الملخص الفقهيصفحات 561-573
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود والتعزيرات

صفحات 561-573
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

أئمة المسلمين، ذلك أنه لابد للمسلمين من جماعة وإمام؛ قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد"، وهذا من الضروريات؛ لأن بالناس حاجة إلى ذلك؛ لحماية البيضة، والذب عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر المسلمين من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا الدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصالحهم إلا باجتماع الجماعة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، وقد أجبه الشارع في الاجتماع القليل العارض؛ تنبيها بذلك على أنواع الاجتماع".
وقال رحمه الله: "من المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، ولو تولى من الظلمة؛ فهو خير لهم من عدمهم؛ كما يقال: سنة من إمام جائر خير من ليلة بلا إمارة...." انتهى.
فإذا خرج على الإمام قوم لهم شوكة ومنعة بتأويل مشتبه، يريدون خلعه أو مخالفته وشق عصا الطاعة وتفريق الكلمة؛ فهم بغاة

ظلمة؛ فيجب على الإمام أن يراسلهم فيسألهم عما ينقمون عليه، فإن ذكروا مظلمة؛ أزالها، وإن ادعوا شبهة؛ كشفها؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ . والإصلاح إنما يكون بذلك، فإن كان ما ينقمون منه مما لا يحل فعله؛ أزاله، وإن كان حلالاً، لكن التبس عليهم، فاعتقدوا أنه مخالف للحق؛ بيَّن لهم دليله، وأظهر لهم وجهه، فإن فاؤوا ورجعوا إلى الحق والتزموا الطاعة؛ تركهم، وإن لم يرجعوا؛ قاتلهم وجوبا، وعلى رعيته معونته؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؛ فيجب قتالهم حتى يندفع شرهم، وتطفأ فتنتهم.
ويتجنب في قتالهم الأمور التالية: أولاً: يحرم قتالهم بما يعم؛ كالقذائف المدمرة.
ثانيا: يحرم قتل ذريتهم ومدبرهم وجريحهم ومن ترك القتال منهم.
ثالثا: من أسر منهم؛ حبس حتى تخمد الفتنة.
رابعا: لا تغنم أموالهم؛ لأنها كأموال غيرهم من المسلمين، لا يجوز اغتنامها؛ لبقاء ملكهم عليها، وبعد انقضاء القتال وخمود الفتنة من وجد منهم ماله بيد غيره؛ أخذه، وما تلف منه حال الحرب؛ فهو هدر، ومن قتل من الفريقين في الحرب غير مضمون.
قال الزهري: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا أنه لا يقاد لأحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن؛ إلا ماوجد بعينه" انتهى.

وقال في "الإفصاح": "اتفقوا على أن ما يتلفه أهل العدل على أهل البغي؛ فلا ضمان فيه، وما يتلفه أهل البغي كذلك".
وإن اقتتلت طائفتان من المسلمين، ولم تكن واحدة منهما في طاعة الإمام، بل لعصبية بينهما، أو طلب رئاسة؛ فهما ظالمتان؛ لأن كلاً منهما باغية على الأخرى؛ حيث لا ميزة لواحدة منهما؛ فتضمن كل واحدة منهما ما أتلفه على الأخرى، وإن كانت إحداهما تقاتل بأمر الإمام؛ فهي محقة، والأخرى باغية كما سبق.
وإن أظهر قوم رأي الخوارج؛ كتكفير مرتكبي الكبيرة، واستحلال دماء المسلمين، وسب الصحابة، فإنهم يكونون خوارج بغاة فسقة، فإن أضافوا إلى ذلك الخروج على قبضة إمام المسلمين؛ وجب قتالهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الخوارج: "أهل السنة متفقون على أنهم مبتدعة، وأنه يجب قتالهم بالنصوص الصحيحة، بل قد اتفق الصحابة على قتالهم، ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون مع أئمة العدل، وهل يقاتلون من أئمة الجور؟ نقل عن بعض أهل العلم أنهم يقاتلون، وكذلك من نقض العهد من أهل الذمة، وهو قول الجمهور، وقالوا: يغزى مع كل أمير برّاً كان أو فاجرًا إذا كان الغزو الذي يفعله جائزًا، فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد أو الخوارج قتالاً مشروعا؛ قوتل معه، وإن كان قتالاً غير جائز؛ لم يقاتل معه" انتهى كلامه.

وإن لم يخرج هؤلاء الذي أظهروا رأي الخوارج عن قبضة الإمام، ولم يشقوا عصا الطاعة؛ لم يقاتلوا، وأجريت عليهم أحكام الإسلام، لكن يجب تعزيرهم، والإنكار عليهم، وعدم تمكينهم من إظهار رأيهم ونشر بدعتهم بين المسلمين.
هذا على القول بعدم تكفيرهم؛ كما عليه الجمهور، وأما من يرى كفر الخوارج؛ فإنه يجب عنده قتالهم بكل حال.

باب في أحكام الردة

المرتد في اللغة: هو الراجع، يقال: ارتد فهو مرتد: إذا رجع، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ ؛ أي: لا ترجعوا.
والمرتد في الاصطلاح: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعا بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل.
والمرتد له حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة: أما حكمه في الدنيا؛ فقد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "من بدَّل دينه فاقتلوه"، وأجمع العلماء على ذلك، وما يتبع ذلك من عزل زوجته عنه ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله.
وأما حكمه في الآخرة؛ فقد بينه الله تعالى: بقوله ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام، سواء كان

جادّاً أو هازلاً أو مستهزئا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . أما المكره إذا نطق بسبب الإكراه؛ فإنه لا يرتد؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ﴾ . ونواقض الإسلام التي تحصل بها الردة كثيرة: من أعظمها الشرك بالله تعالى: فمن أشرك بالله تعالى؛ بأن دعا غير الله من الموتى والأولياء والصالحين؛ أو ذبح لقبورهم، أو أنذر لها، أو طلب الغوث والمدد من الموتى؛ كما يفعل عباد القبور اليوم؛ فقد ارتد عن دين الإسلام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم؛ كفر إجماعا.
وكذلك من جحد بعض الرسل أو بعض الكتب الإلهية؛ فقد ارتد؛ لأنه مكذب لله، جاحدًا لرسول من رسله أو كتاب من كتبه.
وكذلك جحد الملائكة أو جحد البعث بعد الموت؛ فقد كفر؛ لأنه مكذب للكتاب والسنة والإجماع.
وكذلك من سب الله تعالى أو سب نبيا من أنبيائه؛ فقد كفر.

وكذلك من ادعى النبوة، أو صدَّق من يدعيها بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد كفر؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . ومن جحد تحريم الزنى، أو جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها كلحم الخنزير والخمر، أو حرم شيئا مجمعا على حله؛ مما لا خلاف في حله؛ كالمذكاة من بهيمة الأنعام؛ فقد كفر.
وكذلك من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس الواردة في قوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام".
ومن استهزأ بالدين، أو امتهن القرآن الكريم، أو زعم أن القرآن نقص منه شيء، أو كتم منه شيء؛ فلا خلاف في كفره".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض".
وقال: "ومن سخر بوعد الله أو بوعيده، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم؛ كفر إجماعا".

وقال: "من سب الصحابة أو أحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليّا إله أو نبي، وأن جبريل غلط؛ فلا شك في كفره" انتهى كلامه رحمه الله.
ومن حكم القوانين الوضعية بدل الشريعة الإسلامية؛ يرى أنها أصلح للناس من الشريعة الإسلامية، أو اعتنق فكرة الشيوعية أو القومية بديلاً عن الإسلام؛ فلا شك في ردته.
وأنواع الردة كثيرة؛ مثل من ادعى علم الغيب، ومثل من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو يصحح ما هم عليه، ومثل من يعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غير النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، ومثل من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن استهزأ بشيء من دين الرسول أو ثوابه أو عقابه، وكذلك ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين، ومن اعتقد أن بعض الناس يجوز له الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كغلاة الصوفية، ومن أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به؛ كل هذه الأمور من أسباب الردة ومن نواقض الإسلام.
قال الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف؛ إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعا؛ فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه".
هذه نماذج من نواقض الإسلام، وهي أكثر مما ذكر بكثير؛ فعليك

أن تتعلمها وتعرفها لتحذر منها وتتجنبها؛ فإن من لا يعرف الشرك؛ يوشك أن يقع فيه.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".
وإني أنصحك أن تقرأ كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب "المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشرحها للعلامة العراقي محمود شكري الألوسي رحمه الله.
فمن ارتد عن دين الإسلام؛ فإنه يجب أن يستتاب ويمهل ثلاثة أيام، فإن تاب، وإلا قتل؛ لقول عمر رضي الله عنه لما بلغه أن رجلاً كفر بعد إسلامه فضربت عنقه بعد استتابته، فقال: "فهلا حبستموه ثلاثا، فأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه؛ لعله يتوب أو يراجع أمر الله، اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني"، رواه مالك في "الموطأ".
ولأن الردة لا تكون إلا لشبهة، ولا تزول في الحال؛ فوجب أن ينتظر مدة يرتئي فيها، وأما الدليل على وجوب قتله إذا لم يتب؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"، رواه البخاري وأبو داود.

والذي يتولى قتله هو الإمام أو نائبه؛ لأنه قتل لحق الله؛ فكان إلى ولي الأمر.
والحكمة في وجوب قتل المرتد: أنه لما عرف الحق وتركه؛ صار مفسدًا في الأرض، لا يصلح للبقاء؛ لأنه عضو فاسد، يضر المجتمع، ويسيء إلى الدين.
وتحصل توبة المرتد بالشهادتين؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، ومن كانت ردته بسبب جحوده لشيء من ضروريات الدين؛ فتوبته مع إتيانه بالشهادتين إقراره بما جحده.
ويمنع المرتد من التصرف في ماله؛ لتعلق حق الغير به؛ كمال المفلس، ويقضى ما عليه من ديون، وينفق عليه من ماله وعلى عياله مدة منعه من التصرف فيه، فإن أسلم المرتد؛ أخذ ماله ومكن من التصرف فيه لزوال المانع، وإن مات على ردته أو قتل مرتدًا؛ صار ماله فيئا لبيت مال المسلمين من حين موته؛ لأنه لا وراث له؛ فلا يرثه أحد من المسلمين؛ لأن المسلم لا يرث الكافر، ولا يرثه أحد من الكفار، ولو من أهل الدين انتقل إليه؛ لأنه لا يقر على ردته، والمرتد لا يرث من كافر ولا

مسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" 1. وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم قبول توبة من سب الله تعالى أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم: فقال بعضهم: لا تقبل توبته في أحكام الدنيا كترك قتله وتوريثه والتوريث منه، وإنما يقتل على كل حال؛ لعظم ذنبه وفساد عقيدته واستخفافه بالله تعالى.
والقول الثاني: أنه تقبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ . وكذلك اختلف العلماء رحمهم الله في قبول توبة من تكررت ردته: فقال بعضهم: إنها لا تقبل في الدنيا؛ فلا بد من تنفيذ حكم المرتد فيه، ولو تاب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ . وقيل: تقبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ؛ فالآية عامة، تتناول بعمومها من تكررت ردته.

وكما اختلفوا في قبول توبة الزنديق، وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر: فقيل: لا تقبل توبته؛ لأنه لا يبين منه ما يظهر رجوعه إلى الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ ، فإذا أظهر التوبة؛ لم يزد على ما كان قبلها، وهو إظهار الإسلام وإخفاء الكفر.
وقيل: تقبل توبة الزنديق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين بما أظهروا من الإسلام.
ومن الزنادقة: الحلولي، والإباحية، ومن يفضل متبوعة على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن يرى أنه إذا حصلت له المغرفة؛ سقط عنه الأمر والنهي، أو أنه إذا حصلت له المعرفة؛ جاز له التدين بدين اليهود والنصارى وأمثالهم من الطوائف المارقة عن الإسلام من غلاة الصوفية وغيرهم.
كما اختلف العلماء رحمهم الله في صحة إسلام الطفل المميز ووقوع الردة منه؛ فقيل: تحصل منه الردة إذا ارتكب شيئا من أسبابها؛ لأن من صح إسلامه؛ صحت ردته، والمميز يصح إسلامه، فتصح ردته، لكن لا يقبل حتى يستتاب بعد البلوغ ويمهل ثلاثة أيام، فإن تاب؛ قبلت توبته، وإن بقي على ردته؛ قتل.

وقد اختلفوا فيمن ترد الصلاة تهاونا مع إقراره بوجوبها، والصحيح أنه يكفر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "بين العبد وبين الكفر الصلاة"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها؛ فقد كفر"، ولقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ؛ فدلت الآية الكريمة على أن من لم يقم الصلاة؛ فليس من إخواننا في الدين، ولم يقل: وأقروا بوجوب الصلاة، وإنما قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة ... " الحديث، ولم يقل: والإقرار بوجوب الصلاة، وإنما قال: "وإقام الصلاة".
وقد كثر اليوم التهاون بالصلاة والتكاسل عنها، والأمر خطير جدًا، فيجب على من يتهاون بالصلاة أن يتوب إلى الله، وينقذ نفسه من النار؛ فإن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي تنهى عن الفحشاء والآثام.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل