كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صالح الفوزان
- الكتاب
- الملخص الفقهي
- المؤلف
- صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
- الناشر
- دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب في أحكام النكاح
وهذا الموضوع له أهمية بالغة، جعلت الفقهاء يجعلون له في مصنفاتهم مكانا رحبا، يفصلون فيه أحكام، ويوضحون فيه مقاصده وآثاره؛ لأنه مشروع في الكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع﴾ ، ولما ذكر النساء التي يحرم التزوج منهن؛ قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ . والنبي صلى الله عليه وسلم حث على الزواج ورغب فيه، فقال:: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج"، وقال صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا الودود الولود فإني
مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".
والنكاح يترتب عليه مصالح عظيمة:
منها: بقاء النسل البشري، وتكثير عدد المسلمين وإغاظة الكفار بإنجاب المجاهدين في سبيل الله والمدافعين عن دينه.
ومنها: إعفاف الفروج، وإحصانها، وصيانتها من الاستمتاع المحرم الذي يفسد المجتمعات البشرية.
ومنها: قيام الزوج على المرأة بالرعاية والإنفاق؛ قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ .
ومنها: حصول السكن والأنس بين الزوجين، وحصول الراحة النفسية؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ .
ومنها: أنه حماية للمجتمعات البشرية من الوقوع في الفواحش والخلقية التي تهدم الأخلاق وتقضي على الفضيلة.
ومنها: حفظ الأنساب، وترابط القرابة والأرحام بعضها ببعض، وقيام الأسر الشريفة التي تسودها الرحمة الصلة والنصرة على الحق
ومنها: الترفع ببني الإنسان عن الحياة البهيمية إلى الحياة الإنسانية الكريمة.
إلى غير ذلك من المصالح العظيمة التي تترتب على النكاح الشرعي الشريف النظيف القائم على كتاب الله وسنة رسوله.
والنكاح عقد شرعي يقتضي حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن عوان عندكم، استحللتم فروجهن بكلمة الله".
وعقد النكاح ميثاق بين الزوجين؛ قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ؛ فهو عقد يوجب على كل من الزوجين نحو الآخر الوفاء بمقتضاه؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ .
ويباح لمن عنده المقدرة والأمن من الحيف أن يتزوج بأكثر من واحدة؛ قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ، والعدل المطلوب هنا هو: العدل المستطاع، وهو التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة والمسكن والمبيت.
وإباحة تعدد الزوجات من محاسن هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان؛ لما فيه من المصالح العظيمة للرجال والنساء والمجتمعات:
لأنه من المعلوم كثرة عدد النساء عن عدد الرجال مع ما يعتري الرجال من الأخطار التي تقلل عددهم؛ كأخطار الحروب والأسفار، مما ينقرض معه كثرة الرجال، ويتوفر به عدد النساء، فلو قصر الرجل على واحدة؛ تعطل كثير من النساء.
وكذلك معروف ما يعتري المرأة من الحيض والنفاس، فلو منع الرجل من التزوج بأخرى؛ لمرت عليه فترات كثيرة يحرم فيها من المتعة والإنجاب.
ومعروف أن الاستمتاع بالمرأة استمتاعا كاملاً ومثمرًا ينتهي ببلوغها سن اليأس، وهو بلوغ الخمسين من عمرها؛ بخلاف الرجل؛ فإنه يستمر صلاحيته للاستمتاع والإنجاب إلى سن الهرم، فلو قصر على واحدة؛ لفات عليه خير كثير، وتعطل عنده منفعة الإنجاب والنسل.
إضافة إلى أنه كان من المعلوم أن عدد النساء يزيد على عدد الرجال في غالب المجتمعات البشرة؛ فإن قصر الرجل على امرأة واحدة يترك كثيرًا من النساء لا عائل لهن، وبالتالي يفضي هذا إلى الفساد الخلقي، وضياع كثير من النساء، أو حرمانهن من متعة الحياة وزينتها.
والحكم البالغة في إباحة تعدد الزوجات كثيرة؛ فقاتل الله من يحاول سد الطريق وتعطيل هذه المصالح.
والنكاح من حيث الحكم الشرعي على خمسة أنواع:
تارة يكون واجبا، وتارة يكون مستحبا، وتارة يكون حراما، وتارة يكون مكروها:
فيكون النكاح واجبا على من يخاف على نفسه الزنى إذا تركه؛ لأنه طريق لإعفاف نفسه من الحرام، وفي هذه الحالة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإن احتاج الإنسان إلى النكاح، وخاف العنت بتركة؛ قدمه على الحج الواجب".
وقال غيره: "يكون له أفضل من الحج التطوع والصلاة والصوم والتطوع".
قالوا: ولا فرق في هذه الحالة بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه.
قال الشيخ تقي الدين: "ظاهر كلام أحمد والأكثرين عدم اعتبار الطول؛ لأن الله وعد عليه الغنى بقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح وما عنده شيء، ويمسي وما عنده من شيء، وزوج رجلا لم يقدر على خاتم من حديد".
ويستحب النكاح مع وجود الشهوة وعدم الخوف من الزنى؛ لاشتماله على مصالح كثيرة للرجال والنساء.
ويباح النكاح مع عدم الشهوة والميل إليه؛ كالعنين والكبير، وقد يكون مكروها في هذه الحالة؛ لأنه يفوت على المرأة الغرض الصحيح من النكاح، وهو إعفافها، ويضِرُّ بها.
ويحرم النكاح على المسلم إذا كان في دار كفار حربيين؛ لأنه فيه تعريضا لذريته للخطر واستيلاء الكفار عليهم، ولأنه لا يأمن على زوجته منهم.
ويسن نكاح المرأة الدينة ذات العفاف والأصل الطيب؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين، تربت يداك"، متفق عليه.
وقد ورد النهي عن نكاح المرأة لغير دينها؛ قالصلى الله عليه وسلم: "لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يرديهن، ولا لمالهن فلعله يطغيهن، وانكحوهن للدين".
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على اختيار البِكر، فقال لجابر رضي الله عنه: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" متفق عليه.
ولما في زواج البكر من الألفة التامة؛ حيث لم يسبق لها التزوج بمن قد يكون قلبها متعلقا به؛ فلا تكون حاجتها للزوج الأخير تامة.
ويسن اختيار الزوجة الولود؛ أي: بأن تكون من نساء يعرفن
بكثرة الأولاد؛ لحديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"، رواه النسائي وغيرهن وجاء بمعناه أحاديث.
وحكم التزوج يختلف باختلاف حال الشخص وقدرته الجسمية والمالية واستعداده لتحمل مسؤوليته:
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم الشباب على الزواج المبكر؛ لأنهم أحوج إليه من غيره؛ قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج، ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء"، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
و"الباءة": قيل: هي الجماع، وقيل: هي مؤن النكاح، ولا تنافي بين القولين؛ لأن التقدير من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح.
وقوله "أغض للبصر" أي: أدفع لعين المتزوج عن النظر إلى الأجنبية.
وقوله "أحصن للفرج" أي: أشد منعا وحفظا له من الوقوع في الفاحشة.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يستطع" أي: لا يقدر على النكاح ومؤنه.
"فعليه بالصوم" أي: يتخذ الصوم علاجا بديلاً.
"فإنه له وجاء" أي: يدفع الشهوة ويجنبه خطرها كما يقطعها الوجاء، وهو الاختصاء؛ لأن الصائم بتقليل الطعام والشراب يحصل له انكسار الشهوة، ويحصل له شعور خاص في حال الصيام من خشية الله وتقواه؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
فأمر صلى الله عليه وسلم بمقاومة الشهوة واتقاء خطرها بأمرين مرتبين:
الأمر الأول: الزواج عند المقدرة عليه.
والثاني: الصيام لمن لم يقدر على الزواج؛ مما يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يترك نفسه في مدارج الخطر.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
باب في أحكام الخطبة
قال عليه الصلاة والسلام: "إذا خطب أحدكم امرأة؛ فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها؛ فليفعل"، رواه أحمد وأبو داود، وفي حديث آخر: "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
فدل ذلك على الإذن في النظر إلى ما يظهر من المخطوبة غالبا، وأن يكون ذلك من غير علمها، ومن غير خلوة بها.
قال الفقهاء: "ويباح لمن أراد خطبة امرأة وغلب على ظنه إجابته: نظر ما يظهر غالبا، بلا خلوة، إن أمن من الفتنة" انتهى.
وفي حديث جابر: "فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى نكاحها".
فدل ذلك على أنه لا يخلو بها، ولا تكون هي عالمة بذلك، وأنه لا ينظر منها إلا ما جرت العادة بظهوره من جسمها، وأن هذه الرخصة تختص بمن غلب على ظنه إجابته إلى تزوجها، فإن لم يتيسر النظر إليها؛ بعث إليها امرأة ثقة تتأملها ثم تصفها له؛ لما روى: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أم سليم تنظر امرأة"، رواه أحمد.
ومن استشير في خاطب أو مخطوبة؛ وجب عليه أن يذكر ما فيه من مساوي وغيرها، ولا يكون ذلك من الغيبة.
ويحرم التصريح بخطبة المعتدّة؛ كقوله: أريد أن أتزوجك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ؛ فأباح التعريض في خطبة المعتدة، وهو أن يقول مثلاً: إني في مثلك لراغب، أو: لا تفوتيني بنفسك؛ فدل ذلك على تحريم التصريح؛ كقوله: أريد أن أتزوجك؛ لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح؛ فلا يؤمن أن يحملها الحرص على أن تخير بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
قال الإمام ابن القيم: "حرم خطبة المعتدة صريحا، حتى حرم ذلك في عدة الوفاة، وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة؛ فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة، والكذب في انقضاء عدتها، وتباح خطبة المعتدة تصريحا وتعريضا لمطلقها طلاقا بائنا دون
الثلاث؛ لأنه يباح له نكاحها في عدتها".
قال الشيخ تقي الدين: "يباح التصريح والتعريض من صاحب العدة فيها إن كان ممن يحل له التزوج بها في العدة".
وتحرم خطبته على خطبة أخيه المسلم؛ فمن خطب امرأة، وأجيب إلى ذلك؛ حرم على غيره خطبتها، حتى يأذن بذلك أو يرد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك"، رواه البخاري والنسائي، وروى مسلم: "لا يحل للمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر"، وفي حديث ابن عمر: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"، متفق عليه، وللبخاري: "لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له".
فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على تحريم خطبة المسلم على خطبة أخيه، والتعدي على حقوقهم، فإن رد الخاطب الأول، أو أذن
للخاطب الثاني، أو ترك تلك المرأة؛ جاز للثاني أن يخطب تلك المرأة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى يأذن أو يترك"، وهذا من حرمة المسلم، وتحريم التعدي عليه.
وبعض الناس لا يبالي، فيقدم على خطبة المرأة، وهو يعلم أنه مسبوق إلى خطبتها، وأنها قد حصلت الإجابة، فيعتدي على حق أخيه، ويفسد ما تم من خطبته، وهذا محرم شديد التحريم، وحري بمن أقدم على خطبة امرأة هو مسبوق إليها مع إثمه الشديد أن لا يوفق وأن يعاقب.
فعلى المسلم أن يتنبه لذلك، وأن يحترم حقوق إخوانه المسلمين؛ فإن حق المسلم على أخيه المسلم عظيم، لا يخطب على خطبته، ولا يبيع على بيعه، ولا يؤذيه بأي نوع من الأذى.
باب في عقد النكاح وأركانه وشروطه
يستحب عند إرادة عقد النكاح تقديم خطبة قبله تسمى خطبة ابن مسعود يخطبها العاقد أو غيره من الحاضرين، ولفظها: "إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، رواه الخمسة، وحسنة الترمذي.
ويقرأ بعد هذه الخطبة ثلاث آيات من كتاب الله:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ .
الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ .
وأما أركان عقد النكاح فهي ثلاثة
الركن الأول: وجود الزوجين الخاليين من الموانع التي تمنع صحة النكاح؛ بأن لا تكون المرأة مثلاً من اللواتي يحرمن على هذا الرجل بنسب أو رضاع أو عدة أو غير ذلك، ولا يكون الرجل مثلاً كافراً والمرأة مسلمة ... وغير ذلك من الموانع الشرعية التي سنبينها إن شاء الله.
الركن الثاني: حصول الإيجاب، وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه؛ بأن يقول للزوج: زوجتك فلانة أو أنكحتكها
الركن الثالث: حصول القبول، وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه؛ بأن يقول: قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، ولا يقتصر على لفظ الإنكاح والتزويج
ووجهة نظر من قصره على لفظ الإنكاح والتزويج: أنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿فلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، لكن ذلك في الواقع لا يعني الحصر في هذين اللفظين.
والله أعلم.
وينعقد النكاح من أخرس بكتابة أو إشارة مفهومة.
وإذا حصل الإيجاب والقبول؛ انعقد النكاح، ولوكان المتلفظ هازلاً لم يقصد معناه حقيقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هزلهن جد، وجدهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة"، رواه الترمذي.
وأما شروط صحة النكاح؛ فهي أربعة:
الشرط الأول: تعيين كل من الزوجين؛ فلا يكفي أن يقول: زوجتك ابنتي؛ إذا كان له عدة بنات، أو يقول: زوجتها ابنك، وله عدة أبناء، ويحصل التعيين بالإشارة إلى المتزوج، أو تسميته، أو وصفه بما يتميز به.
الشرط الثاني: رضى كل من الزوجين بالآخر؛ فلا يصح إن أكره أحدهما عليه؛ لحديث أبي هريرة: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن"، متفق عليه؛ إلا الصغير منهما الذي لم يبلغ والمعتوه؛ فلوليه أن يزوجه بغير إذنه.
الشرط الثالث: أن يعقد على المرأة وليها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي"، رواه الخمسة إلا النسائي، فلو زوجت المرأة نفسها بدون وليها؛ فنكاحها باطل؛ لأن ذلك ذريعة إلى الزنى، ولأن المرأة قاصرة النظر عن اختيار الأصلح لها، والله تعالى خاطب الأولياء بالنكاح، فقال
تعال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.
وولي المرأة هو: أبوها، وصيه فيها، ثم جدها لأب وإن علا، ثم ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا، ثم أخوها لأبوين، ثم أخوها لأب، ثم بنوهما، ثم عمها لأبوين، ثم عمها لأب، ثم بنوهما، ثم أقرب عصبتها نسبا؛ كالإرث، ثم المعتق، ثم الحاكم.
الشرط الرابع: الشهادة على عقد النكاح؛ لحديث جابر مرفوعا: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"؛ فلا يصح إلا بشاهدين عدلين.
قال الترمذي: "العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين وغيرهم؛ قالوا: لا نكاح إلا بشهود، ولم يختلف في ذلك من مضى منهم؛ إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم".
باب في الكفاءة النكاح
الكفاءة لغة: المساواة والمماثلة.
والمراد بها هنا: المساواة بين الزوجين في خمسة أشياء:
أحدها: الدين؛ فلا يكون الفاجر والفاسق كفء العفيفة العدل؛ لأنه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيته.
الثاني: المنصب، وهو النسب؛ فلا يكون العجمي وهو من ليس من العرب كفء العربية.
الثالث: الحرية؛ فلا يكون العبد ولا المبعَّض كفء الحرة؛ لأنه منقوص بالرق.
الرابع: الصناعة؛ فلا يكون صاحب صناعة دنيئة كالحجام والحائك كفء بنت من هو صاحب صناعة جليلة كالتاجر.
الخامس: اليسار بالمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة؛ فلا يكون المعسر كفء الموسرة؛ لأن عليها ضررًا في إعساره؛ لإخلاله بنفقتها.
فإذا اختلف أحد الزوجين عن الآخر في واحد من هذه الأمور الخمسة؛ فقد انتفت الكفاءة، وذلك لا يؤثر على صحة النكاح؛ لأن الكفاءة ليست شرطا في صحته؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد، فنكحها بأمره، متفق عليه، ولكن تكون الكفاءة شرطا للزوم النكاح فقط؛ فلو زوجت امرأة بغير كفئها؛ فلمن لم يرض بذلك من المرأة أو أوليائها فسخ النكاح؛ لأن رجلاً زوج بنته من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها الخيار، وبعض العلماء يرى أن الكفاءة شرط لصحة النكاح، وهو رواية عن أحمد.
قال الشيخ تقي الدين: "الذي يقتضيه كلام أحمد أن الرجل إذا تبين له أنه ليس بكفء؛ فرق بينهما ليس للولي أن يزوج المرأة من غير كفء، ولا للزوج أن يتزوج، ولا للمرأة أن تفعل ذلك، وأن الكفاءة ليست بمنزلة الأمور المالية مثل مهر المرأة: إن أحبت المرأة والأولياء طلبوه وإلا تركوه ولكنه أمر ينبغي لهم اعتباره" انتهى.
باب في المحرمات في النكاح
المحرمات في النكاح قسمان:
القسم الأول: اللاتي يحرمن تحريما مؤبدًا.
وهن أربع عشرة: سبع يحرمن بالنسب، وسبع يحرمن بالسبب، وهن المذكورات في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾ الآيتين.
أولاً: اللاتي يحرمن بالنسب، وبيانهن كما يلي:
الأم والجدة؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ .
والبنت، وبنت الابن، وبنت البنت، وبنت الابن؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ .
والأخت؛ شقيقة كانت، أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ .
وبنت الأخت وبنت ابنها وبنت بنتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ .
وبنت الأخ وبنت الأخ وبنت ابنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ .
والعمة والخالة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ .
الملاعنة على الملاعن؛ لما روى الجوزجاني عن سهل بن سعد؛ قال: " مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا".
قال الموفق: " لا نعلم أحدًا قال بخلاف ذلك".
ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب من الأقسام السابقة؛ فكل امرأة حرمت بالنسب من الأقسام السابقة؛ حرم مثلها بالرضاع؛ كالأمهات والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، متفق عليه.
وتحرم بالعقد زوجة أبيه وزوجة جده؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ .
وتحرم زوجة ابنه وإن نزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُم﴾ .
وتحرم عليه أم زوجته وجداتها بمجرد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ .
وتحرم بنت الزوجة وبنات أولادها إذا دخل بالأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ .
هذا؛ ويناسب أن نقرأ الآية الكريمة متصلة بعد أن بينا ما ذكر فيها من أنواع المحرمات من النساء في النكاح؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ .
القسم الثاني: ما كان تحريمه منهن مؤقتا.
وهو نوعان:
النوع الأول: ما يحرم من أجل الجمع.
فيحرم الجمع بين الأختين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ، وكذا يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبين
المرأة وخالتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها"، متفق عليه، وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة في ذلك حين قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم إذا فعلتم ذلك؛ قطعتم أرحامكم"،وذلك لما يكون بين الضرائر من الغيرة، فإذا كانت إحداهما من أقارب الأخرى؛ حصلت القطيعة بينهما، فإذا طلقت المرأة وانتهت عدتها؛ حلت أختها وعمتها وخالتها؛ لانتفاء المحذور.
ولا يجوز أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة؛ لقوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من تحيه أكثر من أربع لما أسلم أن يفارق ما زاد عن أربع.
النوع الثاني: ما كان لعارض يزول.
فيحرم تزوج المعتدة من الغير؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه﴾ ، ومن الحكمة في ذلك أنه لا يؤمن أن تكون حاملاً، فيفضي ذلك إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب.
ويحرم تزوج الزانية إذا علم زناها حتى تتوب وتنقضي عدتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
ويحرم على الرجل أن يتزوج من طلقها ثلاثا حتى يطأها زوج غيره بنكاح صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ ؛ يعني: الثالثة؛ ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ .
ويحرم تزوج المحرمة حتى تحل من إحرامها.
وكذا لا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح على امرأة وهو محرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب"، رواه الجماعة إلا البخاري.
ولا يحل أن يتزوج كافر امرأة مسلمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ .
ولا يتزوج المسلم امرأة كافرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ؛ إلا الحرة الكتابية، فيجوز للمسلم أن يتزوجها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ؛ يعني: حل لكم، وتكون هذه الآية مخصصة لعموم الآيتين السابقتين في تحريم نكاح الكافرات على المسلمين، وقد أجمع أهل العلم على ذلك.
ويحرم على الحر المسلم أن يتزوج الأمة المسلمة؛ لأن المسلمة؛ لأن ذلك يفضي إلى استرقاق أولادة منها؛ إلا إذا خاف على نفسه من الزنى، ولم يقدر على مهر الحرة أو ثمن الأمة، فيجوز له حينئذ تزوج الأمة المسلمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُم﴾ .
ويحرم على العبد أن يتزوج سيدته للإجماع، ولأنه يتنافى كونها سيدته مع كونه زوجها؛ لأن لكل منهما أحكام.
ويحرم على السيد أن يتزوج مملوكته؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح، ولا يجتمع عقد مع ما هو أضعف منه.
والوطء بملك اليمين حكمه حكم الوطء في العقد فيما سبق إلى أمد، فمن حرم وطؤها بعقد كالمعتدة والمحرمة والمطلقة ثلاثا؛ حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأن العقد إذا حرم لكونه طريقا إلى الوطء؛ فلأن يحرم الوطء من باب أولى.
باب في الشروط النكاح
المراد بالشروط في النكاح: ما يشرطه أحد الزوجين في العقد على الآخر مما له فيه مصلحة.
ومحلها ما كان في العقد أو اتفقا عليه قبله.
وهي تنقسم إلى قسمين: صحيح، وفاسد.
أولاً: الشروط الصحيحة في النكاح:
ومن الصحيح عند الأكثرين إذا شرطت عليه طلاق ضرتها؛ لأن لها في ذلك فائدة، وقال البعض الآخر من العلماء بعدم صحة هذا الشرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تشترط طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها، والنهي يقتضي الفساد.
ومن الشروط الصحيحة في النكاح: إذا شرطت عليه أن لا يتسرى أو لا يتزوج عليها، فإن وفّى، وإلا فلها الفسخ؛ لحديث: "إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج".
وكذا لو شرطت عليه أن لا يخرجها من دارها أو بلادها؛ وصح هذا الشرط، ولم يكن له إخراجها إلا بإذنها.
وكذا لو شرطت أن لا يفرق بينها وبين أولادها أو أبويها؛ صح هذا الشرط، فإن خالفه؛ فلها القسخ.
ولو شرطت زيادة في مهرها، أو كونه من نقد معين؛ صح الشرط، وكان لازما، ويجب عليه الوفاء به، ولها الفسخ بعدمه، وخيارها في ذلك على التراخي، فتفسخ متى شاءت؛ مالم يوجد منها ما يدل على رضاها مع عامها بمخالفته لما شرطته عليه؛ فحينئذ يسقط خيارها.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للذي قضى عليه بلزوم ما شرطته عليه زوجته فقال الرجل: إذًا تطلقنا.
فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط.
ولحديث: "المؤمنون على شروطهم".
قال العلامة ابن القيم: " يجب الوفاء بهذه الشروط التي هي أحق أن يوفيها، وهو مقتضى الشر والعقل والقياس الصحيح؛ فإن المرأة لم ترض ببذل بضعها للزوج إلا على هذا الشرط، ولو لم يجب الوفاء به؛ لم يكن العقد عن تراض، وكان إلزاما بما لم يلزمها الله به ورسوله".
ثانيا: الشروط الفاسدة في النكاح: والشروط الفاسدة في النكاح نوعان:
1 شروط فاسدة تبطل العقد: وهي أنواع ثلاثة:
الأول: نكاح الشغار: وهو أن يزوجه موليته بشرط أن يزوجه الآخر موليته ولا مهر بينهما، سمي شغارًا من الشغور وهو الخلو من العوض، وقيل: سمي شغارًا من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، شبه قبحه بقبح بول الكلب، وهذا النوع جعل فيه امرأة بدل امرأة، وقد أجمعوا على تحريمه، وهو باطل، يجب التفريق فيه، سواء فيه، سواء كان مصرحا فيه بنفي المهر أو مسكوتا عنه؛ لحديث ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق"، متفق عليه.
وقال الشيخ تقي الدين: "وفصل الخطاب: أن الله حرم نكاح الشغار لأن الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفء، ونظر مصلحة لا نظر شهوة، والصداق حق لها لا له، وليس للولي ولا للأب أن يزوجها إلا لمصلحتها، وليس له أن يزوجها لغرضه لا لمصلحتها، وبمثل هذا تسقط ولايته، ومتى كان غرضه أن يعاوض رجها بفرج الأخرى؛ لم ينظر في مصلحتها، وصار كمن زوجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز، وعلى هذا؛ لو سمى صداقا حيلة والمقصود المشاغرة؛ لم يجز؛ كما نص عليه أحمد؛ لأن مقصوده أن يزوجها بتزوجه الأخرى، والشرع بيِّن أنه لا يقع هذا إلا لغرض الولي لا لمصلحة المرأة، سواء سمي مع ذلك صداق أو لم يسم؛ كما قاله معاوية وغيره، وأحمد جوزه مع الصداق المقصود
دون الحيلة؛ مراعاة لمصلحة المرأة في الصداق" انتهى.
فإذا سمي لكل واحدة منهما مهر مستقل كامل، بلا حيلة، مع أخذ موافقة المرأتين؛ صح ذلك؛ لانتفاء الضرر.
الثاني: نكال المحلل: وهو أن يتزوجها بشرط أنه متى حللها للأول؛ طلقها، أو نوى التحلل بلا شرط يذكر في العقد، أو اتفقا عليه قبل العقد؛ ففي جميع هذه الأحوال يبطل النكاح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "هو المحلل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له"، رواه ابن ماجه والحاكم وغيره.
ثالثا: إذا علّق عقد النكاح على شرط مستقبل: كأن يقول: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، أو: إن رضيت أمها؛ فلا ينعقد النكاح مع ذلك؛ لأن النكاح عقد معاوضة، فلم يصح تعليقه على شرط.
وكذا لو زوجه إلى مدة؛ كما لو قال: زوجتك وإذا جاء غد؛ فطلقها، أو قال: زوجتها شهرًا أو سنة؛ بطل هذا النكاح المؤقت، وهو نكاح المتعة.
قال الشيخ تقي الدين: "الروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أن الله تعالى حرم المتعة بعد إحلالها".
وقال القرطبي: "الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم
يطل، وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها؛ إلا من لا يلتفت إليه من الروافض".
2 شروط فاسدة لا تفسد النكاح:
لو شرط في عقد النكاح إسقاط حق من حقوق المرأة؛؛ كأن شرط أن لا مهر لها، أو لا نفقة، أو شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها؛ فإنه في هذه الأحوال يفسد الشرط ويصح النكاح؛ لأن ذلك الشرط يعود إلى معنى زائد في العقد، لا يلزم ذكره، ولا يضر الجهل به.
ومن ذلك أنه إذا شرطها مسلمة، فبانت كتابية؛ فالنكاح صحيح، وله خيار الفسخ.
ومن ذلك أنه إذا شرطها بكرًا أو جميلة أو ذات نسب، فبانت بخلاف ما اشترط؛ فله الفسخ؛ لفوات شرطه.
ومن ذلك أنه إذا تزوج امرأة على أنها حرة، فتبين أنها أمة، فإن كان ممن لا يحل له تزوج الإماء؛ فرق بينهما، وإن كان ممن يحل له ذلك؛ فله الخيار.
وكذا لو تزوجت المرأة رجلاً حرّاً، فبان عبداً؛ فلها الخيار، وإن عتقت أمة تحت عبد؛ فلها الخيار؛ لأن بريرة لما عتقت تحت عبد؛ اختارت مفارقته؛ كما رواه البخاري وغيره.
باب في العيوب في النكاح
هناك عيوب تثبيت الخيار في النكاح؛ فمنها:
أن من وجدت زوجها لا يقدر على الوطء لكونه عنينا أو مقطوع الذكر؛ فلها الفسخ، وإن ادعت أنه عنين، فأقر بذلك؛ أجل سنة، فإن وطىء فيها، وإلا؛ فلها الفسخ.
وإن وجد الرجل في زوجته عيبا يمنع الوطء؛ كالرِّتق، ولا يمكن زواله؛ فله الفسخ.
وكذا من وجد منهما في الآخر عيبا مشتركا؛ كالباسور، والجنون، والبرص، والجذام، وقرع الرأس، وبخر الفم؛ فله الخيار؛ لما في ذلك من النفرة.
قال العلامة ابن القيم: "كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخرة، ولا يحصل به مقصود النكاح؛ يوجب الخيار، وإنه أولى من البيع" انتهى.
ولو حدث بأحد الزوجين عيب بعد العقد؛ فللآخر الخيار.
ويثبت الخيار لمن لم يرض بالعيب من الزوجين، ولو كان به
عيب مثله أو مغاير له؛ لأنه الإنسان لا يأنف من عيب نفسه، ومن رضي منهما بعيب الآمر؛ بأن قال: رضيت به، أو وجد منه دليل الرضى، مع علمه بالعيب، فلا خيار له بعد ذلك.
وحيث يثبت لأحدهما الخيار؛ فإنه لا يتم إلا عند الحاكم؛ لأنه يحتاج إلى اجتهاد ونظر، فيفسخه الحاكم بطلب من له الخيار، أو يأذن لمن له الخيار فيفسخ.
وإن تم افسخ قبل الدخول؛ فلا مهر لها؛ لأن الفسخ إن كان منها؛ فقد جاءت الفرقة من قبلها، وإن كان منه؛ فقد دلست عليه العيب، فكان الفسخ بسببها.
وإن كان الفسخ بعد الدخول؛ فلها المهر المسمَّى في العقد؛ لأنه وجب بالعقد، واستقر بالدخول؛ فلا يسقط.
ولا يصح تزويج الصغيرة والمجنونة والمملوكة بمن فيه عيب يُرَدُّ به النكاح؛ لأن وليهن لا ينظر لهن إلا بما فيه الحظ والمصلحة لهن، وإن لم يعلم وليهن بالعيب؛ فسخ النكاح إذا علم؛ إزالة للضرر عنهن.
وإذا رضيت الكبيرة العاقلة مجبوبا أو عنينا؛ لم يمنعها وليها؛ لأن الحق في الوطء لها دون غيرها.
وإن رضيت بالتزوج من مجنون ومجذوم وأبرص؛ فلوليها منعها منه؛ لأن في ذلك ضررًا يخشى تعديه إلى الولد، وفيه منغصة على أهلها.
باب في أنكحة الكفار
المراد بالكفار: أهل الكتاب وغيرهم كالمجوس والوثنيين.
المراد: ما يقَرُّون عليه من أنكحتهم لو أسلموا، أو ترافعوا إلينا حال كفرهم.
فنكاح الكفار حكمة حكم نكاح المسلمين في الصحة، ووقوع الطلاق، والظهار، والإيلاء، ووجوب النفقة والقسم.
ويحرم عليهم من النساء ما يحرم على المسلمين؛ فقد جاء في القرآن الكريم إضافة المرأة إلى الكافر في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ، و ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ ؛ فأضاف المرأة إلى الكافر، والإضافة تقتضي زوجية صحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصواب: أن أنكحتهم المحرّمة في الإسلام حرام مطلقا، إذا لم يسلموا؛ عوقبوا عليها وإن أسلموا؛ عفي لهم عنها؛ لعدم اعتقادهم تحريمها، وأما الصحة والفساد؛ فالصواب أنها صحيحة من وجه فاسدة من وجه، فإن أريد بالصحة إباحة التصرف؛ فإنما يباح لهم بشرط الإسلام، وإن أريد نفوذه وترتب أحكام الزوجية عليه من حصول الحل به للمطلق ثلاثا ووقوع الطلاق فيه وثبوت
الإحصان به؛ فصحيح" انتهى.
ومن أحكام أنكحة الكفار: أنهم يقرون على فاسدها بشرطين:
الشرط الأول: إذا اعتقدوا صحتها في شرعهم، وما لا يعتقدون حله؛ لا يقرون عليه؛ لأنه ليس من دينهم.
الشرط الثاني: أن لا يترافعوا إلينا، فإن ترافعوا؛ لم نقرهم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ .
فإذا اعتقدوا صحة نكاحهم في شرعهم، ولم يترافعوا إلينا؛ لم نتعرض لهم؛ بدليل أن النبيصلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يعترض عليهم في أنكحتهم، مع علمه أنهم يستبيحون محارمهم، وأسلم خلق كثير في زمن النبيصلى الله عليه وسلم، فأقرهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيتها.
وإن أتونا قبل عقد نكاحهم؛ عقدناه على حكم ديننا؛ بإيجاب وقبول وولي وشاهدي عدل منا؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ .
أما إن أتونا بعد عقد النكاح فيما بينهم؛ فإننا لا نتعرض لكيفية صدوره.
وكذلك إذا أسلم الزوجان على نكاح؛ فإننا لا نتعرض لكيفية صدوره وتوفر شروطه فيما سبق، لكننا ننظر فيه وقت الترافع أو وقت
إسلامهم، فإن كانت الزوجة تباح في هذا الوقت لعدم الموانع الشرعية؛ أقرا على نكاحهما؛ لأن ابتداء النكاح حينئذ لا مانع منه؛ فلا مانع من استدامته، وإن كانت الزوجة في هذا الوقت الذي ترافعا أو أسلما فيه لا يباح ابتداء العقد له عليها؛ فرق بينهما؛ لأن منع ابتداء العقد يمنع من استدامته، وإن كان المهر الذي سمي لها في حال الكفر صحيحا؛ أخذته؛ لأنه وجب بالعقد، ولا مانع من استيفائها له، وإن كان فاسدًا كالخمر والخنزير فإن كانت قبضته؛ فقد استقر، وليس لها غيره؛ لأنها قبضته بحكم الشرك، فبرئت ذمة من هو عليه منه، ولأن في التعرض له مشقة وتنفير عن الإسلام، فيعفي عنه كما عفي عن غيره من الأعمال الكفرية، إن لم تكن قد قبضت المهر الفاسد؛ فإنه يفرض لها مهر المثل، وإن كانت قد قبضت بعض المهر الفاسد ولم تقبض بقيته؛ فإنه يجب لها قسط الباقي من مهر المثل، وإن لم يسم لها مهر أصلاً؛ فإنه يفرض لها مهر المثل؛ لخلو النكاح من تسمية المهر.
وإذا أسلم الزوجان معا بأن تلفظا بالإسلام دفعة واحدة؛ فإنهما يبقيان على نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلاف دين.
وإن أسلم زوج كتابية، ولم تسلم هي؛ بقيا على نكاحهما؛ لأن للمسلم أن يتزوج الكتابية ابتداء؛ فاستدامته لنكاحها من باب أولى.
وإن أسلمت كافرة تحت كافر قبل الدخول؛ بطل النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ﴾ ، وليس لها شيء من المهر؛ لمجيء الفرقة من قبلها.
وإن أسلم زوج غير كتابية قبل الدخول؛ بطل النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ ، وعليه نصف المهر؛ لمجيء الفرقة من قبله.
وإن أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين، أو أسلمت كافرة تحت كافر بعد الدخول؛ وقف الأمر على انقضاء العدة، فإن أسلم الآخر فيها؛ دام النكاح وإن لم يسلم فيها؛ تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أسلم الأول.
ومن أسلم وتحته أكثر من أربع واسلمن، أو كن كتابيات؛ اختار منهم أربعا؛ لأن قيس بن الحارث أسلم وتحته ثمان نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعا"، وقاله أيضا لغيره، والله أعلم.
باب في الصداق في النكاح
الصداق مأخوذ من الصدق؛ لأنه يشعر برغبة الزوج في الزوجة، وهو عوض يسمى في عقد النكاح أو بعده.
أما حكمه: فهو واجب، ودليله الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ .
ولفعله صلى الله عليه وسلم؛ فلم يكن يخلي النكاح من صداق، وقال: "التمس ولو خاتما من حديد".
وأجمع أهل العلم على مشروعيته.
أما مقداره: فلا يتقدر أقله ولا أكثره بحد معين؛ فكل ما صح أن يكون ثمنا أو أجرة؛ صح أن يكون صداقا، وإن قل أو أكثر؛ إلا أنه ينبغي الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ بأن يكون في حدود اربع مئة درهم، وهي صداق بنات النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك؛ لم يكره؛ إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك، فأما إن كان عاجزاً عن ذلك؛ فأما إن كثر، وهو مؤخر في ذمته؛ فينبغي أن يكره؛ لما فيه من تعريض نفسه لشغل الذمة" انتهى كلامة.
والخلاصة: أن كثرة الصداق لا تكره إذا لم تبلغ حد المباهاة والإسراف، ولم تثقل كاهل الزوج؛ بحيث تحوجه إلى الاستعانة بغيره عن طريق المسألة ونحوها، ولم تشغل ذمته بالدين، وهي ضوابط قيمة تكفل المصلحة وتدفع المضرة.
ويتبين من خلال ما سبق أن ما وصل إليه الناس في قضية المهور من المغالاة الباهظة التي لا يراعي فيها جانب الزوج الفقير والتي أصبحت صعبة المرتقى في طريق الزواج؛ أن هذه المغالاة لا شك في كراهتها أو تحريمها، خصوصا وأنه يكون إلى جانبها تكاليف أخرى؛ من شراء الأقمشة الغالية الثمن، والمصاغات الباهظة، والحفلات والولائم المشتملة على الإسراف والتبذير وإهدار الأطعمة واللحوم في غير مصلحة تعود إلى الزوجين؛ لا شك أن كل ذلك من الآصار والأغلال والتقاليد السيئة التي يجب محاربتها والقضاء عليها وتنقية طريق الزواج من عراقيلها.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا: "أعظم النساء بركة
أيسرهن مؤنة"، رواه أحمد والبيهقي والحاكم وغيرهم.
وقال عمر بن الخاب رضي الله عنه: "ألا لا تغالوا في صدق النساء؛ فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله؛ كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته، اكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول: كلفت فيك علق القربة" أخرجه النسائي وأبو داود.
ومنه تعلم أن كثرة الصداق قد تكون سببا في بغض الزوج لزوجته حينما يتذكر ضخامة صداقها، ولهذا كان أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة؛ كما في حديث عائشة؛ فتيسير الصداق يسبب البركة في الزوجة ويزرع لها المحبة في قبل الزوج.
والحكمة في مشروعية الصداق: أن فيه معاوضة عن الاستمتاع، وفيه تعزيز لجانب الزوجة وتقدير لمكانتها في حق الزوج.
وتستحب تسميته الصداق، وتحديده في العقد؛ لقطع النزاع.
ويجوز أن يسمى ويحدد بعد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا﴾ ؛ فدلت الآية على أن فرض الصداق قد يتأخر عن العقد.
وأما نوعية الصداق: فكما يفهم أن كل ما جاز أن يكون ثمنا في بيع أو أجرة في إجارة وقيمة لشيء؛ جاز أن يكون صداقا، سواء كان من عين أو دين معجل أو مؤجل أو منفعة معلومة، وهذا مما يدل على أنه مطلوب تيسير الصداق، وحسب الظروف والأحوال، تيسير الزواج الذي يتعلق به مصالح عظيمة للأفراد والمجتمعات.
وهذه بعض المسائل الهامة التي تتعلق بالصداق:
أولاً: إن الصداق ملك للمرأة، ليس لوليها منه شيء؛ إلا ما سمحت به له عن طيب نفس، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنّ﴾ ، ولأبيها خاصة أن يأخذ من صداقها، ولو لم تأذن؛ ما لا يضرها ولا تحتاج إليه؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك".
ثانيًا: يبدأ تملك المرأة لصداقها من العقد؛ كما في البيع، ويتقرر كاملاً بالوطء، أو الخلوة بها، وبموت أحدهما.
ثالثا: إذ أطلقها قبل الدخول أو الخلوة، وقد سمى لها صداقا؛ فلها نصفه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ؛ أي: لكم ولهن، فاقتضى أن النصف له والنصف لها بمجرد الطلاق، وأيهما عقا لصاحبه عن نصيبه منه وهو جائز التصرف؛ صح عفوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح﴾ ، ثم رغَّب في العفو، فقال تعالى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ؛
أي: لا ينس الزوجان التفضل من كل واحد منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف، أو يتفضل الرجل عليها بإكمال المهر، وهو إرشاد للرجال والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي من بعضهم على بعض والمسامحة فيما لأحدهما على الآخر؛ للوصلة التي قد وقعت بينهما.
رابعا: كل ما قبض بسبب النكاح ككسوة لأبيها أو أخيها فهو من المهر.
خامسا: إذا أصدقها مالاً مغصوبا أو محرما؛ صح النكاح، ووجب لها مهر المثل بدل الصداق المحرم.
سادسا: إذا عقد النكاح ولم يجعل للمرأة مهراً؛ صح النكاح، ويسمى ذلك بالتفويض، ويقدر لها مهر المثل؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: أو ما لم تفرضوا لهن فريضة، ولحديث ابن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل لها حتى مات، فقال رضي الله عنه: "لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث"، وقال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت"، رواه الترمذي وغيره وصححه.