كتاب الأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صالح الفوزان
- الكتاب
- الملخص الفقهي
- المؤلف
- صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
- الناشر
- دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب في أحكام الأطعمة
لما كان الطعام يتغذى به جسم الإنسان، وينعكس أثره على أخلاقه وسلوكه؛ فالأطعمة الطيبة يكون أثرها طيبا على الإنسان، والأطعمة الخبيثة بضد ذلك، ولذلك أمر الله العباد بالأكل من الطيبات، ونهاهم عن الخبائث:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ .
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ .
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق﴾ .
والأطعمة جمع طعام، وهو ما يؤكل ويشرب.
والأصل فيها الحل؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ، وغير ذلك من النصوص الكتاب والسنة التي تدل على أن الأصل في الأطعمة الحل؛ إلا ما استثني.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأصل فيها الحل لمسلم عمل صالحا؛ لأن الله تعالى إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته، ولا على معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ، ولهذا لا يجوز أن يستعان بالمباح على المعصية؛ كمن يعطي اللحم والخبز من يشرب عليه الخمر ويستعين به على الفواحش، ومن أكل الطيبات ولم يشكر؛ فمذموم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ؛ أي: عن الشكر عليه" انتهى.
فالله تعالى أباح لعباده المؤمنين الطيبات لكي ينتفعوا بها، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ .
وقد بين الله لعباده ما حرمه عليهم من المطاعم والمشارب:
قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه﴾ ، فما لم يبين تحريمه؛ فهو حلال.
قال النبي صلى الله عليه وسل: "إن الله فرض فرائض؛ فلا تضيعوها، وحد حدودًا؛ فلا تعتدوها، وحرم أشياء؛ فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان؛ فلا تبحثوا عنها" قال النووي رحمه الله: "حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره".
فكل ما لم يبين الله ولا رسوله تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس؛ فلا يجوز تحريمه؛ فإن الله قد فصل لنا ما حرم؛ فما كان حراما؛ فلا بد أن يكون تحريمه مفصلاً؛ فكما أنه لا يجوز إباحة ما حرم الله؛ فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا الله عنه ولم يحرمه.
والقاعدة في ذلك: أن كل طعام طاهر لا مضرة فيه؛ فهو مباح؛ بخلاف الطعام النجس؛ كالميتة، والدم، والرجيع، والبول، والخمر، والحشيشة، والمتنجس، وهو الذي خالط النجاسة؛ فإنه يحرم؛ لأنه خبيث مضر؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية.
فأما الميتة؛ فهي ما فارقته الحياة بدون ذكاة شرعية، وحرمت لما فيها من خبث التغذية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ومن محاسن الشريعة تحريمهن فإن اضطر إليه؛ أبيح له، وانتفى وجه الخبث منه حال الاضطرار؛ لأنه غير مستقل بنفسه في المحل المغتذي به، بل هو متولد من القابل والفاعل؛ فإن ضرورتة تمنع قبول الخبث الذي في المغتذي به، فلم تحصل تلك المفسدة؛ لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذي، فإذا زال الاختيار؛ زال شرط القبول، فلم تحصل المفسدة أصلاً.
وأما الدم؛ فالمراد به المسفوح منه، وكان أهل الجاهلية يجعلونه في المباعر، ويشوونه، ويأكلونه، فأما ما يبقى في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق؛ فمباح، حتى لو مسه بيده فظهر عليها أو مسه بقطنة؛ لم ينجس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصحيح أنه إنما يحرم
الدم المسفوح المصبوب المهراق، فأما ما يبقى في عروق اللحم؛ فلم يحرمه أحد من العلماء" انتهى.
ولا يحل من الأطعمة ما فيه مضرة كالسم والخمر والحشيشة والدخان التبغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، فالآية الكريمة تدل على تحريم أكل أو شرب كل ما فيه مضرة، مع أدلة أخرى تدل على تحريم الأطعمة والأشربة الضارة للعقول والأبدان.
والأطعمة المباحة على نوعين: حيوانات ونباتات كالحبوب والثمار، فيباح منها كل ما لا مضرة فيه.
والحيوانات على نوعين: حيوانات تعيش في البر، وحيوانات تعيش في البحر.
فحيوانات البر مباحة؛ إلا أنواعا منها حرمها الشارع:
ومن ذلك: الحمر الأهلية؛ لحديث جابر رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسل نهى يوم خبير عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل"، متفق عليه.
قال ابن المنذر: "لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها".
وحرم من حيوانات البر أيضا ما له ناب يفترس به؛ لقول أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسل عن كل ذي
ناب من السباع"، متفق عليه، ويستثنى من ذلك الضبع، فيحل، لحديث جابر: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسل بأكل الضبع".
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "إنما حرم ما له ناب من السباع العادية بطبعها كالأسد، وأما الضبع؛ فإنما أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث للمغتذي بها شبها، ولا تعد الضبع من السباع العدية، لا لغة ولا عرفا ... " انتهى.
والطيور مباحة؛ إلا ما استثنى؛ فيحرم من الطير ماله مخلب يصيد به، وهو الظفر الذي يصيد به الحيوانات؛ كالعقاب والبازي والصقر؛ لقول ابن عباس: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسل عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور"، رواه أبو داود وغيره.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسل بالنهي عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث على وابن عباس وأبي هريرة
وأبي ثعلبة الخشني" اهـ
ويحرم من الطيور أيضا ما يأكل الجيف؛ كالنسر، والرخم، والغراب، وذلك لخبث ما يتغذى به.
ويحرم من الحيوانات ما يستخبث؛ كالحية، والفأرة، والحشرات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أكل الحيات والعقارب حرام مجمع عليه، فمن أكلها مستحلا لها؛ استتيب، ومن اعتقد التحريم وأكلها؛ فهو فاسق عاص الله ورسوله".
وتحرم الحشرات لأنها من الخبائث.
ويحرم من الحيوانات أيضا ما تولد من مأكول وغيره؛ كالبغل من الخيل والحمر الأهلية؛ تغليبا لجانب التحريم.
وقد أجمل بعض العلماء ما يحرم من حيوانات البر في ستة أنواع هي:
1 ما نص عليه بعينه؛ كالحمر الأهلية.
2 ما وضع له حد وضابط؛ كما له ناب من السباع أو مخلب من الطير.
3 ما يأكل الجيف؛ كالرخم والغراب.
4 ما يستخبث؛ كالفأرة والحية.
5 ما تولد من مأكول وغير مأكول؛ كالبغل.
6 ما أمر الشارع بقتله أو نهى عن قتله؛ كالفواسق الخمس والهدهد والصرد.
وما عدا ما ذكر من الحيوانات والطيور؛ فهو حلال على أصل الإباحة؛ كالخيل، وبهيمة الأنعام، والدجاج، والحمر الوحشية، والظباء، والنعامة، والأرنب، وسائر الوحوش؛ لأن ذلك كله مستطاب، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ .
ويستثنى من ذلك الجلاّلة من البقر والإبل، وهي التي أكثر علفها النجاسة، فيحرم أكلها؛ لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر: "نهى عن أكل الجلالة وألبانها"، ومن حديث عمرو بن شعيب: "نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وعن ركوب الجلالة وأكل لحمها"، سواء في ذلك بهيمة الأنعام أو الدجاج ونحوه، ولينها وبيضها نجس حتى تحبس ثلاثا وتطعم الطاهر فقط.
قال ابن القيم: "أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست وعلفت الطاهرات؛ حل لبنها ولحمها، وكذا الزرع والثمار: إذا سقيت بالماء النجس، ثم سقيت بالطاهر؛ حلت؛ لاستحالة وصف
الخبيث وتبدله بالطيب" انتهى.
ويكره أكل بصل وثوم ونحوهما مما له رائحة كريهة، خصوصا عند حضور المساجد؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "من أكل هذه الشجرة؛ فلا يقر بن مصلانا".
ومن اضطر إلى محرم بأن خاف التلف إن لم يأكله غير السم؛ حل له منه ما يسد رمقه "أي: يمسك قوته ويحفظها"؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، ومن اضطر إلى طعام مع غيره اضطرار صاحب ذلك الطعام إليه؛ لزم بذله له بقدر ما يسد رمقه بقيمته.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن كان المضطر فقيرًا؛ لم يلزمه عوض؛ إذ إطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية ويصيران فرض عين على المعين إذا لم يقم غيره به" اهـ
ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه؛ كثياب لدفع برد، أو حبل أو لاستقاء ماء، وكقدر لطبخ؛ وجب يذله له مجانا، مع عدم حاجة صاحبه إليه؛ لأن الله تعالى ذم على منعه بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ .
قال ابن عباس مسعود وغيرهما: "الماعون هو ما يتعاطاه
الناس بينهم ويتعاورونه من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك".
ومن مر بثمر بستان في شجرهن أو متساقط عنه، ولا حائط عليه، ولا ناظر؛ فله الأكل منه مجانا من غير حمل، روي ذلك عن ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم، وليس
له صعود شجرة، ولا رميها بشيء، ولا الأكل من ثمر مجموع؛ إلا لضرورة.
فتلخص أن للمار بالبستان أن يأكل من ثمره بشروط:
الأول: أن يكون لا حائط عليه وليس عنده حارس.
الثاني: أن يكون الثمر على الشجر أو متساقطا عنه لا مجموعا.
الثالث: أن لا يحتاج إلى صعود الشجر، بل يتناوله من غير صعود.
الرابع: أن لا يحمل معه منه شيء.
الخامس: يشترط عند الجمهور أن يكون محتاجا.
فإن اختل شرط من هذه الشروط؛ لم يجز له الأكل.
وتجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به في القرى يوما وليلة، أما المدن؛ فلا تجب فيها الضيافة؛ فيها المطاعم والفنادق؛ فلا يحتاج إلى الضيافة؛ بخلاف القرى والبوادي.
ودليل وجوب الضيافة المذكور قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفة جائزته".
قالوا: وما جائزته
يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته"، متفق عليه، فدل الحديث على وجوب الضيافة؛ لقوله: "من كان يؤمن بالله ... " الخ، وتعليق الإيمان بإكرام الضيف يدل على وجوبه، وفي "الصحيحين": "إن نزلت بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف؛ فاقبلوا، وإن لم يفعلوا؛ فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له".
وقصة إبراهيم الخليل عليه السلام مع ضيفه وتقديمه العجل لهم تدل على أن الضيافة من دين إبراهيم، وتدل على أنه يقدم للضيف أكثر مما يأكل، وهذه من محاسن هذا الدين، ومن مكارم الأخلاق التي لا تزال متواترة في ذريته، حتى أكدها الإسلام، وحث عليها، بل إن دين الإسلام جعل لابن السبيل حقا ضمن الحقوق العشرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيل﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ، بل جعل له حقا في الزكاة ضمن الأصناف الثمانية، وابن السبيل هو المسافر المنقطع به.
فلله الحمد على هذا الدين الكامل والتشريع الحكيم الذي هو هدى ورحمة.
باب في أحكام الذكاة
لما كان من شرط حل الحيوان البري أن يكون مذكىً الذكاة الشرعية، وأن ما لم تجر عليه تلك الذكاة ميتة حراما؛ كان بحث الذكاة ومعرفة ما يلزم لها مهمّا جدّاً.
وقد عرفها الفقهاء رحمهم الله بأنها ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه أو عقر الممتنع منه، سميت بذلك أخذًا من المعنى اللغوي، إذ الذكاة في اللغة إتمام الشيء؛ لأن ذبح الحيوان معناه إتمام زهوقه، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ؛ أي: أدركتموه وفيه حياة، فأتممتم زهوقه، ثم استعمل ذلك في الذبح، سواء كان بعد إصابة سابقة، أو ابتداء.
وحكم الذكاة: أنها لازمة، لا يحل شيء من الحيوان المقدور عليه بدونها؛ لأن غير المذكى يكون ميتة، وقد أجمع أهل العلم على أن الميتة حرام إلا لمضطر، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ؛ إلا السمك والجراد وكل ما لا يعيش إلا في الماء، فيحل بدون ذكاة؛ لحل ميتته؛ لحديث ابن عمر يرفعه: "أحل لنا ميتتان ودمان:
فأما الميتتان: الحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال"، رواه أحمد وغيره، وقال صلى الله عليه وسل في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
ويشترط للذكاة أربع شروط:
الشرط الأول: أهلية المذكي؛ بأن يكون عاقلاً، ذا دين سماوي، من المسلمين أو أهل الكتاب؛ فلا يباح ما ذكاه مجنون أو سكران أو طفل لم يميز؛ لأنه لا يصح من هؤلاء قصد التذكية؛ لعدم العقلية فيهم، ولا يحل ما ذكاه كافر وثني أو مجوسي أو مرتد أو قبوري ممن ينادون الموتى ويلوذون بالأضرحة ويطلبون من أصحابها المدد؛ لأن هذا شرك أكبر.
وأما الكافر الكتابي، وهو اليهودي أو النصراني؛ فتحل ذبيحة ذبيحته؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ؛ أي: ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حلُّ لكم أيها المسلمون، وهذا بإجماع المسلمين؛ قال الإمام البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: "طعامهم ذبائحهم".
ومفهوم الآية الكريمة أن الكافر غير الكتابي لا تحل ذبيحته، وهذا بالإجماع.
والحكمة في إباحة ذبيحة الكافر الكتابي دون غيره من الكفار: أن أهل الكتاب يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، وتحريم الميتات؛ لما جاءت به أنبياؤهم؛ بخلاف بقية الكفار؛ فإنهم يذبحون للأصنام ويستحلون الميتات.
الشرط الثاني: توفر الآلة، فتباح الذكاة بكل محدد ينهر الدم بحدة، سواء كان من الحديد أو الحجر أو غير ذلك، ما عدا السن والظفر؛ فلا يحل الذبح بهما لقوله صلى الله عليه وسل: "ما أنهر الدم؛ فكل، فليس السن والظفر"، متفق عليه.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام، إما لنجاسة بعضها، أو لتنجيسها على مؤمني الجن، وتمام الحديث: "وسأحدثكم عن ذلك: أما السن؛ فعظم"؛ أي: ذلك عظم؛ فلا يحل الذبح به، وقال: "وأما الظفر؛ فمدى الحبشة"، أي: فسكين الحبشة؛ فلا يحل الذبح به".
الشرط الثالث: قطع الحلقوم، وهو مجرى النفس، وقطع المريء، وهو مجرى الطعام والشراب، وأحد الودجين، وهما الوريدان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتقطع المريء والحلقوم والودجان، والأقوى أن قطع ثلاثة من الأربعة يبيح، سواء كان فيها
الحلقوم أو لم يكن؛ فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ في إنهار الدم".
والسنة نحر إبل؛ بأن يطعنها بمحدد في لبتها، وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وذبح غيرها في حلقه.
والحكمة في تخصيص الذكاة في المحل المذكور؛ لعدم التمكن منه؛ كالصيد والنعم المتوحشة والواقعة في بئر ونحوها، تكون ذكاته بجرحه في أي موضع من بدنهن ويكفي ذلك في ذكاته؛ لحديث رافع قال: ندَّ بعير، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسل: "ما ندَّ عليكم؛ فاصنعوا به هكذا"، متفق عليه، وروى ذلك عن على وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم
وما أصيب من الحيوانات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية
والنطيحة وما أكل السبع، إذا أدركت وفيها حياة مستقرة، فذكيت؛ حلّت؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ؛ أي: إلا ما أدركتم وفيه حياة، فذكيتموه؛ فليس بمحرم.
والمنخنقة: هي التي التف على عنقها حبل ونحون فخنقها.
والموقوذة هي التي ضربت بشيء ثقيل.
والمتردية: هي التي تسقط من شيء مرتفع.
والنطيحة: هي التي نطحها حيوان آخر برأسه.
وما أكل السبع؛ أي: افتراسه الذئب ونحوه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الذكاة المجزية في هذه الأنواع: "متى ذبح، فخرج الدم الأحمر الذي من المذكى في العادة، ليس هو دم الميتة؛ فإنه يحل أكله، ولو مع عدم تحركه بيد أو رجل أو طرف عين أو مصع ذنب ونحو ذلك في الأصح ... " انتهى.
الشرط الرابع: أن يقول الذابح عند حركة يده بالذبح: بسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ .
قال الإمام ابن القيم: "لا ريب أن يذكر اسم الله الذبيحة يطيبها ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح، فإذا أخل به؛ لا بس الشيطان الذابح والمذبوح، فأثر خبثا في الحيوان، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح سمى، فدلت
الآية على أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلما ... " انتهى.
ويسن مع التسمية التكبير.
وللذكاة آداب:
فيكره أن يذبح بآلة كالَّة؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "ويحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
ويكره أن يحدها والحيوان يبصره؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسل: "أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم"، رواه أحمد.
ويكره أن يوجه الحيوان إلى غير القبلة.
ويكره أن يكسر عنقه أو يسلخه قبل أن يبرد.
والسنة نحر الإبل قائمة معقول يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة على جانبها الأيسر.
والله أعلم.
باب في أحكام الصيد
الصيد: مصدر صاد يصيد صيدًا، وهو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعا غير عليه، ويطلق على المصيد، فقال للحيوان: صيد؛ تسمية للمفعول باسم المصدر.
وحكم الاصطياد: أنه إذا كان لحاجة الإنسان؛ فهو جائز من غير كراهة، وأما إذا كان للهو واللعب لا لأجل الحاجة؛ فهو مكروه، وإن ترتب عليه ظلم للناس بالاعتداء على زروعهم وأموالهم؛ فهو حرام.
والدليل على جوازه في غير الحالة الأخيرة:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
وقال النبي صلى الله عليه وسل: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل"، متفق عليه.
والصيد بعد إصابته وإمساكه له حالتان:
الحالة الأولى: أن يدرك وهو حي حياة مستقرة؛ فهذا ل بد من ذكاته الذكاة الشرعية التي سبق بيانها، ولا يحل بالاصطياد.
الحالة الثانية: أن يدرك مقتولاً بالاصطياد، أو حيا حياة غير مستقرة؛ ففي هذه الحالة يكون حلالاً إذا توفرت شروط.
الشرط الأول: أن يكون الصائد من أهل الذكاة؛ أي: ممن تحل ذبيحته؛ لأن الصائد بمنزلة المذكي، فيشترط فيه الأهلية؛ بأن يكون عاقلاً مسلما أو كتابيا؛ فلا يحل ما صاده مجنون أو سكران؛ لعدم العقلية، ولا ما صاده مجوسي أو ثني ونحوه من سائر الكفار، كما لا تحل ذكاتهم.
الشرط الثاني: الآلة، وهي نوعان:
الأول: محدد يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح؛ بأن ينهر الدم، ويكون غير سن وظفر، وأن يجرح الصيد بحده لا بثقله، فإذا كانت الآلة التي قتل بها الصيد غير محددة؛ كالحصاة والعصا والفخ والشبكة وقطع الحديد، فإنه لا يحل ما قتل به من الصيد؛ إلا الرصاص الذي يطلق من البنادق اليوم، فيحل ما قتل به من الصيد؛ لأن فيه قوة الدفع التي تخرق وتنهر الدم كالمحدد وأشد.
الثاني: الجارحة من الكلاب والطيور التي يصاد بها، فيباح ما قتلته من الصيد إن كانت معلمة، سواء كانت مما يصيد بنابه كالكلب أو بمخلبه كالطير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: تؤدبونهن آداب أخذ الصيد من العلم الذي
علمكم الله، وتعليم الجارح: أنه إذا أرسله؛ استرسل، وإذا أشلاه؛ استشلى، وإذا أخذ الصيد؛ أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه.
الشرط الثالث: أن يرسل الآلة قاصدًا للصيد؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل"، متفق عليه، فدل الحديث على أن إرسال الجارحة يمنزلة الذبح، فيشترط له القصد، فلو سقطت الآلة من يده، فقلت صيدًا؛ لم يحل؛ لعدم القصد منه، وكذا لو استرسل الكلب من نفسه، فقتل صيدًا؛ لم يحل؛ لعدم إرسال حاصبه له، وعدم قصده، ومن رمى صيدًا، فأصاب غيره؛ قتل جماعة من الصيود؛ حل الجميع؛ لوجود القصد.
الشرط الرابع: التسمية عند إرسال السهم أو الجارحة؛ بأن يقول: بسم الله لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْه﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسل: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل"، متفق عليه
فإن ترك التسمية؛ لم يحل الصيد؛ لمفهوم الآية والأحاديث.
ويسن أن يقوم مع التسمية: الله أكبر؛ كما يقال ذلك في الذكاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسل كان إذا ذبح؛ يقول: "بسم الله، والله أكبر".
تنبيهان
التنبيه الأول: هناك حالات يحرم فيها الصيد:
فيحرم على المحرم قتل صيد البر أو اصطياده والإعانة على صيده بدلالة أو إشارة أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ .
ويحرم عليه الأكل مما صاده أو كان له تأثير في اصطياده أو صيد من أجله؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ .
وكذلك هناك محل يحرم فيه الصيد، فيحرم قتل صيد الحرم على المحرم وغير المحرم بإجماع؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة؛ لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده" الحديث.
التنبيه الثاني: يحرم اقتناء الكلب لغير ما رخص فيه الرسول صلى الله عليه وسل، وهو أحد ثلاثة أمور: إما لصيد، أو لحراسة ماشية، أو لحراسة زرع؛ قال النبي صلى الله عليه وسل: "من اتخذ كلبا؛ إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع؛ انتقص من أجره كل يوم قيراط"، متفق عليه.
وبعض الناس لا يبالي بهذا الوعيد، فيقتني الكلب لغير هذه الأغراض الثلاثة التي رخص فيها الرسول صلى الله عليه وسل؛ لأجل المفاخرة وتقليد الكفار، ولا يبالي بنقصان الأجر الذي يترتب على ذلك، ولكن لو كان ينقص في دنياه شيئا؛ لما صبر عليه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد أحبر النبي صلى الله عليه وسل أن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه الكلب، والصورة؛ فليتق المسلم ربه، ولا يظلم نفسه بإيقاعها في الإثم وحرمانها من الأجر.
والله المستعان.