المسائل الحلبياتصفحات 258-297

باب التضعيف في تجاور العين واللام في بنات الثلاثة

صفحات 258-297

فأما استجازتهم الفصل بين الفعل والفاعل بالظرف نحو "كان فيك زيد راغباً"، وامتناعهم من هذا الفصل بالمفعول، فلأن الظرف قد اتسع في الفصل به ما لم يتسع بغيره؛ ألا ترى أنهم قد فصلوا به بين المضاف والمضاف إليه في الشعر، وفصلوا به بين "إن" واسمها، وبين "كم" ومميزها في قوله: على أنني بعد ما قد مضى... ثلاثون للهجر حولاً كميلا فكما فصلوا به في هذه المواضع التي لم يفصل فيها بغيره، كذلك فصلوا بين الفعل وفاعله إذا كان مفعول مفعوله.
ويدل على جواز ذلك قوله: فلا تلحني فيها فإن بحبها... أخاك مُصابُ القلبِ جمٌّ بلابله

هكذا أنشده سيبويه.
وحكي أن من البغداذيين من نصب "مُصاب القلب".
وكأن الذين أنشدوه "مصاب" بالنصب لم يجعلوه من صلة الإصابة، شبهوه بالمستقر، إذ كان قبيحاً عندهم أن يفصلوا بين العامل والمعمول بما لم يكونوا يفصلون به لو كان مفعولاً به؛ لأن الظرف ضرب من المفعولات أيضاً، فنصب "مُصابَ القلبِ" على تقدير الحال؛ لأنه بمنزلة "حسن الوجه".
ومما يمكن أن يكون على ما أنشده سيبويه من رفع "مصاب" قولُ النمر بن تولب: ولو أن من حتفه ناجياً... لكان هو الصدع الأعصما ومما فُسر من هذا الضمير بالفعل والفاعل إلا أن الضمير حذف لإقامة الوزن قول الراعي: فلو أن حُق اليوم منكم إقامةٌ... وإن كان سرحٌ قد مضى فتسرعا وأنشد أبو زيد: وليت دفعت الهم عني ساعةً... فبتنا على ما خيلت ناعمي بال

وأنشد الأصمعي: ألا ليت أني حين تدنو منيتي... لثمتُ الذي ما بين عينيك والفم وأنشدنا علي بن سليمان: فليت كِفافاً كان خيرك كله... وشرك عني ما ارتوى الماء، مُرتوي ومن ذلك ما يرويه البغداذيون من قولهم "أليس إنما قمت"، ينبغي أن يكون فيها ضمير؛ لأن الفعل لا يخلو من الفاعل، ولا يجوز في قول من قال: "ليس الطيبُ إلا المسكُ"، فجعل "ليس" بمنزلة "ما"، أن يجعلها في هذه الحكاية بمنزلة "ما"؛ لأنك لو أوقعت "ما" هناك لم يجز.
فأما ما أنشده أبو زيد من قوله: ندمتُ على لسانٍ كان مني... فليت بأنه في جوفِ عكمِ

فلا يكون على إضمار القصة والحديث، ولكن الباء زائدة، وهي مع المجرور في موضع نصب، كقوله ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ وقولهم "يا زيدُ" و "يا لزيدٍ".
ومما جاء قد فُسر بالشرط والجزاء قوله تعالى: ﴿إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم﴾.
ومثله إلا أن علامة الضمير قد حذفت لإقامة الوزن قول أمية: ولكن من لا يلق أمراً ينُوبُهُ... بعُدتِه ينزل به وهو أعزلُ ومثله قول الأعشى: إن من لام في بني بنت حسا... ن ألمه وأعصِهِ في الخُطُوبِ

ولا يحسن أن يحمل قوله تعالى في من رفع ﴿إن هذان لساحران﴾ على هذا؛ لأنه جاء في الشعر للحاجة إلى إقامة الوزن.
وزعم الجرمي أن أبا عمرو وعيسى وعمرو بن عبيد قرؤوه بالنصب (إن هذين لساحران).
وقد ذكرنا ذلك في المسائل المصلحة من كتاب أبي إسحاق.
ولو جاء شيء مثل "إنه في الدار زيدٌ أخوك" لكان على قول سيبويه مثل قوله: ....................... بما كان إياهم عطيةُ عودا [و]: ...................... وليس منها شفاءُ الداءِ مبذولُ

وعلى قول أبي الحسن والبغداذيين مثل: ...................... وليس كل النوى تُلقي المساكينُ ولو استعملت "ليس" و "لا يكون" في الاستثناء، وذلك قولك "أتأني القومُ لا يكون زيداً" و "أتاني إخوتُك ليس عمراً"، ووجه الاستثناء أنه لما قال "أتاني القوم" ظن المخاطب أن "زيداً" فيهم، فاستثنى "زيداً" بقوله "ليس زيداً" و "لا يكون زيداً"، لصار التقدير: لا يكون بعضهم زيداً، وليس بعضهم عمراً، إلا أن المضمر هنا لم يستعمل إظهاره، كما أن المضمر في ﴿ولات حين مناصٍ﴾، وخبر "لولا"، والفعل المضمر في نحو "رأسك والسيف"، لم يستعمل إظهار شيء من ذلك.
وزعم الخليل أنهما قد استعملا وصفين، وذلك قولهم "أتتني امرأة ليست فلانة" و "أتتني امرأة لا تكون فلانة"، فدل إلحاقهم علامة التأنيث على إجرائهم إياه صفة؛ لأن استعمالها في الاستثناء لا يكون الفعل فيه إلا على التذكير؛ لتقدير فاعله "البعض"، والبعض مذكر.

والبغداديون أو طائفة منهم قد أجازوا هذا، فحكوا "قام القوم ليس زيداً"، وقالوا: إن شئت صيرت "ليس" نسقاً، فرفعت الاسم بعدها على النسق.
قالوا: وقد حكي عن بعض العرب [أنهم] قد قالوا: ذاك ليس واحد ولا اثنان، فرفعه.
قال أبو علي: فهذه الحكاية إن كانت مسموعة من فصيح فلا حجة فيها لاحتمالها غير النسق؛ ألا ترى أنه يجوز أن يضمر فيها القصة والحديث، ويكون التأويل: ليس القائل واحدٌ منهم، أي: ليس الأمر القائل واحدٌ منهم، فحذف المبتدأ للدلالة عليه.
ويجوز أن يكون "واحد" مرتفعاً بـ "ليس" ويحذف الخبر، قالوا: فإن قلت: قام عبد الله ليس زيدٌ، لم يكن إلا الرفع، و "ليس" نسق، ولا يكون استثناء لأنه لا يستثنى واحد من واحد.
قال أبو الحسن: وهذا عندنا على معنى: ليس زيدٌ قائماً، فحذف الخبر لدلالة الكلام عليه، ولا يكون استثناء، ولكن جملة أُتبع جملةً.
وكذلك ما أنشدوه من قول لبيد: .......................... إنما يجزي الفتى ليس الجمل

أنشده سيبويه: ................................. إنما يجزي الفتى غير الجمل وليس في إنشادهم إياه حجة على أنها عطف؛ ألا ترى أنه يجوز أن يكون "الجمل" خبر "ليس"، كأنه قال: ليس الذي يجزي الجمل، أي: إنما هو الفتى ليس إياه.
ويجوز أن يكون "الجمل" اسم "ليس"، والخبر مضمر، كأنه قال: ليس الجمل جازياً.
فإن قال قائل: ما تنكرون من كون "ليس" حرف عطف؟ أو ليس قد استعمل "لكن" حرف عطف، وقد أُعمل عمل الفعل، فكذلك يكون "ليس" حرف عطف، وإن كان قد أُعمل عمل الفعل؟ قيل: ليس استعماله حرف عطف بواجب من حيث أُعمل عمل الفعل؛ ألا ترى أنك تجد أشياء كثيرة أعملت عمل الفعل، ولم تستعمل حروف عطف، فإذا كان كذلك لم يحكم بأنها حرف عطف حتى تقوم على ذلك دلالة قاطعة، فأما الحكم بأنها حرف عطف لما ذكروا فلا يسوغ لاحتماله غير ذلك، على أن أبا عمر الجرم يحكى في قولهم "ما ضربت زيداً لكن عمراً" أن يونس كان ينكره.
قال الشيخ: وموضع الإنكار أن يقول: إن هذا حرف كان يدخل قبل التخفيف على الابتداء والخبر، فينبغي أن يكون بعد التخفيف مثله قبل التخفيف؛ ألا ترى أن سائر أخواتها كذلك، وأن "إن" كان قد دخل على الفعل إذا خفف نحو ﴿إن كان ليضلنا عن آلهتنا﴾ من حيث كان تأكيداً، فإن ذلك لم يمنعه من أن يجوز الانتصاب به كما كان يجوز به قبل، فكذلك ينبغي

في "لكن" إذا خفف، لا يخرج من الدخول على الجمل، كما لم يخرج "إن" عن ذلك، وكما لم يخرج "كأن" عن ذلك.
وهذا الإنكار من يونس ينبغي أن يكون في قولهم "ما ضربت زيداً لكن عمراً"؛ لأن "ضربت زيداً لكن عمراً" إذا لم ينف لا نعلم أحداً لا ينكره، فنقول: إذا كان ذلك فيه يؤدي إلى الخروج عن أحوال نظائره وما وضع له في الأصل، وجب أن لا يجوز.
وكأن النحويين غير يونس إنما قاسوا ذلك على "بل" وشبهوه بها، ولم يجعلوه مثلها؛ لأن الحروف التي تنتقل لا تلزم موضعاً واحداً لا يكون لها من التمكن والاتساع ما يكون للملازم؛ ألا ترى أن "حتى" لما لم يلزم الجر لم يجيزوا إضافته إلى المضمر نحو "حتاه" كما قالوا "إليه"، وكذلك "هل" لما لم يلزم الاستفهام لم يدخل في جميع ضروبه.
و"ليس" كلمة مستعملة في النفي، فإذا دخلت عليها همزة الاستفهام للتقرير كقوله ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ صار إيجاباً، ولم يجز دخول "إلا" عليها، كما لا يجوز دخولها مع الموجب نحو "ثبت زيد إلا قائماً"، وكما لا يجوز دخول "إلا" عليه لكون الكلام بدخول الهمزة موجباً، كذلك لا يجوز أن ينصب معها المضارع بعد الفاء كما ينصب بعد النفي نحو "ما تأتيني فأحدثك".
فكما لم يجز "أليس زيد إلا قائماً" كذلك لا يجوز "أليس زيد قائماً فأقوم"، وإن كان يجوز قبل الإيجاب "ليس زيد قائماً فأقوم" كما كان يجوز "ليس زيد إلا قائماً".
وإنما امتنع هذان الأمران لما آل الأمر إلى الإيجاب؛ لأنهما كانا يجوزان للنفي، فلما زال النفي بطل جوازهما.
وكذلك لا يجوز "ما زال زيد إلا قائماً" و "ما انفك زيد إلا قائماً".
فكما لم يجز ذلك، فكذلك

لا يجوز "مازال زيد قائماً فنكرمه"، كما لم يجز في الكلام وحال السعة "ثبت زيد فنكرمه".
ولا يجوز أيضاً "ما قام إلا زيد فنقوم" من حيث لم يجز "قام زيد فنقوم".
فإن قلت "ما خالفنا أحدٌ إلا زيد فنُقومه" جازت من جهة وامتنعت من أخرى.
فجهة الجواز أن يكون الذكر في نقومه" عائداً على "أحد"، فيصير التقدير: ما خالفنا أحد فنقومه إلا زيد.
وإن جعلت الذكر في "نُقومه" عائداً إلى "زيد" لم يجز؛ لأن المعنى: خالفنا زيد فنقومه، وهذا لا يجوز.
فإن قال قائل: هل يجوز: والله ما زال زيد ذاهباً، على أن يكون "ما" جواباً للقسم؟ قيل له: كان القياس أن لا يجوز هذا لأنه بمعنى الإيجاب؛ ألا ترى أنه لا يجوز "مازال زيد إلا قائماً"، ولم يجيزوا "ما زال زيد قائماً فنكرمه"، فلما لم يُجز هذا مُجرى النفي، ولكن أُجري مُجرى الإيجاب، كذلك القياس أن يُجرى في القسم مُجرى الإيجاب، وإذا جرى مجراه فكأنك قلت: والله ثبت زيد قائماً، وهذا لا يسوغ في الإيجاب، ولكن لما جاء في التنزيل ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف﴾، والمعنى: لا تفتأ، أي: لا تزال.
وقال أوس: فما فتئت خيلٌ تثوبُ وتدعي............................ وقد جاء في الشعر الفصيح:

تالله لا تنفك عيني سخينةٌ... عليك، وجلدي آخر الليل أغبرا قلنا: يجوز أن يحمل هذا على اللفظ، ويترك له ذلك القياس؛ لأنه شبه الألفاظ قد استعمل في باب القسم؛ ألا ترى أنه قد جاء: لما أغفلت شُكرك فاصطنعني........................... فجعلت "ما" النافية بمنزلة الموصولة، فإذا جعلت النافية بمنزلة الموصولة حتى ألحق اللام، فأن تجعل النافية في اللفظ معلقة للقسم، وإن آل المعنى إلى الإيجاب وإلى تغيير المعنى فيه، أجوز.
ومما يؤكد هذا ما أنشده أبو زيد: يرجي العبد ما إن لا يراه... وتحدث دون أبعده خطوب وقوله: ورج الفتى للخير ما إن رأيته... على السن خيراً لا يزال يزيد

لما كانت "ما" على لفظ النافية زيدت معها "إن"، كما زيدت في قوله: ما إن يكاد يُخليهم لوجهتهم............................... وقد حمل أبو الحسن قوله تعالى ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ على اللفظ.
فإذا جازت هذه الأشياء من أجل الشبه اللفظي، كان الحقيقة أولى.
فإن قلت: فهلا جوزت أيضاً "مازال زيد إلا قائماً"، واستحسنت ذلك على اللفظ، كما جاء ذلك فيما ذكرته من القسم، وحملته على اللفظ، كما حملت القسم على اللفظ؟ قيل: لا يجوز هذا في "إلا" كما جاز في القسم؛ لما ذكرنا من مجيء القسم على اللفظ فيما جاء، ولم نعلم مثل ذلك في "إلا"، بل قد جاء "إلا" في مواضع على المعنى دون اللفظ، وذلك قولهم "ليس الطيبُ إلا المسك" لما كان المعنى: ما الطيب إلا المسك، ولولا المعنى لم يجز، كما لم يجز "زيد إلا منطلق".
وقالوا: نشدتك الله إلا فعلت" للطلب، لما كان المعنى: ما أسألك إلا فعلك، فليس "إلا" في هذا كالقسم.
ومما حمل فيه "إلا" على المعنى قوله تعالى ﴿فأبى أكثر الناس إلا كفوراً﴾، و ﴿فأبى الظالمون إلا كفوراً﴾، و {يأبى الله إلا أن يُتم

نوره}.
وقال الشاعر: أبى الله إلا أن سرحة مالكٍ... على كل أفنان العِضاهِ تروق وقال الحطيئة: أبوا غير ضربٍ يُجثم الهام وقعه... وطعنٍ كأفواه المرقعة الحُمر فـ "إلا" في هذا النحو محمول على المعنى؛ ألا ترى أنك لو قلت "ضربت إلا زيداً" لم يستقم، إلا أن هذا جاز لمّا كان المعنى: أبوا كل شيء إلا عُتواً، حملاً على المعنى، لا أن المنصوب بعد "إلا" بدل كما يكون بدلاً إذا قلت: ضربت كل أحد إلا زيداً.
فإن قلت: هلا قلت إن ذلك لما في "أبى" من معنى النفي؛ لأن معنى "أبى": ما انقاد؟ قيل: هذا لا يستقيم؛ لأنه ليس شيء من النفي يمتنع على هذا أن يقدر بالإيجاب، ولا شيء من الإيجاب يمتنع أن يمثل بالنفي، ولو جاز هذا لكان لا فصل بين الإيجاب والنفي، وفي فصل العرب والنحويين وسائر الناس بين الإيجاب والنفي ما يدل على فساد هذا المذهب.

مسألة وسألنا سائل قديماً عن معنى قولهم "ما زال زيدٌ قائماً" ما معناه؟ وعم انقلاب الألف فيه؟ والجواب في ذلك أنه يقال "زال الشيءُ يزول زوالاً" إذا فارق ولم يثبت، والزوال خلاف الثبات، قال يعقوب: "أزاله من مكانه يُزيله إزالةً، وأزال الله زواله، وزال زواله، إذا دعا له بالبلاء والهلاك"، فهذا الذي حكاه من "أزال" يدل على أن "زال يزولُ" فعل غير متعد، فإذا نقل بالهمزة تعدى.
قال: "ويقال: زال الشيء من الشيء يزيله إذا مازه".
قال: "ويقال: زِلته".
فبين من ذلك أن "زال" فعل متعد، وأن عينه ياء.
وأما "زال يزال" وقولهم "ما زال يفعلُ كذا" و ﴿فما زِلتُم في شكٍ﴾ فالعين منه ياء، قال سيبويه: "أما زيلتُ ففعلت من زايلتُ، وزايلتُ: بارحتُ؛ لأن مازلتُ

أفعلُ: [ما برِحت أفعل] فإنما هي من زِلت، وزِلتُ من الياء".
ويستدل أيضاً على أن "زيلت": "فعلت" وليس بـ "فيعلت" أنهم قالوا في المصدر "تنزيلاً"، ولم يقولوا "زيلة"، فهذا دليل على ثان، وما قدمه من قولهم "زايلت: بارحت" دلالة على أن العين ياء وليست واواً، فـ "زال" هذا الذي هو "فَعِلَ" ومضارعه "يفعلُ": "يزالُ" غير متعد، يدلك على ذلك قولهم "زيلتُ"، و "زايلت" كجالست من جلست، و "زيلتُ" كخرجت من خرج.
ويدلك على هذا ما أنشده محمد بن يزيد.
سائل مجاور جرمٍ هل جنيتُ لهم... حرباً تُزيلُ بين الجيرة الخُلُطِ فهذا في المعنى قريب من "تفرق".
وقولنا في صفة القديم سبحانه "لم يزل" إنما هو "لم يفعل" من هذا الذي عينه ياء، وهو الذي فسره سيبويه بأن "ما زلت أفعل: ما برحت أفعل".
يدلك على ذلك أنه لا يخلو من أن يكون منها أو من "زال/ يزيل" أو من "زال يزول"، فلو كان من واحد منهما دونها لكان "لم يزل" و "لم يزل"، فبين إذاً أنه مما ذكر سيبويه وفسره بما يوجب، و "لم يزل" كلام معناه الإثبات.
وقال: "إن زال: برح"، فإذا أدخل حرف النفي نفى البراح، فعاد إلى الثبات وخلاف الزوال،

فمن ثم لم يجز "لم يزل زيدٌ إلا راكباً" كما لم يجز "ثبت زيدٌ إلا راكباً"؛ لأن معنى "مازال": "ثبت"، ومن ثم غلط من غلط ذا الرمة في قوله: حراجيج ما تنفك إلا مُناخةً... على الخسف، أو نرمي بها بلداً قفرا فأصل "زال" البراح الذي ذكره، ولا يمنع عندي أن يجوز الاقتصار على الفاعل فيه كما يجوز في "كان" إذا أريد به "وقع".
ويدل على هذا ما حكي في تصاريف هذه الكلمة من قوله "زيلت" و "زايلت" و "تُزيل بين الجيرة الخُلط"، ثم نقل إلى الأفعال التي تدل على الزمان مجردة من الحدث "كان" وبابه، فيلزمها الخبر ولا يجوز الاقتصار على فاعليها.
ورأيت أحد أهل النظر في كلام له قرئ علي يفصل بين "مازال" و "ما برِح" بأن يقول: إن "بَرِحَ" لا يستعمل في الكلام إلا أن يراد به البراح من المكان، فيذكر المكان أو الحدث للدلالة عليه.
وهذا الذي قاله في "لا يبرحُ" من أنه لا يستعمل إلا في المكان لا يصح، وقد جاء "لا أبرحُ"لم يرد به المكان، وذلك قوله تعالى ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرحُ حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ فـ "لا أبرح" هنا لا يجوز أن يراد به البراح من المكان،

بدلالة أنه قال ﴿حتى أبلغ﴾، ومحال حتى يبلغ هذا المكان وهو لم يبرح من مكانه، فإذا لم يخلُ "لا أبرح" من أحد معنيين في الآية، البراح من المكان، أو بمعنى "لا أزال"، ولم يخلُ حمله على "البراح" من المكان لما ذكرنا، ثبت أنه بمعنى "لا أزال"، فالمعنى: لا أزال حتى أبلغ، و "برِح" مثل "زال" في أنه استعمل مقتصراً به على الفاعل، ثم نقل إلى حيز الأفعال التي لا يستغنى بفاعليها كـ "كان"، وذلك نحو ما أريتك في الآية، ونحو قوله: فقلت: يمين الله أبرحُ قاعِداً... ولو ضربوا رأسي لديك وأوصالي وكأن الكلمة تدل في الآية على معنى المجاورة، ومن ثم قال: ......................... فأبرحت رباً، وأبرحت جارا أي: جاوزت ما يكون عليه أمثالُك في الخِلال المرضية.
وأما قول الأعشى: هذا النهار بدا لها من همها... ما بالُها بالليل زال زوالُها فإن محمد بن السري -رحمه الله- روى عن أبي العباس: يقال: "زلتُ الشيء وأزلته".
فهذا على هذا القول دعا عليها، كأنه قال: زال الله زوالها، كما تقول: أزال الله زوالها، هذا قول البصريين والكوفيين.
وقال أبو عثمان: "ارتحلت بالنهار، وأتاه طيفها بالليل، فقال: ما بالُها بالليل زال

خيالُها زوالها" كما تقول: "إنما أنت شُرب الإبل" والمعنى: تشربُ شُرباً مثل شُرب الإبل، فحذفت لعلم السامع.
وحكى أحمد بن يحيى عن أبي عمرو بن العلاء "زوالُها" بالرفع، قال: صادف مثلاً، فأعمله، وهي كلمة يدعى بها، فتركها ولم ينظر إلى القافية ما هي.
وعن أبي عبيدة: "زال زوالها" يريد: أزال الله زوالها، فألقى الألف، وإلقاؤها لغة.
الأصمعي: "لا أدري ما هذا".
قال أحمد بن يحيى: وقال غيره: زال ذلك الهم زوالها: دعا عليها أن يزول الهم معها حيث زالت.
والقول عندي فيه إنه "زال" التي هي "فعل" من الياء، من قولك: زال الشيء يزيلُه إذا مازُه، وتمييز الشيء من الشيء مفارقة كل واحد منهما للآخر، فكأنه قال: زال الله زوالها، والزوال: التصرف والحركة، فكأنه قال: أذهب الله حركتها، وهذا دعاء بالهلاك ومبالغة فيه؛ لأن الحركة تشمل جميع تصرف الحي وتقلبه، وقد دعوا في الهلاك بما هو أيسر من هذا في المعنى وإن كان المراد بهما واحداً، وهو قولهم: "أسكت الله نأمته"، والنئيم من التصويت، والصوت ضرب من الحركة.
ويجوز أن يكون المعنى في "زال زوالها" زال ذا زوالها، أي: صاحب

حركتها وهو هي في المعنى، ويكون "زال" أيضاً من المعتدي الذي ذكرناه.
وكذلك قول ذي الرمة: وبيضاء لا تنحاش منا، وأُمها... إذا ما رأتنا زيل منا زويلها يمكن أن يكون "الزويل" بمعنى "الزوال" مثل "الصحاح" و "الصحيح"، أو بناه على "فَعِيل" للمعاقبة؛ لأن الألف لا يترادف مع الياء كما تترادف الياء والواو في نحو "صُدُود" و "عَمِيد".
قال ابن الأعرابي: يقال لكل شيء "زائلة"، وأنشد: وكنت امرأً أرمي الزوائل مرةً... فأصبحت قد ودعن عني الزوائلُ كأنهم أنثوا "زائلة" على النفس أو الذات، وهو "فاعِلة" من "زالَ يزولُ".
ومثله في التأنيث لما أريد به البعض ما روي من قوله عليه السلام لبعض من تبعه وقد مال إلى دمث ليبول: "تنح فإن كل بائلةٍ تفيخ".
قال التوزي: "تُفيخ، وتفوخ، وتفيخ".

وأما "الزيال" في قول ابن مقبل: غنيت تواصلني فلما رابني... منها الهوى آذنتها بزيال فإنه كالقيام والصيام، وهو مصدر "زال" و "الزوال" كالطواف والقوام، وقد يكون "فعالاً" من "زايل" الذي هو: بارح.
وروى أبو بكر أن أحمد بن يحيى أملى عليهم عن الفراء: "لا أزيل أقول ذاك"، فإن كان ذلك مسموعاً ممن يؤخذ بلغته فهو مثل "نَقِمَ يَنْقُم" و "نَقَمَ ينقمُ"، و "زِيَل": "فُعِلَ" من "زال يزيلُ"، كأنه قال: إذا رأتنا بُعدت عنا حركتها، أو بعدُ صاحبُ حركتها، كما تأولنا في بيت الأعشى؛ لأن النعامة توصف بالشراد كثيراً، قال: ............................ وأشرد بالوقيط من النعام فإن قلت: ما تنكر أن يكون "زِيلَ" في بيت ذي الرمة "فَعِلَ" ولا يكون "فُعِلَ" لأن سيبويه قد حكى عن أبي الخطاب أن منهم من يقول: "كيذ زيدٌ يفعلُ، وما زيل يفعلُ، يريد: كاد، وزال"، فينقل حركة العين إلى الفاء في "فعِلَ" كما نقلها في "فُعِلَ".
قيل: قد حكى ذلك إلا أن قول ذي الرمة لا يكون على هذا؛ ألا ترى أن ذلك إنما حكوه في "زال" التي يلزمها الخبر المنتصب، ووزنه "فعِلَ يفعلُ" مثل "فرقَ يفرقُ"، والذي في بيت ذي الرمة وزنه "فعل" في الأصل، وإنما

هو "فُعِلَ" من زلته" الذي [هو] معناه: مزته؛ ألا ترى أنه مقتصر به على الفاعل، فلو كانت التي حكاها عن أبي الخطاب لزمها الخبر، وفيما حكاه يعقوب من قولهم "زلت الشيء أزيله" مقنعٌ في تعدي الفعل، والفعل إذا تعدى ساغ بناؤه للمفعول.
ويدلك على أن "زيل" في بيت ذي الرمة مما ذكرناه، أنه لا يخلو من أن يكون من "زال" المتعدية أو من أختيها الأخريين، فلا يجوز أن يكون من واحدة منهما لأنهما لا يتعديان فاعليهما، وإذا لم يتعدياهما لم يجز أن يبنى منهما فعل للمفعول به.
وأما قول ذي الرمة: حراجيج ما تنفك إلا مناخةً... على الخسف أو نرمي بها بلداً قفرا فالذي ذكره الأصمعي في ذلك أن يكون "مُناخةً" الخبر، وتكون "إلا" داخله عليه؛ لأنه: "ثبت إلا مناخةً"، فيكون على هذا التأويل من صلة الإناخة.
وقد يمكن أن لا يجعل من صلة الإناخة، ولكن تجعله "مُستقراً"، ويكون "إلا مناخة" حالاً، و "إلا" واقعة في غير موضعها، والتقدير: ما تنفك على الخسف إلا مناخةً.

فإن قلت: إن ما وقع "إلا" فيه في غير موضعها إنما أُخر ومعناه التقديم، كقوله ﴿إن نظن إلا ظناً﴾، [و]: ............................ وما اغتره الشيب إلا اغترارا قيل: إذاً جاز التقديم لأنه مثله في أنه واقع في غير موضعه.
ومعنى "إلا مُناخةً على الخسف" قال محمد بن يزيد: يقال: شرب فلانٌ الماء على الخسف، تأويله: أنه لا ثُفل في معدته، فالماء يهوي إلى قرارها.
وقالوا في هذا المعنى: هو شَرِبَ الماء بارداً.
وفي دعاء بعضهم: إن كُنتَ كاذباً فحلبت قاعِداً، وشربت بارِداً.
وقد قال بعض البغداديين فيه قولاً آخر، وهو أن يكون "تنفك" مضارع "فككته"، ومعنى "لا تنفك" أنها بعضها متصلة ببعض، إما بأن تقطر، أو بأن تصطحب للساري في السير، فـ "تنفك" بمنزلة "تنفصل"، كأنه قال: لا تنفصل إلا أن تُناخ على الخسف أو نرمي بها بلداً قفراً على غير الاستعمال لهن في السير، كما أن المعنى في الوجه الثاني: أنها لا تنفك على الخسف إلا أن تُناخ فتترك سيرها.
وقد قيل: إن بعضهم أنشد: "لا تنفك ألا مُناخةً"، والآل: الشخص، وجعله خبر "تنفك".
وأما قول الشاعر: ليس الفتى كلُّ الفتى... إلا الفتى في أدبه

فإنه ينشد على ضربين: "كلُّ الفتى" و "كل َّالفتى" كان صفة لـ "الفتى"، وموضع قوله "إلا الفتى" نصب بأنه الخبر، وتقديره: ليس الفتى الكاملُ إلا الأديب، والظرف متعلق بـ "فتى" لأن صفته معنى فعل.
ومن أنشد "كلَّ الفتى" أبدل قوله "إلا الفتى في أدبه" من "الفتى" الذي هو اسم "ليس"، فصار تقديره: ليس الكامل إلا الفتى الأديبُ، والمعنى في الأول: ليس الكاملُ إلا الأديب، فهذا تفسير أبي بكر.
وفي تقديم خبر "ليس" على اسمها خلاف، فذهب أبو الحسن إلى جواز تقديم خبرها عليها وحكى أن الكوفيين لا يجيزونه.
ولم يجز تقديمه محمد بن يزيد.
ومن الدليل على جواز تقديمه أن العوامل في المبتدأ وخبره على ضربين: فَعْل، ومُشبه بالفعل، ووجدنا ما لم يكن فِعلاً وكان مشبهاً به لا يجوز تقديم خبره على اسمه، ووجدنا الفعل قد جاز فيه هذا الذي امتنع في المشبه به من تقديم الخبر كما جاز عليه، فلما وجدنا "ليس" قد جاز فيه ما امتنع في غيره من تقديم الخبر، كما جاز ذلك في الفعل، وجب أن يجوز تقديم خبرها عليها من حيث جاز تقديم خبرها على اسمها، فكما جاز "ليس قائماً زيدٌ" بلا خلاف، كذلك جاز "قائماً ليس زيدٌ" كما جاز "قائماً كنت" لما جاز "كان قائماً زيدٌ"، ولما لم يجز تقديم أخبار "إن" وأخواها على أسمائها، كذلك

لم يجز تقديمها عليها، ويؤكد ذلك قوله ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم﴾؛ ألا ترى أن المعنى: لا يُصرف عنهم يوم يأتيهم، فإذا كان هذا الظاهر كان "يوم" معمول الخبر، والمعمول إنما يقع حيث يجوز وقوع العامل.
ومن امتنع من تقديم خبر "ليس" جعل الظرف معمول ليس، وكان له أن يقول: إذا كانت المعاني تعمل في الظروف إذا تقدمتها كقولهم "أكل يومٍ لك ثوبٌ"، جاز ذلك في "ليس" أيضاً؛ لأنها بالفعل أشبه منها به، فأجعل الظرف معمول "ليس"، وأعلقه بما يدل عليه "مصروف"، كما أن قوله ﴿يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين﴾ كذلك.
ولا يكون "ليس" مشتقاً لمشابهة الحروف، كما أن "ليت" لا يكون مشتقاً وإن كانوا قد قالوا "الليساء" للواسعة ما بين الجنبين من النُّوق، و "الأليس" للشجاع، كما قالوا "لاته السلطان حقه يليته ليتاً" إذا منعه، و "ألته يألته" كما أن سائر الحروف كذلك.
ومن زعم أن "ليس" أصله "لاأيس" قيل له: ما تريد بقولك: إن أصله هذا؟ أتريد أن تفيدنا الحروف التي ركبت منها هذه الكلمة، أم تريد أن معناها الآن بعد التركيب "لا أيس" كما أن معنى "ويلمها" إنما هو "ويلٌ لأمها"؟ فإن أردت إفادتنا الحروف فذلك ما لا طائل فيه؛ لأن هذه الكلمة إذا حصلت دالة على المعنى الذي وضعت له، فلا فائدة في تعريف الحروف

التي ركبت منها من أي شيء هي.
على أن ذلك لا تقوم عليه دلالة من جهة النظر، وأنه لا يجد فضلاً بين من قال إن اللام فيه من "ليس" والياء من "ينع" والسين من "مسه" وبينه، وحكم ما وقف المدعي له هذا الموقف أن يكون ساقطاً.
وإن قال: إن معنى "ليس" الآن: "لا أيس"، كان ظاهر الفساد، لأنه يصير على قوله اسماً منفياً، والأسماء المنفية نحو ﴿لا ريب﴾ و ﴿لا ملجأ﴾ لا تتصل بها علامة الضمير، وفي قولهم "ليسوا" و "ليسا" و "لستم" ونحو ذلك دلالةٌ على أنه ليس باسم منفي، ولا يكون على هذا مثل ما قاله الخليل في "لن" إنه "لا أن"؛ لأن معنى النفي ثم قائم، وعمل النصب في الفعل ظاهر، وقد كثر إضمار "أن" وإعمالها مضمرة في الأفعال، وليس الأمر في هذه الكلمة في من حملها على هذا الوجه كذلك.
وروى محمد بن السري عن أحمد بن يحيى: "جيء به من حيث وليسا" و "من حيث ليسا" وهي التي كانت المشيخة يستحبونها، ويقولون: لا يكون "من حيث وليسا" و "حيث لا" أكثر من كلام العرب من الذي كانوا يستحبون، و "من حيث ولا"، و "من حيث لا".
وأنشد عن ابن حبيب: قد سوأ الناس يا ما ليس بأس به... وأصبح الدهر ذو العلاتِ قد خدعا

خدع النوءُ: إذا نأى فلم يُمطر.
قال: ليس بأس به، فجعل "ليس" مثل "لا"، وبناها معها على الفتح، كما جعل "لا" بمنزلة "ليس" في قوله: ......................... لا مُستصرخُ

مسألة في تأويل أسماء كتاب الله تعال

ى القول في تأويل أسماء كتاب الله تعالى.
قد ثبت بقوله تعالى ﴿بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾، أن "القرآن" اسم لكتاب الله جل وعز، وهو اسم منقول، وأسماء المُسمين إذا كانت متمكنة فليس يخلو من أن تكون اسم جنس نحو "الرجل" و "العلم" و "الفرس" و "الجمل"، أو اسم واحد من الجنس نحو "رجل" و "درهم" و "أكلة" و "قومة"، أو اسماً مشتقاً للصفة من الأسماء التي هي عبارات عن الأحداث وما ينزل منزلته نحو "ضاربٍ" و "ظانٍ" و "حسنٍ" و "شديد"، أو علماً لواحد من جنس ليعرف به من سائر جنسه، أو ما جرى مجراه، وهذا الضرب يكون على أحد أمرين: إما أن يصاغ له اسم عند التسمية كقولهم "حيوة" و "موهب" و "موألة" في من أخذه من "وألت"، و "معدي كرب"، وإما أن يُسمى باسم منقول من بعض ما قدمنا نحو "أسد" و "حِمار" و "الحارث" و "العباس" و "زيد" و "فضل".
وقولنا "القرآن" من هذا الضرب؛ ألا ترى أن أبا عبيدة فسر قوله تعالى ﴿فاتبع قرآنه﴾ أي: جمعه، فيبن على هذا أنه اسم

منقول من اسم هذا الحدث، كما أن قولنا "زيد" اسم رجل منقول من مصدر "زاد يزيد".
فأما دخول لام التعريف فيه في حال النقل فإن الأسماء الأعلام على ضربين: أحدهما لا تدخله لام التعريف كـ "طلحة" و "عثمان" و "بكر" و "زيد"، وهذا هو القياس؛ لأنها قد تعرفت بتعليقها على ما سمي بها، واختصت من هذه الجهة، فأغنى ذلك عن التعريف باللام.
والآخر تدخله لام التعريف كـ "الحارث" و "العباس" و "القاسم".
ومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي سمي بها وفيها الألف واللام، أنها بمنزلة صفات غالبة كـ "النابعة" و "الصعق"، فلذلك تدخله الألف واللام.
ومن لم يرد هذا الوجه، وأراد الوجه الأول الذي هو تعريف العلم، قال "حارث" و "عباس" و "قاسم" كما قال "طلحة" و "بكر" و "زيد".
والدليل على صحة مذهب الخلي فيما وصفنا، وأن العرب أجرت هذا الضرب على مأخذ الخليل، قول الأعشى: أتاني وعيد الحوص من آل جعفرٍ... فيا عبد عمروٍ لو نهيت الأحاوصا فتكسيه الاسم على "الحُوص" يدلك على أنه ذهب به مذهب "الحارث" و "العباس"؛ ألا ترى أن "فُعلاً" إنما تُكسر عليه الصفات التي هي على "أفعل" دون الأسماء، نحو "أحمر" و "حُمر"، و "أسود" و "سُود"، ولو كان "أفعلُ" اسماً غير صفة لم يكسر على "فُعل".

وقوله "الأحاوصا" يدلك على أنه أجراه مجرى "حارث" و "عباس"؛ ألا ترى أنه كسره تكسير الأسماء نحو "أزمل" و "أزامل" و "أرمل" و "أرامل"، وعلى هذا قالوا "أبطح" و "أباطح" و "أدهم" و "أداهم"، فكسروه على "أفاعِل" حيث استعملت استعمال الأسماء، فكما جعلوه في التسكير مرة بمنزلة الصفة، ومرة بمنزلة الاسم الذي هو غير صفة، كذلك يكون في إلحاق لام التعريف به وترك الإلحاق، يكون على هذين المذهبين.
ومثلُ قول الأعشى "أتاني وعيدُ الحوص" ما أنشده الأصمعي: أحوى من العوج وقاح الحافر فـ "العوج" و "الحوص" على مذهب قول من قال "الحارث"، كُسرا تكسير الصفات غير الأسماء، كما أدخل لام التعريف على "العباس" من حيث جعل في المعنى: الذي يعبس، وإن كان قد غلب حتى أغنى عن تعريف العلم في المسمى كما أغنى "الصعق" و "النابغة" عن ذلك.
ويدل أيضاً على لحاق اللام في هذا الضرب للمعنى الذي ذكرنا، أن من قال "الحارث" و "العباس" لم يقل إذا سمى باسم جنس غير صفة بإلحاق لام التعريف؛ ألا

ترى أنهم لم يقولوا في رجل اسمه "ثور" أو "يربوع" أو "أسد": "الثور" ولا "الحجر" ولا نحو هذا.
فإن قلت: فقد قالوا "الفضل" في رجل اسمه "فضل".
فإنما ذلك لأنه على حد الصفة، كأنهم جعلوه عبارة عن الحدث الذي هو خلاف النقص من حيث جاز في "حسنٍ" أن يقصد بالتسمية ذلك، كما حسُن أن يقصد بـ "الحارث" و "العباس"، فدخلت اللام في هذا على حد دخولها في "الحارث" و "الصعق".
وعلى هذا دخلت في قولنا "القرآن".
فأما قول الشاعر: أما ودماءٍ لا تزال كأنها... على قنة العُزى وبالنسر عندما فقال "بالنسر".
وفي التنزيل ﴿ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾.
وما حكاه سيبويه من أنهم يقولون "هذا يوم اثنين مباركاً فيه" ويقولون أيضاً "يوم الاثنين"، وما حكاه أبو زيد، من قولهم: لقيته الندرى وندرى وفي الندرى وندرى، وفينة والفينة بعد الفينة، فليس من باب "الحارث" و "حارث"، ولكنه مما تعاقب عليه ضربان من التعريف مختلفان، وعلى هذا جاء "إلاهة" و "الإلاهة" في اسم الشمس.

وإن شئت قلت: إن اللام في نحو "النسر" زائدة، كما جاءت زائدة في قول الآخر: باعد أم العمرو من أسيرها وكقول الآخر، أنشده أحمد بن يحيى: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي وأنشد أبو عثمان عن الأصمعي: ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر وحكى عنه أنه قال: "الألف واللام فيه زائدتان".
ويجوز أن يكون قد اعتوره تعريفان مثل "فينة" و "الفينة".
ويجوز أن تجعله للتعريف على أن "أوبر" نكرة، وإنما امتنع من الصرف في قولهم "بنات أوبر" للوصف لا للتعريف؛ ألا ترى أن سيبويه قد أجاز في "ابن عِرْس" في قول من قال "هذا ابن عِرْسٍ مُقْبِلٌ" أن يكون نكرة، فكذلك يكون "أوبر" نكرة على هذا الحد، ثم يتعرف باللام.

فأما [ما] في التنزيل من قوله ﴿واليسع﴾ فقد تكون اللام فيه زائدة؛ لأن نحو "يزيد" و "يشكر" و "تغلب" إذا جعلت أعلاماً لم تدخلها اللام كما تدخل "الحارث".
ومن قال ﴿الليسع﴾ أمكن أن يكون من باب "الحارث" لأنه على ألفاظ الصفة كـ "الضيغم" و "الجيدر"، وإن كان أعجمياً في هذا الوجه أيضاً فالأشبه أن تكون زائدة؛ لأن الأعجمية تلحق هذه اللام شيئاً منها.
ومما يقوي زيادة هذه اللام أن أبا الحسن حكى أنهم يقولون "الخمسة العشر درهماً".
فاعلم أن لام المعرفة لا تخلو من اربعة أضرب: أحدها أن تكون تعريفاً للجنس.
الآخر: أن تكون تعريفاً للواحد من الجنس.
والثالث: أن تكون تعريفاً للإشارة إلى حاضر.
والرابع: أن تكون زائدة.
فأما كونها تعريفاً للجنس فكقولك "الملك أفضل من الإنسان" و "أهلك الناس الدينار والدرهم"، وفي التنزيل ﴿إن الإنسان خلق هلوعا﴾ ثم قال ﴿إلا المصلين﴾، فدل استثناء الجماعة منه على أن المراد به الكثرة والعموم لامتناع استثناء الجماعة من الواحد.
وهذه الإشارة في أسماء الأجناس إنما هي إلى ما في عقول الناس وأفهامهم من معرفة الجنس، وليس على حد الإشارة إلى الواحد من الجنس الذي عرف حساً كقولنا "الرجل"

ونحن نعني به واحداً بعينه مخصوصاً بعهد لنا به؛ ألا ترى أن جميع الجنس لا يعلمه أحد من الناس من هذا الوجه كما نعلم من هذه الجهة الواحد من الجنس، فإذا كان كذلك تبين أن الجنس لم يعلم من حيث عُلم الآحاد منه.
وأما ما كان تعريفاً بالإشارة إلى حاضر فنحو "مررت بهذا الرجل" و ﴿يا أيها الإنسان﴾.
و [أما] الزيادة فنحو ما حكي من قولهم "الخمسة العشر درهماً"، فاللام في "العشر" لا تكون إلا زائدة؛ لأن "خمسة عشر" اسمان جعلا اسماً واحداً، فإن جعلت اللام الثانية غير زائدة لم تخل من أحد أمرين: إما أن تعرف بعض الاسم، أو تعرفه بتعريفين، ولا يجوز تعريف بعض الاسم، كما لا يجوز أن تعرفه بتعريفين، وإذا لم تخل من أحد هذين، ولم يجز واحد منهما ثبت أنها زائدة.
وتأول أبو الحسن ﴿اللات﴾ في قول الله تعالى ﴿أفرأيتم اللات والعُزى﴾ أن الألف واللام فيه زائدتان.
والدليل على صحة ذلك -عندي- أنه اسم علم، والأعلام لا تدخلها لام المعرفة إلا على حد ما دخلت في "الحارث" و "العباس" و "الفضل"، وليس "اللات" من واحد من هذين القبيلين، فإذا لم تكن منهما، ولم تدخل الأعلام اللام إلا على هذا الحد، ثبت أنه زيادة.
فأما قوله تعالى {لا تحرك به لسانك لتعجل به.
إن علينا جمعه

وقرآنه.
فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} فقال أبو الحسن: كان يحرك به لسانه ليستذكره، فقال ﴿لا تحرك به لسانك﴾ إنا سنحفظه عليك.
وهذا - والله أعلم- في المعنى مثل قوله ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه﴾.
ومثله ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكثٍ﴾.
ومثله ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾ أي: مما يرفع تلاوته للنسخ.
وليس المراد بقوله ﴿جمعه وقرآنه﴾ القرآن الذي هو اسم التنزيل، ولكنه المصدر المنقول عنه هذا الاسم.
ويدل على ذلك أن الضمير المضاف إليه هذا المصدر هو ضمير للتنزيل، وإنما أضمر في قوله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك﴾ وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر في قوله تعالى ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ لذلك، وإن كان أول سورة، ولم يجر له في هذا الكلام ذكر، ومثل هذا كثير في التنزيل وغيره.
وإذا كان هذا الذكر

المضاف إليه المصدر في قوله ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ راجعاً إلى التنزيل، ثبت أن المصدر لا يكون عبارة عنه لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه؛ ألا ترى أنك لا تقول "رجلُ زيدٍ" وأنت تعني بـ "رجل" زيداً نفسه، وإنما أضيف المصدر إلى المفعول ههنا، ولم يذكر الفاعل كما أضيف إليه في قوله ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير﴾ و ﴿بسؤال نعجتك﴾، والمعنى: من دعائه الخير، وبسؤاله نعجتك، فكما أن المعنى في قوله تعالى ﴿من دعاء الخير﴾ إنما هو: من دعائه الخير، كذلك المعنى: قرآننا إياه، وجمعنا إياه.
وكذلك في التقدير في قوله ﴿فاتبع قرآنه﴾.
فإن قال قائل: فإذا كان تأويل قوله ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ مجازه في قول أبي عبيدة: تأليف بعضه إلى بعض، وكان قوله ﴿فاتبع قرآنه﴾ تأويله: وجمعه، فكيف ساغ أن يتكرر على تأويله لفظان لمعنى واحد؟ وهل يحسن على هذا: إن علينا جمعه وجمعه، و: إن علينا قرآنه وقرآنه؟ قيل: إن الآية على نظم ليس يدخل معه هذا السؤال؛ لأن لقولنا "الجمع" نحواً من الاتساع في التصرف ليس لقولنا "قرآن"، ألا ترى أنك تقول

"جمعت الناس" و "أجمعت الرأي" وفي التنزيل ﴿جامع الناس﴾ وفيه ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾.
ولو قلت: قرأت الناس، وقرأت الرأي على هذا/ الحد لم يُسغ، فلما دخل قولنا "القرآن" هذا الاختصاص الذي دخله حسن التكرير، كما أنك إذا قلت: أعلمت زيداً وأنذرته حسن ذلك، ولم يكن بمنزلة قولك "أعلمت زيداً أعلمته" لاختصاص الإنذار بمعنى التخويف المتعري منه "أعلمت"؛ ألا ترى أن كل مُنذرٍ مُعلمٌ وإن لم يكن كل مُعلمٍ مُنذراً، فكما أن الإنذار أخصُّ من الإعلام، فكذلك "قرأت" أخص من "جمعت"، كما أن "ضممت" أخص منه، [و] إذا كان المعنى الواحد إذا جاء بلفظين مختلفين قد جاء واستجيز استعمالهما نحو "أقوى" و "أقفر"، فهذا النحو الذي يختص فيه إحدى الكلمتين بمعنى ليس في الأخرى أجدر أن يُستحسن وأولى أن يُستعمل.
فإن قال قائل: فما تُنكر أن يكون ما تأولناه في قول ابن عباس في قوله تعالى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾: "إذا بيناه لك بالقراءة فاعمل بما بيناه لك بالقراءة".
أولى من قول قتادة وأبي عُبيدة في قوله تعالى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾: "إنه حفظه وتأليفه" بدلالة أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في غير آية من تنزيله باتباع ما أُوحي إليه، ولم يُرخص له في ترك اتباع

شيء من أمره إلى وقت تأليفه القرآن له، ولو وجب أن يكون معنى قوله ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾: فإذا ألفناه فاتبع ما ألفناه لك فيه، لوجب أن لا يكون كان لزمه فرض ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، ولا فرض ﴿يا أيها المدبر قم فأنذر﴾ قبل أن يؤلف ذلك إلى غيره من القرآن، وذلك - إن قاله قائل- خروج من قول أهل الملة.
فالقول: إن هذا الذي ذكره السائل لا يلزم له أن يكون التأويل الذي ذكره أولى من قول قتادة، وذلك أن قوله ﴿يا أيها المدير قم فأنذر﴾ و ﴿اقرأ باسم ربك﴾ قرآن في الاسم والحكم، وإذا كان كذلك كان داخلاً تحت قوله تعالى ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ قبل أن يُضم إلى غيره، كما أنه بعد ذلك واقع تحته.
على أن قوله تعالى ﴿فإذا قرأناه﴾ لا يدل على أنه إذا لم يجمع إلى غيره؛ ألا ترى أنه قد جاء ﴿فإن لم يكونا رجُلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾، وقال ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ ولو وجد رجلين فعداهما وعدل عنهما مع وجوده لهما، وأشهد رجلاً وامرأتين، لكان ذلك جائزاً له غير مضيق عليه.
فكذلك نحو قوله ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ و ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ لا يلزمك ألا يجب اتباعه قبل أن يضم إليه غيره من الآي، وإن كان قد جاء ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾.
فإذا كان كذلك ثبت صحة قول قتادة وما تأوله أبو عبيدة من قوله ﴿فاتبع قرآنه﴾: إنما هو جمعه لما استشهد به على ذلك من قولهم: "ما قرأت هذه الناقة سلى

قط"، وبيت عمرو بن كلثوم.
على أن حمله على "القراءة" لا يخرج من تأويل أبي عبيدة لموافقته له في المعنى ألا ترى أن القارئ بقراءته متبع الحروف بعضه بعضاً، فهو كالضام بعضه إلى بعض.
فأما قول الشاعر: ضحوا بأشمط عنوان السجود به... يُقطع الليل تسبيحاً وقرآنا فإنه يحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون المعنى يُقطع الليل تسبيحاً وقراءة قرآنٍ، فحذف القراءة، وأقام القرآن مقامها، كما أن قوله تعالى ﴿وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾ أي: في خلقكم، كما أن قوله ﴿فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يُسارعون فيهم﴾ أي: في اتباعهم، أو: في

نصرهم، و ﴿إلا كنفسٍ واحدةٍ﴾ أي: كخلق نفسٍ واحدة، وهذا واسع فاشٍ.
وعلى هذا قوله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك﴾ أي: بتلاوته ﴿لتعجل به﴾ أي: بتلاوته.
ومثل ذلك قول زهير: القائد الخيل منكوباً دوابرُها... قد أُحكمت حكماتِ القِدِّ والأبقا أي: أُحكمت حكمات القِد وحكمات الأبق، والأبق: الكتان، زعموا.
وقال أمية: وترى شياطيناً ترُوغُ مُضافةً... ورواغُها ضمنٌ إذا ما تُطردُ المعنى: قدر رواغها.
وقد كثر هذا الحذف فيما لا يلبس، حتى قد استجازت الشعراء ذلك فيما أدى حذفه إلى الإلباس، أنشدنا محمد بن السري عن محمد بن زيد لكثير في ابن الحنفية: تُخبر من لاقيت أنك عائذٌ... بك العائذُ المحبوسُ في سجنِ عارمِ

وصي النبي المصطفى وابن عمه... وفكاكُ أعناقٍ، وقاضي مغارمِ إنما يريد: ابن وصي النبي وابن عمه.
وقد جاء أبيات غير هذا أُخر.
ويجوز أن يكون جعل "قرآناً" مصدراً لـ "قرأت" ولا يكون هذا الذي هو اسم التنزيل، كأنه قال: "تسبيحاً وقراءة".
وزعم بعض أهل التأويل أن "القرآن" من قرنت الشيء بالشيء.
وهذا سهو منه، وذلك أن لام الفعل من "قرأت" همزة، ومن "قرنت" نون، فالنون في "قرآن" لست كالذي في "قرن"؛ لأنها في "قرآن" زائدة، وفي "قرن" لام الفعل.
ونُرى أن الذي أشكل هذا عليه من أجله هو أنه إذا خففت الهمزة من "قرآن" حذفت، وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها، فصار لفظ "قرآن" إذا كان مخفف الهمزة كلفظ "فُعال" من "قرنت" وليس هو مثله؛ ألا ترى أنك لو سميت رجلاً بـ "قُران" مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة، كما لا تصرف "عُثمان" اسم رجل، ولو سميته بـ "قران" وأنت تريد به "فُعالاً" من "قرنت" لانصرف في المعرفة والنكرة.
وأما قوله تعالى ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكثٍ﴾ فهو عبارة عن التنزيل، وليس كقوله ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ لمكان قوله ﴿لتقرأه على الناس على مكثٍ﴾ وكذلك قوله تعالى ﴿قرآناً عربياً غير ذي عوجٍ﴾ هو حال من (القرآن) في قوله ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثلٍ﴾، ولا يمتنع أن يُنكر ما جرى في

جارٍ التحميل