الملخص الفقهيصفحات 55-90
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 55-90
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ومدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم ومن سفره لا يبيح له القصر يوم وليلة، وبالنسبة لمسافر سفرًا يبيح له القصر ثلاثة أيام بلياليها؛ لما رواه مسلم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة".
وابتداء المدة في الحالتين يكون من الحدث بعد اللبس؛ لأن الحدث هو الموجب للوضوء، ولأن جواز المسح يبتدئ من الحدث، فيكون ابتداء المدة من أول جواز المسح، ومن العلماء من يرى أن ابتداء المدة يكون من المسح بعد الحدث.
شروط المسح على الخفين ونحوهما: 1 يشترط للمسح على الخفين وما يقوم مقامها من الجوارب ونحوها أن يكون الإنسان حال لبسهما على طهارة من الحدث؛ لما في الصحيحين وغيرهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن أراد نزع خفيه وهو يتوضأ: "دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين"، وحديث: "أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلنا هما على طهر"، وهذا واضح الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس للخفين، فلو كنا حال لبسهما محدثا؛ لم يجز المسح عليهما.

2 ويشترط أن يكون الخف ونحوه مباحا، فإن كان مغصوبا أو حريراً بالنسبة للرجل؛ لم يجز المسح عليه؛ لأن المحرم لا تستباح به الرخصة.
3 ويشترط أن يكون الخف ونحوه ساتراً للرجل؛ فلا يمسح عليه إذا لم يكن ضافيا مغطيا لما يجب غسله؛ بأن كان نازلاً عن الكعب أو كان ضافيا لكنه لا يستر الرجل؛ لصفائه أو خفته؛ كجورب غير صفيق؛ فلا يمسح على ذلك كله؛ لعدم ستره.
ويمسح على ما تقوم مقام الخفين؛ فيجوز المسح على الجورب الصفيق الذي يستر الرجل من صوف أو غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين، رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي، ويستمر المسح عليه إلى تمام المدة؛ دون ما يلبس فوقه من خف أو نعل ونحوه، ولا تأثير لتكرار خلعه ولبسه إذا كان قد بدأ المسح على الجورب.
ويجوز المسح على العمامة بشرطين: أحدهما: تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه من الرأس.
الشرط الثاني: أن تكون العمامة محنكة، وهي التي يدار منها تحت الحنك دور فاكثر، أو تكون ذات ذؤابة، وهي التي يرخى طرفها من

الخلف؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على العمامة بأحاديث أخرجها غير واحد من الأئمة، وقال عمر: "من لم يطهره المسح على العمامة؛ فلا طهره الله".
وإنما يجوز المسح على الخفين والعمامة في الطهارة من الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر؛ فلا يمسح على شيء من ذلك فيه، بل يجب غسل ما تحتهما.
ويمسح على الجبيرة، وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر، ويمسح على الضماد الذي يكون على الجرح، وكذلك يمسح على اللصوق الذي يجعل على القروح، كل هذه الأشياء يمسح عليها؛ بشرط أن تكون على قدر الحاجة؛ بحيث تكون على الكسر أو الجرح وما قرب منه مما لا بد منن وضعها عليه لتؤدي مهمتها، فإن تجاوزت قدر الحاجة؛ لزمه نزع ما زاد عن الحاجة.
ويجوز المسح على الجبيرة ونحوها في الحدث الأصغر والأكبر، وليس للمسح عليها وقت محدد، بل يمسح عليها إلى نزعها أو برء ما تحتها؛ لأن مسحها لأجل الضرورة إليها، فيقتدر بقدر الضرورة.
والدليل على مسح الجبيرة حديث جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أخبر بذلك، فقال "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؛ فإنما شفاء

العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها"، رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن السكن.
محل المسح من هذه الحوائل: يمسح ظاهر الخف والجورب، ويمسح أكثر العمامة، ويختص ذلك بدوائرها، ويمسح على جميع الجبيرة.
وصفة المسح على الخفين أن يضع أصابع يديه مبلولتين بالماء على أصابع رجليه ثم يمرهما إلى ساقه، يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى، والرجل اليسرى باليد اليسرى، ويفرج أصابعه إذا مسح، ولا يكرر المسح.
وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح.

باب في بيان نواقض الوضوء

عرفت مما سبق كيف يتم الوضوء بشروطه وفروضه وسننه كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم فكنت بحاجة إلى معرفة ما يفسد هذا الوضوء وينقضه؛ لئلا تستمر على وضوء قد بطل مفعوله، فتؤدي به عبادة لا تصح منك.
فاعلم أيها المسلم: أن للوضوء مفسدات لا يبقى مع واحد منها له تأثير، فيحتاج إلى استئنافه من جديد عند إرادته مزاولة عمل من الأعمال التي يشرع لها الوضوء، وهذه المفسدات تسمى نواقض وتسمى مبطلات، والمعنى واحد، وهذه المفسدات أو النواقض أو المبطلات أمور عينها الشارع، وهي علل تؤثر في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه، وهي إما أحداث تنقض الوضوء بنفسها كالبول والغائط وسائر الخارج من السبيلين، وغما أسباب للأحداث؛ بحث إذا وقعت؛ تكون مظنة لحصول

الأحداث؛ كزوال العقل، أو تغطيته بالنوم والإغماء والجنون؛ فإن زائل العقل لا يحس بما يحصل منه، فأقيمت المظنة مقام الحدث.
وإليك بيان ذلك بالتفصيل: 1 الخارج من سبيل؛ أي: من مخرج البول والغائط والخارج من السبيل إما أن يكون بولاً أو منيا أو مذيا أو دم استحاضة أو غائطا أو ريحا.
فإن كان الخارج بولاً أو غائطا؛ فهو ناقض للوضوء بالنص والإجماع، قال تعالى في موجبات الوضوء: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط﴾ . وإن كان منيا أو مذيا؛ فهو ينقض الوضوء بدلالة الأحاديث الصحيحة، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر وغيره.
وكذا ينقض خروج دم الاستحاضة، وهو دم فساد، لا دم حيض؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش؛ أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "فتوضئي وصلي؛ فإنما هو دم عرق"، رواه أبو داود والدارقطني، وقال: "إسناده كلهم ثقات".
وكذا ينقص الوضوء خروج الريح بدلالة الأحاديث الصحيحة وبالإجماع، قال صلى الله عليه وسلم: "ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"،

وقال صلى الله عليه وسلم فيمن شك هل خرج منه ريح أولا: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
وأما الخارج من البدن من غير السبيلين كالدم والقيء والرعاف؛ فموضع خلاف بين أهل العلم؛ هل ينقض الوضوء أولا ينقضه؟ على قولين، والراجح أنه لا ينقض، لكن خروجا من الخلاف؛ لكان أحسن.
2 من النواقض زوال العقل أو تغطيته، وزوال العقل يكون بالجنون ونحوه، وتغطيته تكون بالنوم أو الإغماء ونحوهما، فمن زال عقله أو غطي بنوم ونحوه؛ انتقض وضؤه؛ لأن ذلك مظنة خروج الحدث، وهو لا يحسن به؛ إلا يسير النوم؛ فإنه لا ينقض الوضوء؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كان يصيبهم النعاس وهم ينتظرون الصلاة، وإنما ينقضه النوم المستغرق؛ جمعا بين الأدلة.
3 من نواقض الوضوء أكل لحم الإبل، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لصحة الحديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصراحتة.

قال الإمام أحمد رحمه الله: "فيه حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وأما أكل اللحم من غير الإبل؛ فلا ينقض الوضوء.
وهناك أشياء قد اختلف العلماء فيها؛ هل تنقض الوضوء أو لا؟: وهي: مس الذكر، ومس المرأة بشهوة، وتغسيل الميت، والردة عن الإسلام، فمن العلماء من قال: لأن كل واحد من هذه الأشياء ينقض الوضوء، ومنهم من قال: لا ينقض، والمسألة محل نظر واجتهاد، لكن لو توضأ من هذه الأشياء خروجا من الخلاف؛ لكان أحسن.
هذا، وقد بقيت مسألة مهمة تتعلق بهذا الموضوع، وهي: من تيقن الطهارة، شك في حصول ناقض من نواقضها؛ ماذا يفعل؟.
لقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؛ فلا يخرج من المسجد، حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
فدل هذا الحديث الشريف وما جاء بمعناه على أن المسلم إذا تيقن الطهارة وشك في انتقاضها؛ أنه يبقى على الطهارة؛ لأنها الأصل، ولأنها متيقنة، وحصول الناقض مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك.

وهذه قاعدة عظيمة عامة في جميع الأشياء؛ أنها تبقى على أصولها حتى يتيقن خلافها، وكذلك العكس، فإذا يتقن الحدث وشك في الطهارة؛ فإنه يتوضأ؛ لأن الأصل بقاء الحدث؛ فلا يرفع بالشك.
أخي المسلم، عليك بالمحافظة على الطهارة للصلاة والاهتمام بها، لأنها لا تصح صلاة بدون طهور، كما يجب عليك أن تحذر من الوسواس وتسلط الشيطان عليك؛ بحيث يخيل إليك انتقاض طهارتك ويلبس عليك؛ فاستعذ بالله من شره، ولا تلتفت إلى وساوسه، واسأل أهل العلم عما أشكل عليك من أمور الطهارة؛ لتكون على بصيرة من أمرك، واهتم أيضا بطهارة ثيابك من النجاسة؛ لتكون صلاتك صحيحة وعبادتك مستقيمة؛ فإن الله سبحانه وتعالى: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . وفقنا الله جميعا للعلم النافع والعمل الصالح.

باب في أحكام الغسل

عرفت مما سبق أحكام الطهارة من الحدث الأصغر ونواقضها؛ فكنت بحاجة إلى أن تعرف أحكام الطهارة من الحدث الأكبر؛ جنابة كان أو حيضا أو نفاسا، وهذه الطهارة تسمى بالغسل بضم الغين، وهو استعمال الماء في جميع البدن على صفة مخصوصة يأتي بيانها.
والدليل على وجوبه: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ . وقد ذكروا أن الغسل من الجنابة كان معمولاً به في الجاهلية، وهو من بقايا دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيهم.
وموجبات الغسل ستة أشياء، إذا حصل واحد منها؛ وجب على المسلم الاغتسال: أحدها: خروج المني من مخرجه من الذكر أو الأنثى، ولا يخلو: إما أن يخرج في حال اليقظة، أو حال النوم، فإن خرج

في حال اليقظة، أو حال النوم، فإن خرج في حال اليقظة؛ اشترط وجود اللذة بخروجه، فإن خرج بدون لذة؛ لم يوجب الغسل؛ كالذي يخرج بسبب مرض أو عدم إمساك، وإن خرج في حال النوم، وهو ما يسمى بالاحتلام؛ وجب الغسل مطلقا؛ لفقد إدراكه؛ فقد لا يشعر باللذة؛ فالنائم إذا استيقظ ووجد أثر المني؛ وجب عليه الغسل، وإن احتلم، ولم يخرج منه مني، ولم يجد له أثراً؛ لم يجب عليه الغسل.
الثاني: من موجبات الغسل إيلاج الذكر في الفرج، ولو لم يحصل إنزال؛ للحديث الذي رواه مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الختان الختان؛ فقد وجب الغسل"، فيجب الغسل على الواطئ والموطوءة بالإيلاج، ولو لم يحصل إنزال؛ لهذا الحديث، ولإجماع أهل العلم على ذلك.
الثالث: من موجبات الغسل عند طائفة من العلماء: إسلام الكافر، فإذا اسلم الكافر؛ وجب عليه الغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض الذين أسلموا أن يغتسلوا، ويرى كثير من أهل العلم أن اغتسال الكافر إذا أسلم مستحب،

وليس بواجب؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر به كل من أسلم، فيحمل الأمر به على الاستحباب؛ جمعا بين الأدلة، والله أعلم.
الرابع: من موجبات الغسل: الموت، فيجب تغسيل الميت؛ غير الشهيد في المعركة؛ فإنه لا يغسل، وتفاصيل ذلك تأتي في أحكام الجنائز أن شاء الله.
الخامس والسادس: من موجبات الغسل الحيض والنفاس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا ذهبت حيضتك؛ فاغتسلي وصلي"، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْن﴾ ؛ يعني: الحيض بتطهرن بالاغتسال بعد انتهاء الحيض.
وصفة الغسل الكامل: أن ينوي بقلبه.
ثم يمسي ويغسل يديه ثلاثا ويغسل فرجه.
ثم يتوضأ وضوءًا كاملاً.
ثم يحثي الماء على رأسه ثلاث مرات، يروي أصول شعره.
ثم يعم بدنه بالغسل، ويدلك بدنه بيديه؛ ليصل الماء إليه.
والمرأة الحائض أو النفساء تنقض رأسها للغسل من الحيض والنفاس، وأما الجنابة؛ فلا تنقضه حين تغتسل لها؛ لمشقة التكرار، وكلن؛ يجب عليها أن تروي أصول شعرها بالماء.
ويجب على المغتسل رجلاً كان أو امرأة أن يتفقد أصول شعره

ومغابن بدنه وما تحت حلقه وإبطيه وسرته وطي ركبتيه، وإن كان لابسا ساعة أو خاتما؛ فإنه يحركهما ليصل الماء إلى ما تحتهما.
وهكذا يجب أن يهتم بإسباغ الغسل؛ بحيث لا يبقى من بدنه شيء لا يصل إليه الماء، وقال صلى الله عليه وسلم: "تحت كل شعرة جنابة؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر"، رواه أبو داود والترمذي.
ولا ينبغي له أن يسرف في صب الماء؛ فالمشروع تقليل الماء مع الإسباغ؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع؛ فينبغي الاقتداء به في تقليل الماء وعدم الإسراف.
كما يجب على المغتسل أن يستتر؛ فلا يجوز أن يغتسل عريانا بين الناس؛ لحديث: "إن الله حيي يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر"، رواه أبو داود والنسائي.
والغسل من الحدث الأكبر أمانة من جملة الأمانات التي بين العبد وبين ربه، يجب عليه أن يحافظ عليه، وأن يهتم بأحكامه؛ ليؤديه على الوجه المشروع،

وما أشكل عليه من أحكامه وموجباته؛ سأل عنه، ولا يمنعه الحياء من ذل؛ فإن الله لا يستحي من الحق، فالحياء الذي يمنع صاحبه من السؤال عن أمور دينه حياء مذموم، وهو جبن من الشيطان؛ ليثبط به الإنسان عن استكمال دينه ومعرفة ما يلزمه من أحكامه.
وأمر الطهارة عظيم، والتفريط في شأنها خطير؛ لأنها تترتب عليها صحة الصلاة التي هي عمود الإسلام.
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين البصيرة في دينه والإخلاص له في القول والعمل.

باب في أحكام التيمم

إن الله سبحانه وتعالى قد شرع التطهر للصلاة من الحدثين الأصغر والأكبر بالماء الذي أنزله الله لنا طهورًا، وهذا واجب لابد منه مع الإمكان، لكن قد تعرض حالات يكون الماء فيها معدوما، أو في حكم المعدوم، أو موجودًا، لكن يتعذر استعماله لعذر من الأعذار الشرعية، وهنا قد جعل الله ما ينوب عنه، وهو التيمم بالتراب؛ تيسيرًا على الخلف، ورفعا للحرج.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .

والتيمم في اللغة: القصد.
والتيمم في الشرع: هو مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص.
وكما هو ثابت في القرآن الكريم؛ فهو ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وهو فضيلة لهذه الأمة المحمدية، اختصها الله به، ولم يجعله طهورًا لغيرها؛ توسعة عليها، وإحسانا منه إليها.
ففي "الصحيحين" وغيرهما: قال صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ فليصل"، وفي لفظ: "فعنده مسجده وطهوره".
فالتيمم بدل طهارة الماء عند العجز عنه شرعا، يفعل بالتطهر به كل ما يفعل بالتطهر بالماء من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك، فإن الله جعل التيمم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا، قال عليه الصلاة والسلام: "وجعلت تربتها" يعني: الأرض "لنا طهورًا ... ". وينوب التيمم عن الماء في أحوال هي: أولاً: إذا عدم الماء: لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ، سواء عدمه في الحضر أو السفر، وطلبه، ولم يجده.

ثانيا: إذا كان معه ماء يحتاجه لشرب وطبخ، فلو تطهر منه؛ لأضر حاجته؛ بحيث يخاف العطش على نفسه، أو عطش غيره من آدمي أو بهيمة محترمين.
ثالثا: إذا خاف باستعمال الماء الضرر في بدنه بمرض أو تأخر برء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ الآية.
رابعا: إذا عجز عن استعمال الماء، لمرض لا يستطيع معه الحركة، وليس عنده من يوضئه، وخاف خروج الوقت.
خامسا: إذا خاف بردًا باستعمال الماء ولم يجد ما يسخنه به؛ تيمم وصلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ ؛ ففي تلك الأحوال يتيمم ويصلي.
وإن وجد ماء يكفي بعض طهره؛ استعمله فيما يمكنه من أعضائه أو بدنه، وتيمم عن الباقي الذي قصر عنه الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وإن كان به جرح يتضرر بغسله أو مسحه بالماء؛ تيمم له، وغسل الباقي لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ . وإن كان جرحه لا يتضرر بالمسح؛ مسح الضماد الذي فوقه بالماء، وكفاه المسح عن التيمم.

ويجوز التيمم بما على وجه الأرض من تراب وسبخه ورمل وغيره، هذا هو الصحيح من قولي العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ، وكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا أدركتهم الصلاة؛ تيمموا بالأرض التي يصلون عليها، ترابا أو غيره، ولم يكونوا يحملون معهم التراب.
وصفة التيمم: أن يضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع، ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ويمسح كفيه براحتيه، ويعمم الوجه والكفين بالمسح، وإن مسح بضربتين إحداهما يمسح بها وجهه والثانية يمسح بها بدنه؛ جاز، لكن الصفة الأولى هي الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويبطل التيمم عن حدث أصغر بمبطلات الوضوء وعن حدث أكبر بموجبات الغسل من جنابة وحيض ونفاس؛ لأن البدل له حكم المبدل، ويبطل التيمم أيضا بوجود الماء إن كان التيمم لعدمه، وبزوال العذر الذي من أجله شرع التيمم من مرض ونحوه.
ومن عدم الماء والتراب أو وصل إلى حال لا يستطيع مع لمس البشرة بماء ولا تراب؛ فإنه يصلي على حسب حاله؛ بلا وضوء ولا تيمم؛ لأن الله لا يكلف نفسا غلا وسعها، ولا يعيد هذه الصلاة؛ لأنه أتى بما أمر به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وقوله صلى الله عليه وسلم:

"إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم".
هذه جملة من أحكام التيمم سقناها لك، فإن أشكل عليك شيء منها أو من غيرها؛ فعليك أن تسأل أهل العلم، ولا تتساهل في أمر دينك، لا سيما أمر الصلاة التي هي عمود الإسلام؛ فإن الأمر مهم جدًا.
وفقنا الله جميعا للصواب والسداد في القول والعمل، وان يكون عملنا خالا لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب الدعاء.

باب في أحكام إزالة النجاسة

فكما أنه مطلوب من المسلم أن يكون طاهراً من الحدث إذا أراد الصلاة؛ فكذلك مطلوب منه البدن والثوب والبقعة من النجاسة، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بغسل دم الحيض من ثوبها.
لما كان الأمر كذلك؛ تطلب منا أن نلقي الضوء على هذا الموضوع، وهو موضوع إزالة النجاسة، عارضين لأهم أحكامه، رجاء أن ينتفع بذلك من يقرؤه من إخواننا المسلمين، ولقد كان الفقهاء رحمهم الله يعقدون لهذا الموضوع بابا خاصا، يسمونه: باب إزالة النجاسة؛ أي: تطهير موارد النجاسة، أي: تطهير موارد النجاسة، التي تطرأ على محل طاهر من الثياب والأواني والفرش والبقاع ونحوها.
والأصل الذي تزال به النجاسة هو الماء؛ فهو الأصل في

التطهير؛ لأن الله وصفه بذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ . والنجاسة التي تجب إزالتها: إما أن تكون على وجه الأرض وما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخور: فهذه يكفي في تطهيرها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة؛ بمعنى أنها تغمر بالماء بصبه عليها مرة واحدة؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكذا إذا غمرت بماء المطر والسيول، فإذا زالت بصب الماء عليها أو بماء المطر النازل أو الجاري عليها؛ كفى ذلك في تطهيرها.
وإن كانت النجاسة على غير الأرض وما اتصل بها: فإن كانت من كلب أو خنزير وما تولد منهما؛ فتطهيرها بسبع غسلات، إحداهن بالتراب؛ بأن يجعل التراب مع إحدى الغسلات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليغسله سبعا أولاهن بالتراب"، رواه مسلم وغيره، وهذا الحكم عام في الإناء وغيره؛ كالثياب والفرش.

وإن كانت نجاسة غير كلب أو خنزير؛ كالبول والغائط والدم ونحوها؛ فإنها تغسل بالماء مع الفرك والعصر، حتى تزول؛ فلا يبقى لها عين ولا لون.
فالمغسولات على ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يمكن عصره؛ مثل الثوب؛ فلا بد من عصره.
النوع الثاني: ما لا يمكن عصره، ويمكن تقليبه؛ كالجلود ونحوها؛ فلا بد من تقليبه.
النوع الثالث: ما لا يمكن عصره ولا تقليبه؛ فلا بد من دقه وتثقيله؛ بأن يضع عليه شيئا ثقيلاً، حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء.
وإن خفي موضع نجاسة في بدون أو ثوب أو بقعة صغيرة كمصلى صغير؛ وجب غسل ما احتمل وجود النجاسة فيه، حتى يجزم بزوالها، وإن لم يدر في أي جهة منه؛ غسله جميعه.
ويكفي في تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام رشه بالماء؛ لحديث أم قيس؛ أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله.
متفق عليه.
وإن كان يأكل الطعام لشهوة واختيار؛ فبوله مثل بول الكبير، وكذا

بول الأنثى الصغير مثل بول الكبيرة، وفي جميع هذه الأحوال يغسل كغسل سائر النجاسات.
فالنجاسات على ثلاثة أنواع: نجاسة مغلظة، وهي نجاسة الكلب ونحوه.
ونجاسة مخففة، وهي نجاسة الغلام الذي لا يأكل الطعام.
ونجاسة بين ذلك، وهي بقية النجاسات.
ويجب أن نعرف ما هو طاهر وما هو نجس من أرواث وأبوال الحيوانات: فما كان يحل أكل لحمه منها؛ فبوله وروثه طاهر؛ كالإبل والبقر والغنم ونحوها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنين أن يلحقوا بإبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها.
متفق عليه.
فدل عليه طهارة بولها؛ لأن النجس لايباح التداوي به وشربه، فإن قيل: إنما أبيح للضرورة؛ قلنا: لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة.
وفي "الصحيح": أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم وأمر بالصلاة فيها وهي لا شك تبول فيها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأصل في الأرواث الطهارة؛ إلا ما استثنى ... " انتهى.
وسؤر ما يؤكل لحمه طاهر، وهو بقية طعامه وشرابه.
وسؤر الهرة طاهر؛ لحديث أبي قتادة في الهرة؛ قال "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، رواه الترمذي وغيره وصححه، شبهها بالمماليك من خدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة ولعدم التحرز منها؛ ففي ذلك رفع للحرج والمشقة.
وألحق بعض العلماء بالهرة ماكان دونها في الخلقة من طير وغيره؛ فسؤره طاهر كسؤر الهرة؛ بجامع الطواف.
وماعدا وما ألحق بها لا يؤكل لحمه؛ فروثه وبوله وسؤره نجس.

أيها المسلم،: عليك أن تهتم بالطهارة ظاهراً وباطنا: باطنا بالتوحيد والإخلاص لله في القول والعمل، وظاهراً بالطهارة من الحدث والأنجاس؛ فإن ديننا دين الطهارة والنظافة والنزاهة من الأقذار الحسية والمعنوية؛ فالمسلم طاهر نزيه ملازم للطهارة، وقال صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان ... ". فعليك يا عبد الله بالاهتمام بالطهارة، والابتعاد عن الأنجاس؛ فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عامة عذاب القبر من البول حينما لا يتحرز منه الإنسان، فإذا أصابك نجاسة؛ فبادر إلى تطهيرها ما أمكنك؛ لتبقى طاهراً، لا سيما عندما تريد الصلاة؛ فتفقد حالك من الطهارة، وعندما تريد الدخول في المسجد؛ فانظر في نعليك، فإن وجدت فيهما أذى، فامسحهما ونقهما ولا تدخل بهما أو تدخلهما في المسجد وفيهما نجاسة.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه من القول والعمل.

باب في أحكام الحيض والنفاس

أولاً: الحيض وأحكامه: قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . والحيض هو دم طبيعة وجبلة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد في بطن أمه؛ لا فتقاره إلى الغذاء؛ إذ لو شاركها في غذائها؛ لضعفت قواها، فجعل الله له هذا الغذاء؛ لذلك قل أن تحيض الحامل، فإذا ولدت؛ قلبه الله لبنا يدر من ثدييها؛ ليتغذى به ولدها، ولذلك قل أن تحض المرضع، فإذا خلت المرأة من الحمل ورضاع؛ بقي لا مصرف له؛ ليستقر في مكان من رحمها، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يزيد عن ذلك أو يقل، ويطول شهر المرأة ويقصر حسبما ركبه الله من الطباع.

وللحائض خلال حيضها وعند نهايته أحكام مفصلة في الكتاب والسنة: من هذه الأحكام: أن الحائض لا تصلي ولا تصوم حال حيضها، قال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة"، فلو صامت الحائض أوصلت حال حيضها؛ لم يصح لها صوم ولا صلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاها عن ذلك، والنهي يقتضي عدم الصحة، بل تكون بذلك عاصية لله ولرسوله.
فإذا طهرت من حيضها؛ فإنها تقضي الصوم دون الصلاة بإجماع أهل العلم، قالت عائشة رضي الله عنها: "كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، متفق عليه.
ومن أحكام الحائض: أنها يجوز لها أن تطوف بالبيت، ولا تقرأ القرآن، ولا تجلس في المسجد، ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع حيضها وتغتسل:

قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه﴾ ،ومعنى الاعتزال: ترك الوطء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، رواه الجماعة إلا البخاري، وفي لفظ: "إلا الجماع".
ويجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها بغير الجماع في الفرج؛ كالقبلة واللمس ونحو ذلك.
ولا يجوز لزوجها أن يطلقها وهى حائض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِن﴾ ؛ أي طاهرات من غير جماع، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من طلق امرأته وهي حائض أن يراجعها ثم يطلقها حال طهرها إن أراد.
والطهر هو انقطاع الدم، فإذا انقطع دمها؛ فقد طهرت، وانتهت فترة حيضها؛ فيجب عليها الاغتسال، ثم تزاول ما منعت منه بسبب الحيض، وإن رأت بعد الطهر كدرة أو صفرة؛ لم تلتفت إليها؛ لقول أم عطية رضي الله عنها: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الصفرة شيئا"، رواه البخاري

وغيره، وله حكم الرفع؛ لأنه تقرير منه صلى الله عليه وسلم.
تنبيه هام: إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس؛ لزمها أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم، ومن طهرت منهما قبل طلوع الفجر؛ لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة؛ لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حال العذر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الفتاوى" "22/ 434": "ولهذا كان جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في آخر النهار؛ صلت الظهر والعصر جميعا، وإذا طهرت في آخر الليل؛ صلت المغرب والعشاء جميعا؛ كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ابن عباس؛ لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، فإذا طهرت في آخر النهار؛ فوقت الظهر باق، فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل؛ فوقت المغرب باق في حال الغدر، فتصليها قبل العشاء" انتهى.
وأما إذا دخل عليها وقت صلاة، ثم حاضت أو نفست قبل أن تصلي؛

فالقول الراجح أنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت أول وقتها ثم حاضت أو نفست قبل أن تصليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوي" "23/ 335" في هذه المسألة: "والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك؛ أنها لا يلزمها شيء؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنها أخرت تأخيراً جائزاً؛ فهي غير مفرطة، وأما النائم أو الناسي؛ وإن كان غير مفرط أيضا؛ فإن ما يفعله ليس قضاء، بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر" انتهى.
ثانيا: الاستحاضة وأحكامها: الاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته على سبيل النزيف من عرق يسمى العاذل.
والمستحاضة أمرها مشكل؛ لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة، فإذا كان الدم ينزل منها باستمرار أو غالب الوقت؛ فما الذي تعتبره منه حيضا وما الذي تعتبره استحاضة لا تترك من أجله الصوم والصلاة؟ فإن المستحاضة يعتبر لها أحكام الطاهرات.

وبناء على ذلك؛ فإن المستحاضة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون لها عادة معروفة لديها قبل إصابتها بالاستحاضة؛ بأن كانت قبل الاستحاضة تحيض خمسة أيام أو ثمانية أيام مثلاً في أول الشهر أو وسطه، فتعرف عددها ووقتها؛ فهذه تجلس قدر عادتها، وتدع الصلاة والصيام، وتعتبر لها أحكام الحيض، فإذا انتهت عادتها؛ اغتسلت وصلت، واعتبرت الدم الباقي دم استحاضة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي"، رواه مسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك؛ فدعي الصلاة"، متفق عليه.
الحالة الثانية: إذا لم يكن لها عادة معروفة، لكن دمها متميز، بعضه يحمل صفة الحيض؛ بأن يكون أسودًا أو ثخينا أو له رائحة، وبقيته لا تحمل صفة الحيض؛ بأن يكون أحمر ليس له رائحة لا ثخينا؛

ففي هذه الحالة تعتبر الدم الذي يحمل صفة الحيض حيضا، فتجلس، وتدع الصلاة والصيام، وتعتبر ما عاداه استحاضة، تغتسل عند نهاية الذي يحمل صفة الحيض، وتصلي وتصوم، وتعتبر طاهرًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا كان دم الحيض؛ فإنه أسود يُعرف؛ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر؛ فتوضئي وصلي"، رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، ففيه أن المستحاضة تعتبر صفة الدم، فتميز بها بين الحيض وغيره.
الحالة الثالثة: إذا لم يكن لها عادة تعرفها ولا صفة تميز بها الحيض من غيره؛ فإنها تجلس غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، لأن هذه عادة غالب النساء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش: "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنقأت؛ فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء" رواه الخمسة، وصححه الترمذي.

والحاصل مما سبق: أن المعتادة ترد إلى عادتها، والمميزة ترد إلى العمل بالتمييز، والفاقدة لهما تحيض ستا أو سبعا، وفي هذا جمع بين السنن الثلاث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العلامات التي قيل بها ست: إما العادة؛ فإن العادة أقوى العلامات؛ لأن الأصل مقام الحيض دون غيره، وإما التمييز لأن الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضا من الأحمر، وأما اعتبار غالب عادة النساء؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب؛ فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار"، ثم ذكر بقية العلامات التي قيل بها.
وقال في "النهاية": "وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة، وإلغاء ما سوى ذلك" انتهى.

ما يلزم المستحاضة في حال الحكم بطهارتها: 1 يجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة حسبما سبق بيانه.
2 تغسل فرجها لإزالة ماعليه من الخارج عند كل صلاة، وتجعل في المخرج قطنا ونحوه يمنع الخارج، وتشد عليه ما يمسكه من السقوط، ثم تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة.
لقوله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام إقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة"، رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: "حديث حسن"، وقال صلى الله عليه وسلم: "انعت لك الكرسف، تحشين به المكان"، والكرسف القطن، ويمكن استعمال الحفائظ الطبية الموجودة الآن.
ثالثا: النفاس وأحكامه: والنفاس كالحيض فيما يحل؛ كالاستمتاع منها بما دون الفرج،

وفيما يحرم؛ كالوطأ في الفرج ومنع الصوم والصلاة والطلاق والطواف وقراءة القرآن واللبث في المسجد، وفي وجوب الغسل على النفساء عند انقطاع دمها كالحيض، ويجب عليها أن بقضي الصيام دون الصلاة؛ فلا تقضيها كالحائض.
والنفاس دم ترخية الرحم للولادة وبعدها، وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل، وأكثر مدته عند الجمهور أربعون يوما.
قال الترمذي "أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما؛ إلا أن ترى الطهر قبل ذلك؛ فتغتسل وتصلي" اه.
فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين؛ فقد انتهى نفاسها، فتغتسل وتصلي وتزاول ما منعت منه بسبب النفاس وإذا ألقت الحامل ما تبين فيه خلق إنسان، بأن كان فيه تخطيط، وصار معها دم بعده؛ فلها أحكام النفساء، والمدة التي يتبين فيها خلق الإنسان في الحمل ثلاثة أشهر غالبا، وأقلها واحد وثمانون يوما، وإن ألقت علقة أو مضغة؛ لم يتبين فيها تخطيط إنسان؛ لم تعتبر ما ينزل بعدها من الدم نفاسا؛ فلا تترك الصلاة ولا الصيام، وليست لها أحكام النفساء.

تنبيه هام: وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي أن البعض من النساء قد تتناول دواء لمنع نزول دم الحيض حتى تتمكن من صيام رمضان أو أداء الحج، فإن كانت هذه الحبوب لمنع نزول الدم فترة ولا تقطعه؛ فلا بأس بتناولها، وإن كانت تقطع الحيض قطعا مؤبدًا؛ فهذا لا يجوز؛ إلا بإذن الزوج؛ لأن هذا يترتب عليه قطع النسل.
هذه جمل من أحكام الحيض، مررنا عليها مرًّا سريعا، وتفاصيلها تحتاج إلى وقت طويل، لكن يجب على من أشكل عليه شيء منها أو من غيرها أن يسأل العلماء، فيسجد عندهم إن شاء الله ما يزيل إشكاله، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل