الملخص الفقهيصفحات 619-658
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القضاء

صفحات 619-658
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب في أحكام القضاء في الإسلام

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينا وقربة؛ فإنهما من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر بطلب الرئاسة والمال بها ... " انتهى.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ﴾ . وقد تولاه النبي صلى الله عليه وسل بنفسه، ونصب القضاة في الأقاليم التي دخلت تحت الحكم الإسلامي، وكذلك خلفاؤه من بعده.
وأجمع المسلمون على نصب القضاة للفصل بين الناس.
والقضاء في اللغة معناه: إحكام الشيء والفراغ منه؛ قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، وله معان أخرى، وأما معناه اصطلاحا؛ فهو تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هو من جهة الإثبات شاهد، ومن جهة الأمر والنهي مفت، ومن جهة الإلزام بذلك ذو سلطان ... " انتهى.
وحكم القضاء في الإسلام أنه فرض كفاية؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.
قال الإمام أحمد: "لا بد للناس من حاكم لئلا تذهب الحقوق".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلتأمير الواحد في الاجمتاع القليل العارض في السفر، وهو تنبيه على أنواع الاجتماع ... " انتهى.
ويجب على من يصلح للقضاء الدخول فيه إذا لم يوجد غيره، وفي ذلك فضل عظيم لمن قوي عليه، وفيه خطر عظيم في حق من لم يؤد الحق فيه.
ويجب على إمام المسلمين أن يعين القضاة حسب المصلحة التي تدعو إلى ذلك؛ لئلا تضيع الحقوق، ويختار أفضل من يجده علما وورعا، ومن لم يعرف صلاحيته؛ سأل عنه.
ويجب على القاضي أن يجتهد في إقامة العدل بين الناس غاية ما

يمنكه، ولا يلزمه ما يعجز عنه، ويفرض له ولي الأمر من بيت المال ما يكفية حتى يتفرغ للقيام بالقضاء، وقد فرض الخلفاء الراشدون للقضاء من بيت المال ما يكفيهم.
وصلاحيات القاضي يرجع فيها إلى العرف في كل زمان بحسبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما يستفيد بالولاية [يعنى: من الصلاحيات] لا حد له شرعا، بل يتلقى من الألفاظ والأحول والعرف؛ لأن كل ما لم يحدد شرعا؛ يحمل على العرف؛ كالحرز والقبض".
قال: "وولاية الأحكام يجوز تبعيضها، ولا يجب أن يكون عالما في غير ولايته؛ فإن منصب الاجتهاد ينقسم، حتى لو ولاه المواريث؛ لم يجب أن يعرف غير الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك، وإن ولاه عقود الأنكحة وفسخها؛ لم يجب أن يعرف إلا ذلك، وعلى هذا؛ إذا قال: اقض فيما تعلم؛ كما يقول: أفت فيما تعلم؛ جاز، ويسمى ما لا يعلم خارجا عن ولايته؛ كما نقول في الحاكم الذي ينزل على حكمه الكفار وفي الحكمين في جزاء الصيد ... " انتهى.
وفي هذا الزمان قد وزارة العدل نظاما يسير عليه القضاة في ولاياتهم، وتتحدد به صلاحياتهم؛ فيجب الرجوع إليه، والتقيد به؛ لأن في ذلك ضبطا للأمور، وتحديد الصلاحيات، وهو لا يخالف نصا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله؛ فيجب العمل به.

ويشترط فيمن يتولى القضاء أن تتوفر فيه عشر صفات تعتبر حسب الإمكان: أن يكون مكلفا: أي: بالغا عاقلاً؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره؛ فلا يكون واليا على غيره.
وأن يكون ذكرًا؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" أن يكون حرًا؛ لأن الرقيق مشغول بحقوق سيده.
وأن يكون مسلما؛ لأن الإسلام شرط للعدالة، ولأن المطلوب إذلال الكفار، وفي توليته القضاء رفعة واحترام له.
وأن يكون عدلاً؛ فلا تجوز توليه الفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، وإذا كان لا يقبل خبره؛ فعدم قبول حكمه من باب أولى.
وأن يكون سميعا، لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين.
وأن يكون بصيرًا؛ لأن الأعمى لا يعرف المدعي من المدعي عليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قياس المذهب تجوز ولايته كما تجوز شهادته؛ إذ لا يعوزه إلا معرفة عين الخصم، ولا يحتاج إلى ذلك، بل يقضي على موصوف؛ كما قضى داود الملكين، ويتوجه أن يصح مطلقا، ويعرف بأعيان الشهود والخصوم كما يعرف بمعاني كلامهم في

الترجمة، إذ معرفة كلامه وعينه سواء ... " انتهى.
ويشترط في القاضي أن يكون متكلما؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته.
وأن يكون مجتهدًا، ولو في مذهبه الذي يقلد فيه إماما من الأئمة؛ بأن يعرف القول الراجح فيه من المرجوح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى الأنفع من الفاسقين وأقلهما شرًا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد".
قال صاحب "كتاب الفروع": "وهو كما قال".
وقال الإنصاف في تولية المقلد: "وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا؛ تعطلت أحكام الناس".
وذكر ابن القيم: أن المجتهد هو العالم بالكتاب والسنة، ولا ينافي اجتهاده تقليد غيره أحيانا؛ فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام.

باب في آداب القاضي

المراد بالآداب هنا: الأخلاق التي ينبغي له التخلق بها.
قال الإمام أحمد رحمه الله: "حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد".
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصح له الحكم إلا بها: معرفة الأدلة، والأسباب، والبينات؛ فالأدلة تعرفه الحكم الشرعي الكلي، والأسباب تعرفه ثبوته في هذا المحل المعين أو انتفاءه عنه، والبينات تعرفه طريق الحكم عند التنازع، ومتى أخطأ في واحد من هذه الثلاثة؛ أخطأ في الحكم" انتهى.
وينبغي للقاضي أن يكون قويا من غير عنف؛ لئلا يطمع فيه الظلم، وأن يكون لينا من غير ضعف؛ لئلا يهابه صاحب الحق.
قال شيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: "إن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، وينبغي للقاضي أن يكون حليما؛ لئلا يغضب من كلام الخصم، فيمنعه ذلك من الحكم؛ فالحكم زينة العلم وبهاؤه وجماله،

وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات، وينبغي له أن يكون ذا أناة "أي: تؤدة وتأن"؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي، وأن يكون ذا فطنة؛ لئلا يخدعه بعض الخصوم، وأن يكون عفيفا "أي: كافا نفسه عن الحرام"، وأن يكون بصيرًا بأحكام من قبله من القضاة، ويكون مجلسه في وسط البلد إذا أمكن؛ ليستوي أهل البلد في المضي إليه، ولا بأس بالقضاء في المسجد، وقد جاء عن عمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يقضون في المسجد، ويجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لحظه ومجلسه ودخولهما عليه، وروى أبو داود عن ابن الزبير؛ قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلمأن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم"؛ فوجب أن يعدل بينهما في مجلسه وفي ملاحظته لهما وكلامه لهما".
قال الإمام ابن القيم: "نهى عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، وعن مشاورته والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته وثقل لسانه بها، ولا يتنكر للخصوم؛ لما في التنكر لهم من إضعاف نفوسهم وكسر قلوبهم وإحراس ألسنتهم عن التكلم بحججهم".
ويحرم على القاضي أن يسار أحد الخصمين أو يلقنه حجته أو يضيفه أو يعلمه كيف يدعي؛ إلا أن يترك ما يلزمه في الدعوى.
وينبغي للقاضي أن يحضر مجلسه الفقهاء، وأن يشاورهم فيما

يشكل عليه إن أمكن، فإذا اتضح له الحكم؛ حكم به، وإلا؛ أخره حتى يتضح.
ويحرم على القاضي أن يقضي وهو غضبان غضبا كثيرًا؛ لما في الحديث المتفق عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: "لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان"، ولأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد.
ويقاس على الغضب كل ما يشوش الفكر؛ كحالة الجوع، والعطش، وشدة الهم، أو النعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج، أو في حالة احتباس بول أو غائط؛ لأن ذلك كله يشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغلب؛ فهو في معنى الغضب.
ويحرم على الحاكم قبول رشوة؛ لحديث ابن عمر؛ قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسل الراشي والمرتشي"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
والرشوة نوعان: أحدهما: أن يأخذ من أحد الخصمين ليحكم له بالباطل.
والثاني: أن يمتنع من الحكم بالحق للمحق حتى يعطيه الرشوة، وهذا من أعظم الظلم.

وكذا يحرم على القاضي قبول هدية ممن لم يكن يهاديه قبل ولايته القضاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم "هدايا العمال غلول"، رواه أحمد، ولأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته.
ويكره للقاضي تعاطي البيع والشراء إلا بوكيل لا يعرف أنه له؛ خشية المحاباة؛ فإن في البيع والشراء كالهدية.
ولا يحكم القاضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له كوالده وولده وزوجته ولا يحكم على عدوه؛ لقيام التهمة في هذه الأحوال، ومتى عرضت قضية تختص به أو لمن لا تقبل شهادته له؛ أحالها إلى غيره؛ فقد حاكم عمر أبيا إلى زيد بن ثابت، وحاكم علي رجلاً عراقيا إلى شريح، وحاكم عثمان طلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم.
ويستحب للقاضي أن يقدم النظر في القضايا التي تستدعي حالة أصحابها سرعة النظر فيها؛ كقضايا المساجين، وقضايا القصار من الأيتام والمجانين، وثم قضايا الأوقاف والوصايا التي ليس لها ناظر.
ولا ينقض من أحكام القاضي إلا ما خلف الكتاب والسنة، أو خالف إجماعا قطعيا؛ فما كان كذلك؛ وجب نقصه؛ لمخالفته الكتاب والسنة أو الإجماع.
وبهذا الاستعراض السريع لآداب القاضي؛ يتبين عدالة القضاء في

الإسلام، وما يكون عليه القضاة من مستوى رفيع مما تعجز كل نظم الأرض عن الإتيان بمثله أو قريب منه، وصدق الله العظيم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . فقبح الله قوما أعرضوا عن هذا الحكم الرباني واستبدلوه بالقانون الشيطاني، وهؤلاء قد ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ .

باب في طريق الحكم وصفته

إذا حضر إلى القاضي خصمان؛ أجلسهما بين يديه، وقال: أيكما المدعي؟ أو انتظر حتى يبدأ المدعي بالكلام، فإذا ادعى؛ استمع دعواه.
فإن جاءت على الوجه الصحيح؛ سأل القاضي المدعي عليه: ما موقفه حيال هذه الدعوى؟.
فإن أقر بها؛ حكم عليه للمدعي بهذه الدعوى.
وإن أنكر المدعى عليه هذه الدعوى؛ قال القاضي للمدعي: إن كانت لك بينة فأحضرها.
لأن على المدعي حينئذ تصحيح دعواه ليحكم له بها، فإن أحضر بينة؛ سمع القاضي شهادتها وحكم بها.
ولا يحكم القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته.
قال العلامة ابن القيم: "لأن ذلك ذريعة إلى حكمه بالباطل، ويقول: حكمت بعلمي".
قال: "وقد ثبت عن أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية المنع من ذلك، ولا لهم في الصحابة مخالف، ولقد كان سيد

الحكام صلوات الله وسلامه عليه يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله وملائكته وعباده من كل تهمة".
قال: "ولكن يجوز له "أي: القاضي" الحكم بما تواتر عنده وتضافرت به الأخبار اشترك في العلم به هو وغيرهن ويجوز له الاعتماد على سماعه بالاستفاضة؛ لأنها من أظهر البينات، ولا يتطرق إلى الحاكم تهمة إذا استند إليها؛ فحكمه بها حكم بحجة، لا بمجرد علمه الذي لا يشاركه فيه غيره" انتهى.
وإن قال المدعي: ما لي بينه؛ أعلمة القاضي أن له اليمين على خصمه؛ لما روى مسلم وأبو داود: أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسل حضرمى وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبتي على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسل للحضرمي: "ألك بينة؟ "، قال: "فلك يمينه".
قال الإمام ابن القيم: "وهذه قاعدة الشريعة المستمرة؛ لأن اليمين إنما كانت في كانت في جانب المدعي عليه حيث لم يترجح المدعي بشيء غير الدعوى، فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين؛ لقوته بأصل براءة الذمة، فكان هو أقوى المتداعيين باستصحاب الأصل، فكانت اليمين من جهته" انتهى.

فإذا طلب المدعي تحليف المدعى عليه؛ حلفه القاضي وخلى سبيله؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ولكن يشترط لصحة يمين المدعى عليه أن يكون على صفة جوابه للمدعي، وأن تكون بعد أمر الحاكم له بطلب المدعي تحليفه؛ لأن الحق في اليمين للمدعي؛ فلا تستوفى إلا بطلبه.
فإن نكل المدعى عليه عن اليمين وأبى أن يحلف؛ قضي عليه بالنكول؛ فإنه لولا صدق المدعي؛ لدفع المدعى عليه دعواه باليمين، فلما نكل عنها؛ كان نكوله قرينة ظاهرة دالة على صدق المدعي، فقدمت على أصول براءة الذمة.
والقضاء بالنكول هو مذهب جماعة من أهل العلم، وقد قضى به عثمان رضي الله عنه، وقال جماعة من أهل العلم: ترد اليمين على المدعي ولا سيما إذا قوي جانبه.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الذي جاءت به الشرعية أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعيين؛ فأي الخصمين ترجح جانبه؛ جعلت اليمين من جهته، وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كأحمد والشافعي ومالك وغيرهم"، وقال: "كما حكم به الصحابة وصوبه أحمد وغيره"، وقال: "ما هو ببعيد يحلف ويأخذ، واختاره الشيخ".
وقال أبو عبيد: "رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ليس المنقول عن الصحابة في النكول ورد اليمين بمختلف، بل هذا له موضع وهذا له

موضع؛ فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به؛ فرد المدعى عليه اليمين؛ فإنه إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه، وهذه كحكومة عثمان بن عفان".
قال ابن القيم: "وهذا الذي اختاره شيخنا هو فصل النزاع في النكول ورد اليمين".
وقال: "إذا كان المدعى عليه منفرًا بمعرفة الحال، فإذا لم يحلف؛ قضي عليه، وأما إذا كان المدعي هو المنفرد؛ رد عليه، فإذا لم يحلف؛ لم يقض له بنكول المدعى عليه.
فهذا التحقيق أحسن ما قيل النكول ورد اليمين" انتهى.
وإذا حلف المنكر وخلى الحاكم سبيله كما سبق، ثم أحضر المدعي بينة بعد ذلك، فإن كان قد سبق منه نفيها؛ بأن قال: ما لي بينة؛ فإنها لا تسمع بعد ذلك؛ لأنه مكذب لها بقوله: ما لي بينة، وإن لم يكن نفاها؛ سمعت، وحكم بها القاضي.
ولا تكون يمين المنكر مزيلة للحق؛ لأن الدعوى لا تبطل بالاستحلاف ويمين المنكر إنما تكون مزيلة للخصومة لا مزيلة للحق، وكذا لو قال: لا أعلم لي بينة، ثم وجدها؛ فإنها تسمع ويحكم بها؛ لأنه ليس بمكذب لها، والله أعلم.

باب في شروط الدعوى

لا تصح الدعوى إلا محررة، فإن كانت بدين على ميت مثلاً؛ ذكر موته ونوع الدين وقدره وكل المعلومات التي بها تتضح الدعوى؛ لأن الحكم مرتب عليها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وإنما أقضي على نحو ما أسمع"، فدل الحديث على وجوب تحير الدعوى؛ ليتبين للحاكم وجه الحكم.
ولا تصح الدعوى أيضا إلا معلومة المدعى به؛ فلا تصح بمجهول، بل لا بد أن تكون بشيء معلوم؛ ليتأتى الإلزام به إذا ثبت؛ إلا الدعوى بما يصح مجهولاً؛ كالوصية بشيء من ماله وعبد من عبيده جعله مهرًا ونحوه، فتصح الدعوى بمثل هذا، وإن كان مجهولاً.
ولا بد أن يصرح بالدعوى؛ فلا يكفي قوله: لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا مطالبه به، ولا بد أن يكون المدَّعى به حالاً؛ فلا تصح الدعوى بدين مؤجل؛ لأنه لا يجب الطلب به قبل حلوله، ولا يحبس عليه.

ويشترط لصحة الدعوة انفكاكها عما يكذبها؛ فلا تصح الدعوى على إنسان أنه قتل أو سرق منذ عشرين سنة وسنه أقل من ذلك؛ لأن الحس يكذبها.
وإن ادعى عقد أو إجارة؛ اشترط لصحة الدعوى ذكر شروط العقد؛ لأن الناس يختلفون في الشروط، وقد لا يكون ذلك العقد صحيحا عند القاضي.
وإن ادعى الإرث؛ فلا بد من ذكر سببه؛ لأن أسباب الإرث تختلف؛ فلا بد من تعيين السبب.
ويعتبر لصحة الدعوى تعيين المدعى به إن كان حاضرًا في المجلس أو البلد؛ ليزول اللبس، وإن كان المدعى به غائبا؛ فلا بد من وصفه بما يصح به السلم؛ بأن يذكر ما يضبطه من الصفات.
ويشترط لصحة البينة عدالتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . واختلف الفقهاء رحمهم الله: هل لا بد من عدالة البينة ظاهرًا وباطنا أو تكفي العدالة ظاهرًا على قولين، الراجح منهما اعتبار العدالة ظاهرًا؛ لقبوله صلى الله عليه وسل شهادة الأعرابي، ولقول عمر رضي الله عنه: "المسلمون عدول".

ويحكم القاضي بالبينة العادلة ما لم يعلم خلافها، فإن علم خلاف ما شهدت به؛ لم يجز له الحكم بها.
ومن جهل القاضي عدالته من الشهود؛ سأل عنه ممن له به خبرة باطنه بصحبة أو معاملة أو جوار، قال عمر رضي الله عنه لرجل زكى رجلاً عنده: أنت جاره؟، قال: لا، قال: صحبته في السفر الذي تظهر فيه جواهر الرجال؟، قال: لا، قال: عاملته بالدينار والدرهم؟، قال: لا، قال: لست تعرفه.
وإن تعارض الجرح والتعديل في الشاهد؛ قدم الجرح؛ لأن الجارح معه زيادة علم خفيت على المزكي، والجارح يخبر عن أمر باطن، والمزكي يخبر عن أمر ظاهر فقط، والجارح مثبت، والمزكي ناف، والمثبت مقدم على النافي.
وتعديل الخصم للبينة وحده أو تصديقه لها تعديل؛ لأن البحث عن عدالتها لحقه، ولأن إقراره بعدالة البينة إقرار بما يوجب الحق عليه لخصمه، فيؤخذ بإقراره.
وإذا علم القاضي عدالة البينة؛ حكم بها، ولم يحتج إلى التزكية، وكذا لو علم عدم عدالتها؛ لم يحكم بها، وإن ارتاب في الشهود؛ سألهم تحملوا الشهادة؟ وأين تحملوها؟.
قال الإمام ابن القيم: "وذلك واجب عليه متى عدل عنه أثم وجار في الحكم، وشهد رجلان عند علي رضي الله عنه على رجل أنه سرق؛ فاستراب منهما، فأمرهما بقطع يده، فهربا".

وإن جرح الخصم الشهود؛ كلف إقامة البينة بالجرح؛ لحديث: "البينة على المدعي"، فينظر ثلاثة أيام، فإن لم يأت ببينة على الجرح؛ حكم عليه بالبينة؛ لأن عجزه عن إقامة البينة على الجرح في الممدة المذكورة دليل على عدم ما ادعاه.
وإن جهل القاضي حال البينة؛ طلب من المدعي تزكيتهم؛ لتثبت عدالتهم، فيحكم بما شهدوا به، ولا بد في تزكية الشخص من شاهدين يشهدان بعدالته، وقيل: يكفي في التزكية شاهد واحد.
ويحكم على الغائب مسافة قصر إذا ثبت عليه الحق؛ لأن هندًا قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من الفقة ما يكفيني وولدي؛ قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، متفق عليه.
فدل على صحة الحكم على الغائب، ثم إذا حضر الغائب؛ فهو على حجته؛ لزوال المانع.
ويعتبر في القضاء على الغائب أن يكون في غير محل ولاية القاضي، أما لو كان غائبا في محل ولايته، ولا حاكم فيه؛ فإن القاضي يكتب إلى من يصلح للقضاء بالحكم بينهما، فإن تعذر؛ فإلى من يصلح بينهما، فإن تعذر؛ قال للمدعي: حقق دعواك، فإن فعل؛ أحضر خصمه، وإن بعدت المسافة.

وذكر الإمام أحمد أن مذهب أهل المدينة أنهم يقضمن على الغائب، وقال: "هذا مذهب حسن".
قال الزركشي: "فلم ينكر أحمد سماع الدعوى ولا البينة"، وحكى قول أهل المدنية والعراق، وكأنه عنده محل وفاق.
وتسمع الدعوى أيضا على غير المكلف، ويحكم بها؛ لحديث هند، ثم إذا كلف بعد الحكم عليه؛ فهو على حجته.

باب في القسمة بين الشركاء

دليل القسمة بين الشركاء من الكتاب والسنة والإجماع: قال الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم "الشفعة فيما لم يقسم"، وكان يقسم الغنائم.
وذكر الإجماع عليها غير واحد من العلماء.
والحاجة داعية إليها؛ إذ لا سبيل إلى إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم من الشيء المشترك إلا بالقسمة.
والقسمة إفراز الأنصباء بعضا عن بعض.
وهي نوعان: قسمة تراض، وقسمة إجبار.

النوع الأول: قسمة التراضي: هي التي لا بد أن يتفق عليها جميع الشركاء، ولا تجوز بدون رضاهم، وهي التي لا تمكن إلا بحصول ضرر، ولو على بعض الشركاء، أو برد عوض من أحد الشركاء على الآخر، وتكون في الدور الصغار والدكاكين الضيقة والأرض المختلفة أجزاؤها بسبب بناء أو شجر في بعضها أو كون بعضها يتلعق به رغبة تخضه دون البعض الآخر.
فهذا النوع من المشترك لا يجوز قسمته إلا باتفاق الشركاء وتراضيهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار"، رواه أحمد وغيره؛ فهو يدل بعمومه على عدم جواز قسم ما لا ينقسم إلا بضرر إلا بالتراضي.
وهذه القسمة تأخذ حكم البيع، برد ما فيه عيب، ويدخلها خيار المجلس والشرط ونحوه، ولا يجبر من امتنع من قبولها من الشركاء، لكن متى طلب أحد الشركاء بيع هذا المشترك؛ أجبر الممتنع، فإن أبى؛ باعة الحاكم عليهما، وقسم الثمن بينهما على قدر حصصهما.
وضابط الضرر الذي يمنع هذه القسمة هو نقص القيمة بالقسمة، سواء انتفعوا به مقسوما أم لا؛ فلا يعتبر ضرر كونهما لا ينتفعان به مقسوما.
النوع الثاني: قسمة الإجبار.
وهي ما لا ضرر في قسمته، ولا رد عوض في قسمته، سميت بذلك لأن الحاكم يجبر الممتنع منهما إذا كملت شروطها، وذلك كالقرية والبستان والدار الكبيرة والأرض الواسعة والدكاكين الواسعة والمكيل والموزون من جنس واحد.

ويشترط لإجبار الممتنع من هذه القسمة ثلاثة شروط: أن يثبت عند الحاكم ملك الشركاء، وأن يثبت أن لا ضرر، وأن يثبت إمكان تعديل السهام في العين المقسومة من غير شيء يجعل فيها.
فإذا توافرات هذه الشروط، وطلب أحد الشركاء القسمة؛ أجبر شريكه الآخر عليها، وإن امتنع من القسمة مع شريكه؛ لأن القسمة تزيل الضرر الحاصل في الشركة، وتمكن كل واحد من التصرف في نصيبه والانتفاع به بإحداث الغراس والبناء مما لا يتمكن منه مع بقاء الشركة.
وإن كان أحد الشركاء غير مكلف؛ قسم عنه وليه، وإن كان غائبا؛ قسم عنه الحاكم بطلب شريكه.
وهذه القسمة في الحقيقة إفراز لحق أحد الشريكين عن الآخر، ولا تأخذ حكم البيع؛ لأنها تخالفه في الأحكام.
ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم أو بقاسم ينصبونه هم أو يسألون الحاكم نصبه.
وتعديل السهام يكون بالأجزاء إن تساوى المقسوم كالمكيلات والموزونات غير المختلفة، وتعدل بالقيمة إن اختلفت أجزاء المقسوم في القسمة، فيجعل السهم من الرديء أكثر من السهم من الجيد، فإن لم يمكن التعديل بالأجزاء ولا بالقيمة؛ عدلت بالرد؛ بأن يجعل لمن يأخذ الرديء أو القليل دراهم على من يأخذ الجيد أو الأكثر.
فإذا اقتسموا أو اقترعوا؛ لزمت القسمة؛ لأن القاسم كالحاكم، والقرعة كحكم الحاكم، يلزم العمل بها، وكيف اقترعوا بالحصى

أو غيره؛ جاز، والأحوط القرعة بأن يكتب اسم كل شريك على رقعة، ثم تجمع وتلف وتدفع إلى شخص لم يحضر ولم يرها، ويؤمر بأن يخرج الرقاع ويضعها على الأسهم، فمن وجد اسمه على سهم؛ فهو له.
وإن خير أحدهما الآخر؛ لزمت القسمة برضاهم وتفرقهم.
ومن ادعى غلطا فيما تقاسماه بأنفسهما وأشهدا على رضاهما به؛ لم يلتفت إليه؛ لأنه رضي بالقسم على الصورة التي وقعت، ورضاه بالزيادة في نصيب شريكه يلزمه.
ومن ادعى غلطا فيما قسمه قاسم حاكم أو قاسم نصباه؛ قبل ببينة، وإلا؛ حلف منكر له؛ لأن الأصل عدم ذلك، فإن أقام بينة على الغلط؛ قبلت ونقضت القسمة؛ لأن سكوته قد استند إلى ظاهر حال القاسم، فإذا قامت البينة بغلطه؛ كان له الرجوع فيما غلط به.
وإن ادعى كل من الشريكين شيئا أنه له؛ تحالفا، ونقضت القسمة؛ لأن ذلك المدعى به لم يخرج عنهما، ولا مرجح لأحدهما على الآخر.
ومن ظهر في نصيبه عيب قد جهله؛ خير بين الفسخ والإمساك مع الأرش؛ لأن ظهور العيب في نصيبه نقص، فيخير بين الأرش والفسخ كالمشتري، والله أعلم.

باب في بيان الدعاوى والبينات

الدعاوى: جمع دعوى، وهي لغة الطلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ ؛ أي: يطلبون ويتمنون.
والدعوى في اصطلاح الفقهاء: إضافة الأنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته.
والبينات: جمع بينه، وهي العلامة الواضحة، وهي كل ما يبين الحق من شهود أو يمين.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "البينة في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره، وقد نصب سبحانه على الحق علامات وأمارات تدل عليه وتبينه، فمن أهدر العلامات والأمارات بالكلية؛ فقد عطل كثيرًا من الأحكام، وضيع كثيرًا من الحقوق ... " انتهى.
والفرق بين المدعي والمدعى عليه: أن المدعي هو الذي إذا سكت ترك؛ فهو المطالب، والمدعى عليه هو الذي إذا سكت؛ لم يترك؛ فهو المطالب.

ويشترط لصحة الدعوى وصحة الإنكار: أن يكون من جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد.
وإذا تداعيا عينا بأن ادعى كل منهما أنها له وهي بيد أحدهما؛ فهي لمن هي بيده مع يمينه.
ويسمى من كانت العين بيده منهما الداخل، ويسمى من لم تكن العين بيده بالخارج فإن أقام كل منهما بينته أن العين المدعى بها له؛ قضي بها للخارج لحديث ابن عباس مرفوعا: "لو يعطى الناس بدعواهم؛ لا دعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"، رواه أحمد ومسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" رواه الترمذي.
فدل الحديثان على أن البينة على المدعي، فإذا أقامها؛ قضي بها له، وأن اليمين على من أنكر إذا لم يكن مع المدعي بينة، وذهب أكثر أهل العلم في هذه المسألة أن العين تكون لمن هي بيده، وهو ما يسمى بالداخل، وأن الحديث محمول على ما إذا لم يكن مع من هي بيده بينة، وإلا؛ فاليد مع بينته أقوى، والأخذ بقول الأكثر أولى.

وإن لم تكن العين التي تداعياها بيد أحد، وليس هناك ظاهر يعمل به ولا بينة لأحدهما؛ تحالفا؛ بأن يحلف كل واحد أنه لا حق للآخر فيها، وقسمت بينهما بالسوية؛ لا ستوائهما في الدعوى، وعدم المرجح لأحدهما، وإن دل الظاهر لأحدهما؛ عمل به.
فلو تنازع الزوجان في قماش البيت ونحوه؛ فما يصلح للرجل يكون للزوج، وما يصلح للمرأة يكون للزوجة، وما يصلح للاثنين؛ فلهما.

باب في الشهادات

الشهادة: مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعلمه.
وهل يشترط في أداء الشهادة أن يكون ذلك بلفظ: "أشهد"، أو "شهدت"؟، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
والقول الثاني وهو رواية عن أحمد وقول جماعة من الأئمة: أن ذلك لا يلزم.
واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.
قال الشيخ: "ولا يشترط في أداء الشهادة لفظ "أشهد"، وهو مقتضى قول أحمد وغيره، ولا أعلم نصا يخالفه، ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي اشترط لفظ الشهادة".
وقال ابن القيم: "الإخبار شهادة محضة في أصح الأقوال، وهو قول الجمهور؛ فإنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ: "أشهد"، بل متى قال الشاهد: رأيت كيت وكيت، أو سمعت، أو نحو ذلك؛ كانت شهادة منه، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول صلى الله عليه وسلم وضع واحد يدل على

اشتراط لفظ الشهادة، ولا عن رجل واحد من الصحابة، ولا قياس ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ولغة العرب تنفي ذلك" انتهى.
وتحمل الشهادة في غير حق الله تعالى فرض كفاية، إذا قام به من يكفي؛ سقط عن بقية المسلمين؛ لحصول الغرض، وإن لم يوجد إلا من يكفي؛ تعين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ؛ أي: إذا دعوا لتحمل الشهادة؛ فعليهم الإجابة، والآية عامة في الدعوة للتحمل والأداء، وقال ابن عباس وغيره في معنى الآية: المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لإثبات الحقوق والعقود؛ فكان واجبا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما أداء الشهادة؛ فهو فرض عين على من تحملها متى دعي إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه﴾ . ومعنى الآية الكريمة: إذا دعيتم إلى إقامة الشهادة؛ فلا تخفوها ولا تغلوها، ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه﴾ ؛ أي: فاجر قلبه، وهذا وعيد شديد بمسخ القلب، وإنما خصه لأنه موضع العلم بالشهادة، فدلت الآية الكريمة على فرضية أداء الشهادة عينا على من تحمل متى دعي إليه.
قال الإمام العلامة ابن القيم: "التحمل والأداء حق يأثم بتركه".
وقال: "قياس المذهب أن الشاهد إذا كتم الشهادة بالحق؛

ضمنه؛ لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه، فلم يفعل، فلزمه الضمان؛ كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل ... " انتهى.
ويعتبر لوجوب التحمل والأداء انتفاء الضرر عن الشاهد فإن كان يلحقه بذلك ضرر في نفسه أو عرضه أو ماله أو أهله؛ لم يجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ ، ولحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، والله أعلم.
ويجب على الشاهد أن يكون على علم بما يشهد به؛ فلا يحل له أن يشهد إلا بما يعلم؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي: يعلم ما شهد به على بصيرة ويقين.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة؟ فقال: "ترى الشمس؟ " قال: نعم، فقال: "على مثلها فاشهد أو دع"، رواه الخلال في "جامعه".
وقال البيهقي: "لم يرد من طريق يعتمد عليه"، وقال ابن حجر: "ولكن معنى الحديث صحيح".
والعلم يحصل بأحد أمور: إما بسماع، أو رؤية من مشهود عليه، فيشهد بما سمع أو رأي، وإما بسماع الشاهد عن طريق الاستفاضة فيما يتعذر علمه بدونها غالبا كالنسب والموت، لكن لا يشهد بالاستفاضة إلا إذا بلغته عن عدد يقع بهم العلم.

ويشترط فيمن تقبل شهادته شروط: أحدهما: البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبيان إلا فيما بينهم.
قال العلامة ابن القيم: "عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضا؛ فإن الرجال لا يحضرون معهم، ولو لم تقبل شهادتهم؛ لضاعت الحقوق وتعطلت وأهملت، مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاؤوا مجتمعين قبل تفرقهم إلى بيوتهم، وتواطؤوا على خبر واحد، وفرقوا وقت الأداء، واتقفت كلمتهم؛ فإن الظن الحاصل حينئذ بشهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده ... " انتهى.
الثاني: العقل، فلا تقبل شهادة مجنون ولا معتوه، وتقبل الشهادة ممن يخنق أحيانا إذا تحمل وأدى في حال إفاقته؛ لأنها شهادة من عاقل أشبه من لم يجن.
الثالث: الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس، لو فهمت إشارته؛ لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، وإنما اكتفي بإشارة الأخراس في الحكام الخاصة به كنكاحه وطلاقه للضرورة، لكن لو أدى الأخرس الشهادة بخطه؛ قبلت لدلالة الخط على للفظ.
الرابع: الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ؛ فلا تقبل شهادة الكافر إلا على الوصية في حال السفر، فيقبل شهادة كافرين عليها عند عدم غيرهما؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ

مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَة} الآية، هذا لأجل الضرورة.
الخامس: الحفظ، فلا تقبل شهادة المغفل والمعروف بكثرة السهو والغلط؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله، ولا يغلب على الظن صدقه؛ لاحتمال أن يكون ذلك من غلطه، وتقبل شهادة من يقل منه السهو والغلط؛ لأن ذلك لا يسلم منه أحد.
السادس: العدالة، وهي لغة: الاستقامة، ومن العدل، وهو ضد الجور، والعدالة شرعا: استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله.
ودليل اشتراط العدالة في الشاهد قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . وقد قال جمهور العلماء: إن العدالة صفة زائدة على الإسلام، وهي أن يكون ملتزما بالواجبات والمستحبات، ومجتنبا للمحرمات والمكروهات.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ورد شهادة من عرف بالكذاب متفق عليها بين الفقهاء".
وقال: "والعدل في كل زمان ومكان وطائفة بحسبها، فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل منهم، وإن كان لو كان في غيرهم؛ لكان عدله على وجه آخر، بهذا يمكن الحكم بين الناس، وإلا؛ لو اعتبر في شهود كل طائفة أن لا يشهد عليهم إلا من يكون قائما بأداء الواجبات وترك المحرمات، كما كان الصحابة؛ لبطلت الشهادات كلها أو غالبها".

وقال: "يتوجه أن تقبل شهادة المعروفين بالصدق، وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود، عند الضرورة؛ مثل: الحبس، وحوادث البدو، وأهل القربة الذين لا يوجد فيهم عدل" انتهى.
قال الفقهاء رحمهم الله: ويعتبر للعدالة شيئان: أحدهما: أداء الفرائض أي: الصلوات الخمس والجمعة بسننها الراتبة فلا تقبل شهادة من داوم على ترك السنن الرواتب والوتر.
قال الإمام أحمد رحمه الله فيمن يواظب على ترك سنة الصلاة: "إنه رجل سوء؛ لأنه بالمداومة يكون راغبا عن السنة، وتلحقه التهمة".
وكما يعتبر أداء القرائض يعتبر اجتناب المحارم؛ بأن لا يأتي كبيرة، ولا يدمن على صغيرة.
وقد نهى الله عن قبول شهادة القاذف، وقيس عليه كل مرتكب لكبيرة، والكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة؛ كأكل الربا، وشهادة الزور، والزنى، والسرقة، وشرب المسكر ... وغير ذلك؛ فلا تقبل شهادة الفاسق.
والثاني: استعمال المروءة أي: الإنسانية، وهو فعل ما يجمله ويزينه؛ كالسخاء، وحسن الخلق، وحسن المجاورة، واجتناب ما يدنسه ويشينه عادة من الأمور الدنيئة المزرية به؛ كالمغنى، والمتمسخر، وهو الذي يأتي بما يضحك الناس من قول أو فعل.

قال الشيخ: "وتحرم محاكاة الناس للضحك، ويعزر هو ومن يأمره؛ لأنه أذى".
أقول: وهذا يتناول التمثيليات اليوم، وقد أصبح الغناء في هذا الزمان من الفنون التي يشجع أهلها ويشاد بها؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومتى زالت هذه الموانع من الشخص، فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق؛ قلبت شهاداتهم؛ لعدم المانع من قبولها وتوفر الشروط، والله أعلم.
ولا تقبل شهادة عمودي النسب وهم الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا بعضهم لبعض؛ فلا تقبل شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه؛ للتهمة في ذلك؛ بسبب قوة القرابة بينهما.
وتقبل شهادة الأخ لأخيه، والصديق لصديقه؛ لعموم الآيات، وانتفاء التهمة.
ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه؛ لأن كلا منهما ينتفع بمال صاحبه، ولقوة الوصلة بينهما مما يقوي التهمة، وتقبل الشهادة عليهم من هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ، فلو شهد على أبيه أو ابنه أو زوجته أو شهدت عليه؛ قبلت.
ولا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه نفعا بتلك الشهادة أو يدفع

عنها بها ضررًا.
ولا تقبل شهادة عدو على عدوه.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "منعت الشريعة من قبول شهادة العدو على عدوه؛ لئلا تتخذ ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة ... " انتهى.
وضابط العداوة المانعة من قبول الشهادة هنا أن من سره مساءة شخص أو غمه فرحه؛ فهو عدوه.
والمراد العدواة الدنيوية، وأما العدواة في الدين؛ فليست مانعه من قبول الشهادة، فتقبل شهادة مسلم على كافر، وشهادة سني على مبتدع؛ لأن الدين يمنع ارتكاب المحرم.
ولا تقبل شهادة من عرف بعصبية وإفراط في حمية لقبيلته؛ لحصول التهمة في ذلك.
وأما عدد الشهود؛ فهو يختلف باختلاف المشهود به: فلا يقبل لثبوت الزنى واللواط إلا أربعة رجال؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، ولأنه مأمور فيه بالستر، ولهذا غلظ فيه النصاب.
ويقبل في إثبات عسرة من عرف بالغنى وادعى أنه فقير ثلاثة رجال؛ لحديث: "حتى تشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاتا فاقة"، رواه مسلم.

ويقبل لإثبات بقية الحدود غير حد الزنى كحد القذف وحد المسكر والسرقة وقطع الطريق والقصاص رجلان، ولا تقبل فيها شهادة النساء.
وما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالبا؛ كنكاح وطلاق ورجهة؛ يقبل فيها رجلان، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله قبول شهادة النساء على الرجعة؛ لأن حضورهن عند الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق.
ويقبل في المال وما يقصد به المال؛ كالبيع، والأجل، والإجارة ... ونحو ذلك؛ يقبل فيها رجلان، أو رجل وامرأتان؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَان﴾ ، وسياق الآية الكريمة يدل على اختصاص ذلك بالأموال.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "اتفق المسلمون على أنه يقبل في الأموال رجل وامرأتان، وكذا توابعها من البيع والأجل فيه والخيار فيه والرهن والوصية للمعين وهبته والوقف عليه وضمان المال وإتلافه ودعوى رق مجهول النسب وتسمية المهر وتسمية عوض الخلع" انتهى.
والحكمة والله أعلم في قبول شهادة المرأة في المال؛ أنه تكثر فيه المعاملة، ويطلع عليه الرجال والنساء غالبا، فوسع الشرع في باب ثبوته.

وقد جعل سبحانه المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام أحدها هذا، والثاني في الميراث، والثالث في الدية، والرابع في العقيقة، والخامس في العتق.
وقد بين سبحانه الحكمة في ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ؛ أي تذكرها إن ضلت، وذلك لضعف العقل؛ فلا تقوم الواحدة مقام الرجل، وفي منع قبولها بالكلية إضاعة لكثير من الحقوق وتعطيل لها، فضم إليها في الشهادة نظيرتها؛ لتذكرها إذا نسيت، فتقوم شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل.
ويقبل أيضا في المال وما يقصد به المال أيضا رجل واحد ويمين المدعي؛ لقول ابن عباس: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد"، رواه أحمد وغيره.
قال الإمام أحمد رحمه الله: "مضت السنة أنه يقضى باليمين مع الشاهد".
قال ابن القيم: "ولا يعارض ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "اليمين على المدعى عليه"؛ فإن المراد به إذا لم يكن مع المدعي إلا مجرد الدعوى؛ فإنه لا يقضى له بمجرد الدعوى، فأما إذا ترجح جانبه بشاهد أو لوث أو غيره؛

لم يقض له بمجرد دعواه، بل بالشاهد المجتمع من ترجيح جانبه ومن اليمين ... " انتهى.
وما لا يطلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والحيض والولادة والرضاع واستهلال المولود ونحو ذلك يقبل فيه شهادة امرأة عدل؛ لحديث حذيفة: "أن النبي صلى الله عليه وسل أجاز شهادة القابلة وحدها"، رواه الدارقطني وغيره، وفي إسناده مقال، وقد قيل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة المرأة الواحدة في الرضاع كما في "الصحيحين".

باب في كتاب القاضي إلى القاضي والشهادة على الشهادة ورجوع الشهود

كتاب القاضي إلى القاضي قد تدعو الحاجة إليه؛ فإن من له حق في غير بلده لا يمكنه إثياته والطلب به إلا عن طريق إثباته عند قاضي ذلك البلد والكتابة بذلك إليه؛ لاستكمال بقية الإجراءات الحكمية؛ إذ يتعذر السفر بالشهود، وربما كانوا معروفين في بلد دون بلد، فيتعذر إثبات الحق بدون كتاب القاضي إلى قاض آخر.
وقد أجمعت الأمة على قبول كتاب القاضي إلى القاضي لأثبات الحقوق وتنفيذها، وقد كتب سليمان عليه السلام إلى بلقيس، وكتب النبي محمد صلى الله عليه وسل إلى النجاسي وإلى قيصر وإلى كسرى يدعوهم إلى الإسلام، وكاتب صلى الله عليه وسل عماله وسعاته، فدل ذلك على مشروعية العمل به.
ويقبل في كل حق لآدمي، ولا يقبل في حدود الله؛ كحد الزنى وشرب الخمر؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر والدرء بالشبهات.

كتاب القاضي إلى القاضي على نوعين: النوع الأول: يكون فيما حكم به القاضي الكاتب لينفذه القاضي المكتوب إليه، وهذا يقبل، ولو كان كل من الكاتب والمكتوب إليه في بلد واحد؛ لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حال، إلا؛ تعطلت الأحكام، وكثرت الخصومات.
والنوع الثاني: أن يكتب القاضي فيما ثبت عنده إلى قاض آخر ليحكم به، ويشترط لقبول هذا النوع أم يكون بين الكاتب زالمكتوب إليه مسافة قصر فأكثر؛ لأنه نقل شهادة إلى المكتوب إليه، فلم يجز مع القرب.
وصورة الثبوت أن يقول: ثبت عندي أن لفلان على فلان كذا وكذا.
والثبوت ليس بحكم، بل خبر بالثبوت.
قال الشيخ: "ويجوز نقله إلى مسافة قصر فأكثر، ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به؛ لأن الذي ثبت عنده ذلك الشيء يخبر بثبوت ذلك عنده، وللحاكم الذي اتصل به ذلك الثبوت الحكم به إذا كان يرى حجته، ويجوز أن يكون القاضي المكتوب إليه غير معين، كأن يقول: إلى كل من يصل إليه كتابي من قضاة المسلمين؛ من غير تعيين، ويلزم من وصل إليه قبوله؛ لأنه كتاب حاكم من محل ولايته وصل إلى حاكم، فلزم قبوله، كما لو كتب إلى معين".
ويشترط لقبول كتاب إلى القاضي القاضي أن يشهد به القاضي

الكاتب شاهدين عدلين يضبطان معناه وما يتلعق به من الحكم.
هذا قول، والقول الآخر: يجوز العمل بكتاب القاضي إلى القاضي إذا عرف خطه، وإن لم يشهد، وهو رواية عن الإمام أحمد، وفي وقتنا هذا يمكن أن يكتفي بختم المحكمة الرسمي عن الإشهاد.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "أجمع الصحابة على العمل بالكتاب، وكذا الخلفاء بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب، فإن لم يعمل بما فيها؛ تعطلت الشريعة".
وقال: "ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم لبعض، ولا يشهدون حاملها على ما فيها، ولا يقرؤونه عليه، وهذا عمل الناس من زمن نبيهم إلى الآن".
قال: "والقصد حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه، فإذا عرف وتيقن؛ كان كنسبة اللفظ إليه، وقد جعل الله في خط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره؛ كتميز صورته وصورته، والناس يشهدون شهادة ولا يستريبون فيها على أن هذا فه خط فلان".
وقال الشيخ تقي الدين: "ومن عرف خطه بإقرار أو إنشاء أو عقد أو شهادة؛ عمل به ... " انتهى.
وأما الشهادة على الشهادة؛ فهي أن يقول شخص لآخر: اشهد على شهادتي بكذا، أو اشهد أني أشهد بكذا، ونحو ذلك؛ ففيها معنى النيابة، ويسمى الشاهد الأصلي شاهد الأصل، والنائب عنه شاهد الفرع.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الملخص الفقهي · 667 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب البيوع
كتاب الشركاتكتاب المساقاة والمزارعة والإجارةكتاب إحياء الموات وتملّك المباحات
كتاب المواريث
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب القصاصات والجنايات
كتاب الحدود والتعزيرات
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان والنذور
كتاب القضاء
جارٍ التحميل