كتاب المساقاة والمزارعة والإجارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صالح الفوزان
- الكتاب
- الملخص الفقهي
- المؤلف
- صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
- الناشر
- دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب في أحكام لبمزارعة والمساقاة
المساقاة والمزارعة من جملة الأعمال التي بزوالها الناس من قديم الزمان؛ لحاجتهم إليهما؛ فقد يكون في ملك الإنسان شجر لا يستطيع القيام عليه واستثماره، أو تكون له أرض زراعية لا يستطيع العمل عليها واستغلالها، وعند آخر القدرة على العمل وليس في ملكه شجر ولا أرض، ومن ثم أبيحت المزارعة والمساقاة لمصلحة الطرفين، وهكذا كل التعامل الشرعي قائم على العدل وتحقيق المصالح ودفع المفاسد.
فالمساقاة عرفها الفقهاء بأنها: دفع شجر مغروس أو شجر غير مغروس مع أرض إلى من يغرسه فيها ويقوم بسقيه وما يحتاج إليه حتى يثمر، ويكون للعامل جزء مشاع من ثمر ذلك الشجر والباقي لمالكه.
والمزارعة: دفع أرض لمن يزرعها، أو دفع أرض وحب لمن يزرعه فيها ويقوم عليه، بجزء مشاع منه، والباقي لمالك الأرض.
وقد يكون الجزء المشروط في المساقاة والمزارعة لمالك الأرض أو الشجر والباقي للعامل.
والدليل على جواز المساقاة والمزارعة: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع"، متفق عليه، وروى مسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولهم شطر ثمرها"؛ أي: نصفه، وروى الإمام أحمد:: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى أهل خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف"، فدل هذا الحديث على صحة المساقاة.
قال الإمام ابن القيم: "وفي قصة خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع؛ فإنه صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر، واستمر على ذلك إلى حين وفاته، ولم ينسخ البتة، واستمر عمل الخلفاء الراشدين عليه، وليس من باب المؤاجرة، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء" انتهى.
وقال الموفق بن قدامة: "وهذا عمل به الخلفاء الراشدون مدة خلافتهم، واشتهر ذلك، فلم ينكر، فكان إجماعا"، قال: "ولا يجوز التعويل على ما خالف الحديث والإجماع، وكثير من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر؛ ففي تجويزها دفع الحاجتين
وتحصيل لمصلحة الفئتين" انتهى.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يشترط لصحة المساقاة أن يكون الشجر المسقى عليه له ثمر يؤكل؛ فلا على شجر لا ثمر له، أو له ثمر لا يؤكل؛ لأن ذلك غير منصوص عليه.
ومن شروط صحة المساقاة: تقدير نصيب العامل أو المالك بجزء معلوم مشاع من الثمرة؛ كالثلث والربع، سواء قل الجزء المشروط أو كثر، فلو شرطا كل الثمرة لأحدهما؛ لم يصح؛ لاختصاص أحدهما بالغلة، أو شرطا آصعا وعلومة من الثمرة؛ كعشرة آصع، أو عشرين صاعا؛ لم يصح؛ لأنه قد لا يحصل إلا ذلك، فيختص به من شرط له دون الآخر، وكذا لو شرط له في المساقاة دراهم معينة؛ لم تصح؛ لأنه قد لا يحصل من الغلة ما يساويها، وكذا لو شرط لأحدهما ثمرة شجرة معينة أو أشجار معينة؛ لم تصح المساقاة؛ لأنه قد لا يحصل من الشجر غير تلك المعينة، فيختص بالغلة أحدهما دون الآخر، أو لا تحمل تلك الشجرة أو الأشجار المعينة، فينحرم المشروط له من الغلة، ويحصل الغرر والضرر.
والصحيح الذي عليه الجمهور أن المساقاة عقد لازم لا يجوز فسخها إلا برضى الآخر.
ولا بد من تحديد مدتها، ولو طالت، مع بقاء الشجر.
ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة؛ من حرث، وسقي، وإزالة ما يضر الشجر والثمرة من الأغصان، وتلقيح النخل، وتجفيف
الثمر، وإصلاح مجارى الماء، وتوزيعه على الشجر.
وعلى صاحب الشجر ما يحفظ الأصل وهو الشجر؛ كحفر البئر، وبناء الحيطان، وتوفير الماء في البئر ... ونحو ذلك، وعلى المالك كذلك تحصيل المواد التي تقوي الأشجار كالسماد ونحوه.
وليس دفع الحب مع الأرض شرطا في صحة المزارعة، فلو دفع إليه الأرض فقط ليزرعها العامل ببذر من عنده، صح ذلك؛ كما هو قول جماعة من الصحابة، وعليه عمل الناس، ولأن الدليل الذي استفيد منه حكم المزارعة هو حديث معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر بشطر ما يخرج منها، ولم يرد في هذا الحديث أن البذر على المسلمين.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "والذين اشترطوا البذر من رب الأرض قاسوها على المضاربة، وهذا القياس مع أنه مخالف للسنة الصحيحة وأقوال الصحابة؛ فهو من أفسد القياس؛ فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقسمان الربح؛ فهذا نظير الأرض في المزارعة، وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه، بل يذهب كما يذهب نفع الأرض؛ فإلحاقه بالأصل الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي" انتهى.
والمزارعة مشتقة من الزرع، وتسمى مخابرة ومواكرة، والعامل فيها يسمى مزارعا ومخابرًا ومواكرًا.
والدليل على جوازها من السنة المطهرة الصحيحة كما سبق، والحاجة داعية إلى جوازها؛ لأن من الناس من يملك أرضا زراعية ولا يستطيع العمل فيها، ومن الناس من ستطيع العمل في الزراعة ولا يملك
أرضا زراعية؛ فاقتضت الحكمة التشريعية جواز المزارعة؛ لينتفع الطرفان: هذا بأرضه، وهذا بعمله، وليحصل التعاون على تحصيل المصلحة ودفع المضرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: "المزارعة أصل من الإجارة؛ لاشتراكهما في المغنم والمغرم".
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "هي أبعد عن الظلم والضرر من الإجارة؛ فإن أحدهما غانم ولا بد [يعني: في الإجارة] .
وأما المزارعة؛ فإن حصل الزرع؛ اشتركا فيه، وإلا اشتركا في الحرمان".
ويشترط لصحة المزارعة: بيان مقدار ما للعامل أو لصاحب الأرض من الغلة، وأن يكون جزءًا مشاعا منها؛ كثلث ما يخرج من الأرض أو ربعه ونحو ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، وإذا عرف نصيب أحدهما؛ فالباقي يكون للآخر؛ لأن الغلة لهما، فإذا عين نصيب أحدهما؛ تبين نصيب الآخر، ولو شرط لأحدهما آصعا معلومة كعشرة آصع أو زرع ناحية معينة من الأرض والباقي للآخر؛ لم تصح، أو اشترط صاحب الأرض أن يأخذ مثل بذره ويقتسمان الباقي؛ لم تصح المزارعة؛ لأنه قد لا يهرج من الأرض إلا ذلك، فيختص به دون الآخر، ولحديث رافع بن خديج رضي الله عنه؛ قال: "كراء الأرض بالذهب والفضة لا يأس به، كان الناس يؤاجرون على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات وأقبل الجداول وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زجر عنه"؛ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما فيه من الضرر المؤوي إلى التشاجر وأكل أموال الناس بالباطل.
فدل الحديث على تحريم المزارعة على ما يفضي إلى الضرر والجهالة ويوجب المشاجرة بين الناس.
قال ابن المنذر: " قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل، وهي التي كانوا يعتادونها"، قال: "كنا نكري الأرض على أن لنا هذا ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه" انتهى.
باب في أحكام الإجارة
هذا العقد يتكرر في حياة الناس في مختلف مصالحهم وتعاملهم اليومي والشهري والسنوين فهو جدير بالتعرف على أحكام؛ إذ ما من تعامل يجري بين الناس في مختلف الأمكنة والأزمان؛ إلا وهو محكوم بشرعية الإسلام وفق ضوابط شرعية ترعى المصالح وترفع المضار.
والإجارة مشتقة من الأجر، وهو العوض، قال تعالى: ﴿َوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ .
وهي شرعا: عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة الذمة مدة معلومة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم.
وهذا التعريف مشتمل على غالب شروط صحة الإجارة وأنواعها:
فقولهم: "عقد على منفعة": يخرج به العقد على الرقبة؛ فلا يسمى إجارة، وإنما يسمى بيعا.
وقولهم: "مباحة": يخرج به العقد على المنفعة المحرمة؛ كالزنى.
وقولهم: "معلومة": يخرج به المنفعة المجهولة؛ فلا يصح العقد عليها.
وقولهم: " من عين معينة أو موصوفة في الذمة، أو عمل معلومة": يؤخذ منه أن الإجارة على نوعين:
النوع الأول: أن يكون الإجارة على منفعة عين معينة أو عين موصوفة.
مثال المعينة: آجرتك هذه الدار.
ومثال الوصوفة: آجرتك بعيرًا صفته كذا للحمل أو الركوب.
النوع الثاني: أن يكون الإجارة على أداء عمل معلوم؛ كأن يحمله إلى موضع كذا، أو يبني له جدارًا.
قولهم: "مدة معلومة"؛ أي: يشترط أن يكون الإجارة على المنفعة لمدة محدودة؛ كيوم أو شهر.
وقولهم: "بعوض معلوم"؛ معناه: أنه لا بد أن يكون مقدار الإجارة معلوما.
وبهذا يتضح أن مجمل شروط صحة الإجارة بنوعها: أن يكون عقد الإجارة على المنفعة لا على العين، وأن تكون المنفعة مباحة، وأن تكون معلوم، وإذا كانت الإجارة على عين غير معينة؛ فلابد أن تكون مما ينضبط بالوصف، وأن تكون مدة الإجارة معلومة، وأن يكون العوض في الإجارة معلوما أيضا.
والإجارة الصحيحة جائزة في الكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، وقال تعالى: ﴿َوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ .
وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يدله الطريق في سفره للهجرة.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على جوازها.
والحاجة تدعو إليها؛ لأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان.
ويصح استئجار الآدمي لعمل معلوم؛ خياطة ثوب، وبناء جدار، أو ليدله على طريق؛ كما ثبت في "صحيح البخاري" عن عائشة رضي الله عنها في حديث الهجرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر هو وأبو بكر رضي الله عنه عبد الله ابن أريقط الليثي، وكان هاديا خرٍّيتا"، والخريت هو الماهر بالدلالة.
ولا يجوز تأجير الدور والدكاكين والمحت للمعاصي؛ كبيع الخمر، وبيع المواد المحرمة؛ كبيع الدخان والتصوير؛ لأن ذلك إعانة على المعصية.
ويجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره لآخر يقوم مقامه في استيفاء المنفعة؛ لأنها مملوكة له، فجاز له أن يستوفيها بنفسه وبنائبه، لكن بشرط أن يكون المستأجر الثاني مثل المستأجر الأول في استيفاء المنفعة أو دونه، لا أكثر منه شررًا؛ كما لو استأجر دارًا للسكنى؛ جاز أن يؤجرها لغيره للسكنى أو دونها، ولا يجوز أن يؤجرها لمن يجعل فيها مصنعا أو معملاً.
لا تصح الإجارة على أعمال العبادة والقربة، كالحج، والأذان؛
لأن هذه الأعمال يتقرب بها إلى الله، وأخذ الأجرة عليها يخرجها عن ذلك ويجوز أخذ رزق من بيت المال على الأعمال التي يتعدى نفعها؛ كالحج والأذان والإمامة وتعليم القرآن والفقه والقضاء والفتيا؛ لأن ذلك ليس معاوضة، وإنما هو إعانة الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة، ولا يخل بالإخلاص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والفقهاء متفقون على الفرق بين الاستئجار على القرب وربين رزق أهلها؛ فرزق المقاتلة والقضاة والمؤذنين والأئمة جائز بلا نزاع، وأما الاستئجار؛ فلا يجوز عند أكثرهم".
وقال أيضا: "وما يؤخذ من بيت المال؛ فليس عوضا وأجرة، بل رزقا للإعانة على الطاعة، فمن عمل منهم لله؛ أثيب، وما يأخذه رزق للإعانة على الطاعة".
ما يلزم كلاً من المؤجر والمستأجر:
فيلزم المؤجر بذل كل ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع بالمؤجَّر؛ كإصلاح السيارة المؤجرة وتهيئتها للحمل والسير، وعمارة الدار المؤجرة وإصلاح ما فسد من عمارتها وتهيئة مرافقها للانتفاع.
وعلى المستأجر عندما ينتهي أن يزيل ما حصل بفعله.
والإجارة عقد لازم من الطرفين أالمؤجر والمستأجر لأنها
نوع من البيع، فأعطيت حكمه، فليس لأحد الطرفين فسخها إلا برضى الآخر؛ إلا إذا ظهر عيب لم يعلم به المستأجر حال العقد؛ فله الفسخ.
ويلزم المؤجٍّر أن يسلم العين المؤجرة للمستأجر، ويمكَّنه من الانتفاع بها، فإن أجَّره شيئا ومنعه من الانتفاع به كل المدة أو بعضها؛ فلا شيء له من الأجرة، أو لا يستحقها كاملة؛ لأنه لم يسلم له ما تناوله عقد الإجارة، لم يستحق شيئا، وإذا مكن المستأجر من الانتفاع، لكنه تركه كل المدة أو بعضها؛ فعليه جميع الأجرة؛ لأن الإجارة عقد لازم، فيترتب مقتضاها، وهو ملك المؤجر الأجر وملك المستأجر المنافع.
وينفسخ عقد الإجارة بأمور:
أولاً: إذا تلفت العين المؤجرة: كما لو أجره دوابه فماتت، أو استأجر دارًا فانهدمت، أو أكترى أرضا لزرع فانقطع ماؤها.
ثانيا: وتنفسخ الإجارة أيضا بزوال الغرض الذي عقدت من أجله؛ كما لو استأجر طبيبا ليداويه فبرئ؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه.
ومن استؤجر لعمل شيء فمرض؛ أقيم مقامه من ماله من يعمله نيابة عنه؛ إلا إذا اشترط مباشرته العمل بنفسه؛ لأن المقصود قد لا يحصل بعلم غيره؛ فلا يلزم حينئذ المستأجر قبول عمل غيره، لكن بخير حينئذ المستأجر بين الصبر والانتظار حتى يبرأ الأجبر وبين الفسخ لتعذر وصوله إلى حقه.
والأجير على قسمين:
خاص ومشترك، فالأجير الخاص هو: من
استؤجر مدة معلومة يستحق نفعه في جمعها لا يشاركه فيها أحد.
والمشترك هو: من قد نفعه بالعمل ولا يختص به واحد بل يتقبل أعمالاً لجماعة في وقت واحد.
فالأجير الخاص لا يضمن ما جنت يده خطأ؛ كما لو انكسرت الآلة التي يعمل بها؛ لأنه نائب عن المالك، لم يضمن؛ كالوكيل، وإن تعدى أو فرط؛ ضمن ما تلف.
أما الأجير المشترك؛ فإنه يضمن ما تلف بفعله؛ لأنه لا يستحق إلا بالعمل؛ فعمله مضمون عليه، وما تولد عن المضمون فهو مضمون.
وتجب أجرة الأجير بالعقد، ولا يملك المطالبة بها إلا بعدما يسلم العمل الذي في ذمته، أو استيفاء المنفعة، أو تسليم العين المؤجرة ومضي المدة مع عدم المانع؛ لأن الأجير إنما يوفي أجره إذا قضى عمله أم ما في حكمه، ولأن الأجرة عوض؛ فلا تستحق إلا بتسلم المعوض.
هذا، ويجب على الأجير إتقان العمل وإتمامه، ويحرم عليه الغش في العمل والخيانة فيه، كما علي أيضا مواصلة العمل في المدة التي استؤجر فيها، ولا يفوت شيئا منها بغير عمل، وأن يتقي الله أداء ما عليه.
ويجب على المستأجر إعطاء أجرته كاملة عندما ينهي عمله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
وعن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه العمل، ولم يعطه أجره"، رواه البخاري وغيره.
فعمل الأجير أمانة في ذمته، يجب عليه مراعاتها بإتقان العمل وإتمامه والنصح فيه، وأجر الأجير دين في ذمة المستأجر، وحق واجب عليه، يجب عليه أداؤه من غير مماطلة ولا نقص.
والله تعالي أعلم
أبواب
باب في أحكام السبق
المسابقة: هي المجاراة بين حيوان وغيره، وكذا المسابقة بالسهام.
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع:
قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن القوة الرمي"، وقال تعالى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق﴾ ؛ أي: نترامى بالسهام، أو نتجارى على الأقدام.
وعن أبي هريرة مرفوعا: "لا سبق إلا خف أو نصل أو حافر"، رواه الخمسة؛ فالحديث دليل على جواز السباق على جعل
وقد حكى الإجماع على جوازه في الجملة غير واحد من أهل العلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "السباق بالخيل والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب مما أمر الله به ورسوله مما يعين على الجهاد في سبيل الله".
وقال أيضا: " السبق والصراع ونحوهما طاعة إذا قصد به نصرة الإسلام، وأخذ السبق [أي: العوض عليه] أخذ بالحق، ويجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة، ويكره لعبه بأرجوحة".
وقال الشيخ: "وما ألهى وشغل عما أمر الله به؛ فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه؛ كالبيع، والتجارة، وأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب مما لا يستعان به في حق شرعي؛ فكله حرام" انتهى.
وقد اعتنى العلماء بهذا الباب، وسموه باب الفروسية، وصنفوا فيه المصنفات المشهورة.
والفروسية أربعة أنواع:
أحدهما: ركوب الخيل والكر والفر بها.
والثاني: الرمي بالقوس والآلات المستعملة في كل زمان بحسبه.
والثالث: المطاعنة بالرماح.
الرابع: المداورة بالسيوف.
ومن استكمل الأنواع الأربعة؛ استكمل الفروسية.
ويجوز السباق على الأقدام وسائر الحيوانات والمراكب.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة؛ لما في ذلك من التدرب على الحرب" انتهى.
وقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، وصارع ركانة فصرعه، وسابق سلمة بن الأكوع رجلً من الأنصار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا تجوز المسابقة على عوض؛ إلا في المسابقة على الإبل والخيل والسهام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر"، رواه الخمسة عن أبي هريرة.
أي: لا يجوز أخذ الجعل على السبق إلا إذا كانت المسابقة على الإبل أو الخيل أو السهام؛ لأن تلك من آلات الحرب المأمور بتعلمها وإحكامها.
ومفهوم الحديث: أنه يجوز أخذ العوض عن المسابقة فيما سواها، وقيل: إن الحديث يحتمل أن يراد به أن أحق ما بذل فيه السبق هذه الثلاثة؛ لكمال نفعها وعموم مصلحتها، فيدخل فيها كل مغالبة جائزة ينفع بها في الدين؛ لقصة ركانة وأبي بكر.
وقال الإمام ابن القيم: "الرهان على ما فيه ظهور الإسلام ودلالته وبراهينه من أحق الحق وأولى بالجواز من الرهان على النضال وسبق الخيل" انتهى.
ويشترط لصحة المسابقة خمسة شروط:
الشرط الأول: تعيين المركوبين في المسابقة بالرؤية.
الشرط الثاني: اتحاد المركوبين في النوع، وتعيين الرماة؛ لأن القصد معرفة حذقهم ومهارتهم في الرمي.
الشرط الثالث: تحديد المسافة؛ ليعلم السابق والمصيب، وذلك بأن يكون لابتدائها ونهايتها حد لا يختلفان فيه؛ لأن الغرض الأسبق، ولا يحصل إلا بالتساوي في الغاية.
والشرط الرابع: أن يكون العوض معلوما مباحا.
والشرط الخامس: الخروج عن شيه القمار؛ بأن يكون العوض من غير المتسابقين، أو من أحدهما فقط.
فإن كان العوض من المتسابقين؛ فهو محل خلاف: هل يجوز، أو لا يجوز إلا بمحلل وهو الدخيل الذي يكون شريكا في الربح بريئا من الخسران، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عدم اشتراط المحلل، وقال: "عدم المحلل أولى وأقرب إلى العدل من كون السبق من أحدهما، وأبلغ في حصول مقصود
كل منهما، وهو بيان عجز الآخر، وأكل المال بهذا أكل حق ... " إلى أن قال: " وما علمت من الصحابة من اشترط المحلل، وإنما هو معروف عن سعيد بن المسيب، وعنه تلقاه الناس" انتهى.
ومما سبق يتبين أن المسباقة المباحة على نوعين:
النوع الأول: ما يترتب عليه مصلحة شرعية؛ كالتدرب على الجهاد، والتدرب على مسائل العلم.
النوع الثاني: ما كان المقصود منه اللعب الذي لا مضرة فيه.
فالنوع الأول هو الذي يجوز أخذ العوض عليه بشروطه السابقة.
والنوع الثاني مباح؛ بشرط: أن لا يشغل عن واجب أو يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة.
وهذا النوع لا يجوز أخذ العوض عليه.
وقد توسع الناس اليوم في هذا النوع الأخير، وأنفذوا فيه من الأوقات والأموال، وهو مما لا فائدة للمسلمين فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله
باب في أحكام العارية
قد عرف الفقهاء رحمهم الله العارية بأنها: إباحة نفع عين يباح الاتنفاع بها وتبقى بعد استيفاء المنفعة ليردها إلى مالكها.
فخرج بهذا التعريف: ما لا يباح الانتفاع به؛ فلا تحل إعارته.
وخرج به أيضا: ما لا يمكن الانتفاع به إلا مع تلف عينه؛ كالأطعمة والأشربة.
والعارية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ؛ أي: المتاع يتعاطاه الناس بينهم.
فذم الذين يمنعون ممن يحتاج إلى استعارته.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى وجوب الإعارة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا كان المالك غنيا.
واستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة، واستعار صلى الله عليه وسلم من
صفوان بن أمية أدراعا.
وبذل العارية للمحتاج إليها قربة بها المعير ثوابا جزيلاً؛ لأنها تدخل في عموم التعاون على البر والتقوى.
ويشترط لصحة الإعارة أربعة شروط:
أحدها: أهلية المعير للتبرع؛ لأن الإعارة فيها نوع من التبرع؛ فلا تصح من غير ولا مجنون وسفيه.
الشرط الثاني: أهلية المستعير للتبرع له؛ بأن يصح منه القبول.
الشرط الثالث: كون نفع العين المعارة مباحا؛ فلا تباح إعارة عبد مسلم لكافر ولا صيد ونحوه لمحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
الشرط الرابع: كون العين المعارة مما يمكن الانتفاع به مع بقائه كما سبق.
وللمعير استرجاع العارية متى شاء إلا إذا ترتب على ذلك الإضرار بالمستعسر؛ كما لو أذن له بشغله بشيء يتضرر المستعير إذا استرجعت العارية؛ كما لو أعاره سفينة لحمل متاعه؛ فليس له الرجوع ما دامت في البحر، وكما لو أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه؛ فليس له الرجوع في الحائط ما دام عليه أطراف الخشب.
ويجب على المستعير: المحافظة على العارية أشد مما يحافظ على ماله؛ ليردها سليمة إلى صاحبها؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ} ؛ فدلت الآية على وجوب رد الأمانات، ومنها العارية.
وقال صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك".
فدلت هذه النصوص على وجوب المحافظة على ما يؤتمن عليه الإنسان، وعلى وجوب رده إلى صاحبه سالما، وتدخل في هذا العموم العارية؛ لأن المستعير مؤتمن عليها، ومطلوبة منه، وهو إنما أبيح له الانتفاع بها في حدود ما جرى به العرف؛ فلا يجوز له أن يسرف في استمالها إسرافا يؤدي إلى تلفها، ولا أن يستعملها فيما لا يصلح استعمالها فيه؛ لأن صاحبها لم يأذن له بذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلاَّ الأِحْسَانُ﴾ .
فإن استعملها في غير ما استعيرت له فتلفت؛ وجب عليه ضمانها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، رواه الخمسة، وصححه الحاكم؛ فدل على وجوب رد قبضه المرء وهو ملك لغير، ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه.
وإن تلفت في انتفاع بها بالمعروف؛ لم يضمنها المستعير؛ لأن المعير قد أذن في هذا الاستعمال، وما ترتب على المأذون؛ فهو غير مضمون.
ولا يجوز للمستعير أن العين المعارة؛ لأن من أبيح له شيء؛ لم يجز له أن يبيحه لغيره، ولأن في ذلك تعريضا لها للتلف.
وهذا؛ وقد اختلف العلماء في ضمان المستعير للعارية إذا تلفت في يده في غير ما استعيرت له، فذهب جماعة إلى وجوب ضمانها عليه سواء تعدى أو لم يتعد؛ لعموم قولهصلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وذلك مثل ما لو ماتت الدابة أو احترق الثوب أو سرقت العين المعارة، وذهب جماعة آخرون إلى عدم ضمانها إذا لم يتعد؛ لأنها لا تضمن إلا بالتعدي عليها، ولعل هذا القول هو الراجح؛ لأن المستعير قبضها بإذن مالكها، فكانت أمانة عنده كالوديعة.
على أنه يجب على المستعير المحافظة على العارية والاهتمام بها والمسارعة إلى ردها إلى صاحبها إذا انتهت مهمته منها، وأن لا يتساهل بشأنها، أو يعرضها للتلف؛ لأنها أمانة عنده، ولأن صاحبها أحسن إليه، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلَّا الأِحْسَانُ﴾ .
باب في أحكام الغصب
الغصب لغة: أخذ الشيء ظلما، ومعناه في اصطلاح الفقهاء: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق.
والغصب محرم بإجماع المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، والغصب من أعظم أكل المال بالباطل، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امروء مسلم إلا بطيب نفسه".
والمال المغصوب قد يكون عقارًا وقد يكون منقولا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلما؛ طوقه سبع أرضين".
فيلزم الغاصب أن يتوب إلى الله عز وجل، ويرد المغصوب إلى صاحبه، ويطلب منه العفو؛ قال صلى الله عليه وسلم: "من كانت عنده لأخيه مظلمة، فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم" يعني: يوم
القامة"، إن كانت له حسنات؛ أخذ من سيئات المظلوم، فطرحت عليه، وطرح في النار"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
فإن كان المغصوب باقيا؛ رده بحاله، وإن كان تالفا رد بدله.
قال الإمام الموفق: "أجمع العلماء على وجوب رد المغصوب إذا كان بحاله لم يتغير" انتهى.
وكذلك يلزمه رد المغصوب بزيادته، سواء كانت متصلة أو منفصلة؛ لأنها نماء المغصوب؛ فهي لمالكه كالأصل.
وإن كان الغاصب قد بنى في الأرض المغصوبة أو غرس فيها؛ لزمه قلع البناء والغراس إذا طالبه المالك بذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعرق ظالم حق"، رواه الترمذي وغيره وحسنه.
وإن كان ذلك يؤثر على الأرض؛ لزمه غرامة نقصها، ويلزمه أيضا إزالة آثار الغراس والبناء المتبقية، حتى يسلم الأرض لمالكها سليمة.
ويلزمه أيضا دفع أجرتها منذ أن غصبها إلى أن سلمها؛ أي: أجرة مثلها؛ لأنه منع صاحبها من الانتفاع بها في هذه المدة بغير حق.
وإن غصب شيئا وحسبه حتى رخص سعره؛ ضمن نقصه على الصحيح.
وإن خلط المغصوب مع غيره مما يتميز كحنطة بشعير؛ لزم الغاصب تخليصه ورده، وإن خلطه بما لا يتميز كما لو خلط بمثلها؛ لزمه رد مثله كيلاً أو وزنا من غير المخلوط، وإن خلطه بدونه أو أحسن منه أو خلطه بغير جنسه مما لا يتميز؛ بيع المخلوط، وأعطي كل منهما قدر حصته من الثمن، وإن نقص المغصوب في هذه الصورة عن قيمته منفردًا؛ ضمن الغاصب نقصه.
ومما ذكروه في هذا الباب قولهم: "والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان"، ومعناه: أن الأيدي التي ينتقل إليها المغصوب عن طريق الغاصب كلها تضمن المغصوب إذا تلف فيها، وهذه الأيدي عشر:
يد المشتري وما في معناه، ويد المستأجر، ويد القابض تملكا بلا عوض كيد المتهب، ويد القابض لمصلحة الدافع كالوكيل، ويد المستعير، ويد الغاصب، ويد المتصرف في المال كالمضارب، ويد المتزوج للمغصوبة، ويد القابض تعويضا بغير بيع، ويد المتلف للمغصوب نيابة عن غاصبه.
وفي كل هذه الصور: إذا علن الثاني بحقيقة الحال، وأن الدافع إليه غاصب؛ فقرار الضمان عليه؛ لتعديه على ما يعلمه غير مأذون فيه من مالكه، وإن لم يعلم بحقيقة الحال؛ فالضمان على الغاصب الأول.
وإذا كان المغصوب مما جرت العادة بتأجيره؛ لزم الغاصب أجره مثله مدة بقائه بيده؛ لأن المنافع مال منقول، فوجب ضمانها كضمان العين.
وكل تصرفات الغاصب الحكمية باطلة؛ لعدم إذن المالك.
وإن غصب شيئا، وجهل صاحبه، ولم يتمكن من رده إليه؛ سلمه إلى الحاكم الذي يضعه في موضعه الصحيح، أو تصدق به عن صاحبه، وإذا تصدق به؛ صار ثوابه لصاحبه، وتخلص منه الغاصب.
وليس اغتصاب الأموال مقصورًا على الاستيلاء عليها بالقوة، بل ذلك يشمل الاستيلاء عليها بطريق الخصومة الباطلة والأيمان الفاجرة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ فالأمر شديد والحساب عسير.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من غصب شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من قضيت له بحق أخيه؛ فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار".
باب في أحكام الإتلافات
...
باب في أحكام الإتلفات
إن الله حرم الاعتداء على أموال الناس وابتزاز بغير حق، وشرع ضمان أتلف منها بغير حق، ولو عن طريق الخطأ.
فمن أتلف مالاً لغيره، وكان هذا المال محترما، وأتلفه بغير إذن صاحبه؛ فإنه يجب عليه ضمانه.
قال الإمام الموفق: "لا نعلم فيه خلافا، وسواء في ذلك العمد والسهو، والتكليف وعدمه".
وكذا من تسبب في إتلاف مال؛ كما لو فتح بابا فضاع ما كان مغلقا عليه، أو حل وعاء فانساب ما في الوعاء وتلف؛ ضمن ذلك.
وكذا لو حل رباط دابة أو قَيَدها فذهبت وضاعت؛ ضمنها.
وكذا لو ربط دابة بطريق ضيق، فنتج عن ذلك أن عثر بها إنسان فتلف أو تضرر؛ ضمنه لأنه قد تعدى بالربط في الطريق.
وكذا لو أوقف سيارة في الطريق، فنتج عن ذلك أن اصطدم بها سيارة أخرى أو شخص، فنجم عن ذلك ضرر؛ ضمنه؛ لما رواه الدارقطني وغيره: "من وقف دابة في سبيل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فوطئت بيد أو رجل؛ فهو
ضامن".
وكذا لو ترك في الطريق طينا أو خشبة أو حجراً أو حفر فيه حفرة، فترتب على ذلك تلف المار أو تضرره، أو ألقى في الطريق قشر بطيخ ونحوه، أو أرسل فيها ماء فانزلق به إنسان فتلف أو تضرر؛ ضمنه فاعل هذه الأشياء في جميع هذه الصور؛ لتعديه بذلك.
وما أكثر ما يجري التساهل في هذه الأمور في وقتنا، وما أكثر ما يحفر في الطريق ويسد وتوضع فيه العراقيل، وما أكثر الأضرار الناجمة عن تلك التصرفات دون حسيب أو رقيب، حتى إن أحدهم ليستولي على الشارع، ويستعمله لأغراضه الخاصة، ويضايق المارة، ويضر بهم، ولا يبالي بما يلحقه من الإثم من جراء ذلك.
ومن الأمور الموجبة للضمان: ما لو اقتنى كلبا عقورًا فاعتدى على المارة وعقر أحدًا؛ فإنه يضمنه؛ لتعديه باقتناء هذا الكلب.
وإن حفر بئرًا في فنائه لمصلحته؛ ضمن ما تلف بها؛ لأنه يلزمه أن يحفظها بما يمنع ضرر المارة، فإذا تركها بدون ذلك؛ فهو متعد.
وإذا كان لهم بهائم؛ وجب عليه حفظها في الليل من إفساد زروع الناس، فإن تركها وأفسدت شيئا؛ ضمنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن: "على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل مضمون عليهم" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه؛ فلا يضمن صاحب البهيمة ما أتلفت
بالنهار؛ إلا إن أرسلها صاحبها بقرب ما تتلفه عادة.
قال الإمام البغوي رحمه الله: "ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير؛ فلا ضمان على ربها، وما أفسدته بالليل؛ ضمنه مالكها؛ لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي يحفظونها بالليل، فمن خالف هذه العادة؛ كان خارجا عن العرف، هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها؛ فعليه ضمان ما أفسدته" انتهى.
وقد ذكر الله قصة داود وسليمان وحكمهما في ذلك، فقال سبحانه: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْما﴾ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "صح بنص القرآن الثناء على سليمان بتفهيم الضمان بالمثل؛ فإن النفش رعي الغنم ليلاً، وكان ببستان عنب، فحكم داود بقيمة المتلف، فاتبر الغنم، فوجدها بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث، وقضى سليمان بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل؛ بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان، ولم يضيع عليهم مغلَّه من حين الإتلاف إلى حين العَود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك؛ ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان، فيستوفوا من نماء غنمه نظير ما فاتهم من نماء حرثهم، واعتبر الضمانين
فوجدهما سواء، وهذا هو العلم الذي خصه الله به وأثنى عليه بإدراكه" انتهى.
وإذا كانت البهيمة بيد راكب أو قائد أو سائق؛ ضمن جنايتها بمقدمها؛ كيدها وفمها، لا ما جنت بمؤخرتها كرجلها؛ لحديث: "الرجل جبار"، وفي رواية أبي هريرة: "رجل العجماء جبار"، والعجماء البهيمة، سميت بذلك لأنها لا تتكلم، وجبار بضم الجيم؛ أي: جناية البهائم هدر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل بهيمة عجماء؛ كالبقر والشاة وغيرها؛ فجناية البهائم غير مضمونة إذا فعلت بنفسها، كما لو انفلتت ممن هي في يده أو فسدت؛ فلا ضمان على أحد، ما لم تكن عقورًا، ولا فرط صاحبها في حفظها في الليل أو في أسواق المسلمين ومجامعهم، وكذا قال غير واحد: إنه إنما يكون جبارًا إذا كانت منفلتة ذاهبة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق؛ إلا الضارية" انتهى.
وإذا صال عليه آدمي أو بهيمة، ولم يندفع إلا بالقتل، فقتله؛ فلا ضمان عليه؛ لأنه قتله دفاعا عن نفسه، ودفاعه عن نفسه جائز، لم يضمن
ما ترتب عليه، ولأن قتله لدفع شره، ولأنه إذا قتله دفعا لشره؛ كان الصائل هو القاتل لنفسه.
قال الشيخ تقي الدين: "عليه أن يدفع الصائل عليه، فإن لم يندفع إلا بالقتل؛ كان له ذلك باتفاق العلماء".
ومما لا ضمان في إتلافه: آلات اللهو، والصليب، وأواني الخمر، وكتب الضلال والخرافة والخلاعة والمجون، لما روى أحمد عن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ مدية، ثم خرج إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فشققت بحضرته، وأمر أصحابه بذلك"؛ فدل الحديث على إتلافها وعدم ضمانها، لكن لابد أن يكون إتلافها بأمر السلطة ورقابتها؛ ضمانا للمصلحة، ودفعا للمفسدة.
باب في أحكام الوديع
الإيداع: توكيل في الحفظ تبرعا.
والوديعة لغة: من ودع الشيء إذا تركه، سميت بذلك لأنها متروكة عند المودع.
وهي شرعا: اسم للمال المودَع عند من يحفظه بلا عوض.
ويشترط لصحة الإيداع: ما يعتبر للتوكيل من البلوغ والعقل والرشد؛ لأن الإيداع توكيل في الحفظ.
ويستحب قبول الوديعة لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها؛ لأن في ذلك ثوابا جزيلاً؛ لما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، ولحاجة الناس إلى ذلك، أما من لا يعلم من نفسه القدرة على حفظها، فيكره له قبولها.
ومن أحكام الوديعة: أنها إذا تلفت عند المودَع ولم يفرط؛ فإنه لا يضمنها؛ كما لو تلفت من بين ماله؛ لأنها أمانة، والأمين لا يضمن إذا لم يتعد، وورد في حديث فيه ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أودع وديعة؛ فلا ضمان عليه"، رواه ابن ماجه، ورواه الدارقطني بلفظ: "ليس على
المستودَع غير المُغِل ضمان"، والمُغِل: الخائن، وفي رواية بلفظ: "لا ضمان على مؤتمن"، ولأن المستودَع يحفظها تبرعا، فلو ضمن؛ لامتنع الناس من قبول الودائع، فيترتب على ذلك الضرر بالناس وتعطل المصلحة.
أما المعتدي على الوديعة أو المفرط في حفظها؛ فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره.
ومن أحكام الوديعة: أنه يجب على المودَع حفظها في حرز مثلها كما يحفظ ماله؛ لأن الله تعالى أمر بأدائها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ﴾ ، ولا يمكن أداؤها إلا بحفظها، ولأن المودَع حينما قبل الوديعة؛ فقد التزم بحفظها، فيلزمه ما التزم به.
وإذا كانت الوديعة دابة؛ لزم المودَع إعلافها، فلو قطع العلف عنها بغير أمر صاحبها، فتلفت؛ ضمنها؛ لأن إعلاف الدابة مأمور به، ومع كونه يضمنها؛ فإنه يأثم أيضا بتركه إعلافها أو سقيها حتى ماتت؛ لأنه يجب عليه علفها وسقيها لحق الله تعالى، لأن لها حرمة.
ويجوز للمودَع أن يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله عادة؛ كزوجته وعبده وخازنه وخادمه، وإن تلفت عند أحد من هؤلاء من غير تعد ولا تفريط؛ لم يضمن؛ لأن له أن يتولى حفظها بنفسه أو من يقوم مقامه،
وكذا لو دفعها إلى من يحفظ مال صاحبها؛ برئ منها؛ لجريان العادة بذلك.
أما لو سلمها إلى أجنبي منه ومن صاحبها، فتلفت؛ ضمنها المودَع لأنه ليس له أن يودعها عند غيره من غير عذر؛ إلا إذا كان إيداعها عند الأجنب لعذر اضطره إلى ذلك؛ كما لو حضره الموت أو أراد سفرًا ويخاف عليها إذا أخذها معه؛ فلا حرج عليه في ذلك، ولا يضمن إذا تلفت.
وإن حصل خوف، أو أراد المودَع أن يسافر؛ فإنه يجب عليه رد الوديعة إلى صاحبها أو وكيله، فإن لم يجد صاحبها ولا وكيله؛ فإنه يحملها معه في السفر إذا كان ذلك أحفظ لها، فإن لم يكن السفر أحفظ لها؛ دفعها إلى الحاكم؛ لأن الحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته، فإن لم يكن إيداعها عند الحاكم؛ أودعها ثقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يهاجر؛ أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن رضي الله عنها، وأمر عليا أن يردها إلى أهلها، وكذا من حضرة الموت وعنده ودائع للناس؛ فإنه يجب عليه ردها إلى أصحابها، فإن لم يجدهم؛ أودعها عند الحاكم أو عند ثقة.
والتعدي على الوديعة يوجب ضمانها إذا تلفت؛ كما لو أودع دابة فركبها لغير علفها أو سقيها، أو أودع ثوبا فلبسه لغير خوف من عث، وكما لو أودع دراهم في حرز فأخرجها من حرزها، أو كانت مشدودة فأزال الشد عنها؛ فإنه يضمن الوديعة إذا تلفت في هذه الحالات؛ لأنه قد تعدى بتصرفه هذا.
والمودَع أمين يُقبل قوله إذا ادَّعى أنه ردها صاحبها أو من يقوم مقامه، ويقبل قوله أيضا إذا ادَّعى أنها تلفت من غير تفريطه مع يمينه؛ لأنه أمين؛ لأن الله تعالى: سماها أمانة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ﴾ ، والأصل براءته إذا لم تقم قرينة على كذبه، وكذا لو ادَّعى تلفها بحادث ظاهر كالحريق؛ فإنه لا يقبل قوله إلا إذا أقام بينة على وجود ذلك الحادث.
ولو طلب منه صاحب الوديعة ردها إليه، فتأخر من غير عذر حتى تلفت؛ ضمنها؛ لأنه فعل محرما بإمساكها بعد طلب صاحبها لها، والله أعلم.