الملخص الفقهيصفحات 437-152
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 437-152
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ويأخذ حصى الجمار من طريقة قبل أن يصل منى، هذا هو الأفضل، أو يأخذه من مزدلفة، أو من منى، ومن حيث أخذ الحصى؛ جاز؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: "القط لي الحصا".
فلقطت له سبع حصيات، هي حصا الخذف1، فجعل ينفضهن في كفه، ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا"، ثم قال: "يا أيها الناس! إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان من قبلكم الغلو في الدين"، فتكون الحصاة من حصى الجمار بحجم حبة الباقلاء، أكبر من الحمص قليلاً.
ولا يجزىء الرمي بغير الحصى، ولا بالحصى الكبار التي تسمى حجرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى الصغار، وقال: "خذوا عني مناسككم".
فإذا وصل إلى منى وهي ما بين وادي محسر إلى جمرة العقبة؛ ذهب إلى جمرة العقية، وهي آخر الجمرات مما يلي مكة، وتسمى الجمرة الكبرى، فيرميها بسبع حصيات، واحدة بعد طلوع الشمس، ويمتد زمن الرمي إلى الغروب.
ولا بد أن تقع كل حصاة في حوض الجمرة، سواء استقرت فيه أو سقطت بعد ذلك، فيجب على الحاج أن يصوب الحصا إلى حوض الجمرة، لا إلى العمود الشاخص، فإن هذا العمود ما بنى لأجل أن يرمى،

وليس هو موضع الرمي، وإنما بنى ليكون علامة على الجمرة، ومحل الرمي هو الحوض، فلو ضربت الحصاة في العمود، وطارت، ولم ترم على الحوض؛ لم تجزئه.
والضعفة ومن في حكمهم يرمونها بعد منتصف الليل، وإن رمى غير الضعفة بعد منتصف الليل؛ أجزأهم ذلك، وهو خلاف الأفضل في حقهم.
ويسن أن لا يبدأ بشيء حين وصوله إلى منى قبل رمى جمرة العقبة؛ لأنه تحية منى، ويستحب أن يكبر مع كل حصاة، ويقول: "اللهم اجعله حجا مبرورًا وذنبا مغفورًا"، ولا يرمي في يوم النحر غير جمرة العقبة، وهذا مما اختصت به عن بقية الجمرات.
ثم بعد رمي جمرة العقبة الأفضل أن ينحر هديه إن كان يجب عليه هدي تمتع أو قران، فيشتريه، ويذبحه، ويوزع لحمه، ويأخذ منه قسما ليأكل منه.
ثم يحلق رأسه أو يقصره، والحلق أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ، ولحديث ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق رأسه في حجة الوداع"، متفق عليه، ودعا صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات، وللمقصرين مرة واحدة.

فإن قصر؛ وجب أن يعم جميع رأسه، ولا يجزئ الاقتصار على بعضه أو جانب منه فقط؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ، فأضاف الحلق والتقصير إلى جميع الرأس.
والمرأة يتعين في حقها التقصير، بأن تقص من كل ضفيرة قدر أنملة؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير"، رواه أبو داود والطبراني والدارقطني، ولأن الحلق في حق النساء مثله، وإن كان رأس المرأة غير مضفور؛ جمعته، وقصت من أطرافه قدر أنملة.
ويسن لمن حلق أو قصر اخذ أظفاره وشاربه وعانته وإبطه، ولا يجوز له أن يحلق لحيته أو يقص شيئا منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتوفير اللحية، ونهى عن حلقها وعن أخذ شيء منها، والمسلم يمتثل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويجتنب ما نهى عنه، والحاج أولى بذلك؛ لأنه في عبادة.
ومن كان رأسه ليس فيه شعر كالحليق أو الذي لم ينبت له شعر

