الملخص الفقهيصفحات 501-518
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القصاصات والجنايات

صفحات 501-518
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

كاملة، وفي إتلاف أحدهما نصفها؛ لأن فيهما منفعة وجمالاً، وليس في البدن غيرهما من جنسهما.
قال الموفق: "لا نعلم فيه مخالفا".
وفي كتاب عمرو بن حزم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له: "وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية".
قال ابن عبد البر رحمه الله: "كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء، وما فيه متفق عليه؛ إلا قليلاً".
وما في الإنسان منه ثلاثة أشياء: إذا أتلفها جميعا؛ ففيها دية كاملة، وفي الواحد منها ثلث الدية، وذلك كالأنف؛ فإنه يشمل ثلاثة أشياء هي: المنخران والحاجز بينهما، فتوزع الدية عليها كما توزع الأصابع.
وما في الإنسان منه أربعة أشياء ففيها جميعا إذا أتلفت دية كاملة، وفي الواحد منها ربع الدية، وذلك كالأجفان الأربعة؛ لأن فيها جمالاً ظاهرا ونفعا كاملاً؛ حيث تُكِنُّ العين، وتحفظها من الحر والبرد، فوجبت فيها الدية، وفي بعضها بقدرة.
وفي أصابع اليدين الدية كاملة، وكذا أصابع الرجلين دية كاملة إذا قطعت جميعا، وفي كل أصبع عشر الدية؛ لحديث ابن عباس مرفوعا:

"دية أصابع الدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع"، رواه الترمذي وصححه، وللبخاري عنه مرفوعا: "هذه وهذه سواء [يعني: الخنصر والإبهام] "، فدل الحديثان على وجوب الدية في أصابع اليدين والرجلين، وأن في كل أصبع عشرها.
وفي كل أنملة من أصابع اليدين والرجلين ثلث عشر الدية؛ لأن في كل إصبع ثلاثة مفاصل، فتقسم دية الإصبع على عددها، كما قسمت دية اليد على الأصابع بالسوية، والإبهام فيه مفصلان، في كل مفصل منهما نصف عشر الدية لما سبق.
وفي كل سن نصف عشر الدية "خمس من الإبل"؛ لحديث عمرو بن حزم مرفوعا: "وفي السن خمس من الإبل"، رواه النسائي.
قال الموفق: "لا نعلم خلافا في أن دية الأسنان خمس خمس في كل".
ثانيا: دية المنافع وأما المنافع؛ فالمراد بها منافع تلك الأعضاء المذكورة؛ كالسمع، والبصر، والشم، والكلام، والمشي؛ فكل عضو له منفعة خاصة.
ومن ذلك الحواس الأربع، وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق؛ ففي كل حاسة منها إذا ذهبت بسبب الجناية دية كاملة.

قال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن في السمع الدية".
وقال الموفق: "لا خلاف في وجوب الدية بذهاب السمع".
وفي كتاب عمرو بن حزم: "وفي المشام الدية".
ولقضاء عمر رضي الله عنه في رجل ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
وتجب الدية كاملة في إذهاب كل من الكلام والعقل والمشي والأكل والنكاح وعدم استمساك البول والغائط؛ لأن في كل واحدة من هذه منفعة كبيرة، ليس في البدن مثلها.
ويجب في كل واحد من الشعور الأربعة الدية كاملة، وهي شعر الرأس وشعر اللحية وشعر الحاجبين وأهداب العينين، وفي الحاجب الواحد نصف الدية، وفي الهدب الواجب ربع الدية؛ لأن الدية تتوزع عليها بعددها.
ومن هنا نعلم ما للحية في الإسلام من احترام وقيمة، حيث أوجب في إتلافها دية كاملة، وذلك لعظيم منفعتها وجمالها ووقارها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوفيرها وإكرامها، ونهى عن حلقها وقصها والتعدي عليها؛ فتبا لقوم حاربوها واعتدوا عليها بحلقها وإزالتها من وجوههم تشبها بالنساء

وتشبها بالكفار والمنافقين وتحولاً من الرجولة والشهامة إلى الميوعة ... وهكذا.
يُقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن فيجب على هؤلاء أن يراجعوا رشدهم، ويحكموا عقولهم، ويطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم ويوفروا لحاهم التي خلقها الله جمالاً لهم وعلامة على رجولتهم.

