الملخص الفقهيصفحات 521-560
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود والتعزيرات

صفحات 521-560
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب في أحكام الحدود

الحدود: جمع حد، وهو لغة المنع.
وحدود الله تعالى: محارمه التي منع من ارتكابها وانتهاكها.
والحدود في الاصطلاح الشرعي: عقوبة مقدرة شرعا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها.
والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الحدود صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم؛ كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض ... " انتهى.
والحكمة في تشريع الحدود: أنها شرعت زواجر للنفوس ونكالاً وتطهيرًا، فهي عقوبة مقدرة لحق الله تعالى، ثم لأجل مصلحة المجتمع؛ فالله تعالى أوجبها على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع البشرية؛ فهي من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فلا تتم سياسة الملك إلا بزواجر عقوبات لأصحاب الجرائم، منها ينزجر العاصي ويطمئن المطيع وتتحقق العدالة في الأرض ويأمن الناس على أرواحهم

وأعراضهم وأموالهم، كما هو المشاهد في المجتمعات التي تقيم حدود الله؛ فإنه يتحقق فيها من الأمن والاستقرار وطيب العيش ما لا ينكره؛ بخلاف المجتمعات التي عطلت حدود الله، وزعمت أنها وحشية، وأنها لا تليق بالحضارة المعاصرة، فحرمت مجتمعاتها من هذه العدالة الإلهية، ومن نعمة الأمن والاستقرار، وإن كانت تملك من الأسلحة والأجهزة الدقيقة ما تملك؛ فإن ذلك لا يغني عنها شيئا، حتى تقيم حدود الله التي شرعها لمصالح عباده؛ فإن المجتمعات البشرية لا تحكم بالحديد والآلة فقط، وإنما تحكم بشريعة الله وحدوده، وإنما الحديد والأجهزة آلة لتنفيذ الحدود الشرعية، إذا أحسن استعمالها، وكيف هؤلاء المنحرفون حدود الله التي هي هدى ورحمة للعالمين؟! كيف يسمونها وحشية ولا يسمون عمل المجرم المعتدي وحشية وهو يروع الآمنين ويجني على الأبرياء ويخلخل أمن المجتمع؟! إن هذا هو الوحشية، وإن الذي عليه أظلم منه وأشد منه وحشية، ولكن إذا انتكست العقول وفسدت الفطر فإنها ترى الحق باطلاً والباطل حقا؛ كما قال الشاعر: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم وهذا؛ ولا يجوز تطبيق الحد على الجاني؛ إلا إذا توفرت شروط تطبيقه، وهي كما يلي: الشرط الأول: أن يكون مرتكب الجريمة بالغا عاقلاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم

حتى يستيقظ"، رواه أهل السنن وغيرهم، فإذا كانت العبد لا تجب على هؤلاء؛ فالحد أولى بالسقوط؛ لعدم التكليف، ولأنه يدرأ بالشبهة.
الشرط الثاني: أن يكون مرتكب الجريمة عالما بالتحريم؛ فلا حد على من يجهل التحريم؛ لقول عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم: "لا حد إلا على من علمه"، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة، وقال الموفق ابن قدامة: "هو قول أهل العلم".
فإذا توفرت هذه الشروط في مرتكب الجريمة التي يترتب عليها الحد الشرعي؛ فإنه يقيمه عليه الإمام أو نائبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود، ثم خلفاؤه من بعده كانوا يقيمونها، وقد وكل النبي صلى الله عليه وسلم من يقيم الحد نيابة عنه؛ حيث قال: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها"، وأمر صلى الله عليه وسلم برجم ماعز ولم يحضره، وقال في سارق: "اذهبوا به فاقطعوه" ... ولأن الحد يحتاج إلى اجتهاد، ولا يؤمن فيه

الحيف، فوجب أن يتولاه الإمام أو نائبه؛ ضمانا للعدالة في تطبيقه، سواء كانت الحدود لحق الله تعالى كحد الزنى أو كانت لحق الآدمي كحد القذف.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: "الحدود التي ليست لقوم معينين تسمى حدود الله وحقوق الله؛ مثل قطاع الطريق والسراق والزناة ونحوهم، ومثل الحكم في الأموال السلطانية والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور الولايات، يجب على الولاة البحث عنها وإقامتها من غير دعوى أحد بها، وتقام الشهادة من غير دعوى أحد بها، وتجب إقامتها على الشريف والوضيع والقوي والضعف...." انتهى.
ولا يجوز إقامة الحد في المسجد، وإنما تقام خارجه؛ لحديث حكيم ابن حزام: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستفاد بالمسجد، وأن تنشد الأشعار، وأن تقام فيه الحدود" ... والمراد الأشعار غير النزيهة.
وتحرم الشفاعة في الحد بعد أن يبلغ السلطان لأجل إسقاطه وعدم إقامته، ويحرم على أولي الأمر قبول الشفاعة في ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضاد الله في

أمره"، وقال صلى الله عليه وسلم في الذي أراد أن يعفو عن السارق: "فهلا قبل أن تأتيني به".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا يحل تعطيله [أي: الحد] لا بشفاعة ولا هدية ولا غيرها، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته؛ فعليه لعنه الله".
وقال رحمه الله: "ولا يجوز أن يؤخذ من السارق والزاني والشارب وقاطع الطريق ونحوه مال يعطل به الحد لا لبيت المال ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك جمع بين فسادين عظيمين: تعطيل الحد وأكل السحت وترك الواجب وفعل المحرم، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب ونحو ذلك لتعطيل الحد سحت خبيث، وهو أكثر ما يوجد من إفساد أمور المسلمين، وهو سبب سقوط حرمة المتولي وسقوط قدره وانحلال أمره ... " انتهى كلامه رحمه الله.

فالجرائم لا يحسمها ويقي المجتمع من شرها إلا إقامة الحدود الشرعية على مرتكبيها، وأما أخذ الغرامة المالية منهم وسجنهم وما أشبه ذلك من العقوبات الوضعية؛ فهو ضياع وظلم وزيادة شر.
قال فقهاؤنا رحمهم الله: إن الجنايات التي تجب فيها الحدود خمس؛ هي: الزنى، والسرقة، وقطع الطريق، وشرب الخمر، والقذف، وما عدا ذلك؛ يجب فيه التعزير؛ كما يأتي بيانه إن شاء الله.
وقالوا: أشد الجلد في الجدود جلد الزنى، ثم جلد القذف، ثم جلد الشرب، ثم جلد التعزير؛ لأن الله تعالى خص الزنى بمزيد تأكيد؛ لقوله: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ، وما دونه أخف منه في العدد؛ فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة.
وقالوا: من مات في حد؛ فهو هدر، ولا شيء علة من حده؛ لأنه أتى به على الوجه المشروع بأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
أما لو تعدى الوجه المشروع في إقامة الحد، ثم تلف المحدود؛ فإنه يضمنه بديته؛ لأنه تلف بعدوانه، فأشبه ما لو ضربه في غير الحد.
قال الموفق رحمه الله: "بغير خلاف نعلمه".

باب في حد الزنى

قال الفقهاء رحمهم الله: ويجب في إقامة حد الزنى حضور إمام أو نائبه، وحضور طائفة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . والزنى من أعظم الجرائم، وهو يتفاوت في الشناعة الإثم والقبح؛ فالزنى بذات زوج والزنى بذات المحرم والزنى بحليلة الجار من أعظم أنواعه.
ولما كان الزنى من أعظم الجرائم وكبار المعاصي؛ لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل بسببه التعارف والتناصر على حق، وفيه هلاك الحرث والنسل، لما كان يشتمل على هذه الآثار القبيحة؛ رتب الله عليه هذا الحد الصارم، وهو رجم الزانى بالحجارة حتى يموت أو جلده وتغريبه عن بلده؛ ليحصل بذلك الردع عن ارتكابه، إضافة إلى ما ينشأ عنه من الأمراض التي تفتك بالمجتمعات، ولذلك نهى عنه الشارع أشد النهي، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ ، ورتب على ارتكابه تلك العقوبة المؤلمة.

وقد عرف الفقهاء رحمهم الله الزنى بأنه فعل الفاحشة في قبل أو دبر.
وقال ابن رشد: "هو كل وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين، وهذا متفق عليه في الجملة من علماء الإسلام، وإن كانوا اختلفوا فيما هو شبهة يدرأ الحد أو لا ... " انتهى.
فإذا كان الزاني محصنا مكلفا؛ رجم بالحجارة حتى يموت، رجلاً كان أو امرأة، في قول أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج.
والرجم مع ذلك ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية المتواترة.
وكان الرجم مذكورًا في القرآن الكريم، ثم نسخ لفظه وبقى حكمه، وذلك في قوله تعالى: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا؛ فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم﴾ . ومع ثبوت الرجم بالقرآن المنسوخ لفظة دون حكمة، وبالسنة المتواترة والإجماع؛ فقد تجرأ الخوارج ومن في حكمهم من بعض الكتاب المعاصرين إلى إنكار الرجم؛ تبعا لأهوائهم، وتخطيا للأدلة الشرعية وإجماع المسلمين.

والمحصن الذي يجب رجمه إذا زنى هو من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط من هذه الشروط المذكورة في أحد الزوجين؛ فلا إحصان.
والشروط تتلخص في الآتي 1 أن يحصل منه الوطء في القبل 2 أن يكون الوطء في نكاح صحيح.
3 حصول الكمال في كل منهما؛ بأن يكون بالغا حرًّا عاقلاً.
وخص الثيب بالرجم لكونه تزوج فعلم ما يقع به العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنى، فزال عذره من جميع الوجوه، وكملت في حقه النعمة، ومن كملت في حقه النعمة؛ فجنايته أفحش؛ فهو أحق بزيادة العقوبة.
وإذا زنى المكلف الحر غير المحصن؛ جلد مئة جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وخفف عنه عقوبة المحصن، وهي القتل، وصار إلى الجلد؛ لما حصل له من العذر، فيحقن دمه، ويزجر عن الزنى بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد، وهو ضرب الجلد، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: لا ترحموهما بترك إقامة الحد عليهما، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ ؛ فإن الإيمان يقتضي الصلابة في الدين، والاجتهاد في إقامة أحكامه.
وثبت مع الجلد تغريبه عاما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما روى

الترمذي وغيره: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب"، وقال صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام".
وإذا كان الزاني مملوكا؛ جلد خمسين جلدة؛ لقوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ ، ولا فرق بين الذكر والأنثى، والعذاب المذكور في القرآن الكريم وهو الجلد، والرجم وإن كان قد ذكر في القرآن؛ فإنه نسخ لفظه وتلاوته وبقي حكمة.
ولا تغريب على الرقيق؛ لأن في ذلك إضرار بسيده، ولأن السنة لم يرد فيها تغريب المملوك إذا زنى؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم في الأمة إذا لم تحصن: "إذا زنت؛ فاجلدوها، ثم إن زنت؛ فاجلدوها"، ولم يذكر تغريبها.
ولا يجب الحد إلا إذا خلا الوطء من الشبهة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم"؛ فلا حد على من وطئ امرأة

يظنها زوجته، أو وطئها بعقد باطل اعتقد صحته، أو وطئ في نكاح مختلف فيه، أو كان يجهل تحريم الزنى وهو قريب عهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن دار الإسلام، أو كانت المرأة مكرهة على الزنى.
قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تبدأ بالشبهات...." انتهى.
وهذا من يسر هذه الشريعة؛ لأن الشبهة تدل على عدم تعمده للجريمة، والله تعالى: يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . ومن شروط وجوب إقامة الحد على الزاني: ثبوت وقوع الزنى منه، ولا يثبت إلا بأحد أمرين.
الأمر الأول: أن يقر به أربع مرات، وذلك لحديث ماعز بن مالك رضي الله عنه؛ فإنه اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات: الأولى، ثم الثانية، ورده حتى أكمل أربع مرات، فلو كان ما دونها يكفي؛ لأقام الحد عليه به.
ويشترط لصحة الإقرار بالزنى أن يصرح بحقيقة الوطء، وأن لا يرجع عن إقراره حتى يقام عليه الحد، فلو لم يصرح بذكر حقيقة الزنى؛ لم يحد؛ لاحتمال أنه أراد غيره مما لا يوجب الحد من الاستمتاع المحرم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لماعز رضي الله عنه حينما أقر عنده: "لعلك

قبلت، أو غمزت؟ " قال: لا.
وكرر معه صلى الله عليه وسلم الاستيضاح، حتى زالت كل الاحتمالات.
ولو رجع عن إقراره قبل إقامة الحد عليه؛ لم يقم عليه، وذلك لما ثبت من تقريره صلى الله عليه وسلم ماعزًا وغيره مرة بعد مرة لعله يرجع، ولقوله صلى الله عليه وسلم لما هرب: "فهلا تركتموه، لعله يتوب فيتوب الله عليه".
الأمر الثاني: أن يشهد به عليه أربعة شهود؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ . ويشترط لصحة شهادتهم عليه شروط: الأول: أن يشهدوا عليه في مجلس واحد.
الثاني: أن يشهدوا عليه بزنى واحد؛ أي: واقعة واحدة.
الثالث: أن يصفوا الزنى بما يدفع كل الاحتمالات عن إرادة غيره من الاستمتاع المحرم؛ لأن الزنى قد يعبر به ما لا يوجب الحد؛ فلا بد من تصريحهم به لتنتفي الشبهة.
الرابع: أن يكونوا رجالاً عدولاً؛ فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا شهادة الفساق.
الخامس: أن لا يكون فيهم من به مانع من عمى أو غيره.

فإن اختل شرط من هذه الشروط؛ وجب إقامة حد القذف عليهم؛ لأنهم قذفة، والله تعالى: يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ . وثبوت الزنى بالبينة المذكورة أو الإقرار متفق عليه بين العلماء، وقد اختلفوا هل يثبت بأمر ثالث، وهو الحبل، كما لو حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد: فقال بعضهم: لا يثبت بذلك حد؛ لأنه يحتمل أنه من وطء إكراه أو شبهة.
وقال بعضهم: بل تحد بذلك إن لم تدَّع شبهة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بالأصول الشرعية، ومذهب أهل المدينة؛ فإن الاحتمالات الباردة لا يلتفت إليها".
وقال ابن القيم: "وحكم عمر برجم الحامل بلا زوج ولا سيد، وهو مذهب مالك، وأصح الروايتين عن أحمد؛ اعتماد على القرينة الظاهرة".
وكما يجب الحد بالزنى إذا توفرت شروط إقامته، كذلك يجب الحد باللواط، وهو فعل الفاحشة في الدبر، وهو جريمة خبيثة، وشذوذ قبيح مخالف للفطرة السليمة.
قال الله تعالى: في قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ، وتحريمه معلوم بالكتاب والسنة والإجماع.

وقد وصف الله اللوطية بأنهم يمارسون فاحشة لم يسبقهم إليها أحد في العالمين؛ فهم شذاذ في العالم، ووصفهم بأنهم عادون ومسرفون ومجرمون، وأحل بهم عقوبة لم ينزلها بغيرهم؛ لقبح جريمتهم؛ حيث خسف بهم الأرض، وأمطر عليهم حجارة من سجيل.
وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاعل والمفعول به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الصحيح الذي عليه الصحابة أنه يقتل الاثنان: الأعلى والأسفل، إن كانا محصنين أو غير محصنين".
قال: "ولم يختلف الصحابة في قتله، وبعضهم يرى أنه يرفع على أعلى جدار في القرية، ويلقى، ويتبع بالحجارة".
وقال الموفق: "ولأنه "أي: قتل اللوطي" إجماع الصحابة؛ فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته".
وقال ابن رجب: "الصحيح قتله، سواء كان محصنا أو غير محصن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ، وعن أحمد: "حده الرجم؛ بكرًا كان أو ثيبا"، وهو قول مالك وغيره، وأحد قولي الشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛

فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، رواه أبو داود، وفي رواية: "فارجموا الأعلى والأسفل".
ومن اللوطية إتيان الرجل زوجته في دبرها؛ قال تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ؛ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: "يعني: الفرج".
قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس: " ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ﴾ ؛ يقول: في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئا من ذلك؛ فقد اعتدى".
ومثل هذا يجب أن يعاقب عقوبة رادعة، فإن استمر على فعل هذه الجريمة؛ وجب على زوجته طلب مفارقته والابتعاد عنه؛ لأنه نذل سافل، لا يصلح لها البقاء معه على هذه الحال.

باب في حد القذف

عرف الفقهاء رحمهم الله القذف بأنه الرمي بزنى أو لواط، وهو في الأصل الرمي بقوة، ثم استعمل في الرمي بالزنى واللواط.
وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ،. هذه عقوبة القاذف العاجلة في الدنيا: الجلد ورد شهادته، واعتباره فاسقا ناقصا سافلاً إذا لم يثبت ما قال.
وأما عقوبته في الآخرة؛ فقد بينها الله تعالى: بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يومئذ يوفيهم الله يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات"، وعد منها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
وقد أوجب الله الحد الرادع على القاذف، فإذا قذف المكلف المختار محصنا بزنى أو لواط؛ فإنه يجلد ثمانين جلدة؛ لقوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . ومعنى الآية الكريمة: أن الذين يقذفون بالزنى المحصنات الحرائر العفائف العاقلات، ثم لم يأت هؤلاء القذفة بأربعة شهداء على ما رموهن به؛ فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا فرق بين كون المقذوف ذكرًا أو أنثى، وإنما خص النساء بالذكر؛ لخصوص الواقعة، ولأن قذف النساء أشنع وأغلب وإنما استحق القاذف هذه العقوبة صيانة لأغراض المسلمين عن التدنيس، ولأجل كف الألسن عن هذه الألفاظ الذرة التي تلطخ أغراض الأبرياء، وصيانة للمجتمع الإسلامي عن شيوع الفاحشة فيه.
والمحصن الذي يجب الحد بقذفه هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله.
قال ابن رشد: "اتفقوا على أن من شروط المقذوف أن يجتمع فيه خمسة أوصاف: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنى، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف؛ لم يجب الحد".
وحد القذف حق للمقذوف؛ يسقط بعفوه، ولا يقام إلا بطلبه، فإذا عفا المقذوف عن القاذف؛ سقط الحد عنه، ولكنه يعزَّر بما يردعه عن التمادي في القذف المحرم المتوعَّد عليه باللعن والعذاب الأليم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا يحدُّ القاذف إلا بالطلب إجماعا" انتهى.

ومن قذف غائبا؛ لم يحد حتى يحضر المقذوف ويطالب، أو تثبت مطالبته بذلك في غيبته.
وألفاظ القذف تنقسم إلى قسمين: ألفاظ صريحة لا تحتمل غير القذف؛ فلا يقبل منه تفسيره بغير القذف.
وألفاظ كنايات تحتمل القذف وغيره، فإذا فسرها بغير القذف؛ قبل منه.
فالألفاظ الصريحة؛ مثل قوله: يا زاني، يا لوطي، يا عاهر، وكنايته مثل: يا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة، فإذا قال القاذف: أردت بالقحبة أنها تتصنع للفجور، أو قال: أردت بالفاجرة أنها مخالفة لزوجها فيما يجب طاعته فيه، وأردت بالخبيثة أنها خبيثة الطبع؛ قبل منه هذا التفسير، ولم يجب عليه حد؛ لأن لفظه يحتمل، والحدود تدرأ بالشبهات.
وإذا قذف جماعة لا يتصور منهم الزنى أو قذف أهل بلد؛ لم يحد، وإنما يعزر بذلك؛ لأنه مقطوع بكذبة؛ فلا عار عليهم بذلك، وإنما يعزَّر لأجل تجنب هذه الألفاظ القبيحة والشتائم البذيئة، وذلك معصية يجب تأديبه عليها، ولو لم يطالبه أحد منهم.
ومن قذف نبيا من الأنبياء؛ كفر؛ لأن ذلك ردة عن الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقذف نساء النبي صلى الله عليه وسلم كقذفه؛ أي: كقذف النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم بردة القاذف".

وقال شيخ في القاذف إذا تاب قبل علم المقذوف هل تصح توبته: "الأشبه أنه يختلف باختلاف الناس، وقال أكثر العلماء: إن علم به المقذوف؛ لم تصح توبته، وإلا؛ صحت، ودعا له، واستغفر...." انتهى.
ومن هذا يتبين لنا خطر اللسان، وما يترتب على ألفاظه من مؤاخذات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . فيجب على الإنسان أن يحفظ لسانه، ويزن ألفاظه، ويسدد أقواله؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ .

باب في حد المسكر

المسكر: اسم فاعل من أسكر الشراب فهو مسكر، إذا جعل صاحبه سكران، والسكران خلاف الصاحي، والسكر في الاصطلاح هو اختلاط العقل.
والخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . والخمر: كل ما خامر العقل، أي: غطاه من أي مادة كان.
وفي "الصحيحين" وغيرهما: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"، "كل شراب أسكر؛ فهو حرام"؛ فكل شراب

أسكر كثيرة؛ فقليله حرام، وهو خمر، من أي شيء كان، سواء كان من عصير العنب أو من غيره.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الخمر ما خامر العقل"؛ فكل شيء يستر العقل يسمى خمرًا؛ لأنها سميت بذلك؛ لمخامرتها للعقل؛ أي: سترها له.
وهذا قول جمهور أهل اللغة.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: "والحشيشة نجسة في الأصح، وهي حرام، سواء سكر منها أم لم يسكر، والمسكر منها حرام باتفاق المسلمين، وضررها من بعض الوجوه أعظم من ضرر الخمر، وظهورها في المئة السادسة" انتهى كلامه.
وهذه الحشيشة وسائر المخدرات من أعظم ما يفتك اليوم بشباب المسلمين، وهي أعظم سلاح يصدره الأعداء ضدنا، ويروجها المفسدون في الأرض من اليهود وعملائهم؛ ليفتكوا بالمسلمين، ويفسدوا شبابهم، ويعطلوهم عن الاتجاه للعمل لمجتمعاتهم والجهاد لدينهم وصد عدوان المعتدين على شعوبهم وبلادهم، حتى أصبح كثير من شباب المسلمين مخدرين، عالة على مجتمعهم، أو يعيشون رهن السجون، كل ذلك من آثار رواج تلك المخدرات والمسكرات في بلاد المسلمين؛ فلا حول ولا

قوة إلا بالله العلي العظيم.
والخمر حرام بأي حال، لا يجوز شربه، لا لذة ولا لتداو ولا لعطش ولا غيره: أما تحريم التداوي بالخمر؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء"، رواه مسلم.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
أما تحريم شربه لدفع العطش؛ فلأنه لا يحصل به ري، بل فيه من الحرارة ما يزيد العطش.
وإذا شرب المسلم خمرًا أو شرب ما خلط به كالكولونيا ونحوها من الأطياب التي فيها كحول تسكر، متى شرب المسلم شيئا من ذلك مختارًا عالما أن كثيره يسكر فإنه يجب أن يقام عليه الحد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من شرب الخمر؛ فاجلدوه" رواه أبو داود وغيره.
ومقدار حد الخمر ثمانون جلدة؛ لأن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "اجعله كأخف الحدود ثمانين.
فضرب عمر ثمانين، وكتب إلى خالد

وأبي عبيدة في الشام".
رواه الدارقطني وغيره.
وكان هذا بمحضر المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم فلم ينكره أحد منهم.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الحق أن عمر حد الخمر بحد القذف، وأقره الصحابة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "حد الشرب ثابت بالسنة وإجماع المسلمين أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر وكانوا لا يرتدعون بدونها".
وقال: "الصحيح أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، ولا محرمة على الإطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام؛ كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه...." انتهى.
ويثبت حد الخمر بإقرار الشارب أو بشهادة عدلين.
واختلف العلماء: هل يثبت حد الخمر على من وجدت فيه رائحتها على قولين: فقيل: لا يحد بل يعزر، وقيل يقام عليه الحد إذا لم يدع شبهة، وهو رواية عن أحمد وقول مالك واختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله.

قال شيخ الإسلام: "من قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة به أو إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة".
وقال ابن القيم رحمه الله: "حكم عمر وابن مسعود بوجوب الحد برائحة الخمر في الرجل أو غيره، ولم يعلم لهما مخالف" انتهى.
وخطر الخمر عظيم، وهي مطية الشيطان التي يركبها للإضرار بالمسلمين، ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ . والخمر أم الخبائث، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فيها عشرة؛ حيث قال: "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها وحاملها، والمحمولة إليه".
فيجب على المسلمين أن يقفوا في مقاومتها موقف الحزم والشجاعة؛ بحسم مادتها، وعقوبة من يتعاطاها أو يروجها بالعقوبة

الرادعة؛ فإنها تجر إلى كل شر، وتوقع في كل رذيلة، وتثبط عن كل خير، كفى الله المسلمين شرها وخطرها.
وقد ورد في الحديث: أن قوما في آخر الزمان يستحلونها، وقد يسمونها بغير اسمها، ويشربونها؛ فيجب على المسلمين أن يكونوا حذرين متيقظين لأولئك الأشرار.

باب في أحكام التعزير

التعزير لغة: المنع، ويطلق التعزير ويراد به النصرة؛ لأنه يمنع المعادي من الإيذاء، قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ؛ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم؛ ويقال عزرته بمعنى أدبته؛ فهو من الأضداد.
ومعنى التعزير في الاصطلاح الفقهي: التأديب، سمي بذلك لأنه يمنع مما لا يجوز فعله، ولأنه طريق إلى التوقير؛ لأن المعزَّر إذا امتنع بسببه من فعل ما لا ينبغي؛ حصل له الوقار.
وحكم التعزير في الإسلام: أنه واجب في فعل كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ من فعل المحرمات، وترك الواجبات.
ويفعله ولي الأمر إذا رأى المصلحة فيه، ويتركه إذا رأى المصلحة في تركه، ولا يحتاج في إقامة التعزير إلى مطالبة، فيعزَّر المعتدي ولو لم يطلب المعتدى عليه، ومرجعه إلى اجتهاد الحاكم؛ حيث كانت الجرائم تتفاوت في الشدة والضعف والكثرة والقلة.

والصحيح أنه ليس فيه حد معين، لكن إذا كانت المعصية في عقوبتها مقدر من الشارع كالزنى والسرقة؛ فلا يبلغ بالتعزير الحد المقدر.
وقد يصل التعزير إلى القتل إذا اقتضته المصلحة؛ مثل قتل الجاسوس، وقتل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى غير كتاب الله وسنة نبيه.... وغير ذلك مما لا يندفع إلا بالقتل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا أعدل الأقوال، وعليه دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين؛ فقد أمر بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مئة، وأبو بكر وعمر أمرا بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مئة مئة وضرب عمر صبيعا ضربا كثيرًا".
وقال الشيخ: "إذا كان المقصود دفع الفساد، ولم يندفع إلا بالقتل؛ قتل، وحينئذ؛ فمن تكرر منه جنس الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على الفساد؛ فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل، فيقتل".
ولا حد لأقل التعزير؛ لتفاوت الجرائم بالشدة والضعف واختلاف الأحوال والأزمان؛ فجعلت العقوبات على بعض الجرائم راجعة إلى اجتهاد الحاكم بحسب الحاجة والمصلحة، ولا تخرج عما أمر الله به ونهى عنه، وكما يكون التعزير بالضرب يكون الحبس والصفع والتوبيخ والعزل عن الولاية ونحو ذلك ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"وقد يكون التعزير بالنيل من عرضه؛ كيا ظالم! يامعتدي! وبإقامته من المجلس".
والذين أجازوا الزيادة في التعزير على عشرة أسواط أجابوا عن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط؛ إلا في حد من حدود الله"، متفق عليه، بأن المراد بالحد هنا المعصية، لا العقوبات المقدرة في الشرع، بل المراد المحرمات، وحدود الله محارمه، فيعزر بحسب المصلحة على قدر الجريمة.
ولا يجوز أن يكون التعزير بقطع عضو أو بجرح المعزَّر أو حلق لحيته؛ لما في ذلك من المثلة التشويه؛ كما لا يجوز أن يعزَّر بحرام؛ كسقيه خمرًا.
ومن عرف بأذية الناس وأذى مالهم بعينه، حبس حتى يموت أو يتوب.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "يحبس وجوبا، ذكره غير واحد من الفقهاء، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف؛ لأنه من نصيحة المسلمين وكف الأذى عنهم".
وقال: "العمل في السلطنة بالسياسة هو الحزم؛ فلا يخلو منه إمام؛ ما لم يخالف الشرع، فإذا ظهرت أمارات العدل، وتبين وجهه بأي طريق؛ فثم شرع الله؛ فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع،

بل موافقة لما جاء به، بل جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم، وإنما هي شرع حق؛ فقد حبس صلى الله عليه وسلم في التهمة، وعاقب في التهمة لما ظهرت آثار الريبة، فمن أطلق كلاً منهم وخلى سبيله، أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض؛ فقوله مخالف للسياسة الشرعية، بل يعاقبون أهل التهم، ولا يقبلون الدعوى التي تكذبها العادة والعرف".
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله في أهل الشعوذة: "يعزر الذي يمسك الحية ويدخل النار ونحوه".
ويعزر من ينتقص مسلما بأنه مسلماني، ومن قال لذمي: يا حاج! أو سمى من زار القبور والمشاهد حاجّا ... ونحو ذلك.
وإذا ظهر كذب المدعي بما يؤذي به المدعى عليه؛ عزر، ويلزمه ما غرم بسببه ظلما؛ لتسببه في ظلمه يغير حق.

باب في حد السرقة

قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً".
وأجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق في الجملة.
والسارق عنصر فاسد في المجتمع، إذا ترك؛ سرى فساده في جسم الأمة؛ فلا بد من حسمه بتطبيق الحد المناسب لردعه، ومن ثم شرع الله سبحانه وتعالى قطع يده، تلك اليد الظالمة التي امتدت إلى ما لا يجوز لها الامتداد إليه، تلك اليد التي تهدم ولا تبني، تأخذ ولا تعطي.
والسرقة هي: أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، إذا كان هذا الآخذ ملتزما لأحكام الإسلام، وكان المال المأخوذ بلغ النصاب، وقد أخذه من حرز مثله، وكان مالك المال المأخوذ معصوما، ولا شبهة للآخذ منه.
فلا بد أن يستجمع السارق والمسروق منه والمال المسروق

