الملخص الفقهيصفحات 659-667
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القضاء

صفحات 659-667
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قال أبو عبيد: "أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال".
وسئل الإمام أحمد عن الشهادة على الشهادة؟ فقال: "هي جائزة".
ولأن الحاجة داعية إليها؛ لأنها لو لم تقبل؛ لتعطلت الشهادة على الوقوف وما يتأخر إثباته عند الحاكم أو ماتت شهوده، وفي ذلك ضرر على الناس ومشقة شديدة؛ فوجب قبولها كشهادة الأصل.
ويشترط لقبول الشهادة على الشهادة شروط: أولاً: أن يأذن شاهد الأصل لشاهد الفرع؛ لأنها في معنى النيابة، ولا ينوب عنه إلا بإذنه.
ثانيا: أن يكون فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وهو حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى.
ثالثا: أن تتعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبة مسافة قصر أو خوف من سلطان أوغيره.
رابعا: أن يستمر عذر شاهد الأصل إلى الحكم.
خامسا: دوام عدالة شاهد الأصل وشاهد الفرع إلى صدور الحكم.
سادسا: أن يعين شاهد الفرع شاهد الأصل الذي تحمل عنه الشهادة.
وأما الرجوع عن الشهادة: فإنه إذا رجع شهود المال بعد الحكم؛ فإنه لا ينقض؛ لأنه قد

تم، ووجب المشهود به للمشود له، وهما متهمان بإرادة نقض الحكم، فينفذ الحكم، ويلزمهم الضمان؛ بأن يضمنوا المال الذي شهدوا به؛ لأنهم أخرجوه من يد مالكه بغير حق، وحالوا بينه وبينه.
وإن حكم القاضي بشاهد ويمين، ثم رجع الشاهد؛ غرم المال كله؛ لأنه حجة للدعوى، واليمين قول الخصم، وقول الخصم ليس مقبولاً على خصمه، وإنما هو شرط للحكم.
وإن رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم؛ ألغي، ولا حكم ولا ضمان، والله أعلم.

باب في اليمين الدعاوى

اليمين من جملة الطرق القضائية؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: "واليمين على من أنكر".
فاليمين من جانب المنكر إذا لم يكن للمدعي بينة، وهي تقطع الخصومة عند التنازع، ولا تقطع الحق، فلو تمكن المدعي من إقامة البينة فيما بعد؛ مكن من ذلك، وسمعت بينته، وحكم له بها، وكذا لو تراجع الحالف عن اليمين بعدما حلف، وأدى ما عليه من الحق؛ قبل منه ذلك، وحل للمدعي أخذه.
ومجال اليمين في دعوى حقوق الآدميين خاصة؛ فهي التي يستحلف فيها.
أما حقوق الله تعالى فلا يستحلف فيها، وذلك كالعبادات والحدود، فإذا قال: دفعت زكاتي أو ما علي من كفارة أو نذر؛ قبل منه، ولم يستحلف، وكذا لا يستحلف منكر لحد عليه من حدود الله؛ لأنها يستحب سترها، ولأنه لو أقر بها ثم رجع عن إقراره؛ قبل منه، وخلي سبيله، فلئلا يستحلف مع عدم الإقرار أولى.

ولا يعتد باليمين في دعوى حقوق الآدميين إلا إذا أمره بها الحاكم بعد طلب المدعي، وتكون على صفة جوابه للمدعي.
ولا بد أن يكون أداؤها في مجلس الحاكم.
ولا يكون اليمين إلا بالله تعالى:؛ لأن الحلف بغير الله شرك.
ويكفي فيها الإتيان بلفظ الجلالة في اليمين، فإذا قال: والله؛ كفى؛ لأن هذا القسم جاء في كتاب الله تعالى؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ، ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ ، لأن لفظ الجلالة علم على الله تعالى، لا يسمى به غيره.
ولا تغلظ اليمين إلا فيما له أهمية كبرى؛ كجناية لا توجب قودًا أو عتقا؛ فللحاكم تغليظها باللفظ؛ كوالله، الذي لا إله غيره، عالم الغيب والشهادة، الطالب، الغالب، الضار، النافع، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ومن توجه عليه حق لجماعة؛ حلف لكل واحد يمينا؛ لأن حق كل واحد منهم غير حق الآخر؛ إلا إذا رضوا يمينا واحدة؛ فيكتفي بها؛ لأن الحق لهم، وقد رضوا بإسقاطه.

باب في أحكام الإقرار

الإقرار: هو الاعتراف بالحق، مأخوذ من المقر، وهو المكان كأن المقر يجعل الحق في موضعه.
وهو إخبار عما في نفس الأمر من حق الغير، لا إنشاء لحق جديد.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: "التحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه؛ فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه؛ فهو مدع، وإن أخبر بما على غيره لغيره: فإن كان مؤتمنا عليه؛ فهو مخبر، وإلا؛ فهو شاهد؛ فالقاضي والوكيل والكاتب والوصي والمأذون له، كل هؤلاء ما أدون مؤتمنون فيه، فإخبارهم بعد العزل ليس إقراراً، وإنما هو خبر محض، وليس الإقرار بإنشاء، وإنما هو إظهار وإخبار لما هو في نفس الأمر" انتهى.
ويشترط لصحة الإقرار: أن يكون المقر مكلفا؛ فلا يصح من صبي، ولا مجنون ونائم، ويصح من الصغير المأذون له في التجارة في حدود ما أذن له فيه.

ويشترط: أن يكون المقر قد أقر في حالة اختياره؛ فلا يصح الإقرار من مكره؛ إلا أن يقر بغير ما أكره على الإقرار به.
ويشترط لصحة الإقرار أيضا: أن لا يكون المقر محجورً عليه؛ فلا يصح من سفيه إقرار بمال.
ويشترط أيضا: أن لا يقر بشيء في يد غيره أو تحت ولاية غيره؛ كما لو أقر أجنبي على صغير أو على وقف في ولاية غيره أو اختصاصه.
وإن ادعى المقر أنه أكره على الإقرار، ولم يقر باختياره؛ قبل منه ذلك مع قرينة تدل على صدقه أو بينة على دعواه.
ويصح إقرار المريض بمال لغير وارثه؛ لعدم التهمة، ولأن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه لما يراد منه.
وإن ادعى إنسان على شخص بشيء، فصدقه المدعى عليه؛ صح تصديقه، واعتبر إقرارًا يؤاخذ به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا عذر لمن أقر".
ويصح الإقرار بكل ما أدى معناه من الألفاظ؛ كأن يقول لمن ادعى عليه: صدقت، أو: نعم، أو: أنا مقر بذلك.
ويصح استثناء النصف فأقل في الإقرار؛ فلو قال: له عليَّ عشرة إلا خمسة؛ لزمه خمسة، وقد ورد الاستثناء في كتاب الله عز وجل؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ ،

واختار كثير من العلماء جواز استثناء أكثر من النصف.
ويشترط لصحة الاستثناء في الإقرار: أن يكون متصلاً باللفظ؛ فلو قال: له علىَّ مئة، ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، ثم قال: زيوفا، أو: مؤجلة؛ لزمه مئة جيدة حالة، وما أتى به بعد سكوته لا يلتفت إليه؛ لأنه يرفع به حقا قد لزمه.
وإن باع شيئا أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر أن ذلك الشيء كان لغيره؛ لم يقبل منه، ولم ينفسخ البيع ولا غيره؛ لأنه إقرار على غيره، ويلزمه غرامته للمقرِّ له؛ لأنه فوته عليه.
ويصح الإقار بالشيء المجمل، وهو ما احتمل أمرين فأكثر على السواء عند المقر: فإذا قال إنسان: لقلان عليَّ شيء، أو: له عليَّ كذا؛ صح الإقرار، وقيل للمقر: فسره؛ ليتأتى إلزامه به، فإن أبى تفسيره؛ حبس حتى يفسره؛ لوجوب تفسيره عليه؛ لأنه حق عليه يجب بيانه وأداؤه لصحابه، وإن قال: لا علم لي بما أقررت به؛ حلف وغرم أقل ما يقع عليه الاسم، وإن مات قبل تفسيره؛ لم يؤاخذ وارثه بشيء، وإن خلف تركة؛ لاحتمال أن يكون المُقَرّ به غير مال.
وإن قال له عليَّ ألف إلا قليلاً؛ حمل الاستثناء على ما دون النصف.
وإن قال: له عليَّ ما بين درهم وعشرة؛ لزمه ثمانية؛ لأن ذلك هو مقتضى لفظه؛ لأن الثمانية هي ما بين واحد وعشرة.

وإن قال: له عليَّ ما بين درهم إلى عشرة؛ لزمه تسعة؛ لعدم دخول الغاية في المغيِّي وعند بعض العلماء أن الغاية إن كانت من جنس المغِّيي؛ دخلت، وإلا فلا.
وإن قال: له ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط؛ لم يدخل الحائطان؛ لأنه إنما أقر بما بينهما.
وإن أقر لشخص بشجرة أو بشجر؛ لم يشمل إقراره الأرض التي عليها ذلك الشجر؛ فلا يملك الغرس في مكانها لو ذهبت، ولا يملك رب الأرض قلعها؛ لأن الظاهر وضعها بحق.
أما لو أقر ببستان فإنه يشمل الأشجار والبناء والأرض؛ لأنه اسم للجميع.
وإن قال: له عليَّ تمر في جراب أو سكين في قراب أو ثوب في منديل؛ فهو مقر بالمظروف دون الظرف، وهكذا كل مقر بشيء جعله ظرفا أو مظروفا؛ لأنهما شيئان متغايران، لا يتناول الأول منهما الثاني، ولأنه لا يلزم أن يكون الظرف والمظروف لواحد، والإقرار لا يلزم مع الاحتمال.
وإن قال: هذا الشيء مشترك بيني وبين فلان؛ رجع في بيان حصة الشريك إلى المقر، وقيل: يكون بينهما نصفين؛ لأن هذا مقتضى القاعدة في أن مطلق الشركة يقتضي التسوية بين المشتركين، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُث﴾ . ويجب على من عنده حق الإقرار به إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛

لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل﴾ . قال الموفق في "الكافي": "والإملال هو الإقرار، والحكم بالإقرار واجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها"، ولرجم النبي صلى الله عليه وسل ماعزًا والغامدية بإقرارهم، ولأنه إذا وجب الحكم بالبينة؛ فلا يجب بالإقرار مع بعده عن الريبة من باب أولى".
والحمد لله رب العالمين.
تم الاختصار، ونسأل الله أن يعفو عما حصل فيه من الخطأ والنقص، وأن ينفعنا والقراء الكرام بما فيه من الصواب، وأن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل