المسائل الحلبياتصفحات 338-377

باب التضعيف في تجاور العين واللام في بنات الثلاثة

صفحات 338-377

والخيل قد.............................................. تعتسف الداوية فإن شئت قلت: بنى من "الدو" "فاعلة"، وأبدل من اللام الياء كما أبدل منها في "غازية".
وإن شئت قلت: أراد "الداويّة" المحذوفة اللام كـ"الحانية" إلا أنه خفف كما خففها فيما أنشده أبو زيد: بكى بعينك واكف القطر... إبن الحواري العاليَ الذكر ثم نرجع إلى المسألة، فنقول: إن الهمزة قد ثبت أنها فاء الفعل في الكلمة، وثبتت أن الألف زائدة فيها، إما أن تكون ألف "فاعل" أو "فاعل"، إذ لم يجز أن تكون الهمزة زائدة والألف منقلبة عن الفاء، بدلالة ثباتها ألفاً، وأنها لو كانت فاء لم تثبت ألفاً؛ ألا ترى أنهم قالوا "أيّمة" فقلوا، ولم تثبت الفاء كما ثبتت في "أوى" و "إوز".
فإن قلت: هلا لم يجز أن يكون وزنها "فاعلة" لأنها لو كانت كذلك للزم أن تنقلب اللام ألفاً لوقوعها طرفاً وانفتاح ما قبلها، كما أنك لو قلت "أقواه زيدٌ" تريد "أفعله" من "القوة" لانقلبت ألفاً، وفي صحة الواو وسكون ما قبلها دلالة على أنها لا يجوز أن تكون "فاعلة"؟ قيل: لا يجوز أن لا تكون "فاعلة" لما ذكرت؛ لأنه لو امتنع أن تكون على هذا الوزن لما أوردته لامتنع أيضاً أن تكون "فاعلة"؛ لأنك لو بنيت "فاعلة" من القوّة للزم انقلاب اللام ياء، كما لزم انقلابها في "غازية"

و"محنية"، وكما لزم انقلابها ألفاً في "أقوى زيدٌ عمراً"، فكما أن ما أوجب من قلب اللام في "فاعلة" إلى الياء لم يمنع من الحكم بأنها "فاعلة"، وإنما جاز ذلك في الموضعين جميعاً لأن الكلمة لما لم تصرَّف، ولم تقع اللام طرفاً، لم يلزم فيها انفصال أحد المثلين من الآخر، كما لزم ذلك في باب "قوة" و "حوة"، لتصرفهما، فلما لم يلزم ذلك صارا بمنزلة الصحيح؛ ألا ترى أن منهم من أدغم ﴿حيَّ عن بيِّنةٍ﴾، و: عيُّوا بأمرهم........................................... لما اجتمع المثلان لازمين في هذه الكلمة، فجعل ذلك بمنزلة الصحيح، وإن كانت هذه اللام هي التي في "يُحيي" و "لم يحي" و "أريد أن يُحيي".
فإذا جعلوا هذه المتصرفة في هذا الموضع لما لزم بمنزلة الصحيح، كانت هذه الكلمة التي لم يصرف منها فعل ولا غيره أجدر أن تكون بمنزلة الصحيح في لزوم الإدغام لها، مع بنائهم إياها على التأنيث.

ومثل ذلك في الإدغام ما قاله سيبويه في جمع "هبيّ" و "هبيّة" من أن جمعه "هبأيُّ" بالإدغام.
ووجه قوله أنه لما جرى مجرى الصحيح في الواحد لسكون ما قبله وتعاقب حركات الإعراب عليه، جعله بمنزلة "مرضّة" ونحوها، فقال في الجمع "هبايّ" كما تقول "مراضّ".
وحكي عن أبي عثمان، وأبي عمر أيضاً، أنه قال: أقول "هبايي" فأُظهر ولا أدغم؛ لأن ما بعد ألف الجمع حكمه أن يكون متحركاً.
كأن أبا عثمان جعله بمنزلة "معايٍ"، ولم يجعله بمنزلة "مراضّ"؛ لأن الضاد الثانية مرازمة للأخرى، والياء الثانية لا تلزم الأولى في "معايٍ"؛ ألا ترى أنها تسقط في الجر والرفع، فلما لم تلزم لم يجز الإدغام، ولم يجز الإدغام في حال النصب كما لم يجز في قوله ﴿أن يحيي الموتى﴾ من حيث كانت تسكن في الرفع، وتحذف في الجزم، والفصل بينه وبين "معيية" بيّن؛ لأن الإدغام كما لم يجز في واحد "معايٍ" لتصرفه، كذلك لم يجز في جمعه لذلك وأن الثاني منهما غير لازم، وليس كذلك الواحد من "هبايّ"؛ الا ترى أن كل واحد من المثلين قد لزم صاحبه في الواحد ولم ينفصلا، وكما كانا في الواحد بمنزلة الصحيح في هذا المعنى، كذلك كانا في الجمع بمنزلته، فكان تشبيهه بـ"مراضّ" لما ذكرنا أولى من تشبيهه بـ"معايٍ".
وإذا كانوا قد قالوا في جمع "حياء": أحيَّة" و"أحيية"، فأجازوا الإدغام مع أن الثانية لا تلزم الأولى في كثير من تصرف الكلمة كلزوم الأولى الثانية، وجب أن لا يجاز في "هبأيّ" إلا الإدغام؛ لأن الثانية ملازمة غير مفارقة.

ويدل على صحة قول سيبويه في هذه المسألة هذه الكلمة؛ ألا ترى أنهم ألزموها الإدغام، ولم يجعلوها كـ"فاعلة" من "قويت" لما لزمت حالة واحدة من الجمود والامتناع من التصرف.
على أن لهذه الكلمة مزية في التصحيح على قولك في جمع "هبيّ": "هبايّ"، وذلك أنها مبنية على التأنيث، والبناء على التأنيث قد جاز معه ما لم يجز مع غيره؛ ألا ترى أنهم قد احتملوا له نحو "ترقوة" و "عرقوة" و "قلنسوة"، ولولا البناء على التأنيث لم يكن هذا النحو في الأسماء.
وكذلك "النهاية" والشقاوة".
وكما جاز هذا النحو في تاء التأنيث لما كان بناء الكلمة عليها، ولم يكن التذكير أولاً ثم دخل التأنيث بعد، كذلك احتملوا ذلك في الاسم إذا بني على التثنية نحو "مدروان" و "عقلته بثنايين" وهاتان لما بنيتا في أول أحوالهما على التثنية لم يفرد لهما، ولولا ذلك لم تصح الواو كما لم تصح في نحو "رجل مغزىً" إذا بنيت منه مثل "مِحرب".
ونظير هذا في التثنية من الجمع قولهم "مقتوو، " في أحد قولي سيبويه

حيث لم يكن له واحد يُفرد.
يريد أنه لما بني "مذروان" على التثنية، كذلك بني هذا على الجمع حيث لم يفرد له واحد من هذا اللفظ، كما لم يستعمل واحد "مذروين".
وقال فيه أيضاً: "إن شئت قلت: جاؤوا به على الأصل كما قالوا مقاتوة، حدثنا بذلك أبو الخطاب" يريد: إن شئت صححت الواو في جمع التصحيح كما صحت في جمع التكسير؛ لأن جمع التصحيح قد جرى مجرى التكسير؛ ألا ترى أنهم قالوا "الأشعرون" كما قالوا "الأشاعرة"، كانهم كسّروا "أشعر"، كما أنهم في "الأشعرون" إياه جمعوا، فكما أجروا التصحيح مجرى التكسير في هذا، كذلك أجروه مجراه في التصحيح.
ويحتمل - عندي - وجهاً ثالثاً، وهو أن تكون الواو صحت في هذا الموضع ليكون تصحيحها دلالة على إرادة النسب وأمارة له، كما صحت العين في "عور" وأجتوروا" ليكون دلالة على أن المراد "اعورَّ" و "تجاوروا"، فكذلك صححت في "مقتوىّ" ليكون التصحيح دلالة على إرادتهم النسب، قال أبو عثمان: ولم يجئ في كلامهم مثل "مقاتوة" إلا قولهم "قوم سواسوة"، سمعته من أبي عبيدة.
وإذا كان البناء على التأنيث وما أشبه التأنيث من التثنية والجمع قد احتمل ما لا يحتمله غيره من تصحيح ما لا يصحح إذا لم يقع البناء على التأنيث؛ كانت هذه الكلمة جديرة بالتصحيح لبنائها على التأنيث مع ما ذكرنا من ملازمة المثل الثاني الأول، وأنها لا تتصرف.

والدليل على أنها مبنية على التأنيث وأن التاء له ما حكاه أبو الحسن من أنهم يقولون "آوتاه"، وإبدالهم إياهم تاء في الدرج، ولا يمتنع بناؤها، وأنها لم تتصرف للحاق تاء التأنيث بها؛ ألا ترى أنهم قد قالوا: كان من الأمر ذيَّة وذيّة، وكيَّة وكيَّة، فألحقوا تاء التأنيث هذه الأسماء وإن كانت مبنية.
وقالوا "هيهاة"، فألحقوها التاء.
وقالوا "منه" في الوقف.
وأحلقوا التاء في الحروف في نحو "لات" و"ثُمَّت" و"رُبَّت".
فإذا لحقت الحروف لم يمنع أن تلحق هذه الكلمة أيضاً.
فإن قلت: ما حروف هذه الكلمة؟ فالقول: إن الفاء منها همزة، والعين واللام واوان.
أما كون الفاء همزة فقد تقدمت الدلالة عليه.
وأما لاعين فبيّن أنها واو؛ ألا ترى أنها لو كانت ياء لم تصح الواو المدغم فيها، كما لم تصح في "سيد" ونحوه.
فإن قلت: فلم لا تكون اللام همزة وقد أبدلت واواً للتخفيف على حد قولهم [في] أبو أيوب: "أبوَّيُّوب"، وكما قالوا في المتصل "سوَّة" في "سوءة"؟ قيل: لا ينبغي ذلك لأمرين: أحدهما أن هذا النحو من القلة بحيث لا يجب أن يقاس عليه.
والآخر أنه لو كان كذلك لكان التحقيق قد جاء فيه كما جاء في "سوءة"، ولم يجئ هذا النحو مثل "النبي" و "البرية" و"الخابية".
ومن هنا يفسد قول من قال: إن "أول" مأخوذ من "وأل".
ويفسد أيضاً قولهم "أولى"، لأنه لو كان كما زعم لجاز تصحيح الفاء.
وعلى

أن باب "قوة" أكثر من باب "أجأٍ" بكثير، ولو لم يكن إلا هذا لكان كافياً.
والهاء قد تقدم أنها للتأنيث بدلالة ما حكاه أبو الحسن من قولهم "آوتاه"، وقلبهم لها في الصلة تاء، كما فعل بغيرها مما ألحق للتأنيث.
فأما قولهم "تأوه" فيحتمل - عندي - قولين: أحدهما - وقد قيل - أنه يكون مأخوذاً من جملة الكلام، كقولهم "هلل" و "لبَّى"، فأخذ من حروف قولنا "لا إله إلا الله" حروفٌ صيغ منها هذا الفعل، وكذلك أُخذ "لبَّى" من "لبيك" مع ما فيه من حرف التثنية.
فكما أُخذ من الكلمة وما فيها من حرف التثنية، كذلك أخذ من هذه الكلمة مع ما فيها من تاء التأنيث.
فإن قيل: فما تنكر أن يكون "هلل" من الإهلال الذي هو الصوت كقولهم "استهل المولود"، وقوله: يهل بالفرقد ركبانها....................... ونحو ذلك؟ قيل: لو كان على هذا الذي ذكرته لكان "هلل" قد استعمل في المواضع التي يستعمل فيها "أهل"، فيقال: هلل المولود، وهلل بالحجز ففي امتناعهم من ذلك وقصرهم "هلل" على من قال "لا إله إلا الله" دلالة على

ما قلناه، وأنه مأخوذ من حروف الكلمة على حد قولهم "بأبأ" و "دعدع" و "تأتأ بالتيس" و"سأسأ بالحمار"، إذا صوت بهذه الأصوات المأخوذة هذه الأمثلة منها.
وكذلك "لبى" لا يكون "لبب"، ثم أبدل على حد "تقضيب".
والآخر: أن تكون الهاء لغة في الكلمة، فتكون اللام مرة هاء ومرة واواً، كما أن "سنة" كذلك، لقولهم "أسنتوا"، فأبدل من الياء المنقلبة من اللام في "سنوات" التاء، وقولهم "ساناه"، فاللام واو على هذا.
وقالوا "سهناء".
وكذلك "عضة" في من قال "بعير عاضةٌ"، وقال: ............................ نسعٌ لها بعصاه الأرض تهزيز فاللام عنده هاء.
ومن قال:

وعضواتٌ تقطع اللهازما كانت اللام عنده واواً.
وهذا يمكن أن يكون قوله: هما نفثا فيْ فيَّ من فمويهما.......................... لو قال قائل: إن الواو التي في موضع اللام بمنزلة التي في "سنوات"، لكان مذهباً.
فكذلك هذا الحرف في من قال: .............................. تأوه آهة الرجل الحزين كانت اللام عنده هاء، بدلالة قوله "تأوه" و "آهة".
ومن قال: فأولذاكراها...................................................

فاللام عنده واو كـ "القوة" و "الحوة"، و"أو" مثل "قو زيداً".
فكما أن الكلم المتقدم تكون اللام منه مرة واواً ومرة هاء، فكذلك هذه الكلمة تكون على ذلك.
فأما قولهم "يا هناه أقبل" فالقول فيه إن الهاء الآخرة لا تخلو من أن تكون لاماً على حد اللام في "شفة"، أو على حد اللام في "سنة"، أو بدلاً.
أو تكون هاء الوقف لحقت الكلمة وحركت كما حكي عن أحد عملائنا.
فلا يتجه أن تكون على هذا النحو؛ لأن هذه الهاء لم تجعل بمنزلة ما في نفس الكلمة في شيء، ولم تحرك في شيء من كلامهم يكون ثبتاً عندنا، فإذا كان كذلك لم يجز هذا القول لدفع الأصول له، وتعرية من دلالة تقوم عليه.
فإذا لم يجز ذلك بقي أن تكون لاماً.
فلا يجوز أن تكون لاماً على حد اللام في "شفة" لقولهم "هنوك"، وأن اللام في "شفة" هاء في جميع تصرف الكلمة.
ولا يقرب أن تجعلها لاماً على نحو ما جعلته في "سنة"؛ لأن الفاء أيضاً هاء، وقد قلّت الهاء في الموضع الذي يكثر فيه التضعيف، وإنما جاء - فيما علمته - في "الفهه" و "مهاهٍ".
فإذا قل في الموضع الذي يقل فيه التضعيف، ألا ترى أن باب "قوة" و "حية" لما قلا في هذا الموضع لم يجئ من نحو "سلس" و "قلق" إلا "يديت إليه يداً" وقولهم "واو"، فكذلك إذا قل هذا فيما ذكرنا وجب أن لا تحمل "هناه" أيضاً على أنه من نحو "سلس" و "قلق"، وإذا لم يحمل عليه حمل على أن الهاء بدل من الواو التي هي

لام في قولهم "هنوك" و "هنوات".
وأبدلت الواو منها كما أبدلت هي من [الواو] في هذه الكلمة، وكما أبدلت الهمزة منها في "ماء"؛ لأن هذه الحروف تتقارب؛ الا ترى أنها قد أجريت مجرى حروف اللين في نحو قوله: ........................... وعرِّي أفراس الصبا ورواحله وقوله: .......................... وبَكِّي النساء على حمزة فإن قال قائل: فإذا كان بدلاً من اللام كما ذكرت، فهلا ثني الاسم عليه فقيل "يا هناهان"؟ قيل: إن امتناعهم من تثنيته على هذا لا يدل على أنه ليس ببدل؟ لأن البدل قد يختص المكان المخصوص؛ ألا ترى أنهم قالوا "تالله" و "الله" ولم يلحقوهما المضمر، وقالوا "هذه" فأبدلوا الهاء في الاسم، ولم يثن عليه، فكذلك يكون قولهم "يا هناه".
فإن قلت: هل لهذه الكلمة موضع من الإعراب؟ وما هي؟ فالقول فيها: إنها من الكلم التي سميت بها الأفعال في غير الأمر

والنهي كـ"شتان" و "سرعان" و "شكان"، وأقرب إليها في الشبه منهن "هيهات" ألا ترى أنها مثلها في أنها ليست مشتقة، وقد دخلت عليه تاء التأنيث كما دخلت عليه.
ومثله "أو"، كأن هذه الكلمة اسم لقولك "أتألم"، كما أن "هيهات" اسم لـ"بَعُدَ"، وكما أن "أُفٍ" بمنزلة "أتضجر".
وكانهم لم يستعملوا معها "لك" كما قالوا "أُفٍ لك"؛ لأن المتكلم إنما يعني بها نفسه، فاستغنى عن "لك" التي للتبيين لذلك.

مسألة ذكرت - أعزك الله - "الأسكُرَّجة"، وهل لها اشتقاق؟ وهل الهمزة فيها أصل أم لا؟ وكيف تصغيرها؟ والقول فيها: إنها لا اشتقاق لها في اللغة العربية؛ لأنها فارسية ترجمتها "مقرب الخل".
والقول في الأسماء الأعجمية المعربة إنها على ضربين: أحدهما ما نقل معرفاً نحو "إسماعيل" و "إبراهيم" و "إسحاق" و"يعقوب".
والآخر ما نقل منكوراً، وذلك نحو "الآجر" و "الإبريسم" و "الفرند" و"الديباج" و"الديوان".
فهذا الضرب وإن كان مثل الأول في العجمة، فإنه أشبه بما أصله معرَّب من الأول، بدلالة إدخالهم الألف واللام عليه كإخالهم إياهما على أسماء الأجناس التي هي الأول عندهم، ولصرفهم ما كان منه

عاريا من المعاني التي تمنع الأسماء العربية من الصرف في المعرفة، ولاشتقاقهم منه على حد ما اشتقوا من العربية؛ ألا ترى أن رؤبة قال: هل ينجيني خلفٌ سختيت... أو فضة أو ذهب كبريت فـ "سختيت": "فعليل" من السخت، وهو الشديد بالفارسية، فصار "سختيت" من "سخت" كـ"زحليل" من باب "زحل".
وهذا وإن كان كما ذكرنا، فليس يخرجه عن مساواة الضرب الأول في أنه لا يكون مشتقاً من الألفاظ العربية، كما لا يكون الأول مشتقاً منها، لمخالفة هذين الضربين الأسماء العربية في الخبر.
وإذا كان العجمي الموافق للعربية في حروفه التي صيغ منها المماثل بناؤه لبنائها، لم يكن مع ذلك مشتقاً منه، فما خالفه في الحروف وفي البناء أجدر أن يكون مشتقاً منه؛ ألا ترى أن "قابوس" و"سابور" و "إدريس" و "إبليس"، وإن كانا من لفظ القبس والسبر، وكانا على مثال "عوقول" و "حاطوم" و "جاروف"، فليسا منهما، ولو كانا منهما انصرفا اسمي رجلين، وفي امتناعهم من صرفه في قوله:

........................ وملك أبي قابوس أضحى وقد نجز وقوله: فإن يهلك أبو قابوس يهلك... ربيع الناس والبلد الحرام دلالةٌ على أنه ليس منه، ولو كان منه لصرفت، كما أنك لو سميت بـ"عاقول" رجلاً لصرفت، وليس "سابور" من "سبرت الجراحة والأمر"، وإنما هو في الفارسية "شاة بور"، وعلى هذا أتى به في قوله: أقام به شاهبور الجنو دحولين تضرب فيه القدم وكذلك "إبليس" ليس من قوله ﴿يبلس المجرمون﴾؛ لأنه لو كان منه لصُرف؛ ألا ترى أنك لو سميت بـ"إخريط" و "إجفيل" رجلاً لصرفته في المعرفة.
وكذلك " قارون"، وهو "فاعول" من "قرن"، ولا يكون مثل "زيتون"، [فيجب] أن يكون من "دار قوراء"؛ لأنه لو كان كذلك لصحت الواو لسكونها.

وكذلك "هامان" لا يكون "فعلان" من "هومت" ولا من "هام يهيم".
فإن قلت: أليس لو جعلته "فعلان" من واحد منهما لم تصرفه اسم رجل، فهلا قلت في "هامان" إنه عربي؟ قيل: إنه وإن كان كما ذكرت، فإنه لم يمنع من الصرف من حيث امتنع "سعدان" ونحوه من الانصراف في المعرفة، ولكن من أجل العجمة والتعريف؛ ألا ترى أنك لو جعلت الألف زائدة، وجعلت الكلمة مثل "ساباط" لم تصرف أيضاً.
فأما "طالوت" من قوله ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ فلا يكون "فعلوت" من الطول كـ"الرغبوت" و "الرهبوت" و "التربوت"، وإن كان قد روي في بعض الآثار أنه كان أطول من كان في ذلك الوقت.
كما أن "جالوت" لا يكون "فعلوت" من "الجولان"، وإن كنت لو بنيت من "طُلت" و"جلت" مثل "الرغبوت" لكان على هذا اللفظ؛ لأنهما غير منصرفين في التنزيل، ولو لم يكن أعجمياً لصرف؛ لأنك لو سميت رجلاً بمثل "الرغبوت" و "الرهبوت" لصرفت في المعرفة.
فإذا كان الأمر في هذا النحو على ما ذكرنا من أنه غير مشتق من العربي بالدلالة التي وصفنا،

فـ"أسكُرَّجة" ونحوها من المخالفة للعربي في الحروف والبناء، أجدر أن لا يكون مشتقاً.
وهذه الكلم المعرفة التي الهمزة في أوائلها ليس تخلو من أن تكون من ذوات الثلاثة، أو مما هو أكثر منه، وليس في حكم الأسماء الأعجمية أن يحكم في بعض حروفها بالزيادة، كما حكم بذلك في الأسماء العربية؛ لأن المعنى الذي يتوصل به إلى علم ذلك من الاشتقاق وغير ذلك، ليس في لغة العجم، فإذا كان كذلك كان بمنزلة الحروف في اللغة التي لما لم يشتق منها ولم تصرف كما صرفت الأسماء والأفعال، لم يحكم في شيء من الحروف التي فيها بالزيادة؛ ألا ترى أن النحويين يجعلون الألف في الحروف نحو "لا" و "ما" و "يا" أصلاً، وإن لم يجعلوها في الأسماء والأفعال إلا زائدة أو منقلبة، فكذلك الحكم في الأسماء الأعجمية أن لا يحكم في حروف الزيادة منها بالزيادة، إلا أنها إذا أعربت ودخلت بالتعريب في كلامهم، جاز أن يجعل حكم حروفها كحكم حروف العربي في الزيادة والأصل، ولم يمتنع أن يتكلم فيه على أنها قد صارت بمنزلة العربية، أو على أنها لو كانت منها كيف كان يكون حكمها.

فمما جاء من المعربة من بنات الثلاثة في أولها الهمزة

"استبرقٌ"،

لا يخلو من أن يكون من بنات الثلاثة أو من غيرها، فلا يجوز أن تكون حروفها كلها أصولاً؛ لأن أكثر ما يبلغه الأسماء العربية من الحروف الأصول خمسة أحرف، فإن جعلتها كلها أصولاً لم يجز لخروجه عما عليه الأسماء، وخروجه إلى ما تدفعه الأصول.
ولا يجوز أن تجعل الهمزة زائدة لتبقى خمسة أحرف تكون أصولاً؛ لأن الحروف التي تلحق زائدة أوائل بنات الثلاثة، لا تلحق

بنات الأربعة إلا أسماء الفاعلين والمفعولين والأفعال المضارعة منها [نحو] "مدحرجٍ" و "يدحرج"، فإذا لم تلحق بنات الأربعة كان من أن تلحق الخمسة أبعد، فلا يجوز إذاً أن تكون الهمزة زائدة وباقي الحروف أصولاً، فتكون الكلمة من بنات الخمسة.
ولا يجوز أيضاً أن تكون السين على انفرادها زائدة والأخرى أصلاً، [ولا أن تكون التاء وحدها زائدة والأخرى أصلاً]؛ لأنهما ليسا من الحروف التي تزاد في هذه المواضع؛ ألا ترى أن التاء في "عنترٍ" و"بلتعٍ"، والسين في نحو "عسجدٍ" و "يستعور"، لا يحكم بزيادة واحدة منهما، فإذا لم يجز أن تكون هذا الحروف الثلاثة كلها أصولاً، ولم يجز أن تكون الهمزة مع السين زائدة والباقي أصلاً، ولا التاء مع الهمزة زائداً والسين أصلاً، ثبت أنها كلها زوائد.
وإذا كانت كلها زوائد لم يخل من أن تكون كلمة التي فيها اسماً أو فعلاً، فلا يجوز أن تكون اسماً لما تقدم ذكره، فثبت أنه في الأصل كأنه بناء فعل نقل فسُمي به، وأشبه ذلك من كلامهم "اليرمع" و"اليعمل"؛ ألا ترى أنهما على وزن الفعل، وفي أوائلهما زيادته، وهما مع ذلك اسمان لجنسين، كما أن "إستبرق" اسم جنس، وعلى وزن الفعل، وفي أوله زيادته، وهو منصرف في النكرة، كما أنهما كذلك.
ولو امتنع ممتنع من صرفه في النكرة لكان مخطئاً خطأ ظاهراً؛ لأنه على وزن الفعل، فلم يجتمع فيه سببان

يمنعان الصرف.
فأما هذا الضرب من العجمة فلا اعتداد به في منع الصرف، إنما يعتد به في الضرب الآخر من الأعجمية، وهو ما نقل معرفة نحو "إبراهيم" و"يعقوب"، فأما ما نقل نكرة، وكان اسم جنس، فإن العجمة فيه لا يعتد بها معنى مانعاً من الصرف، ومن ثم كان "النيروز" و "اللجام" و "الديباج" و"السهريز" ونحو ذلك من الأسماء الأعجمية النكرة مصروفة في المعرفة والنكرة، ولم يمنعه من الصرف إلا ما يمنع العربي المحض، ولذلك كان قولنا "إستبرق" مصروفاً في مواضع من التنزيل، فلو امتنع ممتنع من صرفه لكان مخطئاً تاركاً لمذهب العرب ولغتهم فيه.
وفي هذه الكلمة - أعني قولهم إستبرق - موضع جعله النحويون أصلاً لفروع كثيرة قاسوها عليها، وردوها إليها، وهو أنهم إذا سموا بفعل في أوله همزة موصولة قبل التسمية بها، وذلك نحو رجل سميته بـ"اضرب" أو "اقتل" أو "اذهب"، فإن الهمزة في ذلك كله تقطع، فيصير "أقتل" بمنزلة "أبلم"، وإضرب" بمنزلة "إثمد" و "إذهب" بمنزلة "إصبع"، وذلك إذا وقعت التسمية بالفعل فارغاً من الفاعل، وإن سمي بشيء من ذلك وفيه ضمير الفاعل حُكي ولم يغير، وإنما تقطع الهمزة إذا وقعت التسمية بها مفردة؛