وكيفية السرقة أوصافا محددة تضمنها هذا التعريف متى اختل وصف منها؛ انتفى القطع، وهذه الأوصاف هي: أن يكون الأخذ على وجه الخفية، فإن لم يكن على وجه الخفية؛ فلا قطع؛ كما لو انتهب المال على وجه الغلبة والقهر على مرأى من الناس، أو اغتصبه؛ لأن صاحب المال حينئذ يمكنه طلب النجدة والأخذ على يد الغاشم والغاصب.
قال الإمام ابن القيم: "إنما قطع السارق دون المنتهب والمغتصب؛ لأنه لا يمكن التحرز منه؛ فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، فلو لم يشرع قطعه؛ لشرق الناس بعضهم بعضا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة" انتهى.
وقال صاحب "الإفصاح": "اتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب على عظم جنايتهم وآثامهم لا قطع على واحد منهم، ويسوع كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة الرادعة".
ومن الأوصاف التي توجب القطع في السرقة: أن يكون المسروق مالاً محترما؛ لأن ما ليس بمال لا حرمة له؛ كآلة اللهو والخمر والخنزير والميتة، وما كان مالاً، لكنه غير محترم، لكون مالكه كافرًا حربيا؛ فلا قطع فيه؛ لأن الكافر الحربي حلال الدم والمال.
ومن الأوصاف التي يجب توافرها في القطع في السرقة: أن يكون

المسروق نصابا، وهو ثلاثة دراهم إسلامية، أو أربع دينار إسلامي، أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى، أو أقيام العروض المسروقة في كل زمان بحسبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينا فصاعدا"، رواه أحمد ومسلم وغيرهما، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم.
وفي تخصيص القطع بهذا القدر حكمة ظاهرة؛ فإن هذا القدر يكفي المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبا؛ فانظر كيف تقطع اليد في سرقة ربع دينار مع أن ديتها لو جنى عليها خمس مئة دينار؛ لأنها لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت، ولهذا لما اعترض بعض الملاحدة وهو المعري بقوله: يدُ بخمس مئين عسجد وُدِيَت ... ما بالُها قُطعت في رُبُع دينار أجابه بعض العلماء بقوله: عزُ الأمانة أغلاها وأرخصها......ذُلَّ الخيانةُ فافهم حكمة الباري ومن الأوصاف التي يجب توافرها للقطع في السرقة: أن يأخذ المسروق من حرزه، وحرز المال: ما العادة حفظه فيه؛ لأن الحرز معناه الحفظ، والحرز يختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه؛ فالأموال الثمينة حرزها في الدور والدكاكين والأبنية الحصينة وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وما دون ذلك حرزن بحسبه على

عادة البلد، فإن سرقه من غير حرز، كما لو وجد بابا مفتوحا، أو حرزًا معتوكا، فأخذه منه؛ فلا قطع عليه ولا بد أن تنتفي الشبهة عن السارق فيما أخذ، فإن كان له شبهة يظنها تسوِّغ له الأخذ؛ لم يقطع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم"؛ فلا قطع عليه بسرقته من مال أبيه ولا بسرقته من مال ولده؛ لأن نفقة كل منهما تجب من مال الآخر، وذلك شبهة تدرأ عنه الحد، وهكذا كل من له استحقاق في مال؛ فأخذ منه؛ فلا قطع عليه، لكن يحرم عليه هذا الفعل، ويؤدب عليه، ويرد ما أخذ.
ولا بد من توافر ما سبق من الصفات من ثبوت السرقة: إما بشهادة عدلين يصفان كيفية السرقة وحرزها وقدر المسروق وجنسه؛ لتزول الاحتمالات والشبهات، وإما بإقرار السارق مرتين على نفسه بالسرقة؛ لما روى أبو داود؛ أنه صلى الله عليه وسلم أتى بلص قد اعترف، فقال له: "ما أخالك سرقت" قال: بلى.
فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا؛؛ فأمر به، فقطع.
ولا بد في إقراره أن يصف السرقة؛ ليندفع احتمال أنه يظن القطع فيما لا قطع فيه، وليعلم توافر شروط أو عدم توافرها.
ولا بد أن يطالب المسروق منه بماله، فلو لم يطالب؛ لم يجب القطع لأن المال يباح بإباحة صاحبه وبذله له، فإذا لم يطالب؛ احتمل أنه سمح به له، وذلك شبهة تدرأ الحد.

وإذا وجب القطع لتكامل شروطه؛ قطعت يده اليمنى؛ لقراءة ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ ، ومحل القطع من مفصل الكف؛ لأن اليد آلة السرقة، فعوقب بإعدام آلتها، واقتصر القطع على الكف؛ لأن اليد إذا أطلقت؛ انصرفت إليه، وبعد قطعها يعمل لها ما يحسم الدم ويندمل به الجرح من أنواع العلاج المناسبة في كل زمان بحسبه.

باب في حد قطاع الطريق

الله سبحانه يريد للمسلمين أن يسيروا في أرضه آمنين؛ لتبادل مصالحهم، وتنمية أموالهم، وصلة الرحم فيما بينهم، وتعاونهم على البر والتقوى، ولا سيما السفر إلى بيته العتيق؛ لأداء شعيرة الحج والعمرة.
فمن أراد أن يعوق سيرهم، أو يسد طريقهم، أو يخوفهم في أسفارهم؛ فقد شرع له حدًا رادعا، يزيل هذا العائق، ويميط الأذى عن الطريق، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . والمراد بالمحاربين الذين يسعون في الأرض فسادًا: قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس في الصحراء أو البنيان، فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة.
ويشترط لتطبيق الحد عليهم أن يبلغ ما أخذوه نصاب السرقة،

وأن يأخذوه من حرز؛ بأن يأخذوا المال من يد صاحبه وهو في القابلة، وأن يثبت قطعهم للطريق بإقرارهم أو بشهادة عدلين.
وحدهم يختلف باختلاف جرائمهم: فمن قتل منهم وأخذ المال؛ قتل حتما وصلب حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء؛ كما حكاه ابن المنذر.
ومن قتل ولم يأخذ المال؛ قتل حتما ولم يصلب.
ومن أخذ المال، ولم يقتل؛ قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد، وحسمت عن النزيف، ثم خلي.
ومن أخاف السبيل فقط، ولم يقتل، ولم يأخذ مالاً؛ نفي من الأرض؛ بأن يشرد؛ فلا يترك يأوي بلد، بل يطارد.
فتختلف عقوبتهم باختلاف جرائمهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، فهذه الآية نزلت في قطاع الطريق عند أكثر السلف، وهي الأصل في حكمهم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا قتلوا وأخذوا المال؛ قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا يأخذوا المال؛ قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت لأيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً؛ نفوا من الأرض"، رواه الشافعي.
ولو قتل بعضهم؛ ثبت حكم القتل عليهم جميعا، وإن قتل بعضهم وأخذ المال بعضهم؛ قتلوا جميعا وصلبوا.

ومن تاب منهم قبل القدرة عليه؛ سقط عنه ما كان واجبا لله تعالى من نفي عن البلد وقطع يد ورجل وتحتم قتل، وأخذ بما للآدميين من الحقوق من نفس وطرف ومال؛ إلا أن يعفى له عنها من مستحقيها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اتفقوا على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك؛ لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته، وإن تابوا، وإن كانوا صادقين في التوبة".
فاستثناء التوبة قبل القدرة عليهم فقط؛ فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن وجب عليه الحد؛ للعموم والمفهوم والتفصيل، ولئلا يتخذ ذريعة إلى تعطيل حدود الله؛ ‘ذ لا يعجز عليه الحد أن يظهر التوبة ليتخلص من العقوبة.
ومن صال على نفسه من يريد قتله، أو صال على حرمته كأمه وبنته وأخته وزوجته من يريد هتك أعراضهن، أو صال على ماله من يريد أخذه أو إتلافه؛ فله الدفع عن ذلك، سواء كان الصائل آدميا أو بهيمة، فيدفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه؛ لأنه لو منع من الدفع؛ لأدى ذلك إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله، ولأنه لو لم يجز ذلك؛ لتسلط الناس بعضهم على بعض، وإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل؛ فله قتله، ولا ضمان عليه؛ لأنه قتله لدفع شره،

وإن قتل المصول عليه؛ فهو شهيد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أريد ماله بغير حق، فقاتل، فقتل؛ فهو شهيد".
وروى مسلم وغيره من أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه".
قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت أن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد".
قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار".
وهذا الدفع عن النفس غيره وعن حرمته عليه إذا لم يؤد إلى الفتنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ . ويلزمه الدفع عن نفي غيره وعن حرمة غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، ومعنى نصرته إذا كان ظالما منعه من الظلم.
وإذا دخل لص في منزل إنسان؛ فحكمه حكم الصائل؛ بأن يدفعه بالأسهل فالأسهل.
ومن نظر في بيت رجل من خصاص باب أو نافذة أو من فوق سطح؛ فله دفعه ومنعه من ذلك، ولو أصاب عينه ففقأها؛ فهي هدر، وكذا لو طعنه بعود، فأتلف عينه؛ فهي هدر؛ لحديث: "من اطلع في بيت،

ففقئت عينه؛ فلا دية ولا قصاص".
وهذا لحرمة المسلم وحرمة ماله وعرضه وكرامته عند الله.
وهذا هو عدل الإسلام، وحفاظه على سلامة المجتمع، وانتظام مصالحه؛ لتعمر البلاد، ويأمن العباد، وتنتظم المواصلات بين الأقطار، فيسير الناس فيها ليالي وأياما آمنين.
ولا صلاح للبشرية إلا بتطبيق هذا التشريع الحكيم؛ فقد عجزت أنظمة الأرض كلها وقواها المادية أن تحقق للناس شيئا من الأمن المنشود بدون تطبيق هذه الشريعة، وصدق الله العظيم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .

باب في قتال أهل البغي

قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ؛ فأوجب تعالى في هذه الآية الكريمة على المؤمنين قتال الباغين إذا لم يقبلوا الصلح.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أتاكم، وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه"، رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من خرج على أمتي وهم جميع؛ فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان"، رواه مسلم أيضا.
وأجمع الصحابة على قتال الباغي.
والبغي في الأصل معناه: الجور والظلم والعدول عن الحق.
فأهل البغي هم: أهل الجور والظلم والعدول عن الحق ومخالفة ما عليه

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل