الملخص الفقهيصفحات 213-252
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المواريث

صفحات 213-252
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب في تصرفات المريض المالية

حالة الصحة تختلف عن حالة المرض من حيث نفوذ تصرفات الإنسان في ماله في حدود الشرع والرشد من غير استدراك عليه، والصدقة في هذه الحالة أفضل من الصدقة في حالة المرض وأعظم أجرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ.
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . وفي "الصحيحين": أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الصدقة أفضل؟، قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح؛ تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم؛ قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان".
والمرض ينقسم إلى قسمين: أولاً: مرض غير مخوف، أي: لا يخاف منه الموت في العادة؛ كوجع ضرس وعين وصداع يسير؛ فهذا القسم من المرض يكون تصرف

المريض فيه لازما كتصرف الصحيح، وتصح عطيته من جميع ماله، ولو تطور إلى مرض مخوف ومات منه؛ اعتبارًا بحاله حال العطية؛ لأنه في حال العطية في حكم الصحيح.
ثانيا: مرض مخوف، بمعنى: أنه يتوقع منه الموت عادة؛ فإن تبرعات المريض في هذا المرض وعطاياه تنفذ من ثلثه لا من رأس المال، فإن كانت في حدود الثلث فما دون؛ نفذت، وإن ذادت عن ذلك؛ فإنها لا تنفذ؛ إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم"، رواه ابن ماجه والدارقطني.
فدل هذا الحديث وما ورد بمعناه على الإذن بالتصرف في ثلث المال عند الوفاة، وهو مذهب جمهور العلماء، ولأنه في حال المرض المخوف يغلب موته به، فكانت عطيته من رأس المال تجحف بالوارث، فردت إلى الثلث كالوصية.
ومثل حالة المرض المخوف في حكم التصرف المالي: حالة الخطر؛ كمن وقع الوباء في بلده، أو كان بين الصفين في القتال، أو كان في لجة البحر عند هيجانه؛ فإنه لا ينفذ تبرعه في تلك الحال فيما زاد على الثلث؛ إلا بإجازة الورثة بعد الموت، ولا يصح تبرعه في تلك الحال لأحد ورثته بشيء؛ إلا بإجازة الورثة إن مات في هذه الحال، فإن عوفي من المرض المخوف؛ نفذت عطاياه كلها؛ لعدم المانع.

ومن كان مرضه مزمنا، ولم يلزمه الفراش؛ فتبرعاته تصح من جميع ماله كتبرعات الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه تعجيل الموت؛ فهو كالهرم، وأما إن لزم من به مرض مزمن الفراش؛ فهو كمن مرضه مخوف، لا تصح وصايه إلا في حدود الثلث، ولغير الوارث؛ إلا إذا أجازها الورثة؛ لأنه مريض ملازم للفراش، يخشى عليه التلف.
ويعتبر مقدار الثلث عند موته؛ لأنه وقت لزوم الوصايا، ووقت استحقاقها، فتنفذ الوصايا والعطايا من ثلثه حينئذ، فإن ضاق عنها؛ قدمت العطايا على الوصايا؛ لأنها لازمة في حق المريض، فقدمت على الوصية كالعطية في حال الصحة.
وهناك فروق بين الوصية والعطية: فقد قال الفقهاء رحمهم الله: إن الوصية تفارق العطية في أربعة أشياء: أحدهما: أنه يسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية؛ لأنها تبرع بعد الموت، يوجب دفعة واحدة، أما العطية؛ فيبدأ بالأول فالأول فيها؛ لأنها تقع لازمة في حق المعطى.
الثاني: أن المعطى لا يملك الرجوع في العطية بعد قبضها؛ بخلاف الوصية؛ فإن الموصي يملك الرجوع فيها لأنها لا تلزم إلا بالموت.
الثالث: أن العطية يعتبر القبول لها عند وجودها؛ لأنها تملك في الحال؛ بخلاف الوصية؛ فإنها تمليك بعد الموت؛ فاعتبر القبول عند وجود؛ فلا حكم لقبولها قبل الموت.
الرابع: أن العطية يثبت الملك فيها عند قبولها؛ بخلاف الوصية؛ فإنها لا تملك قبل الموت؛ لأنها تمليك بعده؛ فلا تتقدمه

باب في أحكام الوصايا

الوصية لغة: مأخوذة من وصيت الشيء إذا وصلته، سميت بذلك لأنها وصل لها كان في الحياة بما بعد الموت؛ لأن الموصي بعض التصرف الجائز في حياته ليستمر بعد موته.
والوصية في اصطلاح الفقهاء: هي الأمر بالتصرف بعد الموت، أو بعبارة أخرى: هي التبرع بالمال بعد الموت.
والدليل على مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم".
وأجمع العلماء على جوازها.
والوصية تارة تكون واجبة وتارة مستحبة:

فتجب الوصية بما وما عليه من الحقوق التي ليس فيها إثبات لئلا تضيع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين؛ إلا ووصيته مكتوبة عنده"، فإذا كان عنده ودائع للناس أو في ذمته حقوق لهم؛ وجب عليه أن يكتبها ويبينها.
تكون الوصية مستحبة بأن يوصي بشيء من ماله في سبل البر والإحسان ليصل إليه ثوابه بعد وفاته؛ فقد أذن له الشارع بالتصرف عند الموت بثلث المال، وهذا من لطف الله بعباده؛ لتكثير الأعمال الصالحة لهم.
وتصح الوصية حتى من الصبي العاقل كما تصح منه الصلاة، وثبت بالإشهاد وبالكتابة المعروفة بخط الموصي.
ومن أحكام الوصية: أنها تجوز بحدود ثلث المال فأقل، وبعض العلماء يستحب أن لا تبلغ الثلث؛ فقد ورد عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم: فقد قال أبو بكر رضي الله عنه: "رضيت بما رضي الله به لنفسه"، يعني: في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ .

وقال علي رضي الله عنه: " لأن أوصى بالخمس أحب إلى من أوصي بالربع".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثلث، والثلث كثير".
ولا يجوز الوصية بأكثر من الثلث لمن له وارث؛ إلا بإجازة الورثة؛ لأن ما زاد على ثلث حق لهم، فإذا أجازوا الزيادة عليه؛ صح ذلك، وتعتبر إجازتهم لها بعد الموت.
ومن أحكام الوصايا أنها لا تصح لأحد من الورثة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وله شواهد، وقال الشيخ تقي الدين: "اتفقت الأمة عليه".
وذكر الشافعي أنه متواتر، فقال: "وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: "لا وصية لوارث"، ويأثرونه عمن لقوه من أهل العلم؛ إلا إذا أجاز الورثة الوصية للوارث؛ فإنما تصح؛ لأن الحق لهم، وتعتبر صحة إجازتهم الوصية بالزيادة على الثلث لغير الوارث وإجازتهم الوصية للوارث إذا

كانت الإجازة صادرة منهم في مرض موت الموصي أو بعد وفاته..". ومن أحكام الوصية: أنها إنما تستحب في حق من له مال كثير ووارثه غير محتاج؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ ، والخير هو المال الكثير عرفا؛ فتكره وصية من ماله قليل ووارثه محتاج؛ لأنه يكون بذلك قد عدل عن أقاربه المحاويج إلى الأجانب، ولقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: "ما من مال أعظم أجرًا من مال يتركه الرجل لولده ويغنيهم به عن الناس"، وقال علي لرجل: "إنما تركت شيئا يسيرًا؛ فدعه لورثتك"، وكان كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يوصوا.
وإذا كان قصد المورث المُضارَّة بالوارث ومضايقته؛ فإن ذلك يحرم ويأثم به؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَار﴾ . وفي الحديث: "إن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره الموت، فيُضارُّ في الوصية، فتجب له النار"،وقال ابن عباس: "الإضرار في

الوصية من الكبائر".
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "قوله ﴿غَيْرَ مُضَار﴾ ؛ أي: يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار؛ كأن يقر بشيء ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الضرار بالورثة، أو يوصي لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم تجزه الورثة، وهذا القيد أعني قوله: ﴿غَيْرَ مُضَار﴾ راجع إلى الوصية والدَّين المذكورين؛ فهو قيد لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا المنهي أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته؛ فهو باطل مردود، لا ينفذ منه شيء، لا الثلث ولا دونه" انتهى كلام الشوكاني رحمه الله.
ومن أحكام الوصايا: جواز الوصية بكل المال لمن لا وارث له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"، وورد جواز ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه،

وقال به جمع من العلماء؛ لأن المنع من الوصية بما زاد عن الثلث لأجل حق الورثة، فإذا عدموا؛ زال المانع؛ لأنه لم يتعلق به حق وارث ولا غريم؛ فأشبه ما لو تصدق بماله في حال صحته.
قال الإمام ابن القيم: "الصحيح أن ذلك له؛ لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث إذا كان له ورثة، فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله.." انتهى كلام ابن القيم.
ومن أحكام الوصايا: أنه إذا لم يف ثلث مال الموصي بها، ولم تُجِز الورثة الزيادة على الثلث؛ فإن النقص يدخل على الجميع بالقسط فيتحاصَّون، ولا فرق بين متقدمها ومتأخرها؛ لأنها كلها تبرع بعد الموت، فوجبت دفعة واحدة، تساوى أصحابها في الأصل وتفاوتوا في المقدار، فوجبت المحُاصَّة؛ كمسائل العول في الفرائض إذا زادت على أصل المسألة.
مثال ذلك: أو أوصى لشخص بمئة ريال، ولآخر بمئة ريال، ولثالث بخمسين ريالاً، ولرابع بثلاثين ريالاً، وثلث ماله مئة ريال فقط، ومجموع الوصايا ثلاث مئة ريال، فإذا نسبت مبلغ الثلث إلى مبلغ مجموع الوصايا؛ بلغ ثلثه، فيعطي كل واحد ثلث ما أوصى له به فقط.
ومن أحكام الوصايا: أن الاعتبار بصحتها وعدم صحتها بحالة الموت، فلو أوصى لوارث، فصار عند الموت غير وارث؛ كأخ حجب بابن تجدَّد؛ صحت الوصية اعتبارًا بحال الموت؛ لأنه الحال الذي يحصل

به الانتقال إلى الوارث والموصى له، وبعكس ذلك، لو أوصى لغير وارث، فصار عند الموت وارثا؛ فإنها لا تصح الوصية؛ كما لو أوصى لأخيه مع وجود ابنه حال الوصية، ثم مات ابنه؛ فإنها تبطل الوصية إن لم تجزها الورثة؛ لأن أخاه صار عند الموت وارثا.
ويترتب على هذا الحكم أيضا أنه لا يصح قبول الوصية ولا يملك الموصى له العين الموصى بها إلا بعد موت الموصي؛ لأن ذلك وقت ثبوت حقه، ولا يصح القبول قبل موت الموصي.
قال الموفق: "لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن اعتبار الوصية بالموت، وإن كانت الوصية لغير معين كالفقراء كالمساكين أو من لا يمكن حصرهم كبني تميم أو على مصلحة كالمساجد؛ لم تفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرد الموت، أما إذا كانت على معين؛ فإنها تلزم بالقبول بعد الموت".
ومن أحكام الوصية: أنه يجوز للموصي الرجوع فيها ونقضها أو الرجوع في بعضها؛ لقول عمر: "يغير الرجل ما شاء في وصيته"، وهذا متفق عليه بين أهل العلم، فإذا قال: رجعت في وصيتي، أو: أبطلتها.. ونحو ذلك؛ بطلت؛ لما سبق من أن الاعتبار بحالة موت الموصي من حيث القبول ولزوم الوصية؛ فكذلك للموصي أن يرجع عنها في حياته، فلو قال: إن أقدم زيد؛ فله ما وصيت به لعمرو.

فقدم زيد في حياة الموصي؛ فالوصية له، ويكون الموصي بذلك قد رجع عن الوصية لعمرو، وإن لم يقدم زيد إلا بعد وفاة الموصي؛ فالوصية لعمرو؛ لأنه لما مات الموصي قبل قدومه استقرت الوصية للأول وهو عمرو.
ومن أحكام الوصية: أنه يخرج الواجب في تركة الميت من الديون والواجبات الشرعية كالزكاة والحج والنذور والكفارات أولاً، وإن لم يوص به؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . ولقول علي رضي الله عنه: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية" رواه الترمذي وأحمد وغيره، فدل على تقديم الدين على الوصية، وفي "الصحيح": "اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء"، فيبدأ بالدين ثم الوصية، ثم الإرث؛ بالإجماع.
والحكمة في تقديم ذكر الوصية على الدين في الآية الكريمة، وإن كانت تتأخر عنه في التنفيذ: أنها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض؛ كان في إخراجها مشقة على الوارث، فقدمت في الذكر؛ حثا على إخراجها، واهتماما بها، وجيء بكلمة "أو" التي للتسوية، فيستويان في الاهتمام، وإن كان الدين مقدما عليها.
ومن هنا؛ فإن أمر الوصية مهم، حيث نوه الله بشأنها في كتابه

الكريم، وقدمها في الذكر على غيرها؛ اهتماما بها، وحثا على تنفيذها، ما دامت تتمشى على الوجه المشروع، وقد توعد الله من تساهل بشأنها أو غيَّر فيها وبدل من غير مسوٍّغ شرعي، فقال سبحانه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . قال الإمام الشوكاني في تفسيره: "والتبديل التغيير، وهذا وعيد لمن غير الوصية المطابقة للحق التي لا جنف فيها ولا مضارة، وأنه يبوء بالإثم، وليس على الموصي من ذلك شيء؛ فقد تخلص مما كان عليه بالوصية به.." انتهى.
ومن أحكام الوصية: صحتها لكل شخص يصح تملكه، سواء كان مسلما أو كافرًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ ، قال محمد بن الحنفية: "هو وصية المسلم لليهودي والنصراني".
وقد كسا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخا له وهو مشرك.
وأسماء وصلت أمها وهي راغبة عن الإسلام.
وصفية أم المؤمنين أوصت بثلثها لأخ لها يهودي.
ولقوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ

وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . وإنما تصح وصية المسلم للكافر المعين كما ورد، وأما الكافر غير المعين؛ فلا تصح الوصية له؛ كما لو أوصى لليهود أو النصارى أو فقرائهم، وكذا لا تصح الوصية للكافر المعين بما لا يجوز تمليكه إياه وتمكينه منه؛ كالمصحف، والعبد المسلم، أو السلاح.
وتصح الوصية لحملٍ تحقق وجوده قبل صدور الوصية، ويعرف ذلك بأن تضعه أمه قبل تمام ستة أشهر من صدور الوصية إذا كان لها زوج أو سيد، أو تضعه لأقل من أربع سنين إن لم تكن ذات زوج أو سيد؛ لأن مثل هذا الحمل يرث؛ فالوصية له تصح من باب أولى، وإن وضعته ميتا بطلت الوصية.
ولا تصح الوصية لحمل غير موجود حينها؛ كما لو قال أوصيت لمن تحمل به هذه المرأة؛ لأنها وصية لمعدوم.
وإذا أوصى بمبلغ كبير من المال يُحَجُّ به عنه؛ فإنه يصرف منه حجة بعد أخرى حتى ينفد، وإن كان المبلغ قليلاً؛ حُجَّ به من حيث بلغ، وإن نص على أن المبلغ الكثير كله يصرف في حجة واحدة؛ صرف في حجة واحدة؛ لأنه قصد بذلك نفع من يحج، ولا يصح حج الموصي أو الوارث عنه في تلك الصور؛ لأن الموصي قصد غيرهما في الظاهر.
ولا تصح الوصية لمن لا يصح تمليك؛ كالجني، والبهيمة، والميت.

ولا تصح الوصية على جهة معصية؛ كالوصية للكنائس ومعابد الكفرة والمشركين، وكالوصية لعمارة الأضرحة وإسراجها أو لسدنتها، سواء كان الموصي مسلما أو كافرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لو حبس الذمي من مال نفسه شيئا على معابدهم؛ لم يجز للمسلمين الحكم بصحته؛ لأنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، ومما أنزل الله أن لا يتعاونوا على شيء من الكفر والفسوق والعصيان؛ فكيف يعاونون بالحبس على المواضع التي يكفر فيها؟! ". ولا تصح الوصية على طباعة الكتب المنسوخة؛ كالتوراة والإنجيل أو طباعة الكتب المنحرفة؛ ككتب الزندقة والإلحاد.
ومن أحكام الوصية: أنه يشترط أن يكون الموصى به مالاً أو منفعة مباحة، ولو كان مما يعجز عن تسليمه؛ كالطير في الهواء، والحمل الذي في البطن، واللبن الذي في الضرع، أو كان معدوما؛ كما لو أوصى بما يحمل حيوانه أو شجرته أبدًا أو مدة معينة كسنة، فإن حصل شيء من المعدوم؛ فهو للموصى له، وإن لم يحصل شيء؛ بطلت الوصية؛ لأنها لم تصادف محلاًّ.
وتصح الوصية بالمجهول؛ كما لو أوصى بعبد أو شاة، ويعطى الموصى له حينئذ ما يقع عليه الاسم حقيقة أو عرفا.
ومن أحكام الوصايا: أنه لو أوصى بثلث ماله، فاستحدث مالاً بعد الوصية؛ دخل الوصية؛ لأن الثلث إنما يعتبر عند الموت في المال الموجود حينئذٍ.

ومن أحكام الوصايا: أنه لو أوصى لشخص بشيء معين من ماله، فتلف ذلك المعين قبل موت الموصي أو بعده؛ بطلت الوصية؛ لزوال حق الموصى له بتلف ما أوصي له به.
ومن أحكام الوصايا: أنه إذا لم يحدد مقدار الموصى به، كما لو أوصى بسهم من ماله؛ فإنه يفسر بالسدس؛ لأن السهم في كلام العرب هو السدس، وبه قال على وابن مسعود، ولأن السدس أقل سهم مفروض، فتنصرف الوصية إليه، وإن أوصى بشيء من ماله، ولي يبين مقداره؛ فإن الوارث يعطي الموصى له ما شاء مما يتمول؛ لأن الشيء لا حد له في اللغة ولا في الشرع، فيصدق على أقل شيء يُتَمَوَّل، وما يُتَموَّل لا يحصل به المقصود، والله أعلم.
أحكام الموصى إليه "الناظر على الوصية وغيرها": الموصى إليه هو المأمور بالتصرف بعد الموت في المال وغيره مما للموصي التصرف فيه حال الحياة، وتدخله النيابة؛ لأن الموصى إليه نائب عن الموصي في ذلك.
ودخول الموصى إليه في تلك النيابة وقبوله لها مندوب إليه وقربة يثاب عليها، لكن ذلك يشرع لمن عنده المقدرة على العمل ويجد من نفسه توفر الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"، ولفعل الصحابة رضي الله عنهم؛ فقد أوصى إلى الزبير رضي الله عنه

جماعة من الصحابة، وأوصى أبو عبيدة إلى عمر رضي الله عنهما، وأوصى عمر إلى بنته حفصة رضي الله عنها ثم إلى الأكابر من ولده.
أما من لا يقوى على القيام على الوصية، أو لا يأمن نفسه على حفظها؛ فلا يجوز له الدخول في الوصاية.
ويشترط في الموصى إليه: أن يكون مسلما؛ فلا يصح الإيصاء إلى كافر.
ويشترط فيه أيضا: أن يكون مكلَّفا؛ فلا يصح الإيصاء إلى صبي، ولا إلى محنون، ولا إلى أبله؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل الولاية والتصرف، لكن يصح تعليق الإيصاء إلى صبي ببلوغه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أميركم زيد، فإن قتل؛ فجعفر".
ويصح الإيصاء إلى امرأة إذا كان فيها كفاءة للقيام بشؤون الوصية؛ لأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة رضي الله عنه ولأن المرأة من أهل الشهادة، فيصح الإيصاء إليها كالرجل.
وتصح الوصية إلى من لا يقدر على العمل، لكن عنده

تفكير سليم، ويضم إليه قادرًا أمينا يتعاون معه.
ويصح أن يوصي إلى أكثر من واحد، سواء أوصى إليهم دفعة واحدة أو أوصى إليهم واحدًا بعد واحد؛ إذ لم يعزل الأول.
وإذا أوصى إلى جماعة؛ فإنهم يشتركون في العمل، وليس أحدهم التصرف في الوصية دون الآخر، وإن مات أحدهم أو غاب؛ أقام الحاكم مقامه من يصلح.
ويصح قبول الموصى إليه الوصية في حياة الموصي وبعد موته، وله عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي وبعد موته، وللموصي أيضا عزل الموصى إليه متى شاء؛ لأنه وكيل.
ولا يجوز للموصي إليه أن يوصي إلى غيره؛ إلا أن يُجعل ذلك إليه؛ بأن يأذن له الموصي بالإيصاء إلى غيره متى شاء؛ كأن يقول: أذنت لك أن توصي إلى من شئت.
ويشترط لصحة الإيصاء: أن يكون في تصرف معلوم؛ ليعلم الموصي إليه ما أوصى به حتى يقوم بحفظه والتصرف فيه.
ويشترط أيضا: أن يكون التصرف الموصي به مما يصح للموصي فعله؛ كقضاء دينه، وتفرقة ثلثه، والنظر لصغار..ونحو ذلك؛ لأن الموصي إليه يتصرف بالإذن، فلم يجز له التصرف إلا فيما يملكه الموصي؛ كالوكالة، ولأن الموصي أصل والوصي فرع، ولا يملك الفرع ما لا يملكه الأصل؛ فلا تصح الوصية بما لا يملكه الوصي؛ كتوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر؛ لأنه لا ولاية عليهم لغير الأب.

وتتحدد الوصية بما عينت فيه؛ فمن وصي في شيء؛ لم يكن وصيا في غيره، فلو أوصي إلى شخص في قضاء ديونه؛ لم يكن وصيا على أولاده؛ لأن تصرفه يقتصر على ما أذن له فيه كالوكيل , وتصح وصية الكافر إلى مسلم إذا كانت تركته من المباح، فإن كانت من المحرم كالخمر والخنزير؛ لم تصح؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يتولى ذلك.
وإن قال الموصي للموصى إليه: ضع ثلثي حيث شئت، أو: تصدق به على من شئت؛ لم يجز للوصي أن يأخذ منه شيئا؛ لأنه لم يأذن له بذلك، ولا يجوز له أيضا أن يعطيه لولده وورثته؛ لأنه متهم في حقهم.
ومن أحكام الوصايا: أن من مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي؛ كمن مات في برية؛ جاز لبعض من حضره من المسلمين تولي تركته، وعمل الأصلح من بيع وغيره؛ لأنه موضع ضرورة؛ إذ في تركه إتلاف له، وحفظه من فروض الكفايات، ويكفنه ويجهزه من تركته.

باب في أحكام المواريث

إن موضوع المواريث موضوع مهم وجدير بالعناية؛ فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعلمه وتعليمه في أحاديث كثيرة.
منها: قوله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس؛ فإنها نصف العلم، وهو ينسي، وهو أول علم ينزع من أمتي"، رواه ابن ماجة، وفي رواية:: "فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما"، رواه أحمد والترمذي والحاكم.
وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فقد أهمل هذا العلم ونسي؛ فلا وجود لتعليمه في المساجد إلا نادرًا، ولا في مدارس المسلمين إلا في بعض الجهات التعليمية على شكل ضعيف لا يفي بالغرض على شكل ضعيف لا يفي بالغرض ولا يضمن بقاء هذا العلم.

فيجب على المسلمين أن يهبوا لإحياء هذا العلم والحفاظ عليه في المساجد والمدارس والجامعات؛ فإنهم بأمس الحاجة إلي، وسيسألون عنه.
وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة".
وعن عمر رضي الله عنه: "تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم"، وقال عبد الله: "من تعلم القرآن؛ فليتعلم الفرائض".
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم عن الفرائض: "إنها نصف العلم": أن للإنسان حالتين: حالة حياة، وحالة موت.
وفي الفرائض معظم الأحكام المتعلقة بالموت، بينهما يتعلق باقي العلم بأحكام الحياة، وقيل: صارت نصف العلم؛ لأنها يحتاج إليها الناس كلهم، وقيل في معناه غير ذلك، والمهم أن في ذلك توجيها للاهتمام بهذا العلم.
ويسمى هذا العلم بالفرائض، جمع فريضة، مأخوذ من الفرض، وهو التقدير، لأن أنصباء الورثة مقدرة؛ فالفريضة نصيب مقدر شرعا لمستحقه، وعلم الفرائض هو العلم بقسمة المواريث من حيث فقه أحكامها ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها.

ويتعلق بتركة الميت خمسة حقوق: فيبدأ بمؤنة تجهيزه من ثمن كفن ومؤنة تغسيله وأجرة حفر قبره، ثم تقضى منها ديونه، سواء كانت لله كالزكوات والكفارات والنذور والحج الواجب أو كانت للآدميين، ثم تخرج وصاياه؛ بشرط أن تكون في حدود الثلث فأقل، ثم يقسم بعد ذلك بين الورثة حسبما شرعه الله عز وجل يقدم أصحاب الفروض، فإن بقى شيء، فهو للعصبة على ما سيأتي بيانه.
ولا يجوز تغيير المواريث عن وضعها الشرعي، وذلك كفر بالله عز وجل قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . قال الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره: "والإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى الأحكام المتقدمة [يعني: في المواريث] ، وسماها حدودًا؛ لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام الشرعية كما يفيده عموم اللفظ؛ ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ .." إلى أن قال: "وأخرج ابن ماجه عن أنس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة" انتهى.

فما تصرف في المواريث عن مجراها الشرعي، فورث غير وارث، أو حرم الوارث من كل حقه أو بعضه، أو ساوى بين الرجل والمرأة في الميراث؛ كما في بعض الأنظمة القانونية الكفرية؛ مخالفا بذلك حكم الله في جعله للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فهو كافر مخلد في النار والعياذ بالله؛ إلا أن يتوب إلى الله قبل موته.
إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون النساء والصغر من الميراث، ويجعلونه للذكور الكبار الذين يركبون الخيل ويحملون السلاح، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وقال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضا﴾ ، وهذا لدفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار، وفي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ ، وفي قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ : إبطال لما عليه بعض الجاهليات المعاصرة من تسوية المرأة بالرجل في الميراث محادة لله ورسوله وتعديا لحدود الله؛ فالجاهلية القديمة منعت المرأة من الميراث بالكلية، والجاهلية المعاصرة أعطتها ما لا تستحق، ودين الإسلام أنصفها وأكرمها وأعطاها حقها اللائق بها، فقاتل الله الكفار والمنافقين والملحدين الذين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .

باب في أسباب الإرث وبيان الورثة

الإرث: هو انتقال مال الميت إلى حي بعده حسبما شرعه الله.
وله أسباب ثلاثة أولها: الرحم، أي: القرابة، وهم قرابة النسب، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ، سواء قربت القرابة من الميت أو بعدت، إذا لم يكن من يحجبها.
وتشمل أصولاً وفروعا وحواشي: فالأصول هم الآباء والأجداد وإن علوا بمحض الذكور.
والفرع هم الأولاد البنين وإن نزلوا.
والحواشي هم الأخوة وبنوهم وإن نزلوا والأعمام وإن علوا وبنوهم وإن نزلوا.
والثاني: النكاح، وهو: عقد الزوجية الصحيح، لو لم يحصل به وطء ولا خلوة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ . ويتوارث بعقد الزوجية الزوجان من الجانبين؛ فكل منهما يرث الآخر للآية الكريمة، ويتوارث به الزوجان أيضا في عدة الطلاق

الرجعي؛ لأن الرجعية زوجة، وقولهم: "عقد الزوجية الصحيح": يخرج به العقد غير الصحيح؛ فلا توارث بالنكاح الفاسد؛ لأن وجوده كعدمه.
والثالث: ولاء العتاقة، وهو عصوبة، سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، ويورث بها من جانب واحد فقط؛ فالمعنق يرث عتيقه دون العكس، ويخلف المعتق من بعده عصبته بالنفس دون العصبة بالغير أو مع الغير.
والدليل على التواريث بالولاء قوله صلى الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، رواه ابن حبان في "صحيحة" والحاكم وصحيحه، فشبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به؛ فكذا الولاء، وهذا بالإجماع، وفي "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الولاء لمن أعتق".
أقسام الورثة باعتبار الجنس: الورثة ينقسمون باعتبار الجنس إلى ذكور وإناث.
والوارثون من الذكور عشرة: الابن وابنه وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ، وابن الإبن يعد ابنا؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ، ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ .

والأب وأبوه وإن علا بمحص الذكور؛ كأبي الأب وأبي الجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ، والجد أب، وقد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السدس.
والأخ مطلقا، سواء كان شقيقا أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ﴾ الآية؛ فهذه في الأخوة لغير الأم، وقال في الأخوة لأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ . وابن الأخ لغير أم، أما ابن الأخ لأم؛ فلا يرث؛ لأنه من ذوي الأرحام.
والعم لغير أم وابنه وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " ألحقوا الفائض بأهلها؛ فما بقي؛ فلأولى رجل ذكر".
والزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ . والعاشر ذو الولاء، وهو المعتق أو من يحل محله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

"الولاء لحمة كلحمة النسب"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما الولاء لمن أعتق".
والوارثاث من النساء سبع: البنت وبنت الابن وإن نزل أبوها بمحض الذكور؛ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف﴾ . والأم والجدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس﴾ ، وعن بريدة مرفوعا: "للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم"، رواه داود.
والأخت مطلقا شقيقة أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ..﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ . والزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الآية.
والمعتقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق".
هذه جملة الوارثين من الذكور والإناث.

وعند التفصيل يبلغ الرجال خمسة عشر وتبلغ الإثاث عشرًا، ويعرف ذلك بالتأمل والرجوع إلى المصادر.
والله تعالى أعلم.
أنواع الورثة باعتبار الإرث: والورثة باعتبار الإرث ثلاثة أنواع: نواع يرث بالفرض، ونوع يرث بالتعصيب، ونوع يرث لكونه من ذوي الأرحام.
فصاحب الفرض: هو الذي يأخذ نصيبا مقدرًا شرعا لا يزيد إلا بالرد ولا ينقص إلا بالعول.
والعصبة: هم الذين يرثون بلا تقدير.
وذوو الأرحام هم الذين يرثون عند عدم أصحاب الفروض غير الزوجين وعدم العصبات.
وذوو الفروض عشرة أصناف: الزوجان، والأبوان، والجد، والبنات، وبنات الابن، والأخوات من كل جهة، والأخوة من الأم ذكورًا وإناثا.
ونتكلم على كل صنف من هؤلاء بشيء من التفصيل:

باب في ميراث الأزواج والزوجات

وللزوج النصف مع عدم الولد وولد الابن، والربع مع وجود الولد أو ولد الابن، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن﴾ . وللزوجة فأكثر الربع مع عدم الفرع الوارث، والثمن مع وجود: لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن﴾ . والمراد بالفرع الوارث أولاد الميت وأولاد بنيه.

باب في ميراث الآباء والأجداد

ولكل من الأب والجد السدس فرضا مع ذكور الولد وولد الابن؛ لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ . ويرث الأب والجد بالتعصيب مع عدم الولد وولد الابن؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ، فأضاف الميراث إلى الأبوين الأب والأم، وقدر نصيب الأم، ولم يقدر نصيب الأب، فكان له الباقي تعصيبا.
ويرث الأب والجد بالفرض والتعصيب معا مع إناث الأولاد وأولاد البنين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألحقوا الفرائض بأهلها؛ فما بقي؛ فلأولى رجل ذكر"؛ أي: فلأقرب رجل من الميت، والأب هو أقرب ذكر بعد الابن وابنه.
فتلخص أن للأب ثلاث حالات: الحالة الأولى: يرث فيها بالفرض فقط، وذلك مع وجود ابن الميت لصلبه أو ابن ابنه وإن نزل.

والحالة الثانية: يرث فيها بالتعصيب فقط مع عدم الولد وولد الابن.
والحالة الثالثة: يرث فيها بالفرض والتعصيب معا مع وجود إناث من ولد الميت أو من ولد ابنه.
والجد مثل الأب في مثل هذه الحالات؛ لتناول النصوص له إذا عدم الأب، ويزيد الجد على الأب حالة رابعة، وهي ما إذا وجد معه إخوة أشقاء أو لأب، فقد اختلف في هذه الحالة: هل يكون فيها مثل الأب يحجب الأخوة أو لا يحجبهم ويشاركونه في الميراث ويكون كواحد منهم يتقاسمون المال أو ما أبقت الفروض على كيفيات معروفة في هذا الباب؛ لأن الجد والإخوة تساووا في الإدلاء بالأب؛ فالجد أبوه، والإخوة أبناؤه، فيتساوون في الميراث؛ كما ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة؛ كعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وهو قول الإمام مالك والشافعي وصاحبي أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، واستدلوا بأدلة وتوجيهات وأقيسة كثيرة في الكتب المطولة.
والقول الثاني أن الجد يسقط الأخوة كما يسقطهم الأب، وذهب إلى ذلك أبو بكر الصديق وابن عباس وابن الزبير، وروي عن عثمان وعائشة وأبي كعب وجابر وغيرهم، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع، ولهم أدلة كثيرة، وهذا القول أقرب إلى الصواب من القول الأول، والله أعلم.

باب في ميراث الأمهات

للأم ثلاث حالات: الحالة الأولى: ترث فيها السدس، ذلك مع وجود الفرع الوارث من أولاد الميت أو أولاد بنيه، أو مع وجود اثنين فأكثر من الأخوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُس﴾ . الحالة الثانية: ترث فيها الثلث، وذلك مع عدم الفرع الوارث من الأولاد وأولاد البنين، وعدم الجمع مع الأخوة والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ . الحالة الثالثة: ترث فيها ثلث إذا اجتمع زوج وأب وأم أو زوجة وأب وأم، وتسمى هاتان المسألتان بالعمريتين؛ لأن، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى فيهما أن للأم ثلث الباقي

بعد الموجود من الزوجين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقوله أصوب؛ لأن الله إنما أعطى الأم الثلث إذا ورثه أبواه؛ يعني: في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ، والباقي بعد فرض الزوجين هو ميراث الأبوين يقتسمانه كما اقتسما الأصل وكما لو كان على الميت دين أو وصية فإنهما يقتسمان ما بقي أثلاثا" انتهى.

باب في ميراث الجدة

المراد بالجدة هنا الجدة الصحيحة، وهي كل جدة أدلت بمحض الإناث؛ كأم وأمهاتها المدليات بإناث خلص، وكأم الأب وكل جدة أدلت بمحض الذكور؛ كأم أبي الأب وأم أبي أبي الأب، أو أدلت بإناث إلى ذكور؛ كأم أم الأب وأم أم أبي الأب، أما الجدة المدلية بذكور إلى إناث كأم أبي الأم وأم أبي الأب، لأنها من ذوي الأرحام.
فضابط الجدة الوارثة هي: من أدلت بإناث خلص أو بذكور خلص أو بإناث إلى ذكور، وضابط الجدة غير الوارثة هي: من أدلت بذكور إلى إناث، وبعبارة أخرى: من أدلت بين أنثيين هي إحداهما.
ودليل توريث الجدة السنة والإجماع: فأما السنة؛ فمنها حديث بن ذؤيب؛ قال: "جاءت الجدة إلى أبي بكر، فسألته ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا؛ فارجعي حتى أسأل الناس

فسأل الناس، فقال المغير بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس.
فقال: هل معك غيرك؟، فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر".
قال: "ثم جاءت الجدة إلى عمر، فسألته ميراثها، فقال مالك في كتاب الله شيء، ولكن ذاك السدس، فإن اجتمعتما؛ فهو بينكما، وأيكما خلت فهو لها"، رواه الخمسة إلا النائي وصححه الترمذي.
وعن بريدة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم"، رواه أبو داود وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن الجارود.
فهذان الحديثان يفيدان استحقاق الجدة السدس، وهي كما قال الصديق وعمر رضي الله عنهما ليس لها في كتاب الله شيء؛ لأن الأم المذكورة في كتاب الله مقيدة توجب اختصاص الحكم بالأم الدنيا؛ فالجدة وإن سميت أما؛ لم تدخل في لفظ الأم المذكورة في الفرائض، وإن دخلت في لفظ الأمهات في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم﴾ ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس؛ فبثت ميراثها إذًا بالسنة.
وكذا ثبت ميراثها بإجماع العلماء؛ فلا خلاف بين أهل العلم في توريث أم الأم وأم الأب، واختلفوا فيما عداهما؛ فورث ابن عباس

وجماعة من العلماء الجدات وإن كثرن إذا كن في درجة واحدة؛ إلا من أدلت بأب غير وارث؛ كأم أبي الأم، وورث بعضهم ثلاث جدات فقط هن أم الأم وأم الأب وأم الجد أبي الأب.
ويشرط لتوريث الجدة عدم وجود الأم؛ لأن الجدة تدلي بها، ومن أدلى بواسطة؛ حجته تلك الواسطة؛ إلا ما استثنى، وهذا بإجماع أهل العلم أن الأم تحجب الجدة من جميع الجهات.
كيفية توريث الجدات: إذا انفردت واحدة من الجدات، ولم يكن دونها أم؛ أخذت السدس كما سبق، ليس لها أكثر منه، والقول بأن لها الثلث عند عدم الولد وعدم الجمع من الأخوة كالأم في ذلك قول شاذ لا يعول عليه.
وإذا وجد جمع من الجدات: فإن تساوين في الدرجة؛ فإنهن يشتركن في السدس؛ لأن الصحابة شركوا بينهن، ولأنهن ذوات عدد، لا يشاركهن ذكر، فاستوى كثيرهن وواحدتهن كالزوجات، ولعدم المرجح لإحداهن.
ومن قربت منهن إلى الميت؛ فالسدس لها وحدها، سواء كانت من جهه الأم أو من جهة الأب، وتسقط البعدى؛ لأنهن أمهات يرثن ميراثا واحدًا، فإذا اجتمعن مع اختلاف الدرجة؛ فالميراث لأقربهن.
وترث الجدة أم الأب مع وجود الأب، وترث الجدة أم الجد مع وجود الجد، ولا تسقط بمن أدلت في هذه الحالة؛ على خلاف القاعدة: أن من أدلى بواسطة؛ حجبته تلك الواسطة؛ لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في الجدة مع ابنها: "إنها أول جدة أطعمها

رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا مع ابنها وابنها حي"، رواه الترمذي، والعلة في ذلك أنها لا ترث ميراث من أدلت به حتى تسقط به إذا وجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقول من قال: من أدلى بشخص؛ سقط به: باطل طردًا وعكسا، باطل طردًا بولد الأم مع الأم، وعكسا بولد البن مع عمهم وولد الأخ مع عمهم وأمثال ذلك مما فيه سقوط شخص بشحص لم يدل به، وإنما العلة أنها ترث ميراثه؛ فكل من ورث ميراث شخص بشخص لم يدل به، وإنما العلة أنها ترث ميراثه؛ فكل من ورث ميراث شخص؛ سقط به إذا كان أقرب منه، والجدات يقمن الأم فيستقطن بها، وإن لم يدلين بها، والله أعلم".

باب في ميراث البنات

البنت الواحدة تأخذ النصف بشرطين: الشرط الأول: انفرادها عمن يشاركها من أخواتها.
والشرط الثاني: انفرادها عمن يعصبها من أخوتها.
وذلك لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف﴾ ؛ فقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ : يؤخذ منه اشتراط انفرادها عمن يشاركها من أخواتها، وقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ : يؤخذ منه اشتراط عدم المعصب.
وبنت الابن تأخذ النصف بثلاثة شروط: الشرط الأول: عدم المعصب لها، وهو أخوها أو ابن عمها الذي في درجتها.
والشرط الثاني: عدم المشارك لها، وهو أختها أو بنت عمها التي درجتها.
والشرط الثالث: عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منها.

والبنات اثنتان فأكثر تأخذان الثلثين، وذلك بشرطين: الشرط الأول: أن يكن اثنتين فأكثر.
والشرط الثاني: عدم المعصب، وهو ابن الميت لصلبه.
وذلك لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ . فاستفيد من قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ : اشتراط عدم المعصب في ميراث البنات الثلثين، واستفيد من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ : اشتراط كونهن اثنتين فأكثر.
لكن قد أشكل لفظ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ في الآية الكريمة؛ إذا ظاهره أن البنتين لا يأخذن الثلثين، وإنما تأخذه الثلاث فأكثر؛ كما هو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما والجمهور من أهل العلم خلافه، وأن البنتين تأخذان الثلثين بدليل حديث جابر رضي الله عنه؛ قال: "جاءت امرأة سعيد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا بمال.
فقال: "يقضي الله في ذلك".
فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله إلى عمهما، فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك"، رواه الخمسة إلا النسائي، وحسنه الترمذي،

وهو يدل على أن للبنتين الثلثين، وهو نصفي محل النزاع، وتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ ، وبيان لمعناها، لا سيما وأن سبب نزولها قصة ابنتي سعد بن الربيع، وسؤال أمهما عن شأنهما، وحين نزلت أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمهما.
ويجاب عن لفظة ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ التي استدل بها من رأي عدم توريث البنتين الثلثين حتى يكن ثلاثا فأكثر بأجوبة: منها: أن هذا من باب مطابقة الكلام بعضه لبعض لأنه سبحانه تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ ؛ فالضمير في "كن" مجموع يطابق الأولاد إن كان الأولاد نساء؛ فاجتمع في الآية الكريمة ثلاثة أمور: لفظ "الأولاد" وهو جمع، وضمير "كن" وهو ضمير جمع، و"نساء" وهو اسم جمع؛ فناسب التعبير بفوق اثنتين.
ومن الأجوبة عن هذا الإشكال: أن الله تعالى جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا أخذ الذكر الثلثين والأنثى الثلث؛ علم قطعا أن حظ الأنثيين الثلثان؛ لأنه إذا كان للواحد مع الذكر الثلث؛ فلأن يكون لها مع الأنثى الثلث أولى وأحرى، وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان سبحانه قد ذكر ميراث الواحد نصا وميراث الثنتين تنبيها؛ فإن كلمة ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ تفيد أن الفرض لا يزيد بزيادة العدد، حتى ولو كن فوق اثنتين، والله أعلم.
وبنتي الابن بنات الصلب في استحقاق الثلثين، سواء كانتا

أختين أو بنتي عم محاذيتين؛ فتأخذان الثلثين قياسا على بنتي الصلب؛ لأن بنت الابن كالبنت، لكن لا بد لهما من توفر ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكن اثنتين فأكثر.
الشرط الثاني: عدم المعصب، وهو ابن الابن، سواء كان أخا لهما أو كان ابن عم لهما في درجتهما.
الشرط الثالث: عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منهما من ابن صلب أو ابن أو بنات ابن واحدة فأكثر، والله أعلم.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الملخص الفقهي · 667 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب البيوع
كتاب الشركاتكتاب المساقاة والمزارعة والإجارةكتاب إحياء الموات وتملّك المباحات
كتاب المواريث
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب القصاصات والجنايات
كتاب الحدود والتعزيرات
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان والنذور
كتاب القضاء
جارٍ التحميل