ألا ترى أن "إستبرق" مقطوعة الهمزة مصروفة في التنزيل.
ولو حُقّر "إستبرق" أو كسر لكان التحقير "أُبيرقاً"، والتكسير "أبارق" بحذف السين والتاء جميعاً؛ لأنهما زائدتان زيدتا معاً، فجرتا لذلك مجرى الزيادة الواحدة، كما أنك لو رخمت مثل "حمراء" و "عقرباء" و "عنصلاء"، لحذفت الزيادتين كما تحذف الزيادة المفردة حيث جرتا مجراها في أن لم تنفصل إحداهما من الأخرى، فكذلك السين والتاء في "إستفعل" لما لحقتا معاً حذفتا معاً؛ لتكون الكلمة بعد حذفهما منه على مثال تكون عليه الأسماء، فـ "إستبرق" لما أعرب جعلوا حكمه حكم العربي، وجعلوه من بنات الثلاثة، فكذلك جمع المعربة حكمه حكم هذه الكلمة.

فأما "

إهليلج

" فيقاي الهمزة فيها أن تكون زائدة؛ لأنها من الثلاثة؛ ألا ترى أن العين منها لام قد كررت.
وإذا كان كذلك كان "إفعيعل".
وحكم الهمزة إذا لحقت بنات الثلاثة [من] العربي أن يحكم بزيادتها حتى تقوم دلالة تخرجها من ذلك، فكذلك حكم الهمزة في هذه الكلمة.
وكذلك الهمزة في "أشكر".
وكذلك "الأردن".
وإن شئت جعلت "الأردن" مثل "أُبلمٍ"، وجعلت التثقيل فيه من باب:

................... سَبْسَباً رجع إلى "أشكر"، حكم الهمزة فيه أن تكون زائدة؛ لأنها بمنزلة التي في "أترج" و "أسكفّة" و"أسطمَّة"، وهذه زوائد بلا إشكال، كما كانت التي في "أهليلجة" لاجتماعها معها في المعنى الذي وصفنا، ولأن العين قد تكررت بتوسط زيادة بينهما، فصار من باب "عقنقل" و"عثوثل".

ومما ينبغي أن تكون الهمزة في أوله زائدة من الكلم المعربة قولهم في اسم الموضع الذي قرب من "أرجان": "

آسك

"، وهو الذي ذكره الشاعر في قوله: أألفا مسلمٍ فيما زعمتم... ويقتلهم بآسك أربعونا و"آسك" مثل "آخر" و "آدم" في الزنة، ولو كانت على "فاعل" نحو "طابق" و "تابل"، لم ينصرف أيضاً للعجمة والتعريف.
وإنما لم نحمله على "فاعل" لأن ما جاء من نحو هذه الكلم والهمزة في أوائلها زائدة، هو العام الكثير، فحملناه على ذلك، وإن كانت الهمزة الأولى لو كانت أصلاً، وكانت "فاعل"، لكان اللفظ كذلك.

ومثل ذلك في التنزيل من قوله ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه

آزر

﴾ قياسه أن يكون "أفعل".
وأخبرنا أبو إسحاق أنه ليس بين الناس اختلاف أن اسم أبي إبراهيم "تارح"، والذي في القرآن يدل على أن اسمه "آزر"، وقيل: "آزر" ذم في لغتهم، كأنه: لا مخطئ.
قال: وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع.
قال: وقد يكون على هذا الوجه صفة، كأنه: لأبيه المخطئ.
ومحمله على أنه "أفعل"، وإن أمكن أن يكون "فاعل" قياساً على الأكثر.

ومن العجمي الذي وافق لفظ العربي نحو

"الإزار" و "الإزرة"،

وفي

التنزيل ﴿أخرج شطأه فآزره".
فأما قوله {وإن كان مثقال حبةٍ من خردلٍ أتينا بها﴾ فعلى القصر، و [أتينا] على هذا: "فعلنا" من الإتيان.
ومن قرأ (آتينا بها) جعلها على "فاعلنا" فالهمزة في كلتا القراءتين على هذا أصل.
فأما قوله ﴿ثم سئلوا الفتنة لآتوها﴾، فقد قرئ ﴿لأتوها﴾ بالقصر، و ﴿لآتوها﴾ بالمد.
فمن قال ﴿آتوها﴾ كانت الهمزة زائدة على قراءته، ولم تكن مثل الذي ﴿آتينا بها﴾ في من مد، في أنها أصل في مد، كما كانت كذلك في من قصر.
ومن قرأ ﴿لأتوها﴾ فلمكان المسألة، كأنه: لو سُئلوا لأعطوها، ولأتوها: جاؤوها من الإتيان، حسنٌ؛ لأن في قوله

﴿ويستأذن فريقٌ منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة﴾ دليلاً على أنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإتيان والوقوف معه، فكأن المعنى: ويستأذن فريق منهم النبي في أن لا يأتوه لاشتغالهم بحفظ بيوتهم المعورة في زعمهم، ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها﴾ أي: لو بلغ من إعوار البيوت أن دُخل عليهم من جوانبها كلها لفرط إعوارها، ثم سئلوا معونة العدو على المسلمين لأتوها وأسرعوا إليها، ولم يعتلوا عليهم أن بيوتهم عورة، كما اعتلوا به في إرادتهم تأخرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ونصرهم، فالمعنى: يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في أن يقعدوا عنه ولا يأتون، وهم يأتون العدو لينصروهم ويعينوهم على المسلمين لو سألوهم، فالقراءة بـ ﴿أتوها﴾ أشكل بما قبله وما بعده، وأشبه بالقصة؛ لأن القصة في تركهم نصرة النبي عليه السلام وقعودهم عنهم؛ ألا ترى أن بعدها ﴿ولا يأتون البأس إلا قليلاً﴾.
ومن قرأ ﴿لآتوها﴾ يريد: لأعطوها، فهو في المعنى راجع إلى هذا؛ لأن إعطاءهم الفتنة معونتُهم على المسلمين، وإتيانُهم للعدو لهم ناصرين، فـ ﴿أتوها﴾ أشد إبانة للمعنى المراد.
وهذه الآية في المعنى قريبة من قوله ﴿فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم﴾ أي: في نصرهم، ﴿يقولون نخشى أن تُصيبنا دائرةٌ﴾، فقوله ﴿يسارعون فيهم﴾ مثلُ ﴿ثم سُئلوا الفتنة لآتوها﴾؛ لأن في الموضعين

دلالة على أنهم إلى المعونة على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين مسارعون، وعلى ذلك متضافرون، وهم عنه غير متثاقلين، فكما أن المسارعة إليهم إتيان، فكذلك ينبغي أن تكون القراءة ﴿لأتوها﴾ بالقصر.
و ﴿نخشى أن تُصيبنا دائرةٌ﴾ يقرب من قوله ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلا غُروراً﴾، إلا أنهم في هذه الآية كأنهم أشد بأساً في النصر، لحرصهم على أن ما وعدهم الله والرسول به غرور، ويجتمعان في الإخبار عنهم بأن قلوبهم لم تثلج بالإيمان، ولم تسكن إلى قول الرسول والقرآن وما أُخبروا به من الظفر، ووُعدوا به من الفلح والنصر في قوله تعالى ﴿ليظهره على الدين كله﴾، وقوله ﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾، وما أشبه هذا من الآي التي تدل على غلبة الإسلام وأهله، وقمع الكفر والشرك.
وقوله ﴿وما تلبثوا بها إلا يسيراً﴾ أي: ما تلبثوا بدورهم إلا زماناً قليلاً، حتى يأتوا العدو ناصرين لهم، مظهرين لمثل ما هم مبطنون، [ولو فعلوا ذلك] لاستؤصلوا بالسيف، ولغُلوا كما غُلب العدو، أو نزل بهم من العذاب ما يهلكهم ويبديهم إذا باينوكم في الديار.
ويقوي هذا الوجه قوله ﴿وإذا لا تمنعون إلا قليلاً﴾.

وكذلك "أنبار" في اسم البلد.
و "أرفاد".
وكذلك "إرمينية" قياس الهمزة أن تكون فيها زائدة، وحكمها أن تكسر لتكون مثل "إجفيل" و "إخريط" و "إطريح" ونحو ذلك، ثم ألحقت ياء النسب، وأُلحق بعدها تاء التأنيث.
وكان القياس في النسب إليه "إرميني"، إلا أنه لما وافق ما بعد الراء منها ما بعد الحاء من "حنيفة"، حذفت الياء، كما حذفت الياء من "حنيفة" في النسب.
وأجريت ياء النسب في "إرمينية" مجرى تاء التأنيث في "حنيفة"، كما أُجريتا مجراها في "رُومي" و "رُوم" و "سِندي" و "سِند"، أو تكون مثل "بدوي" ونحوه مما غُير في النسب.
وكذلك "إبريق"، وترجمته بالفارسية أحد شيئين: إما أن يكون طريق الماء، أو: صاب الماءِ على هينة.
فلذلك حكمنا أن الهمزة في هذا زائدة.
فكذلك في "أُردن" و "أُسرُبٍ".
وكذلك "أصبهانُ".

فأما "

أرجان

" فوزنه "فعلان"، ولا تجعله "أفعلان"؛ لأنك إن جعلت الهمزة زائدة جعلت الفاء والعين من موضع واحد، وهذا لا ينبغي أن يحمل عليه شيء لقلته؛ ألا ترى أن الذي جاء من ذلك حروف قليلة.
فإن قلت: فإن "فعلان" بناء لم يجيء في شيء من كلامهم، و"أفعلان" قد جاء، نحو "أنبجان" و "أرونان".
فإن هذا البناء وإن لم يجيء في الأمثلة العربية، فقد جاء في العجمية "بقم" اسماً.
فـ "فعلان" مثله إذا لم يعتد بالألف والنون.
ولا ينكر أن يجيء العجمي على ما لا يكون عليه أمثلة العرب؛ ألا ترى أنه قد جاء فيه "سراويل" في أبنية الآحاد، و "إبريس" و "آجر"، ولم يجئ على ذلك شيء من أبنية كلام العرب.
فكذلك "أرجان".
ويدلك على أنه لا يستقيم أن يحمل على "أفعلان" أن سيبويه جعل "إمعة" "فعلة"، ولم يجعله "إفعلة" [لأنه] بناء لم يجيء في الصفات، وإن كان قد جاء في الأسماء نحو "إشفي" و "إنفحة" و "إبين".
وكذلك قال أبو عثمان في "أما" من

قولك "أما زيد فمنطلق": إنك لو سميت بها لجعلتها "فعلاً" ولم تجعله "أفعل" لما ذكرنا.
فكذلك يكون على قياس ةول سيبويه وأبي عثمان "الإجاص" و "الإجانة" و "الإجار" "فِعالاً"، ولا يكون "إفعالاً"، فالهمزة معها فاء الفعل.
وحكى أبو عثمان في همزة "إجانة" الكسر والفتح.
وأنشدني محمد بن السري: أراد الله أن يخزي بجيراً... فسلطني عليه بأرجان

وكذلك "

الآجر

"، الهمزة فيه فاء الفعل، كما كانت في "أرجان".
قال: وهذا وإن لم يجيء في أمثلة العرب شيء على وزنه، فقد اشتقوا منه ما دل على أن الهمزة أصل فاء، وذلك قولهم "الآجور"، فـ "الآجور" كـ "العاقول" و "الجاروف" و "الحاطوم"، ولا يكن إلا كذلك؛ لأنه ليس في الكلام شيء على "أفعول".
فإذا ثبت أنها أصل بهذه الدلالة، فالتي في "آجرٍ" هي هذه التي ثبت أنها أصل في "الآجور".
ولو حقرت الآجر" كنت في حذف أي الزيادتين شئت بالخيار، فإن

حذفت الأولى قلت "أُجيرة"، ولا يستقيم أن تعوض من الزيادة المحذوفة، وإن حذفت الأخرى قلت "أويجرة".
فإن عوضت قلت "أويجيرة".

ومثل ذلك قولهم "

أيوب

"، الهمزة فاءٌ أصلٌ، وذلك أنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون "فيعولا" أو "فعولا".
فإن جعلته "فيعولا" كان قياسه لو كان عربياً من "الأوب" مثل "قيوم"، وانقلبت العين التي هي واو من "الأوب" للياء الساكنة قبلها.
ويمكن أن يكون "فعولاً" مثل "سفودٍ" و "كلوبٍ"، وإن لم يعلم في العربية هذ الصنف؛ لأنه لا ينكر أن يجيء العجمي على ما ليس له مثل في العربي.
ولا يكون من "الأوب"، وقد قلبت الواو فيه إلى الياء؛ لأن من يقول "صُيم" في "صُوم" إذا تباعد من الطرف لم يقلب، ولم يقل إلا "صُوام"، فكذلك هذه العين إذا تباعدت من الطرف، فحجز الواو بينه وبين الآخر، لم يجز [فيه] القلب.
ومثل ذلك في أن الهمزة فيه ينبغي أن تكون أصلاً في القياس غير زائدة قولهم "

إيوان

"؛ ألا ترى أن الهمزة لا تخلو من أن تكون زائدة أو أصلاً، ولو كانت زائدة لوجب إدغام الياء في الواو وقلبها إلى الياء، كما قلبت في "أيام"، فلما ظهرت الياء ولم تدغم دل أن الياء عين، وأن الفاء همزت، وقلبت ياء لكسرة الفاء وكراهة التضعيف، كما قلبت في "ديوان" و "قيراط"، وكما أن الدال والقاف فاءان، والياءين عينان، كذلك التي في "إيوان".
ومثل ذلك في أن الهمزة فيه أصل ليس بزائدة في القياس قولهم

"

آلوسة

"، هي "فاعولة"؛ ألا ترى أنه ليس في كلامهم شيء على "أفعولة"، فهو مثل قولهم "آجور".
ومثل ذلك من العربي قولهم "الآري" و "الآخي"، فـ "الآري": "فاعول"، وكذلك "الآخية"، وإنما انقلبت واو "فاعول" فيه ياء لوقوعها ساكنة قبل الياء التي هي لام الفعل، واللام ياء بدلالة أن أبا زيد حكى أنهم يقولون: "أرت القدرُ تأري أرباً: إذا احترق ما في أسفلها فالتصق به".
وإنما قيل لمواثق الحبالة "الآري" لتعلقها بها واحتباسها إليها، وكذلك آري الدابة، قال: وكان الظباء العفر يعلمن أنه... وثيق عُرا الآري في العشراتِ

وأما

"أُشنان"

فالهمزة فيه أصل، وذلك أنك إن جعلتا زائدة لم تصادف شيئاً من أصول أبنيتهم، فإذا كان كذلك كانت أصلاً.
وحكمُ النون أن تكون اللام، كررتها للإلحاق بـ "قرطاسٍ"، فيكون كـ "قُرطاطٍ".
ولو سميت بها رجلاً على هذا القول لصرفته في المعرفة، وإن شئت جعلت النون المزيدة مع الألف، وجعلته مثل "دُكان" و "قُرطاط"؛ لأن هذا الضرب قد جاء اسماً، ولكن الحمل على "قُرطاط" أولى؛ لأن تكرير اللام أكثر من باب "عُثمان" و "دُكان".

وأما "أُربانٌ" من قولهم: أعطيته أُرباناً، قال أبو عثمان: أعطني عُربوناً وأُربوناً و

أربان

اً، يعني رهناً، ولا يقال ربوناً، فالقول في الهمزة في "أربان" إنها فاء.
وكذلك همزة

"أُرندٌ"،

في الاسم هذا النهر، ينبغي أن تكون فاء والنون زائدة، ولا يكون على غير هذا؛ لأنه لم يجيء في شيء، وقد حكى سيبويه "عُرندٌ"، فهو مثله.
وكذلك الهمزة في "

أيبلي

" أصل؛ لأنهم قد قالوا بمعناه "الأبيل"، قال الأعشى: ........................... وما صك ناقوس الصلاة أبيلُها وقوله: وما أيبلي على هيكلٍ... بناه، وصلب فيه، وصارا فهو من "الأبيل".
قال أبو عبيدة: "أيبلي": صاحب "أبيلٍ"، وهو عصا الناقوس.
وقال آخر جاهلي:

وما سبح الرهبان في كل بيعةٍ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما فظاهر قول هذا يدل على أنه يعني بـ "الأبيل" ما يعني بـ "أيبلي"، إلا أن يقول أبو عبيدة: إن المعنى: صاحب أبيل الأبيلين، وإن الأبيلين كالأشعرين والأعجمين، ولو كان عربياً لكان من أبلت الإبل: إذا اجتزأت بالرطب عن الماء من قوله: كأن جلدات المخاض الأبال أو من "الأبل" الذي يراد به السياسة، كأنه سائس الدين والمقيم به، وقال: لو أن شيخاً رغيب العين ذا أبلٍ... يرتاده لمعدٍ كلها لهفا

ومن هذا قولهم "

الأبلة

" في اسم البلد، الهمزة تكون فاء، و "فُعُلة" قد جاء اسماً وصفة، نحو "خُضُمة"، و "غُلبة"، وقالوا "قُمُدٌ".
فلو قال قائل إنه "أفعلة" والهمزة فيه زائدة مثل "أُبلمة" و "أُسنمة"،

لكان قولاً.
وذهب أبو بكر في ذلك إلى الوجه الأول.
كأنه لما رأى "فُعُلة" أكثر من "أُفعُلة" كان عنده أولى من الحكم بزيادة الهمزة لقلة الهمزة.
ولمن ذهب إلى الوجه الآخر أن يحتج بكثرة زيادة الهمزة أولاً.
وقالوا للفدرة من التمر "الأبلة"، [قال الشاعر، وهو أبو المثلم الهذلي]: فيأكل ما رُض من زادنا... ويأبى الأُبُلة لم تُرضض فهذا أيضاً "فُعُلة" من قوله ﴿طيراً أبابيل﴾.
فسره أبو عبيدة: "جماعات في تفرقة".
فكما أن "أبابيل" "فعاعيل"، وليست بـ "أفاعيل"، كذلك "الأبلة" "فُعُلة"، وليست بـ "أفعلة".
وحكي عن الأصمعي في قولهم "الأبلة" الذي يراد به اسم البلد، أن البلد كانت به امرأة خمارة تعرف بـ "هوب" في زمن النبط، فطلبها قوم من النبط، فقيل لهم: "هوبُ لاكا"، أي: ليست ههنا.
قال: فجاءت الفرس

فغلطت، فقالوا: هُوبُ لت، فأعربتها العرب فقالت: الأبلة.
ومن ذلك قولهم لبيت المقدس "

أورى سلم

"، قال الأعشى: وقد طُفت للمال آفاقه... عُمان فحمص فأورى سلم

فأورى سلم: بكسر اللام.
وقال أبو عبيدة: هو عبراني معرب.
والقياس في الهمزة إذا كانت في اسم أن تكون فاء مثل "بُهمى"، والألف للتأنيث، ولا تكون للإلحاق في قياس قول سيبويه.
وإذا كان كذلك لم ينصرف في معرفة ولا نكرة.
وجاء من هذه الحروف في ألفاظ العرب "ال

أوار

"، قال:

......................... كأن أوارهن أجيج نار وقالوا في اسم موضع "

أوارة

"، وأنشد أبو زيد:

عُداويةٌ هيهات منك محلها... إذا ما هي احتلت بقدس أوراة وروى بعض أصحابه: "إذا ما هي احتلت بقدسٍ وآرة".
وهذا من لفظ الأول إذا قدرت الألف منقلبة عن الواو.
وقال الأعشى: ها إن عجزة أمه... بالسفح أسفل من أوارة فإن قلت: فهل يجوز أن يكون "أُورى" "أُفعل"، فتكون الهمزة زائدة من "أوريتُ"، وما في التنزيل من قوله ﴿أفرأيتم النار التي تُورون﴾؟ فإن ذلك لا يمتنع في القياس؛ لأن الأعلام قد تسمى بما لا يكون إلا فَعلاً، نحو "خصم" و "بذر"؛ ألا ترى أنه ليس في النكرات شيء على زنة "فعل".

وقد سمي أيضاً "

إيلياء

"، قال الفرزدق: وبيتان: بيت الله نحن ولاته... وبيتٌ بأعلى إيلياء مُشرف

فـ "إيلياء" الهمزة في أولها فاء لتكون بمنزلة "الجربياء" و "الكبرياء"، وتكون الكلمة ملحقة بـ "طِرمساء" و "جلخطاء"، وهي الأرض الحزن.
والياء التي بعد الهمزة لا تخلو من أن تكون منقلبة من الهمزة أو من الواو.
وقياس قول سيبويه أن تكون من الواو، ولا تكون منقلبة من الهمزة على هذا القول؛ لأن الهمزتين إذا لم تجتمعا [جاء فيه الألف من المؤنث لا يكون إلا مبنياً عليها وليست مثل التاء التي تبنى تارة على التأنيث وتارة على التذكير].

وأما قولهم "الآنُكُ" فالهمزة فيه زائدة لـ "أفعل"، ولا يجوز فيه غير هذا كما كان في "آزر" و "آصف"؛ ألا ترى أنه ليس في الكلام شيء على وزن "كابُل".
فإن قلت: فقد زعم أبو عبيدة أنه قد روي في قول الأعشى: "وما أيبلي على هيكل": "وما آبليٌّ على هيكلٍ".
فكان ذلك أيضاً يشبه أن يكون معرباً.
فإن شئت قلت: أبدل الألف من الياء، كما أبدلت منها في "طائي".
وإن شئت قلت: [لما] كان "فيعل" بناء ليس من كلامهم، استكره فبنى الكلمة على "أفعلٍ"، والألف على هذا منقلبة عن الهمزة؛ لأن "أفعلاً" وإن كان بناء لم يجيء في الآحاد، فقد جاء في أبنية غيرها، فكأن الذي قال إنها على "أفعُل" صار آنس به منه بما لم يجئ في بناء واحد ولا جمع، فإنما

الآنك

أعجمي.
فإن قلت: فقد جاء في اسم الموضع "أسنمة"، وهذا على "أفعُل".

فقد روى أبو بكر عن أبي العباس أنه قال: روايتي "أُسنُمة" بضم الهمزة.
قال أبو بكر: وغيره يفتح الهمزة.
وهذا لأنه اسم مخصوص لا يثبت به فيقول من فتح الهمزة "أفعُلٌ" في الآحاد؛ لأن المعارف قد تغير كثيراً عن حد ما عليه الأسماء النكرات الأول.

فأما "

الأرز

" فهو "أفعُلٌ" لا محالة، فالهمزة فيه زائدة، والراء متحركة بالحركة المنقولة من العين إليها للإدغام.
ودل قولهم "وزٌ" على أن الهمزة في "إوزٍ" زائدة، وأنه ليس بمنزلة "خدبٍ" ونحوه، كما دل قولهم "رُزٌ" على أن "الأرُزة" ليس بمنزلة "تلُنة" في أن تاءها فاء؛ لقولهم "تَلُونة".
ولو لم تجد "الوزَّ" و "الرُّز" لجعلت الإوز" بمنزلة "الإشفى" و "الإنفحة" و "إبين"، و "الأرُز" بمنزلة "الأصُك" للكثرة.
وقد عاب محمد بن يزيد وغيره قول من قال في "الأرُز": [أرزٌ، ورُنزٌ]، وذهبوا إلى أن ذلك ليس بثبت.
ويشبه أن يكون أصل الكلمة أعجمياً، وإن كانوا قد تكلموا به؛ لأنا لم نجد في الآحاد شيئاً على هذه الزنة.

وأما "

آزاذ

" فإن شئت قلت إنه "أفعال"، وإن كان بناء لم يجئ في الآحاد، كما جاء "الآنك".
وإن شئت قلت إنه مثل "خاتام"، فالهمزة على هذا أصل.
ويُستدل على ذلك بأنه واحد، فإن جعلت الهمزة فيه زائدة لم تصادف له في الآحاد نظيراً، فجعلتها أصلاً كما جعلتها في "إمعة" كذلك حيث لم تجد في أبنية الصفات شيئاً على "إفعلة".
وأما

"أُردن" و "أُورم"

فلا تكون الهمزة فيهما إلا زائدة في قياس العربية.
ويجوز في إعرابهما ضربان: أحدهما أن يجرد الفعل من الفاعل، فتعرب ولا تصرف.
والآخر أن يبقى فيه ضمير الفاعل، فيحكي.
وكذلك "آضطفن" و "آرتاح" إن جعلت "آصطفن": "افتعل" من "صفن الصافنات"، ولم تنزع منه الضمير، حكيت ولم تقطع الهمزة، وتركتها موصولة.
وإن فرغت الضمير أعربت، وقطعت الهمزة.
وكذلك "أرتاحُ"، إلا أن همزتها مقطوعة حكيت أو لم تحك.
ويمكن أن يكون

"أرتاح": "أفعال" كـ "أنبار".
فأما "أرفاد" فـ "أفعال" لا غير.

وأما قولهم

"أُستاذٌ" و "أُسوارٌ"

فقد ذكرناهما في "المسائل المُصلحة من كتاب أبي إسحاق".
وأما قولهم "

أبنبم

" فهو عربي، وقد ذكره سيبويه، وزعم أن وزنه "أفنعل".
ونظيره من الصفات "ألنددٌ".
فالدلالة على أن الهمزة زائدة أن النون ثالثة ساكنة، والنون إذا كانت ثالثة ساكنة حكم بزيادتها لكثرة كونها زائدة في هذا الموضع، نحو "عقنقلٍ" و "جحنفلٍ" و "عفنججٍ"، ولتعاورها وحروف اللين على الموضع، نحو "شرنبثٍ" و "شُرابثٍ" و "جرنفسٍ" و "جُرافسٍ"، ولحذفهم لها في نحو "عرنتنٍ" وقولهم

جارٍ التحميل