أصلاً وهو الأصلع؛ فإنه يمر الموسى على رأسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم".
ثم بعد رمي جمرة العقبة وحلق رأسه أو تقصيره يكون قد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام من الطيب واللباس وغير ذلك؛ إلا النساء؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: "إذا رميتم وحلقتم؛ فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء؛ إلا النساء"، رواه سعيد، وعنها: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك"، متفق عليه.
وهذا هو التحلل الأول ويحصل باثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة، وحلق أو تقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن عليه السعي.
ويحصل التحلل الثاني وهو التحلل الكامل بفعل هذه الثلاثة كلها، فإذا فعلها؛ حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، حتى النساء.
ثم بعد رمي جمرة العقبة ونحر هدية وحلقه أو تقصيره يفيض إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة، ويسعى بعده بين الصفا والمروة إن كان متمتعا أو قارنا أو مفردًا ولم يكن سعى بعد طواف القدوم؛

أما إن كان القارن أو المفرد سعى بعد طواف القدوم فإنه يكفيه ذلك السعي المقدم، فيقتصر على طواف الإفاضة.
وترتيب هذه الأمور الأربعة على هذا النمط: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير ثم الطواف والسعي.
هذا الترتيب سنة، ولو خالفه، فقدم بعض هذه الأمور على بعض؛ فلا حرج عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما سئل في هذا اليوم عن شيء قدم ولا أخر؛ إلا قال: "افعل ولا حرج"، لكن ترتيبها أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك.
وصفة الطواف بالبيت أنه يبتدىء من الحجر الأسود، فيحاذيهن ويستلمه بيده؛ بأن يمسحه بيده اليمنى ويقبله إن أمكن، إن لم يمكنه الوصول إلى الحجر لشدة الزحمة؛ فإنه يكتفي بالإشارة إليه بيده، ولا يزاحم لاستلام الحجر أو تقبيله، ويجعل البيت على يساره، ثم يبدأ الشوط الأول، ويشتغل بالذكر والدعاء أو تلاوة القرآن، فإذا وصل إلى الركن اليماني؛ استلمه إن أمكن، ولا يقبله، ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ،

فإذا وصل إلى الحجر الأسود؛ فقد تم الشوط الأول، فيستلم الحجر، أو يشير إليه، ويبدأ الشوط الثاني ... وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط.
ويشترط لصحة الطواف ثلاثة عشر شرطا هي: الإسلام، والعقل، والنية، وستر العورة، والطهارة، وتكميل السبعة، وجعل البيت عن يساره، والطواف بجميع البيت؛ بأن لا يدخل مع الحجر أو يطوف على جداره، وأن يطوف ماشيا مع القدرة، والموالاة بن الأشواط؛ إلا إذا أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة؛ فإنه يصلي، ثم يبني على ما مضى من طوافه بعد أن يستأنف الشوط الذي صلى في أثنائه، وأن يطوف داخل المسجد، وأن يبتدئ من الحجر الأسود ويختم به.
ثم بعد تمام الطواف يصلي ركعتين، والأفضل كونهما خلف مقام إبراهيم، ويجوز أن يصليهما في أي مكان في المسجد أو في غيره من الحرم، وهما سنة مؤكدة، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . ثم يخرج إلى الصفا ليسعى بينه وبين المروة، فيرقى على الصفا، ويكبر ثلاثا، ويقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير"،

ثم ينزل من الصفا متجها إلى المروة، ويكون بذلك قد بدأ الشوط الأول، ويسعى بين الميلين الأخضرين سعيا شديدًا، وفي خارج الميلين يمشي مشيا معتادًا، حتى يصل المروة، فيرقى عليها، ويقول ما قاله على الصفا، ويكون بذلك قد أنهى الشوط الأول، فينزل من المروة متجها إلى الصفا، ويكون بذلك قد بدأ الشوط الثاني؛ يمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه ... وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط؛ يبدؤها من الصفا، ويختمها بالمروة، ذهابه من الصفا إلى المروة سعية، ورجوعه من المروة إلى الصفا سعيه.
ويستحب أن يشتغل أثناء السعي بالدعاء والذكر أو تلاوة القرآن.
وليس للطواف والسعي دعاء مخصوص، بل يدعو بما تيسر له من الأدعية.
وشروط صحة السعي: النية، واستكمال ما بين الصفا والمروة، وتقدم الطواف عليه.

باب في أحكام الحج التي تفعل في أيام التشريق وطواف الوداع

وبعد طواف الإفاضة يوم العيد يرجع إلى منى، فيبيت بها وجوبا؛ لحديث ابن عباس؛ قال: "لم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد يبيت بمكة؛ إلا للعباس لأجل سقايته"، رواه ابن ماجه.
فيبيت بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل، وإن تعجل؛ بات ليلتين: ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر.
ويصلي الصلوات فيها قصرًا بلا جمع، بل كل صلاة في وقتها.
ويرمي الجمرات الثلاث كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال؛ لحديث جابر رضي الله عنه: "رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد؛ فإذا زالت الشمس"، رواه الجماعة،

وقال ابن عمر: "كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا"، رواه البخاري وأبو داود، وقوله: "نتحين" أي: نراقب الوقت المطلوب، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لتأخذوا عني مناسككم".
فالرمي في اليوم الحادي عشر وما بعده يبدأ وقته بعد الزوال، وقبله لا يجزئ؛ لهذه الأحاديث؛ حيث وقته النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بفعله، وقال: "خذوا عني مناسككم"؛ فكما لا تجوز الصلاة قبل وقتها؛ فإن الرمي لا يجوز قبل وقته، ولأن العبادات توقيفيه.
قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله وهو يصف رمي النبي صلى الله عليه وسلم كما وردت به السنة المطهرة؛ قال: "ثم رجع صلى الله عليه وسلم بعد الإفاضة إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح؛ انتظر زوال الشمس، فلما زالت؛ مشى من رحله إلى الجمار، ولم يركب، فبدا بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الحيف، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، ويقول مع كل حصاة: الله أكبر، ثم يتقدم على الجمرة أمامها، حتى أسهل، فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه، ودعا دعاءً طويلاً بقدر سورة البقرة، ثم أتى إلى الجمرة الوسطى، فرماها كذلكن ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه، فاستبطن الوادي، واستعرض الجمرة، فجعل

البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك ... ". إلى أن قال: "فلما أكمل الرمي؛ رجع من فوره، ولم يقف عندها [يعني: جمرة العقبة] ، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة؛ فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة؛ إذ كان يدعو في صليها" انتهى.
ولا بد من ترتيب الجمرات على النحو التالي ك يبدأ بالجمرة الأولى، وهي التي تلي منى قرب مسجد الخيف، ثم الجمرة الوسطى، وهي التي تلي الأولى، ثم الجمرة الكبرى، وتسمى جمرة العقبة، وهي الخيرة مما يلي الكعبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات متوالية، يرفع مع كل حصوة يده، ويكبر، ولا بد أن تقع كل حصاة في الحوض، سواء استقرت فيه أو سقطت منه بعد ذلك فإن لم تقع في الحوض لم تجز.
ويجوز للمريض وكبير السن والمرأة الحامل أو التي يخاف عليها من شدة الزحمة في الطريق أو عند الرمي، يجوز لهؤلاء أن يوكلوا من يرمي عنهم.
ويرمي النائب كل جمرة عن مستنيبه في مكان واحد، ولا يلزمه أن يستكمل رمي الجمرات على نفسه، ثم يبدأ برميها عن مستنيبه؛ لما في

ذلك من المشقة والحرج في أيام الزحام، والله أعلم، وإن كان النائب يؤدي فرض حجه؛ فلا بد أن يرمي عن نفسه كل جمرة أولاً، ثم يرميها عن موكله.
ثم بعد رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر؛ إن شاء تعجل وخرج من منى قبل غروب الشمس، وإن شاء تأخر وبات ورمى الجمرات الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث عشر، وهو أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ . وغن غربت عليه الشمس قبل أن يرتحل من منى؛ لزمه التأخر والمبيت والرمي في اليوم الثالث عشر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ واليوم اسم للنهار، فمن أدركه الليل؛ فما تعجل في يومين.
والمرأة إذا حاضت أو نفست قبل الإحرام ثم أحرمت، أو أحرمت وهي طاهرة ثم أصابها الحيض أو النفاس وهي محرمة؛ فإنها تبقى في إحرامها، وتعمل ما يعمله الحاج من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والمبيت بمنى؛ إلا أنها لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر من حيضها أو نفاسها.
لكن لو قدر أنها طافت وهي طاهرة، ثم نزل عليها الحيض بعد الطواف؛ فإنها تسعى بين الصفا والمروة، ولا يمنعها الحيض من ذلك؛ لأن السعي لا يشترط الطهارة.

فإذا أراد الحاج السفر من مكة والرجوع إلى بلده أو غيره؛ لم يخرج حتى يطوف للوداع بالبيت سبعة أشواط إذا فرغ من كل أموره ولم يبق إلا الركوب للسفر؛ ليكون آخر عهده بالبيت؛ إلا المرأة الحائض؛ فإنها لا وداع عليها، فتسافر بدون وداع؛ كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض"، متفق عليه، وفي رواية عنه؛ قال: كان الناس ينصرفون من كل وجه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
وعن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت للإفاضة"، رواه أحمد.
وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أحابستنا هي؟ " قلت: يا رسول الله! إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: "فلتنفر إذًا" متفق عليه.

باب في أحكام الهدي والأضحية

الهدي ك ما يهدى للحرم ويذبح فيه من نعم وغيرها، سمي بذلك لأنه يهدي إلى الله سبحانه تعالى.
والأضحية بضم الهمزة وكسرها: ما يذبح في البيوت يوم العيد وأيام التشريق تقربا إلى الله.
وأجمع المسلمون على مشروعيتهما.
قال العلامة ابن القيم: "القربان للخالق يقوم مقام الفدية للنفس والمستحقة للتلف، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ ، فلم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل" انتهى.
وأفضل الهدي الإبل، ثم البقر، إن أخرج كاملاً؛ لكثرة الثمن، ونفع الفقراء، ثم الغنم.
وأفضل كل جنس أسمنه ثم أغلاه ثمنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾ . ولا يجزئ إلا جذع الضأن، وهو ما تم له ستة أشهر، والثني مما سواه من إبل وبقر ومعز، والثني من الإبل ما تم له خمس سنين،

ومن البقر ما تم له سنتان ومن المعز ما تم له سنة.
وتجزئ الشاة في الهدي عن واحد، وفي الأضحية تجزئ عن الواحد وأهل بيته، وتجزئ البدنة والبقرة في الهدي والأضحية عن سعة؛ لقول جابر: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما"، رواه مسلم.
وقال أبو أيوب رضي الله عنه: "كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون"، رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه، والشاة أفضل من سبع البدنة والبقرة.
ولا يجزئ في الهدي والأضحية إلا السليم من المرض ونقص الأعضاء ومن الهزال؛ فلا تجزئ العوراء بينة العور، ولا العمياء، ولا العجفاء وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، ولا الهتماء التي ذهبت ثناها من أصلها، ولا الجداء التي نشف ضرعها من اللبن بسبب كبر سنها، ولا تجزئ المريضة البين مرضها؛ لحديث البراء بن عازب؛ قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي"، رواه أبو داود والنسائي.

ووقت ذبح هدي التمتع والأضاحي بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق على الصحيح.
ويستحب أن يأكل من هديه إذا كان هدي تمتع أن قران ومن أضحيته ويهدي ويتصدق؛ أثلاثا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ . وأما هدي الجبران، وهو ما كان عن فعل محظور من محظورات الإحرام أو عن ترك واجب؛ فلا يأكل منه شيئا.
ومن أراد أن يضحي؛ فإنه إذا دخلت عشر ذي الحجة؛ لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا إلى ذبح الأضحية لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا، حتى يضحي"، رواه مسلم.
فإن فعل شيئا من ذلك؛ استغفر الله، ولا فدية عليه.

ويسن تحسين الاسم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تدعون بأسمائكم وأسماء آبائكم؛ فأحسنوا أسمائكم"، رواه أبو داود.
وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن، ويحرم تعبيده لغير الله؛ كأن يسمى عبد الكعبة، وعبد النبي، وعبد المسيح، عبد علي، وعبد الحسين.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب"؛ لأنه إخبار؛ كبني عبد الدار وعبد شمس، ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وتكره التسمية بالأسماء غير المناسبة؛ كالعاصي، وكليب، وحنظلة، ومرة، وحزن، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة الاسم القبيح من الأشخاص والأماكن، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن"، رواه مسلم وغيره؛ فينبغي الاهتمام باختيار الاسم

الحسن للمولود، وتجنب الأسماء المحرمة والمكروهة؛ لأن ذلك من حق الولد على والده.
ويجزئ في العقيقة ما يجزئ في الأضحية من حيث السن والصفة، فيختار السليمة من العيب والأمراض، والكاملة في خلقتها المناسبة في سنها وسمنها، ويستحب أن يأكل منها ويهدي ويتصدق؛ أثلاثا كالضحية.
وتخالف العقيقة الأضحية في كونها لا يجزئ فيها شرك من دم؛ فلا تجزئ فيها بدنة ولا بقرة إلا كاملة؛ لأنها فدية عن النفس؛ فلا تقبل التشريك، ولم يرد فيها تشريك، حيث لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من الصحابة.
وينبغي العناية بأمر المولود بما يصلحه وينشئه على الأخلاق الفاضلة ويكون سببا في صلاحه، فيحتاج الطفل إلى العناية بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي، قال الشاعر: وينشأ ناشىء الفتيان منا ... على ما كان عودة أبوه فيصعب عليه في كبره تلاقي ذلك، ولهذا تجد بعضا أو كثيرًا من الناس منحرفة أخلاقهم بسبب التربية التي نشؤوا عليها.
فيجب أن يجنب الطفل مجالس اللهو والباطل وقرناء السوء،

ويجب أن يكون البيت الذي ينشأ فيه بيئة صالحة؛ لأن البيت بمثابة المدرسة الأولى؛ بما فيه من الوالدين وأفراد الأسرة، فيجب إبعاد وسائل الشر والفساد عن البيوت، خصوصا في هذا الزمان الذي كثرت فيه فيه وسائل الشرن وامتلأت بها غالب البيوت؛ إلا من رحمه الله؛ فيجب الحذر من ذلك.
كما يجب تنشئة الطفل على العبادة والطاعة واحترام الدين والعناية بالقرآن ومحبته؛ لأنه من أعظم وسائل السعادة في الدنيا والآخرة.
وبالجملة؛ يجب على والد الطفل والمتولي شأنه أن يكون قدوة صالحة في أخلاقه وسلوكه وعادته، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

باب في أحكام العقيقة

العقيقة من حق الولد على والده، وهي الذبيحة التي يذبحها عنه تقربا إلى الله سبحانه وتعالى، فهي سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد عق عن الحسن والحسين؛ كما رواه أبو داود وغيره، وفعل ذلك صحابته الكرام، فكانوا يذبحون عن أولادهم، وفعله التابعون.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها؛ لما رواه الحسن عن سمرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل غلام مرتهن بعقيقته"، قال أحمد: "معناه: مرتهن عن الشفاعة لوالديه"، وقال ابن القيم: "إنها سبب في حسن سجاياه وأخلاقه إن عق عنه".

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل