كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صالح الفوزان
- الكتاب
- الملخص الفقهي
- المؤلف
- صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
- الناشر
- دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أما إذا وجد شرط يلحق هذه الأشياء بأحدهما دون الآخر وجب العمل به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم".
ومن باع نخلاً قد أبِّر طلعه؛ فثمره للبائع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر؛ فثمرتها للذي باعها؛ إلا أن يشترطه المبتاع"، متفق عليه، والتأبير هو التلقيح، ومثل النخل في هذا الحكم شجر العنب والتوت والرمان، إذا بيع بعد ظهور ثمره؛ كان ثمره للبائع، وما قبل التأبير في النخل والظهور في العنب ونحوه يكون للمشتري؛ لمفهوم الحديث الشريف في النخل، وقياس غيره عليه.
ومن هذا تفهم كمال هذه الشريعة الإسلامية، وحلها لمشاكل الناس، وأنها تعطي كل ذي حق حقه؛ من غير ظلم ولا إضرار بالآخرين؛ فما من مشكلة لا وضعت لها حلا كافيا، مشتملاً على المصلحة والحكمة، تشريع من حكيم حميد، يعلم ما يصلح عبادة وما يضرهم في كل زمان ومكان.
وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ؛ فلا يحسم النزاع بين الناس ويحقق المصالح ويقنع النفوس المؤمنة؛ إلا حكم الله ورسوله،
أما أنظمة الشر؛ فهي قاصرة قصور البشر، وتدخلها الأهواء والنزاعات؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ؛ فتبا وبعدًا وسحقا لعقول تستبدل حكم الله ورسوله بقوانين البشر، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . نسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحمي المسلمين من كيد أعدائهم؛ إنه سميع مجيب
باب في أحكام بيع الثمار
المراد بالثمار ما على النخيل وغيرها من الثمار المقصودة للأكل.
إذا بيعت هذه الثمار دون أصولها؛ فإنه لا يصح ذلك قبل بدو صلاحها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ نهى البائع والمبتاع"؛ متفق عليه؛ فنهى صلى الله عليه وسلم البائع عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ لئلا يأكل المال بالباطل، ونهى المشتري؛ لأنه يعين على أكل المال بالباطل.
وفي "الصحيحين": أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهو قيل: وما زهوها؟ قال: "تحمار أو تصفار".
والنهي في الحديثين يقتضي فساد المبيع وعدم صحته.
وكذا لا يجوز بيع الزرع قبل اشتداد حبه؛ لما روى مسلم عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخيل حتى يزهو، وعن بيع السنبل
حتى يبيض ويأمن العاهة؛ نهى البائع والمشتري"؛ فدل هذا الحديث على منع بيع الزرع حتى يبدو صلاحه، وبدو صلاحه أن يبيض ويشتد ويأمن العاهة.
والحكمة في النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وعن بيع الزرع قبل اشتداد حبه؛ لأنه في تلك الفترة معرض للآفات غالبا، معرض للتلف؛ كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة؛ بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ "، وقال في السنبل: "حتى يبيض ويأمن العاهة"، والعاهة هي الآفة التي تصيبه فيفسد، وفي ذلك رحمة بالناس، وحفظ لأموالهم، وقطع للنزاع الذي قد يفضي إلى العداوة والبغضاء.
ومن هنا ندرك حرمة مال المسلم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إن منع الله الثمرة؛ بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ "؛ ففي هذا تنبيه وزجر للذين يحتالون على الناس لاقتناص أموالهم بشتى الحيل؛ كما أن في الحديث حثا للمسلم على حفظ ماله وعدم إضاعته؛ حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم المشتري أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها وغلبة السلامة عليها؛ لأنها لو تلفت وقد بذل فيها ماله؛ لضاع، وصعب استرجاعه من البائع أو تعذر.
كما نفهم من الحديث الشريف تعليق الحكم بالغالب؛ لأن الغالب على الثمرة قبل بدو صلاحها التلف؛ فلا يجوز بيعها، والغالب عليها بعد بدو صلاحها السلامة؛ فيجوز بيعها.
ونأخذ من الحديث أيضا أنه لا يجوز للإنسان أن يخاطر بماله ويعرضه للضياع، ولو عن طريق المعاوضة غير المأمونة العاقبة.
وحيث علمنا مما سبق أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ فإنما يعني ذلك إذا بيعت منفردة عن أصولها بشرط البقاء.
أما إذا كانت تابعة لأصولها أو بغير شرط البقاء؛ فإن ذلك يجوز؛ وذلك على ثلاث صور ذكرها الفقهاء رحمهم الله:
الصورة الأولى: إذا بيع الثمر قبل بدو صلاحه بأصوله؛ بأن يبيع الثمر مع الشجر، فيصح ذلك، ويدخل الثمر تبعان وكذا إذا باع الزرع الأخضر مع أرضه؛ جاز ذلك، ودخل الزرع الأخضر تبعا.
الصورة الثانية: إذا بيع الثمر قبل بدو صلاحه أو الزرع الأخضر لمالك الأصل؛ أي: مالك الشجر أو مالك الأرض؛ جاز ذلك أيضا؛ لأنه إذا باعها لمالك الأصل؛ فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال لملكه الأصل والقرار، فصح البيع؛ على خلاف في هذه الصورة؛ لأن بعض العلماء يرى أن هذه الصورة تدخل في عموم النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه.
الصورة الثالثة: بيع الثمر قبل بدو صلاحه والزرع قبل اشتداد حبه بشرط القطع في الحال، وكان يمكن الانتفاع بهما إذا قطعا؛ لأن المنع من البيع لخوف التلف وحدوث العاهة، وهذا مأمون فيما يقطع في الحال، أما إذا لم ينتفع بهما إذا قطعا؛ فإنه لا يصح بيعهما؛ لأن ذلك إفساد
وإضاعة للمال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.
ويجوز على الصحيح من قولي العلماء بيع ما يتكرر أخذه كالقت والبقل والقثاء والباذنجان؛ فيجوز بيع لقطته وجزته الحاضرة والمستقبلة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصحيح أن هذه لم تدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم، بل يصح العقد على اللقطة الموجودة واللقطة المعدومة إلى أن تيبس المقثاة؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، فيجوز بيع المقاثي دون أصولها".
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: "وإنما نهى عن بيع الثمار التي يمكن تأخير بيعها حتى يبدو صلاحها، فلم تدخل المقاثي في نهيه" انتهى.
باب في وضع الجوائح
الجوائح جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الثمار فتهلكها، مأخوذة من الجوح وهو الاستئصال.
فإذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها، حيث يجوز بيعها عند ذلك، فأصيبت بآفة سماوية أتلفتها، والآفة السماوية هي ما لا صنع للآدمي فيها؛ كالريح والحر والعطش، والمطر، والبرد، والجراد ... ونحو ذلك من الآفات القاهرة التي تأتي على الثمار فتتلفها، فإذا كانت هذه الثمرة التالفة قد بيعت ولم يتمكن المشتري من أخذها حتى أصيبت وتلفت؛ فإن المشتري يرجع على البائع، ويسترد الثمن الذي دفعه له؛ لحديث جابر رضي الله عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح "، رواه مسلم، فدل هذا الحديث على أن الثمرة التالفة تكون من ملك البائع، وأنه لا يستحق على المشتري من ثمنها شيئا، فإن تلفت كلها؛ رجع المشتري بالثمن كله، وإن تلف بعضها؛ رجع المشتري على البائع فيما يقابله من الثمن؛ لعموم الحديث،
وسواء كان البيع قبل بدو الصلاح أو بعده، لعموم الحديث، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ "، وإذا كان التالف يسيرًا لا ينضبط؛ فإنه يفوت على المشتري، ولا يكون من مسؤولية البائع، لأن هذا مما جرت به العادة، ولا يسمى جائحة، ولا يمكن التحرز منه؛ كما لو أكل منه الطير أو تساقط في الأرض ونحو ذلك، وحدده بعض العلماء بما دون الثلث، والأقرب أنه لا يتحدد بذلك، بل يرجع فيه إلى العرف؛ لأن التحديد يحتاج إلى دليل.
وقد علل العلماء رحمهم الله تضمين البائع جاحة الثمرة؛ بأن قبض الثمرة على رؤوس الشجر بالتخلية قبض غير تام؛ فهو كما لو لم يقبضها.
هذا ما يتعلق بتلف الثمرة بجاحة سماوية، أما إذا تلفت بفعل آدمي بنحو حريق؛ فإنه حينئذ يخير المشتري بين فسخ البيع ومطالبة البائع بما دفع من الثمن ويرجع البائع على المتلف فيطالبه بضمان ما أتلف، وبين إمضاء البيع ومطالبة المتلف ببدل ما أتلف.
وعلامة بدو الصلاح في غير النخل أي: العلامة التي يعرف بها صلاح الثمرة الذي علق عليه النبي صلى الله عليه وسلم جواز بيعها في غير النخل تختلف باختلاف الشجر؛ فبدو الصلاح في العنب: أن يتمّوه حلوًا؛ لقول أنس: "نهى
النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العنب حتى يسود"، رواه أحمد ورواته ثقات، وعلامة بدو الصلاح في بقية الثمار كالتفاح والبطيخ والرمان والمشمش والخوخ والجوز ونحو ذلك: أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله؛ لأنه عليه الصلاة والسلام: "نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب"، متفق عليه، وفي لفظ: "حتى يطيب أكله"، وبدو الصلاح في نحو قثاء أن يؤكل عادة، وعلامة بدو الصلاح في الحب أن يشتد ويبيض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل اشتداد الحب غاية لصحة بيعه.
باب فيما يتبع المبيع وما لا يتبعه
هناك أشياء تدخل تبع المبيع، فتكون للمشتري؛ ما لم يستثنها البائع، من ذلك:
من باع عبدًا أو دابة؛ تبع المبيع ما على العبد من ثياب العادة، وما على الدابة من اللجام والمقود والنعل؛ فيدخل ما ذكر في مطلق البيع؛ لجريان العادة به، وما لم تجر العادة بتبعيته للمبيع ولم يكن من حاجة المبيع؛ كمال العبد وما عليه من ثياب الجمال؛ فهذا لا يتبع المبيع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من باع عبدًا وله مال؛ فماله لبائعه؛ إلا أن يشترط المبتاع"، رواه مسلم؛ فدل على أن مال العبد لا يدخل معه في البيع إذا بيع؛ لأن البيع إنما يقع على العبد، والمال زائد عنه؛ فهو كما لو كان له عبدان، فباع أحدهما، ولأن العبد وما له لسيده، فإذا باع العبد بقي المال.
فإذا اشترط المشتري دخول المال الذي مع العبد في البيع؛ دخل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا أن يشترط المبتاع".
باب في أحكام السلم
السلم أو السلف: هو تعجيل الثمن، وتأجيل المثمن، ويعرفه الفقهاء رحمهم الله بأنه عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد.
وهذا النوع من التعامل جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه"، ثم قرأ الآية.
ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث؛ قال: "من أسلف في شيء" وفي لفظ: "في ثمر"؛ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، متفق عليه، فدل هذا
الحديث على جواز السلم بهذه الشروط.
وقد حكى ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه.
وحاجة الناس داعية إليه؛ لأن أحد المتعاقدين يرتفق بتعجيل الثمن والآخر يرتفق برخص الثمن.
ويشترط لصحة السلم شروط خاصة زائدة على شروط البيع:
الشرط الأول: انضباط صفة السلعة المسلم فيها؛ لأن ما لا يمكن ضبط صفاته مختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة بين الطرفين؛ فلا يصح السلم فيما تختلف صفاته؛ كالبقول، والجلود، والأواني المختلفة، والجواهر.
الشرط الثاني: ذكر جنس المسلم فيه ونوعه فالجنس كالبر، والنوع كالسلموني مثلاً، وهو من نوع البر.
الشرط الثالث: ذكر قدر المسلم فيه بكيل أو وزن أو ذرع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أسلف في شيء؛ فليسلف فيكيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، متفق عليه، ولأنه إذا جهل مقدار المسلم فيه؛ تعذر الاستيفاء.
الشرط الرابع: ذكر أجل معلوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلى أجل معلوم"، وقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ،
فدلت الآية الكريمة والحديث الشريف على اشتراط التأجيل في السلم، وتحديد الأجل بحد يعلمه الطرفان.
الشرط الخامس: أن يوجد المسلم فيه غالبا في وقت حلول أجله؛ ليمكن تسليمه في وقته، فإن كان المسلم فيه لا يوجد في وقت الحلول؛ لم يصح السلم؛ كما لو أسلم في رطب وعنب إلى الشتاء.
الشرط السادس: أن يقبض الثمن تاما معلوم المقدار في مجلس العقد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أسلف في شيء؛ فليسلف في كيل معلوم ... " الحديث، أي: فليعط.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه، ولأنه إذا لم يقبض الثمن في المجلس؛ صار بيع دين بدين وهذا لا يجوز".
الشرط السابع: أن يكون المسلم فيه غير معين، بل يكون دينا في الذمة؛ فلا يصح السلم في دار وشجرة؛ لأن المعين قد يتلف قبل تسليمه، فيفوت المقصود، ويكون الوفاء وتسليم السلعة المسلم فيها في مكان العقد إن كان يصلح لذلك، فإن كان لا يصلح، كما لو عقدا في بر أو بحر؛ فلا بد من ذكر مكان الوفاء، وحيث تراضيا على مكان التسليم؛ جاز ذلك، وإن اختلفا؛ رجعنا إلى محل العقد حيث كان يصلح لذلك كما سبق.
ومن أحكام السلم: أنه لا يجوز بيع السلعة المسلم فيها قبل
قبضها؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبضه، ولا تصح الحوالة عليه؛ لأن الحوالة لاتصح إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ.
ومن أحكام السلم: أنه إذا تعذَّر وجود المسلم فيه وقت الحلول؛ كما لو أسلم في ثمرة، فلم تحمل الشجر تلك السنة؛ فلرب السلم الصبر إلى أن يوجد المسلَّم فيه فيطالب به، أو الفسخ ويطالب برأس ماله؛ لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن، فإن كان الثمن تالفا؛ رد بدله إليه، والله أعلم.
وإباحة هذه المعاملة من يسر هذه الشريعة الإسلامية وسماحتها؛ لأن في هذه المعاملة تيسيرًا على الناس وتحقيقا لمصالحهم، مع خلوها من الربا وسائر المحذورات؛ فلله الحمد على تيسيره.
أبواب
باب في أحكام القرض
القرض لغة: القطع؛ لأن المقرض يقطع شيئا من ماله يعطيه للمقترض،
وتعريفه شرعا: أنه دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وهو من باب الإرفاق وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم منيحة؛ لأنه ينتفع به المقترض، ثم يعيده إلى المقرض.
والإقراض مستحب وفيه أجر عظيم؛ قالصلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة"، رواه ابن ماجه.
وقد قيل: إن القرض أفضل من الصدقة؛ لأنه لا يقترض إلا محتاج، وفي الحديث الصحيح: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة".
فالقرض فعل معروف، وفيه تفريج للضائقة عن المسلم، وقضاء لحاجته.
وليس الاقتراض من المسألة المكروهة؛ فقد اقترض النبي صلى الله عليه وسلم.
ويشترط لصحة القرض أن يكون المقرض ممَّن يصح تبرعه؛ فلا يجوز لولي اليتيم مثلاً أن يقرض من مال اليتيم، وكذلك يشترط معرفة قدر المال المدفوع في القرض، ومعرفة صفته؛ ليتمكن من رد بدله إلى صاحبه؛ فالقرض يصبح دينا في ذمة المقترض، يجب عليه رده إلى صاحبه عندما يتمكن من ذلك من غير تأخير.
ويحرم على المقرض أن يشترط على المقترض زيادة في القرض؛ فقد أجمع العلماء على أنه إذا شرط عليه زيادة، فأخذها؛ فهو ربا؛ فما تفعله البنوك اليوم من الإقراض بالفائدة ربا صريح، سواء كان قرضا استهلاكيا أو إنمائيا كما يسمونه؛ فلا يجوز للمقرض سواء كان بنكا أو فردًا أو شركة أن يأخذ زيادة في القرض مشترطة، بأي اسم سمى هذه الزيادة، وسواء سميت هذه الزيادة ربحا أو فائدة أو هدية أو سكن دار أو ركوب سيارة، ما دام أن هذه الزيادة أو هذه الهدية أو هذه المنفعة جاءت عن طريق المشارطة،
وفي الحديث: "كل قرض جر نفعا؛ فهو ربا"، وفي الحديث عن أنس مرفوعا: "إذا أقرض أحدكم قرضا، فأهدى إليه، أو حمله على الدابة؛ فلا يركبها، ولا يقبله؛ إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك"، رواه ابن ماجه، وله شواهد كثيرة، وقد ثبت عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه؛ أنه قال: "إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن؛ فلا تأخذه؛ فإنه ربا"، وهذا له حكم الرفع؛ فلا يجوز لمقرض قبول هدية ولا غيرها من المنافع من المقترض إذا كان هذا بسبب القرض؛ للنهي عن ذلك، ولأن القرض إنما هو عقد إرفاق بالمحتاج، وقربة إلى الله؛ فإذا شرط فيه الزيادة أو تحراها وقصدها وتطلع إليها؛ فقد أخرج القرض عن موضوعه الذي هو التقرب إلى الله بدفع حاجة المقترض إلى الربح من المقترض؛ فلا يصير قرضا.
فيجب على المسلم أن ينتبه لذلك ويحذر منه ويخلص النية في القرض وفي غيره من الأعمال الصالحة؛ فإن القرض ليس القصد منه النماء الحسي، وإنما القصد منه النماء المعنوي، وهو التقرب إلى الله؛ بدفع حاجة المحتاج، واسترجاع رأس المال، فإذا كان هذا هو القصد في القرض؛ فإن الله ينزل في المال البركة والنماء الطيب.
هذا؛ وينبغي أن يُعلم أن الزيادة الممنوع أخذها في القرض هي الزيادة المشترطة؛ كأن يقول: أقرضك كذا وكذا بشرط أن ترد علي المال
بزيادة كذا وكذا، أو أن تسكنني دارك أو دكانك، أو تهدي إلي كذا وكذا، أو لا يكون هناك شرط ملفوظ به، ولكن هناك قصد للزيادة وتطلع إليها؛ فهذا هو الممنوع المنهي عنه.
أما لو بذل المقترض الزيادة من ذات نفسه، وبدافع منه، بدون اشتراط من المقرض، أو تطلع وقصد؛ فلا مانع من أخذ الزيادة حينئذ؛ لأن هذا يعتبر من حسن القضاء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرًا فرد خيرًا منه، وقال: "خيركم أحسنكم قضاء"، وهذا من مكارم الأخلاق المحمودة عرفا وشرعا، ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعا؛ لأنه لم يكن مشروطا في القرض من المقرض ولا متواطأ عليه، وإنما ذلك تبرع من المستقرض.
وكذلك إذا بذل المقترض للمقرض نقعا معتادًا بينهما قبل القرض؛ بأن كان من عادة المقترض بذل هذا النفع، ولم يكن الدافع إليه هو القرض؛ فلا مانع من قبوله؛ لانتفاء المحذور.
ثم إنه يجب على المقترض الاهتمام بأداء ما عليه من دين القرض ورده إلى صاحبه؛ من غير مماطلة ولا تأخير حينما يقدر على الوفاء؛ لقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلاَّ الأِحْسَانُ﴾ .
وبعض الناس يتساهل في الحقوق عامة، وفي شأن الديون خاصة، وهذه خصلة ذميمة، جعلت كثيرًا من الناس يحجمون عن بذل القروض والتوسعة على المحتاجين، مما قد يلجئ المحتاج إلى الذهاب إلى بنوك الربا والتعامل معها بما حرم الله؛ لأنه لا يجد من يقرضه قرضا حسنا، حتى ضاع المعروف بين الناس.
باب في أحكام الرهن
الرهن لغة: يراد به الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن؛ أي: راكد.
والرهن شرعا: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها؛ أي: جعل عين مالية وثيقة بدين.
والرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
وقد توفى النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة.
وأجمع العلماء على جواز الرهن في السفر، والجمهور أجازوه أيضا في الحضر.
والحكمة في مشروعيته: حفظ الأموال، والسلامة من الضياع.
وقد أمر الله بتوثيق الدين بالكتاب؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
وهذا من رحمة الله بعباده، حيث يرشدهم إلى ما فيه خيرهم.
ويشترط لصحة الرهن معرفة قدره وجنسه وصفته، وأن يكون الراهن جائز التصرف، مالكا للمرهون، أو مأذونا له فيه.
ويجوز للإنسان أن يرهن مال نفسه على دين غيره.
ويشترط في العين المرهونة أن تكون مما يصح بيعه؛ ليتمكن من الاستيفاء من الرهن.
ويصح اشتراط الرهن في صلب العقد، ويصح بعد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ؛ فجعله الله سبحانه بدلاً من الكتابة، والكتابة إنما تكون بعد وجوب الحق.
والرهن يلزم من جانب الراهن فقط؛ لأن الحظ فيه لغيره، فلزم من جهته، ولا يلزم من جانب المرتهن؛ فله فسخه؛ لأن الحظ فيه له وحده.
ويجوز أن يرهن نصيبه من غير مشتركة بينه وبين غيره؛ لأنه يجوز بيع نصيبه عند حلول الدين، ويوفي منه الدين.
ويجوز رهن المبيع على ثمنه؛ لأن ثمنه دين في الذمة، والمبيع ملك للمشتري؛ فجاز رهنه به، فإذا اشترى دارًا أو سيارةً مثلاً بثمن مؤجل أو حال لم يقبض؛ فله رهنها حتى يسدد له الثمن.
ولا ينفذ تصرف أحد الطرفين المرتهن والراهن في العين المرهونة إلا بإذن الطرف الآخر؛ لأنه إذا تصرف فيها بغير إذنه؛ فوت عليه حقه؛ لأن تصرف الراهن يبطل حق المرتهن في التوثيق، وتصرف المرتهن تصرف في ملك غيره.
أما الانتفاع بالرهن؛ فحسبما بتفقان عليه: فإن اتفقا على تأجيره أو غيره؛ جاز، وإن لم يتفقا؛ بقى معطلاً حتى يفك الرهن.
ويمكَّن الراهن من عمل ما فيه إصلاح للرهن؛ كسقي الشجر، وتلقيحه ومداواته؛ لأن ذلك مصلحة للرهن.
ونماء الرهن المتصل كالسمن وتعلم الصنعة، ونماؤه المنفصل كالولد والثمرة والصوف وكسبه: ملحق به، يكون رهنا معه، ويباع معه لوفاء الدين، وكذا سائر غلاته؛ لأنها تابعة له، وكذا لو جُنى عليه؛ فأرش الجناية يُلحق بالرهن؛ لأنه بدل جزء منه.
ومؤنة الرهن من طعامه وعلف الدواب وعمارته وغير ذلك على الراهن؛ لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه؛ له غنمه، وعليه غرمه"، رواه الشافعي والدارقطني، وقال: "إسناده حسن صحيح"، ولأن الرهن ملك
الراهن؛ فكان عليه نفقته.
وعلى الراهن أيضا أجرة المخزن الذي يودع فيه المال المرهون وأجرة حراسته؛ لأن ذلك يدخل ضمن الإنفاق عليه، وكذا أجرة رعي الماشية المرهونة.
وإن تلف بعض الرهن وبقى بعضه؛ فالباقي رهن بجميع الدين؛ لأن الدين كله متعلق جميع أجزاء الرهن، فإذا تلف البعض؛ بقى البعض الآخر رهنا بجميع الدين.
وإن وفّى بعض الدين؛ لم ينفك شيء من الرهن حتى يسدده كله؛ فلا ينفك منه شيء حتى يؤدي جميع الدين.
وإذا حل الدين الذي به رهن وجب على المدين تسديده كالدين الذي لا رهن به؛ لأن هذا مقتضى العقد بينهما، قال الله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّه﴾ ، فإن امتنع عن الوفاء؛ صار مماطلاً، وحينئذ يجبره الحاكم على وفاء الدين، فإن امتنع؛ حبسه وعزره حتى يوفي ما عليه من الدين من عنده، أو يبيع الرهن ويسدد من قيمته، فإن امتنع؛ فإن، الحاكم يبيع الرهن، ويوفي الدين من ثمنه؛ لأنه حق وجب على المدين، فقام الحاكم مقامه عند امتناعه، ولأن الرهن وثيقة للدين ليباع عند حلوله، وإن فضل من ثمنه شيء عن الدين؛ فهو لمالكه، يرد عليه؛ لأنه ماله، وإن بقى من الدين شيء لم يغطه ثمن الرهن؛ فهو في ذمة الراهن، يجب عليه تسديده.
ومن أحكام الرهن أنه إذا كان حيوانا يحتاج إلى نفقة، وكان في قبضة المرتهن؛ فإن الشارع الحكيم رخص له أن يركبه وينفق عليه إن كان يصلح للركوب، ويحلبه وينفق عليه إن كان يصلح للحلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، رواه البخاري؛ أي: ويحب على الذي يركب الظهر ويشرب اللبن النفقة في مقابلة انتفاعه، وما زاد عما يقابل النفقة من المنفعتين يكون لمالكه.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "دل الحديث وقواعد الشريعة وأصولها على أن الحيوان المرهون محترم في نفسه لحق الله تعالى، وللمالك فيه حق الملك، وللمرتهن حق الوثيقة، فإذا كان بيده، فلم يحلبه؛ ذهب نفعه باطلاً، فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة، فإذا استوفى المرتهن منفعته، وعوض عنها نفقة، كان في هذا جمع بين المصلحتين وبين الحقين" انتهى.
قال بعض الفقهاء رحمهم الله:
"الرهن قسمان: ما يحتاج إلى مؤنة، وما لا يحتاج إلى مؤنة.
وما يحتاج إلى مؤنة نوعان: حيوان مركوب ومحلوب؛ تقدم حكمه.
ما ليس بمركوب ولا محلوب؛ كالعبد والأمة؛ فهذا النوع لا يجوز للمرتهن أن ينتفع به إلا بإذن
مالكه، فإذا أذن له مالكه أن ينفق عليه وينتفع به في مقابلة ذلك؛ جاز؛ لأنه نوع معاوضة.
والقسم الثاني: ما لا يحتاج إلى مؤنة؛ كالدار والمتاع ونحوه، وهذا النوع لا يجوز للمرتهن أن ينتفع به؛ إلا بإذن الراهن أيضا؛ إلا إن كان الرهن بدين قرض؛ فلا يجوز للمرض أن ينتفع به كما سبق؛ لئلا يكون قرضا جر نفعا، فيكون من الربا".
باب في أحكام الضمان
ومن التوثيقات الشرعية للديون الضمان، وهو مأخوذ من الضمن؛ لأن ذمة الضامن صارت في ضمن ذمة المضمون عنه، وقيل: مشتق من التضمن؛ لأن ذمة الضمان تتضمن الحق المضمون، وقيل: مشتق من الضم؛ لضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبت الحق في ذمتيهما جميعا.
ومعنى الضمان شرعا: التزام ما وجب على غيره، مع بقائه على مضمون عنه، والتزام ما قد يجب أيضا؛ كأن يقول: ما أعطيت فلانا؛ فهو علي.
والضمان جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ؛ أي: ضامن.
وروى الإمام الترمذي مرفوعاً: "الزعيم غارم أي ضامن
وقد أجمع العلماء على جواز الضمان في الجملة.
والمصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو الحاجة والضرورة إليه، وهو من التعاون على البر والتقوى، ومن قضاء حاجة المسلم، وتنفيس كربته.
ويشترط لصحته: أن يكون الضامن جائز التصرف؛ لأنه تحمل مال؛ فلا يصح من صغير ولا سفيه محجور عليه، ويشترط رضاه أيضا، فإن أكره على الضمان؛ لم يصح لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى كالتبرع بالأموال.
والضمان عقد يقصد به نفع المضمون وإعانته؛ فلا يجوز أخذ العوض عليه، ولأن أخذ العوض عليه، ولأن أخذ العوض على الضمان يكون كالقرض الذي جر نفعا؛ فالضمان يلزم أداء الدين عن المضمون عند مطالبته بذلك، فإذا أداه للمضمون له؛ فإنه سيسترده من المضمون عنه على صفة القرض، فيكون قرضا جر نفعا، فيجب الابتعاد عن مثل هذا، وأن يكون الضمان مقصودًا به التعاون والإرفاق، لا الاستغلال وإرهاق المحتاج.
ويصح الضمان بلفظ: أنا ضمين، أو: أنا قبيل، أو: أنا حميل، أو: أنا زعيم، وبلفظ: تحملت دينك، أو: ضمنته، أو: هو عندي، وبكل لفظ يؤدي معنى الضمان؛ لأن الشارع لم يحد ذلك بعبارة معينة، فيرجع فيه إلى العرف.
ولصاحب الحق أن يطالب من شاء من الضامن أو المضمون؛ لأن حقه ثابت في ذمتهما؛ فملك مطالبة من شاء منهما، ولقوله صلى الله عليه وسلم:
"الزعيم غارم"، رواه أبو دواد والترمذي وحسنه، الزعيم هو الضامن، والغارم معناه الذي يؤدي شيئا لزمه، وهذا قول الجمهور.
وذهب بعض العلماء إلى أن صاحب الحق لا يجوز له مطالبة الضامن؛ إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه؛ لأن الضمان فرع، ولا يصار إليه إلا إذا تعذر الأصل، لأن الضمان توثيق للحق كالرهن لا يستوفى منه الحق إلا عند تعذر الاستيفاء من الراهن، ولأن مطالبة الضامن مع وجود المضمون عنه ويسرته فيها استقباح من الناس؛ لأن المعهود عندهم أنه لا يطالب لضامن إلا عند تعذر مطالبة المضمون عنه أو عجزه عن التسديد، هذا هو المتعارف عند الناس.
هذا معنى ما ذكره الإمام ابن القيم، وقال: "هذا القول في القوة كما ترى".
ومن مسائل الضمان أن ذمة الضامن لا تبرأ إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه من الدين بإبراء أو قضاء؛ لأن ذمة الضامن فرع عن ذمة المضمون وتبع لها، ولأن الضمان وثيقة، فإذا برئ الأصل؛ زالت الوثيقة؛ كالرهن.
ومن مسائل الضمان أنه يجوز تعدد الضامنين، فيجوز أن يضمن الحق اثنان فأكثر، سواء ضمن كل واحد منهما جميعه أو جزءًا منه، ولا يبرأ أحد منهم إلا ببراءة الآخر، ويبرؤون جميعا ببراءة المضمون عنه.
ومن مسائل الضمان أنه لا يشترط في صحته معرفة الضامن للمضمون عنه، كأن يقول: من استدان منك؛ فأنا ضمين، ولا يشترط معرفة الضامن للمضمون له؛ لا يشترط رضى المضمون له والمضمون عنه؛ فلا يشترط معرفتهما.
ومن مسائل الضمان أنه يصح ضمان المعلوم وضمان المجهول إذا كان يؤول إلى العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ؛ لأن حمل البعير غير معلوم؛ لكنه يؤول إلى العلم، فدلت الآية على جوازه.
ومن مسائل الضمان أنه يصح عهدة المبيع العهدة هي الدرك؛ بأن يضمن الثمن إذا ظهر المبيع مستحقا لغير البائع.
ومن مسائل الضمان أنه يجوز ضمان ما يجب على الشخص؛ كأن يضمن ما يلزم من دين ونحوه.
باب في أحكام الكفالة
الكفالة هي التزام إحضار من عليه حق مالي لربه.
فالعقد في الكفالة واقع على بدن المكفول، ببدن من عليه حد؛ لأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الدرء بالشبهات؛ فلا يدخل فيها الاستيثاق، ولا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص؛ لأنه لا يمكن استيفاءه من غير الجاني، ولا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول.
ويشترط لصحة الكفالة أن تكون برضى الكفيل؛ لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه.
ويبرأ الكفيل بموت المكفول المتعذر إحضاره، ويبرأ كذلك بتسليم المكفول نفيه لرب الحق في محل التسليم وأجله؛ لأنه أتى بما يلزم الكفيل، وإذا تعذر إحضار المكفول مع حياته أو غاب ومضى زمن يمكن إحضاره فيه؛ فإن الكفيل يضمن ما عليه من الدين؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:
"الزعيم غارم".
ومن مسائل الكفالة: أنه يجوز ضمان معرفة الشخص، كما لو جاء إنسان ليستدين من إنسان، فقال: أنا لا أعرفك فلا أعطيك.
فقال شخص آخر: أنا أضمن لك معرفته؛ أي: أعرفك من هو وأين هو؛ فإنه يلزم بإحضاره إذا غاب، ولا يكفي أن يذكر اسمه ومكانه، فإن عجز عن إحضاره مع حياته؛ ضمن ما عليه؛ لأنه هو الذي دفع الدائن أن يعطيه ماله بتكفله لمعرفته، فكأنه قال: ضمنت لك حضور متى أردت، فصار ذلك كما لو قال: تكفلت لك ببدنه.
باب في أحكام الحوالة
الحوالة لغه: مشتقة من التحول؛ لأنها تحول الدين من ذمة إلى ذمة أخرى، ومن ثم عرفها الفقهاء بأنها نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى.
وهي ثابتة بدليل السنة والإجماع:
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أتبع أحدكم على مليء؛ فليتبع"، وفي لفظ: "من أحيل بحقه على مليء؛ فليحتل".
قد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ثبوتها.
وفيها إرفاق بين الناس، وتسهيل لسبل معاملاتهم، وتسامح، وتعاون على قضاء حاجاتهم، وتسديد ديونهم، وتوفير راحتهم.
وقد ظن بعض الناس أن الحوالة على غير وفق القياس؛ لأنها بيع دين بدين، وبيع الدين بالدين ممنوع، لكنه جاز في الحوالة على غير وفق
القياس، وقد رد هذا العلامة ابن القيم، وبين أنها جارية على وفق القياس؛ لأنها من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع.
قال: "وإن كانت بيع دين بدين؛ فلم ينه الشارع عن ذلك، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه؛ فإنها اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه" انتهى.
ولا تصح الحوالة إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تكون على دين مستقر في ذمة المحال عليه؛ لأن مقتضاها إلزام المحال عليه بالدين، وإذا كان هذا الدين غير مستقر؛ فهو عرضة للسقوط؛ فلا تثبت الحوالة عليه؛ فلا تصح الحوالة على ثمن مبيع فى مدة الخيار، ولا تصح الحوالة من الابن على أبيه إلا برضاه.
الشرط الثاني: اتفاق الدينين المحال به والمحال عليه؛ أي: تماثلهما في الجنس؛ كدراهم، وتماثلهما في الوصف؛ كأن يحيل بدراهم مضروبة على دارهم مضروبة، ونقود سعودية مثلاً على نقود سعودية مثلها، وتماثلهما في الوقت؛ أي: في الحلول والتأجيل، فلو كان أحد الدينين حالا والآخر مؤجلاً، أن أحدهما يحل بعد شهر والآخر يحل بعد شهرين؛ لم تصح الحوالة، وتماثل الدينين في المقدار؛ فلا تصح الحوالة بمئة مثلاً على تسعين ريالاً؛ لأنها عقد إرفاق؛ كالقرض، فلو جاز التفاضل فيها؛ لخرجت عن موضوعها وهو الإرفاق إلى طلب الزيادة بها، وهذا لا يجوز كما
لا يجوز في القرض، لكن لو أحال ببعض ما عليه من الدين، أو أحال على بعض ما له من الدين؛ جاز ذلك، ويبقى الزائد بحاله لصاحبه.
الشرط الثالث: رضى المحيل؛ لأن الحق عليه؛ فلا يلزمه أن يسدده عن طريق الحوالة، ولا يشترط رضى المحال عليه؛ كما لا يشترط أيضا رضى المحتال إذا أحيل على مليء غير مماطل، بل يجبر على قبول الحوالة، ومطالبة المحال عليه بحقه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء؛ فليتبع"، متفق عليه، وفي لفظ: "من أحيل على مليء، فليحتل"؛ أي: ليقبل الحوالة، والمليء هو القادر على الوفاء، الذي لا يعرف بمماطلة، فإن كان المحال عليه غير مليء؛ لم يلزم المحال قبول الحوالة عليه؛ لما في ذلك من الضرر عليه.
وبهذه المناسبة؛ فالنصيحة لمن عليهم حقوق للناس وعندهم المقدرة على تسديدها أن يبادروا بإبراء ذممهم بأدائها لأصحابها أو لمن أحيل عليهم بها، وأن لا يلطخوا سمعتهم بالمماطلة والمراوغة؛ فكثيرًا ما نسمع التظلمات من أصحاب الحقوق بسبب تأخير حقوقهم وتساهل المدينين بتسديدها من غير عذر شرعي، كما أننا كثيرًا ما نسمع مماطلة الأغنياء بتسديد الحوالات الموجهة إليهم، وإتعاب المحالين، حتى أصبحت الحوالة شبحا مخيفا، ينفر منها كثير من الناس؛ بسبب ظلم الناس.
وإذا صحت الحوالة؛ بأن اجتمعت شروطها المذكورة؛ فإن الحق ينتقل بها من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وتبرأ ذمة المحيل من هذا الحق؛ لأن معناها تحويل الحق من ذمة، فلا يسوغ للمحال أن يرجع إلى المحيل؛ لأن حقه انتقل إلى غيره، فعليه أن يصرف وجهته وطالبته إلى المحال عليه، فيستوفي منه أو يصطلح معه على أي شكل في نوعية الاستيفاء؛ فالحوالة الشرعية وفاء صحيح وطريق مشروع، وفيها تيسير على الناس إذا استغلت استغلالاً صحيحا واستعملت استعمالاً حسنا ولم يكن فيها مخادعة ولا مراوغة.
باب في أحكام الوكالة
الوكالة بفتح الواو وكسرها: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى الله؛ أي: فوضته إليه، واصطلاحا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْض﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ .
ووكل صلى الله عليه وسلم عروة بن الجعد في شراء الشاة، وأبا رافع تزجه صلى الله عليه وسلم ميمونة، وكان يبعث عماله الزكاة.
ذكر الموفق وغيره إجماع الأمة على جواز الوكالة في الجملة، والحاجة داعية إليها، إذ لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه.
ما تنعقد به الوكالة:
تنعقد الوكالة بكل قول يدل على الإذن؛ ك: افعل كذا، أو أذنت لك في فعل كذا.
ويصح القبول على الفور وعلى الترخي بكل قول أو فعل يدل على القبول؛ لأن قبول وكلائه عليه الصلاة والسلام كان متراخيا عن توكيله إياهم.
وتصح الوكالة مؤقتة ومعلقة بشرط؛ كأن يقول: أنت وكيلي شهرًا، وكقوله: إذا تمت إجازة داري؛ فبعها.
ويعتبر تعيين الوكيل؛ فلا تنعقد بقوله: وكلت أحد هذين، أو بتوكيل من لا يعرفه.
ما يصح التوكيل فيه:
يصح التوكيل في كل ما تدخله النيابة من حقوق الآدميين من العقود والفسوخ؛ فالعقود مثل البيع والشراء والإجارة والقرض والمضاربة، والفسوخ كالطلاق والخلع والعتق والإقالة، وتصح الوكالة في كل ما تدخله النيابه من حقوق الله من العبادات؛
كتفريق الصدقة، وإخراج الزكاة، والنذر، والكفارة، والحج، والعمرة؛ لورود الأدلة بذلك.
وأما ما لا تدخله النيابة من حقوق الله تعالى؛ فلا يصح التوكيل فيه، هو العبادات البدنية؛ كالصلاة والصوم والطهارة من الحدث؛ لأن ذلك يتعلق ببدن من هو عليه.
وتصح الوكالة في إثبات الحدود واستيفائها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها"، متفق عليه.
وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه؛ إلا في مسائل، وهي:
الأولى: إذا أجاز له الموكل ذلك؛ بأن يقول: وكل إذا شئت، أو يقول: اصنع ما شئت.
الثانية: إذا كان العمل الموكل فيه لا يتولاه مثله؛ لكونه من أشراف الناس المترفعين عن مثل ذلك العمل.
الثالثة: إذا عجز عن العمل الذي وكل فيه.
الرابعة: إذا كان لا يحسن العمل الذي وكل فيه.
وفي هذه الأحوال لا يجوز له أن يوكل إلا أمينا؛ لأنه لم يؤذن له في توكيل من ليس بأمين.
والوكالة عقد جائز من الطرفين؛ لأنها من جهة الموكل إذن،
ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم؛ فلكل واحد منهما فسخها في أي وقت شاء.
مبطلات الوكالة:
تبطل الوكالة بفسخ أحدهما أو موته أو جنونه المطبق؛ لأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل، فإذا انتفيا؛ انتفت صحتها، وتبطل بعزل الموكل للوكيل، وتبطل بالحجر على السفيه وكيلاً كان أو موكلاً؛ لزوال أهلية التصرف.
ما يجوز فيه التوكيل والتوكل:
ومن له التصرف في شيء؛ فله التوكيل والتوكل فيه، ومن لا يصح تصرفه بنفسه؛ فنائبه أولى.
ومن وكل في بيع أو شراء؛ لم بيع ولم يشتر من نفسه؛ لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره، ولأنه تلحقه تهمة، وكذا لا يصح بيعه وشراؤه من ولده ووالده وزوجته وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في حقهم كتهمته في حق نفسه.
ما يتعلق بالموكل وما يتعلق بالوكيل من التصرفات:
يتعلق بالموكل حقوق العقد من تسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك، والوكيل في البيع يسلم المبيع ولا يستلم الثمن بغير إذن الموكل أو قرينة تدل على الإذن؛ كما لو باعه في محل يضيع فيه الثمن لو لم
يقبضه، والوكيل في الشراء يسلم الثمن؛ لأنه من تتمته وحقوقه، والوكيل في الخصومة لا يقبض، والوكيل في القبض يخاصم؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بها.
ما يلزم الوكيل ضمانه وما لا يلزمه:
الوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده من غير تفريط ولا تعد، فإن فرط أو تعدى أو طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر؛ ضمن.
ويقبل قول الوكيل فيما وكل فيه من بيع وإجارة أنه قبض الثمن والأجرة وتلفا بيده، ويقبل قوله في الثمن والأجرة، والله أعلم.