الملخص الفقهيكتاب إحياء الموات وتملّك المباحات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب إحياء الموات وتملّك المباحات

عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب في أحكام أحياء الموات

... باب في أحكام أحياء الموات الموات فتح الميم والواو: هو ما لا روح فيه، والمراد به هنا الأرض التي لا مالك لها ويعرفه الفقهاء رحمهم الله: بأنه الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم فيخرج بهذا التعريف شيئان: الأول: ما جرى عليه ملك معصوم من مسلم وكافر بشراء أو عطية أو غيرها.
والثاني: ما تعلقت به مصلحة ملك المعصوم؛ كالطريق والأفنية ومسيل المياه، أو تعلقت به مصالح العامر من البلد كدفن الموتى وموضع القمامة والبقاع المرصدة لصلاة العيدين والمحتطبات والمراعي؛ فكل ذلك لا يملك بالإحياء.
فإذا خلت الأرض عن ملك معصوم واختصاصه، وأحياها شخص؛ ملكها؛ لحديث جابر رضي الله عنه مرفوعا: "من أحيا أرضا ميتة؛ فهي

له"، رواه أحمد والترمذي وصححه، وورد بمعناه أحاديث، وبعضها في "صحيح البخاري".
وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه؛ إلا موات الحرم وعرفات؛ فلا يملك بالإحياء؛ لما فيه من التضييق في أداء المناسك، واستيلائه على محل الناس فيه سواء.
ويحصل إحياء الموات بأمور: الأول: إذا أحاط بحائط منيع مما جرت العادة به؛ فقد أحياه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحاط حائطا على أرض؛ فهي له"، رواه أحمد وأبو داود عن جابر، وصححه ابن الجارود، وعن سمرة مثله، وهو يدل على أن التحويط على الأرض مما يستحق به ملكها، والمقدار المعتبر ما يسمى حائطا، أما لو أدار حول الموت أحجارًا ونحوها كتراب أو جدار صغير لا يمنع ما وراءه أو حفر حولها خندقا؛ فإنه لا يملكه بذلك، لكن يكون أحق بإحيائه من غيره، ولا يجوز له بيعه إلا بإحيائه.

الثاني: إذا حفر في الأرض الموات بئرًا فوصل إلى مائها؛ فقد أحياها؛ فإن حفر البئر ولم يصل إلى الماء؛ لم يملكها بذلك، وإنما يكون أحق بإحيائها من غيره؛ لأنه شرع في إحيائها.
الثالث: إذا أوصل إلى الأرض الموات ماء أجراه من عين أو نهر؛ فقد أحياها بذلك؛ لأن نفع الماء للأرض أكثر من الحائط.
الرابع: إذا حبس عن الأرض الموات الماء الذي كان يغمرها ولا تصلح معه للزراعة، فحبسه عنها حتى أصبحت صالحة لذلك؛ فقد أحياها؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من نفع الحائط الذي ورد في الدليل أنه يملكها بإقامته عليها.
ومن العلماء من يرى إن إحياء الموات لا يقف عند هذه الأمور، بل يرجع فيه إلى العرف؛ فما عده الناس إحياء؛ فإنه يملك به الأرض الموات، واختار ذلك جمع من أئمة الحنابلة وغيرهم؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك عليه ولم يبينه، فوجب الرجوع إلى ما كان إحياء في العرف.
ولإمام المسلمين إقطاع الأرض الموات لمن يحييها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق، وأقطع وائل بن حجر أرضا

بحضرموت، وأقطع عمر وعثمان وجمعا من الصحابة، لكن لا يملكه بمجرد الإقطاع حتى يحييه، بل يكون أحق به من غيره، فإن أحياه؛ ملكه، وإن عجز عن إحيائه؛ فللإمام استرجاعه وإقطاعه لغيره ممن يقدر على إحيائه؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استرجع الإقطاعات من الذين عجزوا عن إحيائها. ومن سبق إلى مباح غير الأرض الموات؛ كالصيد، والحطب؛ فهو أحق به1.
وإذا كان يمر بأملاك الناس ماء مباح "أي: غير مملوك" كماء النهر وماء الوادي؛ فللأعلى أن يسقي منه ويحبس الماء إلى الكعب ثم يرسله للأسفل ممن يليه، ويفعل الذي يليه كذلك ثم يرسله لمن بعده.. وهكذا؛ لقول النبيصلى الله عليه وسلم: "اسق ياربير! ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر"، متفق عليه.

وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري؛ قال: نظرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر"؛ فكان ذلك إلى الكعبين؛ أي: قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارًا لاستحقاق الأول فالأول.
وروى أبو داود وغيره عن عمر بن شعيب؛ أنه صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور "واد بالمدينة مشهور": "أن يمسك الأعلى حتى يبلغ السيل الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل".
أما إن كان الماء مملوكا؛ فإنه يقسم بين الملاك بقدر أملاكهم، ويتصرف كل واحد في حصته بما شاء.
ولإمام المسلمين أن يحمي مرعى لمواشي بيت مال المسلمين؛ كخيل الجهاد، وإبل الصدقة؛ ما لم يضرهم بالتضييق عليهم؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين"؛ فيجوز للإمام أن يحمي العشب في أرض الموات لإبل الصدقة وخيل المجاهدين ونعم الجزية والضوال إذا احتاج إلى ذلك ولم يضيق على المسلمين.

باب في أحكام الجعالة

وتسمى الجُعل والجَعِيلة أيضا وهي ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله؛ كأن يقول: من فعل كذا؛ فله كذا من المال؛ بأن يجعل شيئا معلوما من المال لمن يعمل له عملاً معلوما؛ كبناء حائط.
ودليل جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ؛ أي: لمن دل على سارق صواع الملك حمل بغير، وهذا جعل، فدلت الآية على جواز الجعالة.
ودليلها من السنة: حديث اللديع، وهو في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي سعيد: أنهم نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، فأتوهم، فقالوا: هل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا؛ فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً.
فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق ينفث عليه ويقرأ: "الحمد لله رب العالمين"؛ فكأنما نشط من عقال، فأوفوهم جعلهم، وقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فقال: "أصبتم،

اقتسموا واجعلوا لي معكم سهما".
فمن عمل العمل الذي جُعلت عليه الجُعالة بعد عمله بها؛ استحق الجُعل؛ لأن العقد استقر بتمام العمل، وإن قام بالعمل جماعة؛ اقتسموا الجُعل الذي عليه بالسوية؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يُستحق به العِوض فاشتركوا في العِوض، فإن عمل العمل قبل علمه بما جُعل عليه؛ لم يستحق شيئا؛ لأنه عمل غير مأذون فيه، فلم يستحق به عوضا، وإن علم بالجُعل في أثناء العمل؛ أخذ من الجعل ما عمله بعد العلم.
والجُعالة عقد، جائز لكل من الطرفين فسخها، فإن كان الفسخ من العامل؛ لم يستحق شيئا من الجُعل؛ لأنه أسقط حق نفسه، وإن كان الفسخ من الجاعل، وكان قبل الشروع في العمل؛ فللعامل أجره مثل عمله؛ لأنه عمله بعوض لم يسلم له.
والُجعالة تخالف الإجارة في مسائل: منها: أن الجُعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل المُجاعل عليه؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها يشترط فيها أن يكون العمل المؤاجر عليه معلوما.
ومنها: أن الجعالة لا يشترط فيها معرفة مدة العمل؛ بخلاف الإجازة؛ فإنها يشترط فيها أن تكون مدة العمل معلومة.

ومنها: أن الجُعالة يجوز فيها الجمع بين العمل والمدة، كأن يقول: من خاط هذا الثوب في يوم؛ فله كذا، فإن خاطه في اليوم؛ استحق الجُعل، وإلا؛ فلا؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها لا يصح فيها الجمع بين العمل والمدة.
ومنها: أن العامل في الجُعالة لم يلتزم العمل؛ بخلاف الإجارة؛ فإن العامل فيها قد التزم بالعمل.
ومنها: أن الجُعالة لا يشترط فيها تعيين العامل؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها يشترط فيها ذلك.
ومنها: أن الجعالة عقد جائز لكل من الطرفين فسخها بدون إذن الآخر؛ بخلاف الإجارة؛ فإنها عقد لازم لا يجوز لأحد الطرفين فسخها؛ إلا برضى الطرف الآخر.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أن من عمل لغيره عملاً بغير جُعل ولا إذن من صاحب العمل؛ لم يستحق شيئا؛ لأنه بذل منفعة من غير عوض، فلم يستحقه، ولأنه لا يلزم الإنسان شيء لم يلتزمه؛ إلا أنه يستثني من ذلك شيئان: الأول: إذا كان العامل قد أعد نفسه للعمل بالأجرة كالدلال والحمال ونحوهما؛ فإنه إذا عمل عملاً بإذن يستحق الأجرة، لدلالة العرف على ذلك، ومن لم يعد نفسه للعمل؛ لم يستحق شيئا، ولو أذن له؛ إلا بشرط.
الثاني: من قام بتخليص متاع غيره من هلكة؛ كإخراجه من البحر

أو الحرق أو وجده في مهلكة يذهب لو تركه؛ فله أجرة المثل، وإن لم يأذن له ربه؛ لأنه يخشى هلاكه وتلفه على صاحبه، ولأن في دفع الأجرة ترغيبا في مثل هذا العمل، وهو إنقاذ الأموال من الهلكة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من استنقذ مال غيره من الهلكة ورده؛ استحق أجرة المثل، ولو بغير شرط، في أصح القولين، وهو منصوص أحمد وغيره".
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: "فمن عمل في مال غيره عملاً بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى غيره أو فعله حفاظا لمال المالك وإحرازاً له من الضياع؛ فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله، وقد نص عليه أحمد في عدة مواضع" انتهى.

باب في أحكام اللقطة

اللقطة بضم اللام وفتح القاف هي: مال ضل عن صاحبه غير حيوان، وهذا الدين الحنيف جاء بحفظ المال ورعايته، وجاء باحترام مال المسلم والمحافظة عليه، ومن ذلك اللقطة.
فإذا ضل مال عن صاحبه؛ فلا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون مما لا يتبعه همة أوساط الناس؛ كالسوط، والرغيف والثمرة، والعصا؛ فهذا يملكه آخذه وينتفع به بلا تعريف؛ لما روى جابر قال: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل يلتقطه الرجل"، رواه أبو داود.
الحالة الثانية: أن يكون مما يمتنع من صغار السباع: إما لضخامته كالإبل والخيل والبقر والبغال، وإما لطيرانه كالطيور، وإما لسرعة عدوها كالظباء، وإما لدفعها عن نفسها بنابها كالفهود؛ فهذا القسم بأنواعه يحرم التقاطه، ولا يملكه آخذه بتعريفه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ضالة الإبل: "مالك ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها"، متفق عليه، وقال عمر: "من أخذ الضالة؛ فهو ضال"؛ أي: مخطئ، وقد حكم صلى الله عليه وسلم في الحديث بأنها لا تلتقط، بل تترك ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها

ربها.
ويلحق بذلك الأدوات الكبيرة؛ كالقدر الضخمة والخشب والحديد وما يحتفظ بنفسه ولا يكاد يضيع ولا ينتقل من مكانه، فيحرم أخذه كالضوال، بل هو أولى.
الحالة الثالثة: أن يكون المال الضال من سائر الأموال؛ كالنقود والأمتعة وما لا يمتنع من صغار السباع؛ كالغنم والفصلان والعجول؛ فهذا القسم إن أمن واجده نفسه عليه؛ جاز التقاطه، وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول: حيوان مأكول؛ كفصيل وشاة ودجاجة،.. فهذا يلزم واجده إذا أخذه الأحظ لمالكه من أمور ثلاثة: أحدها: أكله وعليه قيمته في الحال.
الثاني: بيعه الاحتفاظ بثمنه لصاحبه بعد معرفة أوصافه.
الثالث: حفظه والإنفاق عليه من مال، ولا يملكه، ويرجع بنفقته على مالكه إذا جاء واستلمه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الشاة؛ قال: "خذها؛

فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" متفق عليه، ومعناه: أنها ضعيفة، معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو يأخذها غيرك أو يأكلها الذئب.
قال ابن القيم في الكلام على هذا الحديث الشريف: "فيه جواز التقاط الغنم، وأن الشاة إذا لم يأت صاحبها؛ فهي ملك الملتقط، فيخير بين أكلها في الحال وعليه قيمتها، وبين بيعها وحفظ ثمنها، وبين تركها1 والإنفاق عليها من مالهن وأجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط؛ له أخذها".
النوع الثاني: ما يخشى فساده؛ كبطيخ وفاكهة، فيفعل الملتقط الأحظَّ لمالكه من أكله ودفع قيمته لمالكه، وبيعه وحفظ ثمنه حتى يأتي مالكه.
النوع الثالث: سائر الأموال ما عدا القسمين السابقين؛ كالنقود والأواني، فيلزمه حفظ الجميع أمنة بيده، والتعريف عليه في مجامع الناس.
ولا يجوز له أخذ اللقطة بأنواعها إلا إذا أمن نفسه عليها وقوى على تعريف ما يحتاج إلى تعريف؛ لحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه؛ قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق؟ فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف؛ فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر؛ فادفعها إليه"، وسأله

عن الشاة؟، فقال: "فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب"، وسئل عن ضالة الإبل؟، فقال: "ما لك ولها؟!، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها"، متفق عليه.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "اعرف وكاءها وعفاصها": الوكاء: ما يربط به الوعاء الذي تكون فيه النفقة.
والعفاص: الوعاء الذي تكون فيه الفقة.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم عرفها سنة"؛ أي: اذكرها للناس في مكان اجتماعهم من الأسواق وأبواب المساجد والمجامع والمحافل، "سنة"؛ أي: مدة عام كامل؛ ففي الأسبوع الأول من التقاطها ينادى عليها كل يوم؛ لأن مجيء صاحبها في ذلك الأسبوع أحرى، ثم بعد الأسبوع ينادى عليها حسب عادة الناس في ذلك.
والحديث يدل على وجوب التعريف باللقطة، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "اعرف وكاءها وعفاصها": دليل على وجوب معرفة صفاتها، حتى إذا جاء صاحبها ووصفها وصفا مطابقا لتلك الصفات؛ دفعت إليه، وإن اختلف وصفه لها عن الواقع؛ لم يجز دفعها إليه.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن لم تعرف؛ فاستنفقها": دليل على المتلقط يملكها بعد الحول وبعد التعريف، لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها؛ أي: حتى يعرف وعاءها ووكاءها وقدرها وجنسها وصفتها، فإن جاء صاحبها بعد الحول، ووصفها بما ينطبق على تلك الأوصاف؛ فدعها إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن جاء طالبها يوما من الدهر؛ فادفعها إليه".
وقد تبين مما سبق أنه يلزم نحو اللقطة أمور:

أولاً: إذا وجدها؛ فلا يقدم على أخذها إلا إذا عرف من نفسه الأمانة في حفظها والقوة على تعرفها بالنداء عليها حتى يعثر على صاحبها، ومن لا يأمن نفسه عليها؛ لم يجز له أخذها، فإن أخذها؛ فهو كغاصب؛ لأنه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه، ولما في أخذها حينئذ من تضييع مال غيره.
ثانيا: لا بد له قبل أخذها من ضبط صفاتها بمعرفة وعائها ووكائها وقدرها وجنسها وصفها، والمراد بوعائها ظرفها الذي هي فيه كيسا كان أو خرقة، والمراد بوكائها ما تشد به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، والأمر يقتضي الوجوب.
ثالثا: لا بد من النداء عليها وتعريفها حولاً كاملاً في الأسبوع الأول كل يوم ثم بعد ذلك، وتكون المناداة عليها في مجامع الناس كالأسواق وعند أبواب المساجد في أوقات الصلوات، ولا ينادي عليها في المساجد؛ لأن المساجد لم تبن لذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد؛ فليقل: لا ردها الله عليك".
رابعا: إذا جاء طالبها، فوصفها بما يطابق وصفها؛ وجب دفعها إليه بلا بينة ولا يمين؛ لآمره صلى الله عليه وسلم بذلك، ولقيام صفتها مقام البينة واليمين، بل ربما يكون وصفة لها أظهر وأصدق من البينة واليمين، ويدفع معها نماءها

المتصل والمنفصل، وأما إذا لم يقدر على وصفها؛ فإنها لا تدفع إليه؛ لأنها أمانة في يده؛ فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أنه صاحبها.
خامسا: إذا لم يأت صاحبها بعد تعريفها حولاً كاملاً؛ تكون ملكا لواجدها، ولكن يجب عليه قبل التصرف فيها ضبط صفاتها؛ بحيث لو جاء صاحبها في أي وقت، ووصفها؛ ردها عليه إن كانت موجودة، أو رد بدلها إن لم تكن موجودة؛ لأن ملكه لها مراعى يزول بمجيء صاحبها.
سادسا: واختلف العلماء في لقطة الحرم: هل هي كلقطة الحل تملك بالتعريف بعد مضي الحول أو لا تملك مطلقا؟.
فبعضهم يرى أنها بذلك؛ لعموم الأحاديث، وذهب الفريق الآخر إلى أنها لا تملك، بل يجب تعريفها دائما، ولا يملكها؛ لقوله في مكة المشرفة: "ولا تحل لقطتها إلا لمعرف".
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ حيث قال: "لا تملك بحال؛ للنهي عنها، ويجب تعريفها أبدًا"، وهو ظاهر الخبر في النهي عنها.
سابعا: من ترك حيوانا بفلاة لانقطاعه بعجزه عن المشي أو عجز صاحبه عنه؛ ملكه آخذه؛ لخبر: "من وجد دابة قد عجز أهلها عنها، فسيبوها، فأخذها؛ فهي له"، ولأنها تركت رغبة عنها فأشبهت سائر ما ترك رغبة عنه،

ومن أخذ نعله ونحوه من متاعه ووجد في موضعه غيره؛ فحكمه حكم اللقطة، لا يملكه بمجرد وجوده، بل لا بد من تعريفه، وبعد تعريفه يأخذ منه قدر حقه ويتصدق بالباقي.
ثامنا: إذا وجد الصبي والسفيه لقطه، فأخذاها؛ فإن وليه يقوم مقامه بتعريفها، ويلزم أخذها منهما؛ لأنهما ليسا بأهل للأمانة والحفظ، فإن تركها في يدهما، فتلفت؛ ضمنها؛ لأنه مضيع لها، فإذا عرفها وليهما، فلم تعرف، ولم يأت لها أحد؛ فهي لهما ملكا مراعي؛ كما حق الكبير والعاقل.
تاسعا: لو أخذها من موضع ثم ردها فيه؛ ضمنها؛ لأنها أمانة حصلت في يده؛ فلزمه حفظها كسائر الأمانات، وتركها تضييع لها.
تنبيه: من هدي الإسلام شأن اللقطة تدرك عنايته بالأموال وحفظها وعنايته بحرمة مال المسلم وحفاظه عليه.
وفي الجملة؛ ندرك من ذلك كله حث الإسلام على التعاون على الخير.
نسأل الله سبحانه أن يثبتنا جميعا على الإسلام ويتوفانا مسلمين.

باب في أحكام اللقيط

أحكام اللقيط لها علاقة كبيرة بأحكام اللقطة؛ إذ اللقطة تختص بالأموال الضائعة.
واللقيط هو الإنسان الضائع.
مما به يظهر شمول أحكام الإسلام لكل متطلبات الحياة، وسبقه في كل مجال حيوي مفيد، على نحو يفوق ما تعارف عليه عالم اليوم من إقامة دور الحضانة والملاجئ للحفاظ على الأيتام ومن لا عائل لهم من الأطفال والعجزة.
ومن ذلك عناية الإسلام بأمر اللقيط، وهو الطفل الذي يوجد منبوذًا أو يضل عن أهله ولا يعرف نسبه في الحالين.
فيجب على من وجده على تلك الحال أن يأخذه وجوبا كفائيا، إذا قام به من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين، وإن تركه الكل؛ أثموا، مع إمكان أخذهم له؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ؛ فعموم الآية يدل على وجوب أخذ اللقيط؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولأن في أخذه إحياء لنفسه؛ فكان واجبا كإطعامه عند الضرورة وإنجائه من الغرق.

واللقيط حر في جميع الأحكام؛ لأن الحرية هي الأصل، والرق عارض، فإذا لم يعلم؛ فالأصل عدمه.
وما وجد معه من المال أو وجد حوله؛ فهو له؛ عملاً بالظاهر، ولأن يده عليه، فينفق عليه منه ملتقطه بالمعروف؛ لولا يته عليه، وإن لم يوجد معه شيء؛ أنفق عليه من بيت المال؛ لقول عمر رضي الله عنه للذي أخذ اللقيط لما وجده: "اذهب؛ فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته"، ومعنى ولاؤه: ولايته، وقوله: "وعلينا نفقته"؛ يعني: من بيت مال المسلمين.
وفي لفظ أن عمر رضي الله عنه قال: "وعلينا رضاعه"؛ يعني: في بيت المال؛ فلا يجب على الملتقط الإنفاق عليه ولا رضاعه، بل يجب ذلك في بيت المال، فإن تعذر؛ وجببت نفقه على من علم بحاله من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، ولما في ترك الإنفاق عليه من هلاكه، ولأن الإنفاق عليه من باب المواساة؛ كقرى الضيف.
وحكمه من ناحية الدين: أنه إن وجد في دار الإسلام أو في بلد كفار يكثر فيها المسلمون؛ فهو مسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة"،

وإن وجد في بلد كفار خالصة، أو يقل فيها عدد المسلمين؛ فهو كافر تبعا للدار.
وحضانته تكون لواجده إذا كان أمينا؛ لأن عمر رضي الله عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين علم أنه رجل صالح، قال: "لك ولاؤه"؛ أي: ولايته، ولسبقه إليه؛ فكان أولى به.
وينفق عليه واجده مما وجد معه من نقد أو غيره؛ لأنه وليه، وينفق عليه بالمعروف.
فإن كان واجده لا يصلح لحضانته؛ لكونه فاسقا أو كافرًا واللقيط مسلم؛ لم يُقَرَّ بيده؛ لانتقاء ولاية الفاسق وولاية الكافر على المسلم؛ لأنه يفتنه عن دينه.
وكذلك لا تقر حضانته بيد واجده إذا كان بدويا يتنقل في المواضع؛ لأن في ذلك إتعابا للصبي، فيؤخذ منه ويدفع إلى المستقر في البلد؛ لأن مقام الطفل في الحضر أصلح له في دينه وأحرى للعثور على أهله ومعرفة نسبه.
وميراث اللقيط إذا مات وديته إذا جني عليه بما يوجب الدية يكونان لبيت المال إذا لم يكن له من يرثه من ولده، وأن كان له زوجة؛ فلها الربع.
ووليه في القتل العمد العدوان الإمام؛ لأن المسلمين يرثونه، والإمام ينوب عنهم، فيجير بين القصاص والدية لبيت المال؛ لأنه ولي من لا ولي له.

وإن جني عليه فيما دون النفس عمدًا؛ انتظر بلوغه ورشده ليقتص عند ذلك أو يعفو.
وإن أقر رجل أو أقرت امرأة بأن اللقيط ولده أو ولدها؛ لحق به؛ لأن في ذلك مصلحة له باتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه؛ بشرط أن ينفرد بادعائه نسبه مصلحه له باتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه؛ بشرط أن ينفرد بادعائه نسبه، وأن يمكن كونه منه، وإن ادعاه جماعة؛ قدم ذو البينة، وإن لم يكن لأحد منهم بينة، أو كانت لهم بينات متعارضة؛ عرض معهم على القافة، فمن ألحقته القافة به؛ لحقه؛ لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم والقافة يعرفون الأنساب بالشبه، ويكفي قائف واحد، ويشترط فيه أن يكون ذكرًا عدلاً مجربا في الإصابة.

باب في أحكام الوقف

الوقف هو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدور الدكاكين والبساتين ونحوها.
والمراد بالمنفعة: الغلة الناتجة عن ذلك الأصل كالثمرة والأجر وسكنى الدار ونحوها.
وحكم الوقف: أنه قربة مستحبة في الإسلام.
والدليل على ذلك السنة الصحيحة: ففي "الصحيحين": أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! إني أصبحت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه؛ فما تأمرني فيه؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث"، فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف.
وروى مسلم في "صحيحه" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا مات

ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له".
وقال جابر: " م يكن أحد من أصحاب رسول الله ذو مقدرة إلا وقف".
وقال القرطبي رحمه الله: "ولا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد، واختلفوا في غير ذلك".
ويشترط أن يكون الواقف جائز التصرف؛ بأن يكون بالغا حرًا رشيدًا؛ فلا يصح الوقف من الصغير والسفيه والمملوك.
وينعقد الوقف بأحد أمرين: الأول: القول الدال على الوقف؛ كأن يقول: وقفت هذا المكان، أو جعلته مسجدًا.
الأمر الثاني: الفعل الدال على الوقف في عرف الناس كمن جعل داره مسجدًا، وأذن للناس في الصلاة فيه إذنا عاما؛ أو جعل أرضه مقبرة، وأذن للناس في الدفن فيها.
وألفاظ التوقيف قسمان: القسم الأول: ألفاظ صريحة؛ كأن يقول: وقفت، وحبست،

وسبلت، وسميت..هذه الألفاظ صريحة؛ لأنها لا تحتمل غير الوقف؛ فمتى أتى بصيغة منها؛ صار وقفا، من غير انضمام أمر زائد إليها.
والقسم الثاني: ألفاظ كناية؛ كأن يقول: تصدقت، وحرمت، وأبّدت.. سميت كناية لأنها تحمل معنى الوقف وغيره؛ فمتى تلفظ بواحد من هذه الألفاظ؛ اشترط اقتران نية الوقف معه، أو اقتران أحد الألفاظ الصريحة أو الباقي من ألفاظ الكناية معه، واقتران الألفاظ الصريحة؛ كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة، واقتران لفظ الكناية بحكم الوقف؛ كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة لا تباع ولا تورث.
ويشترط لصحة الوقف شروط، وهي: أولاً: أن يكون الواقف جائز التصرف كما سبق.
ثانيا: أن يكون الموقوف مما ينتفع به انتفاعا مستمرًا مع بقاء عينه؛ فلا يصح وقف ما لا يبقى بعد الانتفاع به؛ كالطعام.
ثالثا: أن يكون الموقوف معينا؛ فلا يصح وقف غير المعين؛ كما لو قال: وقفت عبدًا من عبيدي وبيتا من بيوتي.
رابعا: أن يكون الوقف على بر؛ لأن المقصود به التقرب إلى الله تعالى؛ كالمساجد والقناطر والمساكين والسقايات وكتب العلم والأقارب؛ فلا يصح الوقف على غير جهة بر؛ كالوقف على معابد الكفار، وكتب الزندقة، والوقف على الأضرحة لتنويرها أو تبخيرها، أو على سدنتها؛ لأن ذلك إعانة على المعصية والشرك والكفر.

خامسا: ويشترط لصحة الوقف إذا كان على معين أم يكون ذلك المعين يملك ملكا ثابتا؛ لأن الوقف تمليك؛ فلا يصح على من لا يملك؛ كالميت والحيوان.
سادسا: ويشترط لصحة الوقف أن يكون منجزًا؛ فلا يصح الوقف المؤقت ولا المعلق؛ إلا إذا علقه على موته؛ صح ذلك؛ كأن يقول إذا مت؛ فبيتي وقف على الفقراء؛ لما روى أبو دواد: "أوصى عمر إن حدث به حدث؛ فإن سمعا "أرض له" صدقة"، واشتهر، ولم ينكر، فكان إجماعا، ويكون الوقف المعلق على الموت من ثلث المال؛ لأنه يكون في حكم الوصية.
ومن أحكام الوقف: أنه يجب العمل بشرط الواقف إذا كان لا يخالف الشرع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم؛ إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالاً"، ولأن عمر رضي الله عنه وقف وقفا وشرط فيه شرطان ولو لم يجب إتباع شرط تقديما لبعض المستحقين على بعض أو جمعهم أو اشترط اعتبار وصف في المستحق أو اشترط عدمه أو شرط النظر على الوقف وغير ذلك؛ لزم العمل بشرطه؛ ما لم يخالف كتابا ولا سنة.
فإن لم يشترط شيئا؛ استوى في الاستحقاق الغني والفقير والذكر والأنثى من الموقوف عليهم.

وإذا لم يعين ناظرًا للوقف، أو عين شخصا ومات؛ فالنظر يكون للموقوف عليه إن كان معينا، وإن كان الوقف على جهة كالمساجد، أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين؛ فالنظر على الوقف للحاكم، يتوله بنفسه، أو ينيب عنه من يتولاه.
ويجب على الناظر أن يتقي الله ويحسن الولاية على الوقف؛ لأن ذلك أمانة أؤتمن عليها.
وإذا وقف على أولاده؛ استوى الذكور والإناث في الاستحقاق؛ لأنه شرك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي الاستواء في الاستحقاق؛ كما لو أقر لهم بشيء؛ فإن المقر به يكون بينهم بالسوية؛ فكذلك إذا وقف عليهم شيئا، ثم بعد أولاده لصلبه ينتقل الوقف إلى أولاد بنيه دون ولد بناته؛ لأنهم من رجل آخر، فينسبون إلى آبائهم، ولعدم دخولهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم﴾ ، من العلماء من يرى دخولهم في لفظ الأولاد، لأن البنات أولاده؛ فأولادهن أولاد أولاده حقيقة، والله أعلم.
ولو قال: وقف على أبنائي، أو: بني فلان؛ اختص الوقف بذكورهم؛ لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقة، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ؛ إلا أن يكون الموقوف عليهم قبيلة؛ كبني هاشم وبني تميم؛ فيدخل فيهم النساء؛ لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها.
لكن إذا وقف على يمكن حصرهم؛ وجب تعميمهم

والتسوية بينهم، وإن لم يكن حصرهم واستيعابهم؛ كبني هاشم وبني تميم؛ لم يجب تعميمهم؛ لأنه غير ممكن، وجاز الاقتصار على بعضهم وتفضيل بعضهم على بعض.
والوقف من العقود اللازمة بمجرد القول؛ فلا يجوز فسخه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث".
قال الترمذي: "العمل على هذا الحديث عند أهل العلم".
فلا يجوز فسخه؛ لأنه مؤبد، ولا يباع، ولا ينافل به؛ إلا أن تتعطل منافعه بالكلية؛ كدار انهدمت ولم تمكن عمارتها من ريع الوقف، أو أرض زراعية خربت وعادت مواتا ولم يمكن عمارتها بحيث لا يكون ريع الوقف ما يعمرها، فيباع الوقف الذي هذه حاله، ويصرف ثمنه في مثله؛ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، فإن تعذر مثله كاملاً؛ صرف في بعض مثله، ويصير البديل وقفا بمجرد شرائه.
وإن كان الوقف مسجدًا، فتعطل ولم ينتفع به في موضعه، كأن خربت محلته؛ فإنه يباع ويصرف ثمنه في مسجد آخر، وإذا كان على مسجد وقف زاد ريعه عن حاجته؛ جاز صرف الزائد إلى مسجد آخر؛ لأنه انتفاع به في جنس ما وقف له، وتجوز الصدقة بالزائد من غلة الوقف على المسجد على المساكين.
وإذا وقف على معين؛ كما قال: هذا وقف على زيد، يعطى

منه كل سنة مئة، وكان في ريع الوقف فائض عن هذا القدر؛ فإنه يتعين إرصاد الزائد، وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: "إن علم أن ريعه يفضل دائما؛ وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد له".
وإذا وقف على مسجد، فخرب، وتعذر الانفاق عليه من الوقف؛ صرف في مثله من المساجد.

باب في أحكام الهبة والعطية

والهبة: هي التبرع من جائر التصرف في حياته لغيره بمال معلوم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهدي ويهدي إليه، ويعطي ويعطي.
فالهبة والهدية من السنة المرغّب فيها لما يترتب عليها من المصالح، قال صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا"، وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها"، وقال صلى الله عليه وسلم: "تهادوا؛ فإن الهدية تسل السخية".
وتلزم الهبة إذا قبضها الموهوب له بإذن الواهب؛ فليس له الرجوع فيها، أما قبل القبض؛ فله الرجوع؛ بدليل حديث عائشة

رضي الله عنها: "أن أبا بكر نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية، فلما مرض؛ قال: يا بنية‍‍‍‍‍‍‍! كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا، ولو كنت حزتيه أو قبضتيه؛ كان لك؛ فإنما هو اليوم مال وارث؛ فاقتسموه على كتاب الله تعالى" وإن كانت الهبة في يد الموهب وديعة أو عارية، فوهبها له؛ فاستدامته لها تكفي عن قبضها ابتداء.
وتصح هبة الدين لمن هو في ذمته، ويعتبر ذلك إبراء له، ويجوز هبة كل ما يجوز بيعه.
ولا تصح الهبة المعلقة على شرط مستقبل؛ كأن يقول: إذا حصل كذا فقد وهبتك كذا.
ولا تصح الهبة مؤقتة؛ كأن يقول: وهبتك كذا شهرًا أو سنة؛ لأنها تمليك للعين؛ فلا تقبل التوقيت؛ كالبيع، لكن يستثنى من التعليق تعليق الهبة بالموت؛ كأن يقول: إذا مت؛ فقد وهبتك كذا وكذا، وتكون وصية تأخذ أحكامها.
ولا يجوز للإنسان أن يهب لبعض أولاده ويترك بعضهم أو يفضل بعضهم على بعض في الهبة، بل يجب عليه العدل بينهم؛ بتسوية بعضهم ببعض؛ لحديث النعمان بن بشير: أن أباه أتى به النبي صلى الله عليه وسلم لما نحله نحلة ليشهد عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أكل ولدك نحلت مثل

هذا؟ "، فقال: لا.
فقال: "أرجعه".
ثم قال: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"، متفق عليه.
فدل على وجوب العدل بين الأولاد في العطية، وأنها تحرم الشهادة على تخصيص بعضهم أو تفضيله تحملاً وأداء إن علم ذلك.
وإذا وهب الإنسان هبة وقبضها الموهوب له؛ حرم عليه الرجوع فيها وسحبها منه؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئة"؛ فدل هذا على تحريم الرجوع في الهبة؛ إلا ما استثناه الشارع، وهو الأب؛ فله أن يرجع فيما وهبه لولده، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها؛ إلا الوالد فيما يعطي ولده"، رواه الخمسة وصححه الترمذي.
كما أن للوالد أن يأخذ ويملك من مال ولده ما لا يضر الولد ولا يحتاجه؛ لحديث عائشة: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم"، رواه الترمذي وحسنه، ورواه غيره، وله شواهد تدل

بمجموعها على أن للوالد الأخذ والتملك والأكل من مال ولده ما لا يضر الوالد ولا يتعلق بحاجته، بل إن قوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك": يقتضي إباحة ماله، فيجب على الولد أن يخدم أباه بنفسه، ويقتضي له حوائجه.
وليس للوالد أن يتملك من مال الولد ما يضره أو تتعلق به حاجته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".
وليس للولد مطالبة أبية بدين ونحوه؛ لأن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأبيه يقتضيه دينا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك"، فدل على أنه لا يحق للولد مطالبة والده بالدين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ؛ فأمر سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، ومن الإحسان إليهما عدم مطالبتهما بالحق الذي عليهما للولد، ما عدا النفقة ألوا جبة على الوالد؛ فللولد مطالبته بها؛ لضرورة حفظ النفس إذا كان الولد يعجز عن الكسب، ولقوله صلى الله عليه وسلم لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".

والهدية تذهب الحقد وتجلب المحبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا؛ فإن الهدايا تذهب وحر1 الصدور".
ولا ينبغي رد الهدية وإن قلَّت، وتسن الإثابة عليها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثبت عليها، وذلك من محاسن الدين، ومكارم الشيم1

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل