الملخص الفقهيكتاب الأيمان والنذور
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأيمان والنذور

عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب في أحكام الأيمان

الأيمان: جمع يمين، واليمين: توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص، سمي بذلك أخذًا من اليد اليمنى؛ لأن الحالف يعطي يمنيه ويضرب على يمين صاحبه؛ كما في العهد والمعاقدة.
واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين التي يحلف فيها باسم الله أو بصفة من صفاته؛ كأن يقول: والله، أو: ووجه الله، أو: وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته ورحمته، أو وعهده، أو: إرادته، أو: بالقرآن، أو بالمصحف.
والحلف بغير الله تعالى محرم، وهو شرك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفا؛ فليحلف بالله أو ليصمت"، متفق عليه وقال صلى الله عليه وسلم: "ومن حلف بغير الله؛ فقد كفر أو أشرك"، وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من حلف بالأمانة"، رواه أبو داود.

فدلت هذه الأحاديث على تحريم الحلف بغير الله، وأنه شرك، كأن يقول: والنبي، وحياتك، والأمانة، والكعبة ... وما أشبه ذلك قال ابن عبد البر: "وهذا أمر مجمع عليه".
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: "يحرم الحلف بغير الله، وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أحلف بغيره صادقا".
وقال الشيخ موجها كلام ابن مسعود هذا: "لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك ... " انتهى.
ويشترط لوجوب الكفارة إذا حلف بالله ثم نقض اليمين ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل ممكن.
قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ، فدلت الآية على أن الكفارة لا تجب إلا في الأيمان المنعقدة.
ولا يكون العقد إلا في المستقبل من الزمان دون الماضي؛ لعدم إمكان البر والحنث فيه، لكن حلف على أمر ماض كاذبا متعمدًا؛ فهي

اليمين الغموس؛ لأنها تغمسه في الإثم، ثم في النار، ولا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، وهي من الكبائر.
وإذا تلفظ باليمين بدون قصد لها؛ كما لو قال: لا والله، وبلى والله، وهو لا يقصد اليمين، وإنما جرى على لسانه هذا اللفظ بدون قصد؛ فهو لغو، لا كغارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُم﴾ ، وحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا: "اللغو في اليمين كلام الرجل في بينه: لا والله، وبلى والله"، رواه أبو داود.
وكذا لو حلف عن قصد يظن صدق نفسه فبان بخلافه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذا لو عقدها على زمن مستقبل، ظانا صدقه، فلم يكن كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل" انتهى.
الشرط الثاني: أن يحلف مختارًا، فإن حلف مكرها؛ لم تنعقد يمينه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فدل على أن المكره على الحلف معفو عنه.

الشرط الثالث: أن يحنث فيها؛ بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختارًا ذاكرًا ليمينه، فإذا حنث ناسيا ليمينه أو مكرها؛ فلا كفارة عليه؛ لأنه لا إثم عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وإن استثنى في يمينه، كما لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله؛ لم يحنث في يمينه إذا نقضها؛ بشرط أن يقصد الاستثناء متصلاً باليمين لفظا أو حكما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال: إن شاء الله؛ لم يحنث"، رواه أحمد وغيره، فإن لم يقصد الاستثناء، بل قصد بقوله: إن شاء الله: مجرد التبرك بهذا اللفظ، لا التعليق، أو لم يقل: إن شاء الله؛ إلا بعد مضي وقت انتهاء التلفظ باليمين؛ من غير عذر؛ لم ينفعه هذا الاستثناء، وقيل: ينفعه الاستثناء، وإن لم يرده إلا بعد الفراغ من اليمين، حتى لو قال له بعض الحاضرين: قل إن شاء الله؛ نفعه.
قال شيخ الإسلام: "وهو الصواب".
ونقض اليمين تارة يكون واجبا، وتارة يكون محرما، وتارة يكون مباحا:

فيجب نقض اليمين إذا حلف على ترك واجب؛ كما لو حلف لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم؛ كما لو حلف ليشربن خمرًا؛ فهنا يجب عليه أن ينقص يمينه، ويكفر عنها.
وقد يحرم نقض اليمين؛ كما لو حلف على ترك محرم أو فعل واجب؛ فإنه يجب عليه الوفاء باليمين، ولا يجوز له نقضها.
ويباح نقض اليمين فيما إذا حلف على فعل مباح أو على تركه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني"، وقال صلى الله عليه وسل: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
ومن حرم على نفسه شيئا مباحا سوى زوجته كالطعام والشراب واللباس؛ كما لو قال: ما أحل الله علي حرام، أو قال هذا الطعام حرام علي؛ فإنه لا يحرم عليه؛ فله تناول، ويكون عليه كفارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَات﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ؛ أي: التكفير عن تحريم الحلال.

وأما لو حرم زوجته؛ فإن ذلك يعتبر ظهارًا، تجب فيه كفارة الظهار، ولا تكفي فيه كفارة اليمين.
ومما يجب التنبيه عليه في هذا الباب حكم الحلف بملة غير الإسلام؛ كما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا وكذا! أو لم يفعله! وهذا من الألفاظ البغيضة؛ فهذا محرم شديد التحريم؛ لما في "الصحيحين"؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على ملة غير الإسلام كاذبا متعمدًا؛ فهو كما قال"، وفي رواية الإمام أحمد: "من قال: إنه بريء من الإسلام: فإن كان كاذبا؛ فهو كما قال، وإن كان صادقا؛ لم يعد إلى الإسلام سالما".
نسأل الله العافية من مقالة السوء، ونسأله أن يسدد أقوالنا ونياتنا؛ إنه قريب مجيب.

باب في كفارة اليمين

من رحمة الله بعباده أن شرع لهم الكفارة التي بها تحلة اليمين.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . وفي "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسل؛ قال: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك".
وكفارة اليمين فيها تخيير وفيها ترتيب، فيخير من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد منهم ثوب يجزئه في صلاته، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، فمن لم يجد شيئا من هذه الثلاثة المذكورة؛ صام ثلاثة أيام.
فتبين بهذا التفصيل أن كفارة اليمين تجمع تخييرًا وترتيبا؛ تخييرًا بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتبيها بين ذلك وبين الصيام.
والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ . ومعنى الآية الكريمة إجمالاً أن كفارة ما عقدتم من الأيمان إذا

حنثتم فيها: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم؛ أي: من خير وأمثل قوت عيالكم، أو كسوتهم مما يصح أن يصلى فيه، أو عتق رقبة، واشترط الجمهور كونها مؤمنة، وقد بدأ سبحانه وتعالى بالأسهل؛ فأي هذه الخصال فعل؛ أجزأه بالإجماع.
واشترط الجمهور في صيام ثلاثة الأيام أن تكون متتابعة؛ لقراءة عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعة﴾ . وهنا يغلط كثير من العوام، فيظنون أنهم مخيرون بين الصيام وبين بقية خصال الكفارة، فيصومون، مع قدرتهم على الإطعام أو الكسوة، والصيام في هذه الحالة لا يجزئهم ولا يبرىء ذمتهم من كفارة اليمين؛ لأنه لا يجزىء إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق؛ فيجب التنبيه لمثل هذا الأمر.
ويجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها؛ كانت محللة لليمين، وإن أخرها؛ كانت مكفرة له.
والدليل على ذلك ما ثبت في "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسل أنه قال: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك"، فدل هذا

الحديث على جواز تأخير الكفارة عن الحنث.
ولأبي داود:: "فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير"؛ فدل هذا الحديث على جواز تقديم الكفارة على الحنث، فدلت الأحاديث على جواز التقديم والتأخير.
ومن السنة ومن حق الأخ على أخيه المسلم إبرار قسمه إذا أقسمه عليه؛ فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسل بسبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام".
وإن كرر الأيمان قبل التكفير على فعل واحد، موجبها واحد، ثم حنث فيها؛ فعليه كفارة واحدة.
وكذا لو حلف يمينا واحدة على عدة أشياء؛ كما لو قال: والله لا آكل ولا أشرب ولا ألبس، ثم حنث في أحد هذه الأشياء؛ فعليه كفارة واحدة، وانحلت البقية؛ لأنها يمين واحدة.
أما إذا حلف عدة أيمان علو عدة أفعال، ثم حنث فيها؛ فعليه كفارة لكل يمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من كرر أيمانا قبل التكفير؛ فروايات، ثالثها وهو الصحيح: إن كانت على فعل؛ فكفارة، وإلا؛ فكفارات" انتهى.

إن حلف لا يفعل شيئا، ففعله ناسيا أو مكرها أو جاهلاً أنه المحلوف عليه؛ لم يحنث، ولم تجب عليه كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، ولأن فعل المكره غير منسوب إليه، وقد رفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا حلف على إنسان قاصدًا إكرامه؛ لا يحنث مطلقا؛ إلا إذا كان قاصدًا إلزامه؛ فإنه يحنث ... " انتهى.
تنبيه يقول الله تعالى بعدما ذكر كفارة اليمين: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ؛ فأمر سبحانه بحفظ الأيمان، ومعناه عدم المسارعة إلى اليمين، أو المسارعة إلى الحنث فيها، أو أنها لا تترك بدون كفارة، وعلى كل؛ ففي الآية الكريمة الأمر باحترام اليمين، وعدم الاستهانة بها.
ومما يجب التنبيه عليه: أن بعض الناس إذا حلف؛ يحتال على مخالفة اليمين، ويظن أنه بهذه الحلية يسلم من تبعة اليمين.
وقد نبه الإمام ابن القيم رحمه الله على ذلك بقوله: "ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام؛ قالوا: يأكل الرغيف ويدع منه لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يوما واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه

ولو أنه لقمة، وهذه حيلة باطلة باردة، ومتى فعل ذلك؛ فقد أتى بحقيقة الحنث، وفعل نفس ما حلف عليه، ثم يلزم هذا المتحيل أن يجوز للمكلف كل ما نهى الشارع هن جملته، فيفعله إلا القدر اليسير منه؛ فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك لا يبرأ إلا بفعل المحلوف عليه جمعيه لا بفعل بعضه كما لا يكون مطيعا إلا بفعله جميعه، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه" انتهى.
ومن الناس من يحلف على عدم فعل شيء، ثم يوكل من يفعله بدلاً عنه، وهذا من الحيل التي لا تبرئ ذمته من تبعة اليمين؛ إلا إذا كان قاصدًا عدم مباشرة فعل الشيء بنفسه؛ فله ما نوى.
وعلى كل حال؛ فشأن الأيمان شأن عظيم، لا يجوز التساهل به، ولا الاحتيال للتخلص من حكمه.

باب في أحكام النذر

النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا: إذا أوجبته على نفسك.
وتعريفه شرعا: إلزام مكلف مختار نفسه شيئا لله تعالى.
والنذر نوع من أنواع العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن نذر لغير الله تعالى من قبر أو ملك أو بني أو ولي؛ فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة؛ لأنه بذلك قد عبد غير الله؛ فالذين ينذرون لقبور الأولياء والصالحين اليوم أشركوا بالله الأكير والعياذ بالله؛ فعليهم أن يتوبوا إلى الله، ويحذروا من ذلك، وينذروا قومهم لعلهم يحذرون.
وحكم النذر ابتداء: أنه مكروه، وقد حرمه طائفة من العلماء؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل".
قال في "المنتقى": "رواه الجماعة إلا الترمذي".
ولأن الناذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل

الشرع، فيحرج نفسه ويثقلها بهذا النذر، ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بدون نذر.
لكن إذا نذر فعل طاعة؛ وجب عليه الوفاء بذلك: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ . وقال تعالى في وصف الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ . وفي "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسل أنه قال: "من نذر أن يطيع الله؛ فلطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه".
وقال الإمام ابن القيم: "الملتزم الطاعة لله لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن تكون بيمين مجردة، أو بنذر مجرد، أو بيمين مؤكدة بنذر، أو بنذر مؤكد بيمين؛ كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ؛ فعليه أن يفي به؛ وإلا دخل في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ وهو أولى باللزوم من أن يقول: لله علي كذا" انتهى.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله: أنه يشترط لانعقاد النذر أن يكون الناذر بالغا عاقلاً مختارًا لقوله صلى الله عليه وسل: "رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى

يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ"، فدل الحديث على أنه لا يلزم النذر من هؤلاء؛ لرفع القلم عنهم.
ويصح النذر من الكافر إذا نذر عبادة، ويلزمه الوفاء به إذا أسلم؛ لحديث عمر رضي الله عنه؛ قال: إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسل: "أوف بنذرك".
والنذر الصحيح خمسة أقسام: أحدها: النذر المطلق، مثل أن يقول: لله علىَّ نذر، ولم يسم شيء؛ فيلزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقا أو معلقا؛ لما روى عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين"، رواه ابن ماجة والترمذي، وقال: "حسن صحيح غريب".
فدل هذا الحديث على وجوب الكفارة إذا لم يسم ما نذر لله عز وجل.
الثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب؛ كما لو قال: إن كلمتك، أو: إن لم أخبر بك، أو: إن لم يكن هذا الخبر صحيحا، أو: إن كان كذبا؛

فعلي الحج أو العتق ... ونحو ذلك؛ فهذا النذر يخير بين فعل ما نذره أو كفارة يمين؛ لحديث عمران بن حصين؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسل يقول: "لانذر في غضب، وكفارته كفارة يمين"، رواه سعيد في "سننه".
والثالث: نذر المباح، كما لو نذر أن يلبث ثوبه أو يركب دابتهن ويخير بين فعله وبين كفارة يمين إن لم يفعله؛ كالقسم الثاني.
واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا شيء عليه في نذر المباح؛ لما روى الإمام بالبخاري: بينما النبي صلى الله عليه وسل يخطب؛ إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم.
فقال: "مروه؛ فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه".
الرابع: نذر المعصية، كنذر شرب الخمر وصوم أيام الحيض ويوم النحر؛ فلا يجوز الوفاء بهذا النذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسل: "من نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه"، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية؛ لأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال، ومن نذر المعصية النذر للقبور أو لأهل القبور، وهو شرك أكبر كما سبق، ويكفِّر عن هذا النذر كفارة يمين عند بعض أهل العلم، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله عنهم،

وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم انعقاد نذر المعصية، وأنه لا يلزمه به كفارة، وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: "ومن أسرج قبرًا أو مقبرة أو جبلاً أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو المضافين إلى ذلك المكان؛ لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعا، ويصرف في المصالح؛ ما لم يعلم ربه ... " انتهى.
الخامس: نذر التبرر، وهو نذر الطاعة؛ كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه، سواء كان مطلقا "أي: غير معلَّق على حصول شرط"؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم ... ، أو معلقا على حصول شرط؛ كقوله: إن شفى الله مرضي؛ فلله عليَّ كذا، فإذا وجد الشرط؛ لزمه الوفاء به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه"، رواه البخاري.
ولقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، والله اعلم.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل