الملخص الفقهيصفحات 421-457
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 421-457
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الحياة.
ومن ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه.
وامرأة المفقود.
وهاك بيان ذلك على التفصيل.
فالحامل تعتد بوضع الحمل؛ سواء كانت مفارقة في الحياة أو بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن﴾ ؛ فدلت الآية الكريمة على أن عدة الحامل تنتهي بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها أو مفارقة في الحياة، وذهب بعض السلف إلى أن الحامل المتوفى عنها تعتد بأبعد الأجلين، لكن حصل الاتفاق بعد ذلك على انقضاء عدتها بوضع الحمل.
لكن ليس كل حمل تنقضي بوضعه العدة، وإنما المراد الحمل الذي قد تبين فيه خلق إنسان، فأما لو ألقت مضغة لم تتبين فيها الخلقة؛ فإنها لا تنقضي بها العدة.
وكذلك يشترط لانقضاء العدة بوضع الحمل أن يلحق هذا الحمل بالزوج المفارق، فإن لم يلحق هذا الحمل بالزوج المفارق؛ لكون هذا الزوج لا يولد لمثله لصغره أو لمانع خلقي، أو تكون قد ولدته لدون ستة أشهر منذ عقد عليها وأمكن اجتماعه بها وعاش هذا المولود؛ فإنها لا تنقضي عدتها به منه؛ لعدم لحوقه به.
وأقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ ، مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ، فإذا أسقطنا مدة الرضاع وهي: حولان، أي: أربعة وعشرون شهرًا من ثلاثين شهراً؛ يبقى ستة أشهر، وهي أقل مدة الحمل، وما دونها لم يوجد من يعيش لدونها.

وأما أكثر مدة الحمل؛ فموضع خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه يرجع فيه إلى الوجود؛ قال الموفق ابن قدامة: "ما لا نص فيه، يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد لخمس سنين وأكثر".
وغالب مدة الحمل تسعة أشهر؛ لأن غالب النساء يلدن فيها؛ فاعتبر ذلك.
هذا وللحمل حرمة في الشريعة الإسلامية؛ فلا يجوز الاعتداء عليه والإضرار به وإذا سقط ميت ابعدما نفخت فيه الروح بسبب الجناية عليه؛ وجبت فيه الدية والكفارة وإذا وجب على الحامل حد شرعي من جلد أو رجم؛ أخر تنفيذ الحد على أمه حتى تلد، ولا يجوز لأمه أن تسقطه بشرب دواء ونحوه.
كل ذلك مما يدل على شمول هذه الشريعة، وأنها تراعي حتى الأجنة في البطون، وتجعل لهم حرمة؛ فالحمد لله رب العالمين على هذه الشريعة الكاملة العادلة، ونسأله أن يرزقنا التمسك بها والعمل بأحكامها؛ مخلصين له الدين ولا كره الكافرون.
والمتوفى عنها إذا كانت غير حامل؛ تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت وفاته قبل الدخول بها أو بعده، وساء كانت الزوجة ممن يوطأ مثلها أم لا؟، وذلك لعم وم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ . قال العلامة ابن القيم: "عدة الوفاة واجبة بالموت، دخل أو لم يدخل بها؛ لعموم القرآن والسنة واتفاق الناس، وليس المقصود من عدة الوفاة

استبراء الرحم، ولا هي تعبد محض؛ لأنه ليس في الشريعة حكم واحد؛ إلا وله معنى وحكمه يعقله من عقله ويخفى على من خفى عليه" نهى.
وقال الوزير وغيره: "اتفقوا على أن عدة المتوفى عنها زوجها ما لم تكن حاملاً أربعة أشهر وعشرا" انتهى.
والأمة المتوفى عنها تعتد نصف هذه المدة المذكورة؛ فعدتها شهران وخمسة أيام بلياليها؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على تنصيف عدة الأمة في الطلاق؛ فكذا عدة الموت.
قال الموفق ابن قدامة: "في قول عامة أهل العلم؛ منهم: مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي"، وقال في "المبدع": "أجمع الصحابة على أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة"، وإلا فظاهر الآية العموم.
هذا؛ ولعدة الوفاة أحكام تختص بها: فمن أحكامها: أنه يجب أن تعتد المتوفى عنها في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه؛ فلا يجوز لها أن تتحول عنه؛ إلا لعذر لقوله صلى الله عليه وسلم: "امكثي في بيتك"، وفي لفظ: "اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي

زوجك"، وفي لفظ: "حيث أتاك الخبر"، رواه أهل السنن.
فإن اضطرت إلى التحول إلى بيت غيره: فإن خافت على نفسها من البقاء فيه أو حولت عنه قهرًا أو كان البيت مستأجرًا وحولها مالكه أو طلب أكثر من أجرته؛ فإنها في هذه الأحوال تنتقل حيث شاءت دفع اللضرر.
ويجوز للمعتدة من وفاة زوجها: الخروج من البيت لحاجتها في النهار، لا في الليل؛ مظنة الفساد، ولقوله صلى الله عليه وسلم للمعتدات من الوفاة: "تحدثن عند إحداكن، حتى إذا أردتن النوم؛ فلتأت كل واحدة إلى بيتها".
ومن أحكام عدة المتوفى عنها: وجوب الإحداد على المعتدة مدة العدة، والإحداد: اجتنابها ما يدعو إلى ويرغب في النظر إليها.
قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: "هذا من تمام محاسن هذه الشريعة وحكمتها ورعايتها على أكمل الوجوه؛ فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة، وتمكث المرأة في أضيق بيت وأوحشه، لا تمس طيبا، ولا تدهن، ولا تغتسل ... إلى غير ذلك مما هو تسخط على

الرب وأقداره، فأبطل الله بحكمه سنة الجاهلية، وأبدلنا به الصب والحمد.
ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تقاضاه الطباع؛ سمع لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك [يعني: لغير الزوجة، وهو ثلاثة أيام] ؛ تجد بها نوع راحة، وتقضي بها وطرًا من الحزن، وما زاد؛ فمفسدته راجحة، فمنع منه.
والمقصود أنه أباح لهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام، وأما الإحداد على الزوج؛ فإنه تابع للعدة بالشهور، الحامل؛ فإذا انقضى حملها؛ سقط وجوب الإحداد، وذكر أنه يستمر إلى حين الوضع؛ فإنه من توابع العدة، ولهذا قيد بمدتها، وهو حكم من أحكام العدة، وواجب من وجباتها، فكان معها وجودًا وعدما ... ". إلى أن قال: "وهو من مقتضياتها ومكملاتها، وهي إنما تحتاج إلى التزين لتتحبب إلى زوجها، فإذا مات وهي لم تصل إلى آخر؛ اقتضى تمام حق الأول وتأكيد المنع من الثاني قبل بلوغ الكتاب أجله: أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن، مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال وطمعهم فيها بالزينة" انتهى كلامه رحمه الله.
فيجب على المعتدة من الوفاء في هذا الإحداد أن تجتنب عمل الزينة في بدنها بالتحسين بالأصباغ والخضاب ونحوه، وتتجنب لبس

الحلي بأنواعه، وتتجنب الطيب بسائر أنواعه، وهو كل ما يسمى طيبا، وتجتنب الزينة في الثياب؛ فلا تلبس الثياب التي فيها زينة، وتقتصر على الثياب التي لا زينة فيها؛ فتجتنب كل ذلك مدة العدة.
وليس للإحداد لباس خاص، فتلبس المحدة ما جرت عادتها بلبسه، ما لم فيه زينة.
وإذا خرجت من العدة؛ لم يلزمها أن تفعل شيئا؛ كما يظنه بعض العوام.
وعدة الآيسة: ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ . والمطلقة إذا كانت تحيض، ولم يكن حمل: تعتد بثلاث حيض؛ لق وله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ ؛ أي: والمطلقات ينتظرن بأنفسهن وتمكث إحداهن بعد طلاق زوجها ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ؛ أي: ثلاث حيض، ثم بعد ذلك تتزوج إن شاءت.
وتفسير الإقراء بالحي ض مروي عن ع مر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، ولأنه ورد الأقراء في لسان الشرع؛ ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: "فإذا أتى قرؤك؛ فلا تصلي".
ولا بد أن تكون الحيضة كاملة؛ فلا تعتد بحيضة طلقت فيها؛

فالطلاق في الحيض يقع مع التحريم، لكن لا تعتد بتلك الحيضة التي طلقت فيها.
ودون كانت المطلقة أمة؛ اعتدت بحيضتين؛ لما روي: "قرء الأمة حيضتان"، ولأن هذا قول عمر وابنه وعلي بن أبي طالب، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، ويكون ذلك مخصص العموم ق وله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، وكان القياس أن تكون عدتها حيضة ونصف حيضة، لكن الحيض لا يتبعض، فصارت حيضتين.
وأما المطلقة الآيسة من الحيض لكبرها والصغيرة التي لم تحض بعد؛ فإنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْن﴾ ؛ أي: واللائي لم يحضن من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر.
قال الإمام موفق الدين قدامة وغيره: "أجمع أهل العلم على أن عدة الحرة الآيسة والصغيرة التي لم تحض ثلاثة أشهر".
ومن بلغت ولم تحض؛ اعتدت عدة الآيسة، ثلاثة أشهر، لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْن﴾ . وإن كانت المطلقة الآيسة أو الصغيرة أم ولد؛ فعدتها شهران؛ لقوله عمر رضي الله عنه: "عدة أم الولد حيضتان، فإن لم تحض؛ شهران"،

وذلك لأن الأشهر بدل من القروء، وذهب بعض العلماء إلى أن عدتها شهر ونصف؛ لأن عدة الأمة نصف عدة الحرة، وعدة الحرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر، فتكون عدة الأمة الآيسة شهرًا ونصف شهر.
وأما المطلقة التي كانت تحيض، ثم ارتفع حيضها، وانقطع انقطاعا طارئا لا لكبر؛ فهذه لها حالتان: الحالة الأولى: أن لا تعلم السبب الذي منع حيضها؛ فهذه عدتها سنة: تسعة أشهر للحمل، وثلاثة أشهر للعدة "أي: عدة الآيسة".
قال الإمام الشافعي رحمه الله: "هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار، لا ينكره منهم علمناه"، ولأن الغرض من العدة هو العلم ببراءة رحمها من الحمل، فإذا مضت تسعة الأشهر؛ دلت على براءة رحمها منه، فتعتد حينئذ عدة الآيسة ثلاثة أشهر، فيكون المجموع اثني عشر شهرًا، وبها يحصل العلم ببراءة رحمها من الحمل والحيض".
الحالة الثانية: أن تعلم السبب الذي ارتفع حيضها؛ كالمرض والرضاع وتناول الدواء الذي يرفع الحيض؛ فهذه تنتظر زوال ذلك المانع، فإن عاد الحيض بعد زواله؛ اعتدت به، وإن زال المانع ولم يعد الحيض؛ فالصحيح أنها تعتد سنة كالتي ارتفع حيضها ولم تدر سبب رفعه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وأما المستحاضة؛ فلها حالات: الحالة الأولى: أن تكون تعرف قدر أيام عادتها قبل الاستحاضة، وتعرف وقتها فهذه تنقضي عدتها بمضي المدة التي يحصل لها بها مقدار ثلاث حيض حسب أيام عادتها.

الحالة الثانية: أن تنسى أيام عادتها، ولكن يكون دمها متميزًا؛ فهذه تعتبر الدم المتميز حيضا تعتد به إن صلح أن يكون حيضا.
الحالة الثالثة: أن تنسي عادتها وليس لها تمييز يعتبر؛ فهذه تعتد عدة الآيسة ثلاثة أشهر.
ومن الأحكام المتعلقة بالعدة: مسألة خطبة المعتدة؛ فالمعتدة من وفاة والمعتدة البائن بطلاق يحرم التصريح بخطبتهما؛ كقوله: أريد أن أتزوجك ونحوه؛ دون التعريض؛ كأن يقول لها: إني في مثلك لراغب؛ لق وله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ . ويباح للرجل أن يخطب من أبانها دون الثلاث ومن طلقها طلاق ارجعي اتصريح اوعريض ا؛ لأنه يباح له أن يتزوج من أبانها دون الثلاث، وأن يراجع مطلقته الرجيعة ما دامت في عدتها.
وأما زوجة المفقود وهو من انقطع خبره، فلم تعلم حياته ولا م وته؛ فتنتظر زوجته قدومه أو تبين خبر في مدة يضربها القاضي تكون كافية للاحتياط في شأنه، وتبقى في عصمته في تلك المدة؛ لأن الأصل حياته، فإذا تمت مدة الانتظار المضروبة؛ حكم بوفاته، واعتدت زوجته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد حكم الصحابة رضي الله عنهم بذلك.
قال الإمام ابن القيم: "حكم الخلفاء في امرأة المفقود كما ثبت عن عمر، وقال أحمد: ما في نفسي شيء منه، خمسة من الصحابة أمروها أن تتربص".

قال ابن القيم: "قول عمر هو أصح الأقوال وأحراها بالقياس.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هو الصواب" انتهى.
فإذا انتهت عدتها؛ حلت للأزواج، ولا تفتقر إلى طلاق ولي زوجها بعد اعتدادها للوفاة، فإن تزوجت، وقدم زوجها الأول؛ فالصحيح أنه يخبر بين استرجاعها وبين إمضاء تزوجها من الثاني، ويأخذ صداقه، سواء كان قدومه بعد دخول الزوج الثاني أو قبله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصواب في امرأة المفقود مذهب عمر وغيره من الصحابة، وهو أنها تتربص أربع سنين، ثم تعتد للوفاة، ويجوز لها أن تتزوج بعد ذلك، وهي زوجة الثاني ظاهرًا وباطن ا، ثم إذا قدم زوجها الأول بعد تزوجها؛ خير بين امرأته وبين مهرها، ولا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهو ظاهر مذهب أحمد"، ثم قال: "والتخيير فيه بين المرأة والمهر هو أعدل الأقوال" انتهى.

باب في الاستبراء

الاستبراء هو: تربص؛ يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين، مأخوذ من البراءة، وهي التمييز والقطع.
فمن ملك أمة يوطأ مثلها ببيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك؛ حرم عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يسقي ماءه زرع غيره"، رواه أحمد والترمذي وأبو داود، وفي حديث آخر رواه أبو داود: "لا توطأ حامل حتى تضع".
واستبراء الأمة الحامل ينتهي بوضع الحمل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ . وغير الحامل إن كانت تحيض؛ فاستبراؤها بحيضة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في سبي أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة"، رواه أحمد وأبو داود؛ فدل هذا الحديث على وجوب استبراء

الأمة المسبية وغيرها قبل وطئها، ودل على بيان ما تستبرأ به الحامل والحائض من المسبيات.
وأما الأمة الآيسة من الحيض والأمة الصغيرة؛ فتستبرءآن بمضي شهر؛ لقيام الشهر مقام الحيضة في العدة.
والحكمة في استبراء الأمة قبل وطئها يبينها قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يسقي ماءه زرع غيره"؛ فبين أن الغرض من الاستبراء تجنب اختلاط المياه واشتباه الأنساب

أبواب

باب في أحكام الرضاع

قال تعالى في سياق بيان المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ . وفي "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة"، رواه الجماعة.
والرضاع لغة: مص اللبن من الثدي أو شربه، وشرعا: هو مص من دون الحولين لبن اثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.
والرضاع حكمه حكم النسب في النكاح والخلوة والمحرمية وجواز النظر على ما يأتي تفصيله.
ولكن لا تثبت له هذه الأحكام إلا بشرطين:

الشرط الأول: أن يكون خمس رضعات فأكثر؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "أنزل في القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك"، رواه مسلم، وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم، وهو مبين لما أجمل في الآية والأحاديث في موضوع الرضاع.
الشرط الثاني: أن تكون خمس الرضعات في الح ولين؛ لق وله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ؛ فدلت هذه الآية الكريمة على أن الرضاع المعتبر ما كان في الحولين، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام"، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ومعناه: أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما وصل إلى الأمعاء ووسعها؛ فلا يحرم القليل الذي لم إليها ويوسعها، ولا يحرم إلا ما كان قبل الفطام؛ أي: ما كان في زمن الصغر، وقام مقام الغذاء؛ فالذي يثبت الحرمة حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعه وينبت لحمه، فيكون ذلك جرءًا منه.
وحدّ الرضعة: أن يمتص الثدي ثم يقطع امتصاصه لتنفس أو انتقال من ثدي لآخر أو لغير ذلك؛ فيحتسب له بذلك رضعة، فإن عاد؛ فرضعتان ... وهكذا، ولو في مجلس واحد، وذلك لأن الشارع اعتبر عدد الرضعات ولم يحدد الرضعة، فيرجع في تحديدها إلى العرف.

ولو وصل اللبن إلى جوف الطفل بغير الرضاع؛ له حكم الرضاع؛ كما لو قطر في فمه أو أنفه، أو شربه من إناء ونحوه؛ أخذ ذلك حكم الرضاع؛ لأنه يحصل به ما يحصل من التغذية؛ بشرط أن يحصل من ذلك خمس مرات.
وأما ما ينشره الرضاع من الحرمة: فمتى أرضعت امرأة طفلاً دون الحولين خمس رضعات فأكثر؛ صار المرتضع ولدها في تحريم نكاحها عليه وفي إباحة نظره إليها وخلوته بها، ويكون محرما لها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ، ولا يكون ولدًا لها في بقية الأحكام؛ فلا تجب نفقتها عليه، ولا توارث بينهما، ولا يعقل عنها، ولا يكون ولي الها؛ لأن النسب أقوى من الرضاع؛ فلا يساويه إلا فيما ورد فيه النص، وهو التحريم، وما يتفرغ عليه من المحرمية والخلوة.
ويصير المرتضع ولدًا لمن ينسب لبنها إليه بسبب حملها منه، أو بسبب وطئه لها بنكاح أو شبهه؛ للحوق نسب الحمل به في تلك الأحوال والرضاع فرع عنه، فيكون المرتضع ولدًا له في الأحكام المذكورة في حق المرضعة فقط، وهي تحريم النكاح وجواز النظر والخلوة والمحرمية دون بقية الأحكام.
وتكون محارم من نسب إليه اللبن كآبائه وأولاده وأمهاته وأجداده وجداته وإخوته وأخواته وأولادهم وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته يكونون محارم للمرتضع، وتكون محارم المرضعة كآبائها وأولادها وأمهاتها وأخواتها وأعمامها ونحوهم محارم للمرتضع.
وكما تثبت الحرمة على المرتضع تنتشر كذلك على فروعة من

أولاده وأولاد أولاده دون أصوله وحواشيه؛ فلا تنتشر الحرمة على من هو أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، كما لا تنتشر إلى من هو في درجته من حواشيه وهم إخوانه وأخواته.
ومن رضع من لبن امرأة موطوءة بعقد باطل أو بزنى؛ صار ولدًا للمرضعة فقط؛ لأنه لما لم تثبت الأبوة من النسب؛ لم يثبت من الرضاع وهو فرعها.
ولبن البهيمة لا يحرم، فلو ارتضع طفلان من بهيمة؛ لم ينشر الحرمة بينهما.
واختلف في لبن المرأة إذا در لها لبن بدون حمل وبدون وطء تقدم، ورضع منه طفل، فقيل: لا ينشر الحرمة؛ لأنه ليس بلبن حقيقة، بل رطوبة متولدة، لأن اللبن ما أنشز العظم وأنبت اللحم، وهذا ليس كذلك، والقول الثاني: أنه ينشر الحرمة الموفق وغيره.
ويثبت الرضاع بشهادة امرأة مرضية في دينها.
قال شيخ الإسلام: "إذا كانت معروفه بالصدق، وذكرت أنها أرضعت طفلاً خمس رضعات؛ قبل على الصحيح، ويثبت حكم الرضاع" انتهى.
وإن شك في وجود الرضاع، أو شك في كماله خمس رضعات، وليس هناك بينة؛ فلا تحريم؛ الأصل عدم الرضاع، والله أعلم.

باب في أحكام الحضانة

الحضانة: مشتقة من الحضن، وهو الجنب؛ لأن المربي يضم الطفل إلى حضنه، والحاضنة هي المربية.
هذا معناها لغة.
وأما معناها شرعا؛ فهي: حفظ صغير ونحوه عما يضره وتربيته بعمل مصالحه البدنية والمعنوية.
والحكمة فيها ظاهرة، ذلك أن الصغير ومن في حكمة ممن لا يعرف مصالحه كالجنون والمعتوه يحتاج إلى من يتولاه ويحافظ عليه بجلب منافعه ودفع المضار عنه وتربية السليمة.
وقد جاءت شريعتنا بتشريع الحضانه لهؤلاء؛ رحمه بهم، ورعاية لشؤونهم، وإحسان اإليهم؛ لأنهم لو تركوا؛ لضاعوا وتضرروا، وديننا دين الرحمة والتكافل والمواساة، ينهى عن إضاعتهم، ويوجب كفالتهم، وهي حق للمحضون على قرابته، وحق للحاضن بتولي شؤون قربيه كسائر الولايات.
وهي تجب للحاضنين على الترتيب: فأحق الناس بالحضانة الأم: قال الإمام موفق الدين بن قدامة

رحمه الله: "إذا افترق الزوجان ولهما ولد طفل أو معتوه؛ فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها، ذكرًا كان أو أنثى، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدًا خالفهم" انتهى.
فإذا تزوجت الأم؛ انتقلت الحضانة إلى غيرها، وسقط حقها فيها؛ لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني؟ فقال: "لأنت أحق به ما لم تنكحي"، رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه؛ فدل الحديث على أن الأم أحق بحضانة ولدها إذا طلقها أبوه وأراد انزاعه منه، وأنها إذا تزوجت؛ سقط حقها من الحضانة.
وتقديم الأم في حضانة ولدها لأنها أشفق عليه وأقرب إليه، ولا يشاركها في القرب إلا أبوه، وليس له مثل شفقتها، ولا يتولى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته، وأمه أولى به من امرأة أبيه، وقال ابن عباس لرجل: "ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الأم أصلح من الأب؛ لأنها أوثق بالصغير، وأخبر بتغذيته وحمله وتنويمه وتنويله، وأخبر وأرحم به؛ فهي أقدر وأخبر وأصبر في هذا الموضع؛ فتعينت في حق الطفل غير

المميز بالشرع" انتهى.
ثم بعد سقوط حق الأم للحضانة تنتقل إلى أمهاتها جدات الطفل القربى فالقربى؛ لأنهن في معنى الأم؛ لتحقق ولادتهن وشفقتهن على المحضون أكمل من غيرهن.
ثم بعد الجدات اللاتي من قبل الأم تنتقل الحضانة إلى أبي الطفل؛ لأنه أصل النسب، وأقرب من غيره، وأكمل شفقة؛ فقدم على غيره.
ثم بعد سقوط حق الأب من الحضانة تنتقل إلى أمهات الأب أي: الجدات من قبل الأب القربى فالقربى؛ لأنهن يدلين بعصبة قريبة، وقدمن على الجد؛ لأن الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان؛ كما قدمت الأم على الأب.
ثم بعد سقوط حق الجدات من قبل الأب في الحضانة تنتقل إلى الجد من قبل الأب، الأقرب فالأقرب؛ لأنه في معنى أبي المحضون، فينزل منزلته.
ثم بعد الجد تنتقل الحضانة إلى أمهات الجد القربى فالقربى؛ لأنهن يدلين بالجد، ولما فيهن من وصف الولادة؛ فالمحضون بعض منهن.
ثم بعد أمهات الجد تنتقل الحضانة إلى أخوات المحضون؛ لأنهن يدلين بأبويه أو بأحدهما، فتقدم الأخت لأبوين لقوة قرابتها

ولتقدمها في الميراث، ثم الأخت لأم؛ لأنها تدلى بالأمومة، والأم مقدمة على الأب، ثم الأخت لأب، وقيل: الأولى تقديم الأخت لأب على الأخت لأم؛ لأن الولاية للأب، وهي أقوى في الميراث؛ لأنها أقيمت فيه مقام الأخت لأبوين عند عدمها، وهذا وجيه.
ثم بعد الأخوات تنتقل الحضانة إلى الخالات؛ لأن الخالات يدلين بالأم، ولما في "الصحيحين"؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخالة بمنزلة الأم"، وتقدم خالة لأبوين، ثم خالة لأم، ثم خالة لأب؛ كالأخوات.
ثم بعد الخالات تنتقل إلى العمات؛ لأنهن يدلين بالأب، وهو مؤخر عن الأم.
وقال شيخ الإس لام ابن تيمية رحمه الله: "العمة أحق من الخالة، وكذا نساء الأب أحق، فيقدمن على نساء الأم؛ لأن الولاية الأب، وكذا أقاربه، وإنما قدمت الأم على الأب لأنه لا يقوم مقامها هنا أحد في مصلحة الطفل، وإنما قدم الشارع خالة بنت حمزة على عمتها صفية؛ لأن صفية لم تطلب، وجعفر طلب نائب اعن خالتها، فقضى لها بها في غيبتها".
وقال رحمه الله: "مجموع أصول الشريعة تقديم أقارب الأب على أقارب الأم، فمن في الحضانة؛ فقد خالف الأصول والشريعة" انتهى.

ثم بعد العمات تنتقل الحضانة إلى بنات الإخوة.
ثم بعدهن إلى بنات الأخوات.
ثم بعد بنات الإخوة وبنات الأخوات تنتقل الحضانة إلى بنات الأعمام.
ثم إلى بنات العمات.
ثم بعدهن تنتقل الحضانة لباقي العصبة الأقرب فالأقرب؛ الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم.
فإن كانت المحضونة أنثى؛ اشترط كون الحاضن من محارمها، فإن لم يكن محرم الها؛ سلمها إلى ثقة يختارها.

باب في موانع الحضانة

من موانع الحضانة: الرق؛ فلا حضانة لمن فيه رق، ولو قل لأن الحضانة ولاية، والرقيق ليس من أهل الولاية، ولأنه مشغول بخدمة سيده، ومنافعه مملوكة لسيده.
ولا حضانة لفاسق؛ لأنه لا يوثق به فيها، وفي بقاء المحضون عنده ضرر عليه؛ لأنه يسيء تربيته، وينشئه على طريقته.
ولا حضانة لكافر على مسلم؛ لأنه أولى بعدم الاستحقاق من الفاسق؛ لأن ضرره أكثر؛ فإنه يفتن المحضون في دينه ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيه عليه.
ولا حضانة لمزوجة بأجنبي من محضون؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لوالدة الطفل: "أنت أحق به ما لم تنكحي"، ولأن الزوج يملك منافعها، ويستحق منعها من الحضانة، والمراد بالأجنبي هنا من ليس من عصبات المحضون، فلو تزوجت بقريب محضونها؛ لم تسقط حضانتها.
فإن زال أحد هذه الموانع؛ بأن عتق الرقيق، وتاب الفاسق،

وأسلم الكافر، وطلقت المزوجة؛ رجع من زال عنه المانع من هؤلاء إلى حقه في الحضانة؛ لوجود سببها، مع انتفاء المانع منها.
وإذا أراد أحد أبوي المحضون سفرًا طويلاً، ولم يقصد به المضارة، إلى بلد بعيد ليسكنه، وهو وطريقه آمنان؛ فالحضانة تكون للأب، سواء كان هو المسافر أو المقيم؛ لأنه هو الذي يقوم بتأديب ولده والمحافظة عليه، فإذا كان بعيدًا عنه؛ لم يتمكن من ذلك، وضاع الولد.
وإن كان السفر إلى بلد قريب دون مسافة القصر لغرض السكنى فيه؛ فالحضانة للأم، سواء كانت هي المسافرة أو المقيمة؛ لأنها أتم شفقة على المحضون، ولأنه يمكن لأبيه الإشراف عليه في تلك الحالة.
أما إذا كان السفر لحاجة، ثم يرجع، أو كان الطريق أو البلد المسافر إليه مخوفين؛ فإن الحضانة تكون للمقيم منهما؛ لأن في السفر بالمحضون إضرارًا في هاتين الحالتين.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "لو أراد الإضرار والاحتيال على إسقاط حضانة الأم، فسافر ليتبعه الولد؛ فهذه حيلة مناقضة الشارع؛ فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب مع قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت ... ". إلى أن قال: "وأخبر "يعني: النبي صلى الله عليه وسلم" أن من فرق بين والدة وولدها؛ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة، ومنع أن تباع الأم دون ولدها والولد دونها، وإن كانا في بلد واحد؛ فكيف يجوز مع هذا التحيل على التفريق بينها وبين ولدها تفريق اتعز معه رؤيته ولقاؤه، ويعز عليها

الصبر عنه وفقده، هذا من أمحل المحال، بل قضاء الله ورسوله أحق؛ أن الولد للأم، سافر الأب أو أقام، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنت أحق به ما لم تنكحي"؛ فكيف يقال ك أنت أحق به ما لم يسافر الأب؟ وأين هذا في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو فتاوى أصحابه أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة" انتهى.
وأما تخيير الغلام بين أبويه؛ فيحصل عند بلوغه السابعة من عمرهن فإذا بلغ سبع سنين وهو عاقل؛ فإنه يخبر بين أبويه، فيكون عند من اختار منهما، قضى بذلك عمر وعلي رضي الله عنهما.
وروى الترمذي وغ يره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت ام رأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب ب ابني.
فقال: "يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت.
فأخذ بيد أمه، فانطلقت به"؛ فدل الحديث على أن الغلام إذا استغنى بنفسه؛ يخبر بين أبويه؛ فإنه إذا بلغ حدًا يستطيع معه أن يعرب عن نفسه، فمال إلى أحد الأبوين؛ دل على أنه أرفق به وأشفق عليه، فقدم لذلك.
ولا يخير إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون الأبوان من أهل الحضانة.
والثاني: أن يكون الغلام عاقلاً، فإن كان معتوها؛ بقي عند الأم؛ لأنها أشفق عليه وأقوم بمصالحه.

وإذا اختار الغلام العاقل أباه؛ صار عنده ليلاً ونهارًا؛ ليحفظه ويعلمه ويؤدبه، لكن لا يمنعه من زيادة أمه؛ لأن منعه من ذلك تنشئة له على العقوق وقطيعة الرحم، وإن اختار أمه؛ صار عندها ليلاً وعند أبيه نهارًا؛ ليعلمه ويؤدبه، وإن لم يخبر واحدًا منهما؛ أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر إلا بالقرعة.
والأنثى إذا بلغت سبع سنين؛ فإنها تكون عند أبيها إلى أن يتسلمها زوجها؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره، ولا تمنع الأم من زيارتها مع عدم المحذور، ف فن كان الأب عاجزًا عن حفظ البنت أو لا يبالي بها لشغله أو لقلة دينه، والأم تصلح لحفظها؛ فإنها تكون عند أمها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك ضرر، فلو قدر أنه عاجز عن حفظها وصيانتها، ويهملها لاشتغاله عنها، والأم قائمة بحفظها وصيانتها؛ فإنها تقدم في هذه الحال، فمع وجود فساد أمرها مع أحدهما؛ فالآخر أولى بها بلا ريب".
وقال رحمه الله: "وإذا قدر أن الأب تزوج بضرة، وهو يتركها عند ضرة أمها، لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها وتقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها؛ فالحضانة هنا للأم قطع ا" انتهى، والله أعلم.

باب في نفقة الزوجة

النفقات جمع نفقة، وهي لغة: الدراهم ونحوها من الأموال، وشرعا: كفاية من يموٍّنه بالمعروف قوتا ومسكنا وتوابعها.
وأول ما يجب على الإنسان: النفقة على زوجته، فيلزم الزوج نفقة زوجته قوت اوكسوة وسكنى بما يصلح لمثلها.
قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" رواه مسلم وأبو داود.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ويدخل في ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ : جميع الحقوق التي للمرأة وعليها، وأن مرد ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم، ويجعلونه معدودًا، ويتكرر" انتهى.
ويعتبر الحاكم تقدير نفقة الزوجة بحال الزوجين يسارًا وإعسارًا أو يسار أحدهما وإعسار الآخر عند التنازع بينهما:

فيفرض للموسرة تحت الموسر من النفقة قدر كفايتها مما تأكل الموسرة تحت الموسر في محلهما، ويفرض لها من الكسوة ما يلبس مثلها من الموسرات بذلك البلد، ومن الفرش والأثاث كذلك ما يليق في ذلك البلد.
ويفرض للفقيرة تحت الفقير من القوت والكسوة والفرش والأثاث ما يليق بمثلها في البلد.
ويفرض للمتوسطة مع المتوسط والغنية تحت الفقير والفقيرة تحت الغني ما بين الحد الأعلى وهو نفقة الموسرين والحد الأدنى وهو نفقة الفقيرين بحسب العرف والعادة؛ لأن ذلك هو اللائق بحالهما.
وعلى الزوج مؤونة نظافة زوجته من دهن وسدر وصابون ومن ماء للشرب والطهارة والنظافة.
وما ذكر هو ما إذا كانت الزوجة في عصمته، أما إذا طلقها وصارت في العدة: فإن كان طلاقها رجعي ا؛ فإنها تجب نفقتها عليه ما دامت في العدة؛ كالزوجة لأنها زوجة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك﴾ . وأما المطلقة البائن بينونة كبرى أو بينونة صغرى؛ فلا نفقة لها ولا سكنى؛ لما في "الصحيحين" من حديث فاطمة بنت قيس: طلقها زوجها ألبتة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا نفقة لك ولا سكنى".

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، بل الموافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس، ومذهب فقهاء الحديث" انتهى.
إلا أن تكون المطلقة البائن حاملاً؛ فلها النفقة؛ لق وله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "لا نفقة لك؛ إلا أن تكوني حاملاً"، ولأن الحمل ولد للمطلق، فلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق على أمه.
قال الموفق وغيره: "وهذا بإجماع أهل العلم، لكن اختلف العلماء هل النفقة للحمل أو للحامل من أجل الحمل".
ويتفرع على القولين أحكام كثيرة موضعها كتب الفقه والقواعد الفقهية.
وتسقط نفقة الزوجة عن زوجها بأسباب متعددة: منها: إذا حبست عنه؛ سقطت نفقتها؛ لفوات تمكنه من الاستمتاع بها، والنفق إنما تجب في مقابل الاستمتاع.
ومنها: إذا نشزت عنه؛ فإنها تسقط نفقتها، والنشوز هو:

معصيتها إياه فيما يجب عليها له، كما لو امتنعت من فراشه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن يليق بها، أو خرجت من منزله بغير إذنه؛ فلا نفقة لها في هذه الأحوال؛ لأنها تعتبر ناشزًا، لا يتمكن من الاستمتاع بها والنفقة في نظير تمكينها من الاستمتاع.
ومنها: لو سافرت لحاجتها؛ فإنها تسقط نفقتها؛ لأنها بذلك منعت نفسها منه بسبب لا من جهته، فسقطت نفقتها.
والمرأة المتوفى عنها لا نفقة لها من تركة الزوج؛ لأن المال انتقل من الزوج إلى الورثة، ولا سبب لوجوب النفقة عليها، فتكون نفقتها على نفسها، أو على من يمونها إذا كانت فقيرة.
وإن كانت المتوفى عنها حاملاً؛ وجبت نفقتها في حصة الحمل من التركة إن كان للمتوفى تركة، وإلا وجبت نفقتها على وارث الحمل الموسر.
وإذا اتفق الزوجان على دفع قيمة النفقة أو اتفقا على تعجيلها أو على تأخيرها مدة طويلة أو قليلة، جاز ذلك؛ لأن الحق لهما، وإن اختلفا؛ وجب دفع نفقة كل يوم من أوله جاهزة، وإن اتفقا على دفعها حبا؛ جاز ذلك؛ لاحتياجه إلى كلفة ومؤونة، فلا يلزمها قبوله إلا برضاها.
وتجب لها الكسوة كل عام من أوله، فيعطيها كسوة السنة، ومن غاب عن زوجته ولم يترك لها نفقة، أو كان حاضرًا ولم ينفق عليها؛ لزمته نفقة ما مضى؛ لأنه حق يجب مع اليسار والإعسار، فلم يسقط بمضي الزمان.

ويبدأ وقت وجوب نفقة الزوجة على زوجها من حين تسليم نفسها له، فإن أعسر بالنفقة؛ فلها فسخ نكاحها منه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؛ قال: "يفرق بينهما"، رواه الدارقط ني، ولقوله تع الى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ، وليس الإمساك مع ترك النفقة إمساك ابمعروف.
وإن غاب زوج موسر، ولم يدع لامرأته نفقة، وتعذر أخذها من ماله أو استدانتها عليه؛ فلها الفسخ بإذن الحاكم، فإن قدرت على ماله؛ أخذت قدر كفايتها، لما في "الصحيحين"؛ أنه صلى الله عليه وسلم قال لهند: "خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف"، لما ذكرت له أن زوجها لا يعطيها ما يكفيها وولدها.
ومن هذا وغيره ندرك كمال هذه الشريعة، وإعطاءها كل ذي حق حقه، شأنها في كل تشريعاتها الحكيمة؛ فقبح الله قوم ايعدلون عنها إلى غيرها من القوانين الكفرية، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .

باب في نفقة الأقارب والمماليك

المراد هنا: بأقارب الإنسان كل من بفرض أو تعصيب.
والمراد بالمماليك: ما تحت ملك الإنسان من الأرقاء والبهائم.
ويشترط لوجوب الإنفاق على القريب إذا كان من عمودي النسب، وهم والدا المنفق وأجداده وإن علوا وأولاده وإن نزلوا: أن يكون المنفق عليه منهم فقيرًا ر يملك شيئ ا، أو لا يملك ما يكفيه، ولا يقدر على التكسب.
وأن يكون المنفق غني ا، عنده ما يفضل عن قوته وقت زوجته ومملوكه.
وأن يكون المنفق والمنفق عليه على دين واحد.
وإن كان المنفق عليه من غير أولاد المنفق وآبائه؛ اشترط زيادة على ذلك كون المنفق وارث اللمنفق عليه.
والدليل على وجوب نفقة الوالدين على ولدهما: قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ، ومن الإحسان الإنفاق عليهما، بل ذلك من أعظم الإحسان إلى الوالدين.

والدليل على وجوب نفقة الأولاد على أبيهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ؛ أي: وعلى المولود له، وهو الأب.
﴿رِزْقُهُنَّ﴾ أي: طعام الوالدات، ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي: لباسهن، ﴿بِالْمَعْرُوف﴾ ؛ أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن على قدر الميسرة من غير إسراف ولا إقتار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
والدليل على وجوب نفقة القريب الذي يرثه المنفق بفرض أو تعصيب قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ ، ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس؛ فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دون غيره ممن لا يرث.
وفي هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ أي: على وارث الولد غير والده والذي يكون بحيث لو مات هذا الولد وله مال ورثه من الإنفاق على الطفل مثل ما على والده من ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ . وغير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب نفقة الأقارب المحتاجين على قريبهم الغني.
وروى أبو داود؛ أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أبر؟، قال: "أمك

وأباك وأختك وأخاك"، وللنسائي وصححه الحاكم من حديث طارق المحاربي: "وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك"، وهذا الحديث يفسر قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ . والوالد تجب عليه نفقة ولده كاملة، ينفرد بها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"؛ فدل هذا الحديث الشريف على انفراد الأب بنفقة ابنه، مع قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ، وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ؛ فأوجب على الأب نفقة الرضاع دون أمه.
وأما الفقير الذي له أقارب أغنياء، وليس منهم الأب؛ فإنهم يشرمون في الإنفاق عليه كل بقدر إرثه منه؛ لأن الله تعالى رتب النفقة على الإرث؛ بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ ، فوجب أن يتريب مقدار النفقة على مقدار الإرث، فمن له جدة أو أخ شقيق مثلاً؛ وجب على الجدة سدس نفقه، والباقي على الشقيق؛ لأنهما يرثانه كذلك، وعلى هذا فقس.
وأما نفقة المماليك من الأرقاء والبهائم: فإنه يجب على السيد نفقة رقيقه من قوت وكسوة وسكنى بالمعروف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وللمملوك

طعامه وكسوته بالمعروف، لا يكلف من العمل ما لا يطيق"، رواه الشافعي في "مسنده".
وروى مسلم في "الصحيحين" من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده؛ فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم".
مع قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ؛ ففي هذه النصوص دليل على وجوب نفقة الرقيق على مالكه.
وإن طلب الرقيق نكاح ا؛ زوجّه سيده أو باعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم﴾ ، والأمر يقتضي الوجوب عند الطلب.
وإن طلبته أمة؛ خير سيدها بين وطئها أو تزويجها أو بيعها؛ إزالة للضرر عنها.
ويحب على من يملك بهيمة علفها وسقيها وما يصلحها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عذبت امرأة في هرة حبستها، حتى ماتت جوع ا؛ فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض"، متفق عليه.

فدل هذا الحديث على وجوب النفقة على الحيوان المملوك؛ لأن السبب في دخول تلك المرأة النار ترك الهرة بدون إنفاق، وإذا كان هذا في الهرة؛ فغيرها من الحيونات التي تحت ملكه من باب أولى.
ولا يجوز لمالك البهيمة أن يحملها ما تعجز عنه؛ لأن ذلك تعذيب لها.
ولا يجوز له أن يحلب من ابنها ما يضر ولدها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".
ويحرم عليه لعن البهيمة وضربها في وجهها ووسمها فيه، فإن عجز مالك البهيمة عن الإنفاق عليها؛ أجبر على بيعها أو تأجيرها أو ذبحها إن كانت مما تؤكل؛ لأن بقاءها في ملكه مع عدم الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل