ بحذف الهمزة، فليس بتخفيف قياسي، ولكنه يحذف الهمزة حذفاً كما تحذف الحرف حذفاً للتخفيف، وإن لم يوجب القياس المطرد؛ ألا ترى أن الهمزة إنما تحذف على جهة القياس إذا كان ما قبلها ساكناً، فتلقى حركتها على الساكن كما حكى سيبويه عن عيسى أن أهل التخفيف يقرؤون ﴿ألا يسجد لله الذي يخرج الخب في السموات﴾.
وإذا كان الحذف القياسي في الهمزة إنما هو من الوجه الذي ذكرنا، ولم يكن ما قبل الهمزة من قوله ﴿أريتم﴾ ساكناً، ثبت أن حذفها ليس على القياس.
ومثل ذلك في حذف الهمزة منه قولهم "
ويلمه
"، الأصل "ويلٌ لأمه"ن فأدغمت اللام التي هي لام "ويل" في الجارة، ثم حذفت لكثرة الاستعمال، فصار "وَىِ لأمه" ثم حذفت الهمزة فصار "ويلمه"، قال:
ويلمها في هواء الجو طالبةً... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
وجاز إدغام هذا وإن كان منفصلاً، وكان ما قبل الحرف المدغم ساكناً؛ لأن الياء حرف لين.
واحتمل لما فيه من المد، وكونه عوضاً من الحركة، أن يجمع بين ساكنين، نحو "أصيم" و "مديق" و "جيب بكر".
وكان ذلك حسناً إذ كانوا قد قالوا في "عبد شمس": "عبشمس"، فأدغموا وحركوا الساكن وإن كان ذلك شاذاً، ولم يجز على هذا في "قوم موسى": "موموسى"؛ لأن "عبدشمس" كثر استعماله وهو علم، والأعلام تغير كثيراً عن طريقة ما عليه غيرها من الأسماء، فإذا جاز ذلك فلا إشكال في حسن إدغام "ويلٌ لأمه" إذا أدغم، إلا أنه ألزم الحذف لكثرة الاستعمال، كما ألزم "المعيدي" في تصغير "معدي" التخفيف لذلك، وذلك قولهم: "تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه".
فإن قلت: ما تنكر أن يكون "وي لأمه" ليس من "ويل" ولكن هي "وي" التي في نحو قوله ﴿وي كأنه لا يفلح الكافرون﴾، وقوله:
.......................................... ويك، عنتر، أقدم