باب في أحكام الشجاج وكسر العظامد

... باب في أحكام الشجاج وكسر العظام الشجاج: جمع شجة، وهي الجرح في الرأس والوجه خاصة، سميت بذلك من الشج، وهو لغة: القطع لأنها تقطع الجلد، فإن كان القطع في غير الرأس والوجه؛ سمي جرحا لا شجة.
وتنقسم الشجة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب إلى عشرة أقسام، كل قسم له اسم خاص وحكم خاص: الأولى: الحارصة، وهي التي تحرص الجلد؛ أي: تشقه قليلاً ولا تدميه، وتسمى القاشرة؛ أي: لأنها تقشر الجلد.
الثانية: البازلة، وهي التي يسيل منها الدم قليلاً، وتسمى الدامعة؛ تشبيها بخروج الدمع من العين.
الثالثة: الباضعة، وهي التي تبضع اللحم؛ أي: تشقه بعد الجلد.
الرابعة: المتلاحمة، وهي الغائصة في اللحم، ولذلك اشتقت منه.
الخامسة: السمحاق، وهي التي تنفذ من اللحم، ولا يبقى بينها وبين العظم سوى جلدة رقيقة تسمى السمحاق، سميت الجارحة الواصلة إليها باسمها.

وهذه الخمس المذكورة من الشجاج ليس في ديتها مبلغ مقدر من الشارع، فيقدر فيها حكومة، يجتهد الحاكم في تقديرها.
السادسة: الموضحة، وهي التي توضح العظم وتبرزه، وديتها خمسة أبعرة؛ لحديث عمرو بن حزم: "وفي الموضحة خمس من الإبل".
السابعة: الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه؛ أي: تكسره، ويجب فيها عشر من الإبل، ويروى ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، ولم يعرف له مخالف في عصره من الصحابة.
الثامنة: المنقلة، وهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقل العظام بحيث تحتاج إلى جمع لتلتئم، ويجب فيها خمس عشرة من الإبل؛ لحديث عمرو بن حزم الذي كتبه له النبيصلى الله عليه وسلم؛ قال: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل".
التاسعة: المأمونة، وهي التي تصل إلى أم الدماغ؛ أي: جلدة الدماغ.
العاشرة: الدامغة، وهي التي تخرق تلك الجلدة.
ويجب في كل واحدة من هاتين الشجتين المأمومة والدامغة ثلث الدية؛ لحديث عمرو بن حزم: "وفي المأمومة ثلث الدية"، والدامغة أبلغ منها؛ فهي أولى منها، والغالب أن صاحبها لا يسلم، ولذلك لم يرد بخصوصها تقدير.

وفي الجراحة الجائفة ثلث الدية؛ لما في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية".
قال الإمام الموفق: "وهو قول عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الحديث وأصحاب الرأي".
والمراد بالجائفة: الجراحة التي تصل إلى باطن جوف بطن وظهر وصدر وحلق ومثانة.
وأما ما يجب في كسر العظام: فيجب في الضلع إذا جبر بعد كسره كما كان بعير، ويجب في كل واحدة من الترقوتين بغير؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "في الضلع جمل، وفي الرقوة جمل"، والترقوة هي العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف، ولكل إنسان ترقوتان.
وإن انجبر الضلع أو الترقوة بدون استقامة؛ وجب في ذلك حكومة.
ويجب في كسر الذراع، وهو الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد، إذا جبر مستقيما: بعيران، كما يجب ذلك أيضا في كسر الفخذ

وكسر الساق وكسر الزند؛ لما روى سعيد عن عمرو بن شعيب: "أن عمرو بن العاص رضي الله عنه كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر؟، فكتب إليه عمر: أن فيه بعيرين، وإذا كسر الزندان؛ ففيهما أربعة من الإبل".
ولم يظهر له مخالف من الصحابة.
وهذا ما ورد فيه التقدير من الجراح والكسور، وما عداه من الجرح وكسر العظام كخرز الصلب وعظم العانة؛ ففيه حكومة.
والحكومة معناها: أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، يقوم وهي به قد برئت؛ فما نقص من القيمة؛ فللمجني عليه مثل نسبته من الدية.
مثال ذلك: لو قدر أن قيمته لو كان عبدًا سليما ستون، وقيمته بالجناية خمسون؛ ففيه سدس ديته؛ لأن الناقص بالتقويم واحد من ستة، وهو سدس قيمته، فيكون للمجني عليه سدس ديته.
قال الموفق رحمه الله: "الصحيح أنع لا تقدير في غير الخمس: الضلع والترقوتين والزندين؛ لأن التقدير إنما ثبت بالتوقيف، ومقتضى الدليل وجوب الحكومة في هذه العظام الباطنة كلها، يعني: سوى هذه الخمس لقضاء عمر ... " انتهى.
قال الفقهاء رحمهم الله: فإن كانت الجراحة التي تقدر فيها الحكومة في محل له مقدر في الشرع، وذلك كالشجة التي هي دون الموضحة؛ فلا يجوز أن يبلغ بحكومتها أرش الموضحة؛ لأن الجراحة لو

كانت موضحة؛ لم تزد غرامتها على خمس من الإبل؛ فما دونها من باب أولى.
وإذا برئ المجني عليه، وعاد كما كان؛ لم تنقصه الجناية شيئا؛ فإنه يقوم وقت جريان الدم؛ لأنه لا بد في هذه الحالة من نقصه؛ للخوف عليه، ولتأثير الجناية عليه حينئذ.

باب في كفارة القتل

... باب في كغارة القتل الكفارة سميت بذلك اشتقاقا من الكفر، وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب وتغطية.
والدليل على وجوب كفارة القتل الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيما﴾ . وروى أبو داود والنسائي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في القاتل: "أعتقوا عنه؛ يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار".
وإنما تجب الكفارة في القتل الخطأ وشبه العمد، وأما القتل العمد العدوان؛ فلا كفارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ، ولم يذكر فيه كفارة.

وروي أن سويد بن الصامت قتل رجلاً، فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه القود، ولم يوجب كفارة، وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين عمدًا، فوداهما النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يوجب عليه كفارة، ولأن الكفارة وجبت في الخطأ لتمحو إثمه؛ لكونه لا يخلو من تفريط؛ فلا تلزم في موضع عظم الإثم فيه؛ بحيث لا يرتفع بها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا كفارة في قتل العمد، ولا في اليمين الغموس، وليس ذلك تخفيفا عن مرتكبها".
وذكر موفق الدين بن قدامة وغيرة: "أن القتل الخطأ لا يوصف بتحريم ولا إباحة؛ لأنه كقتل المجنون، لكن النفس الذاهبة به معصومة محرمة؛ فلذلك وجبت الكفار فيها ... " انتهى.
ومعناه: أن الحكمة في تشريع الكفارة في القتل الخطأ ترجع إلى أمرين: الأمر الأول: أن الخطأ لا يخلو من تفريط من القاتل.
الأمر الثاني: النظر إلى حرمة النفس الذاهبة به.
وأما العمد؛ فلا تجب فيه الكفارة؛ لأن إثمه لا يرفع بالكفارة؛ لعظمه وشدته، لكن القاتل عمدًا إذا تاب إلى الله تعالى، ومكن من نفسه؛ ليقتص منه؛ فإن ذلك يخفف عنه الإثم، فيسقط عنه حق الله بالتوبة، وحق الأولياء بالقصاص أو العفو عنه، ويبقى حق القتيل يرضيه الله بما

شاء، هذا معنى ما قرره العلامة ابن القيم في كتابه "الجواب الكافي".
فمن قتل نفسا محرمة، ولو كان مملوكه، أو كان كافرًا معاهدًا أو مستأمنا، مولودًا أو جنينا بأن ضرب بطن حامل فألقت جنينا ميتا، ومن قتل واحدًا من هؤلاء؛ وجبت عليه الكفارة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ . وسواء انفرد بقتل النفس أو شارك في ذلك غيره، وسواء كان القتل بمباشرة أو تسبب؛ كمن حفر بئرًا متعديا في حفرها، أو نصيب سكينا ... ونحوها ذلك من كل فعل نتج عنه وفاة شخص.
قال الموفق: "يلزم كل واحد من شركائه كفارة، هذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي" انتهى.
وتجب الكفارة على القاتل، سواء كان كبيًرا أو صغيرًا أو مجنونا، وسواء كان حرا أو عبدا؛ لعموم الآية.
والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد؛ فصيام شهرين

متتابعين، ولا يجرئ إطعام فيها، فإذا لم يستطع الصوم؛ بقي في ذمته، ولا يجزئ عنه الإطعام؛ لأنه تعالى لم يذكره، والأبدال في الكفارات تتوقف على النص دون القياس.
ويكفر العبد بالصوم؛ لأنه لا مال هل يعتق منه.
وإن كان القاتل مجنونا أو صغيرًا؛ كفر عنه وليه بعتق؛ لعدم إمكان الصوم منهما، ولا تدخله النيابة، وقد وجبت الكفارة على كل منهما؛ لأنه حق مالي يتعلق بالقتل أشبه الدية، ولأنها عبادة مالية أشبهت الزكاة.
وتتعدد الكفارة بتعدد القتل كتعدد الدية بتعدد القتل، فلو قتل عدة أشخاص؛ وجبت عليه عدة كفارات بعددهم.
وإن كان القتل مباحا كقتل الباغي والمرتد والزاني المحصن والمقتول قصاصا أو حدًا أو لأجل الدفاع عن النفس؛ فلا كفارة في تلك كله؛ لعدم حرمة المقتول.
تنبيه أداء كفارة القتل مما يتساهل فيه بعض الناس اليوم، خصوصا في حوادث السيارات التي تذهب فيها أنفس كثيرة؛ فقد يستثقل من تحمل المسؤولية في ذلك الصيام، ولا سيما إذا تعددت عليه الكفارات؛ فلا يصوم، وتبقى ذمته مشغولة، كما أن هناك ظاهرة أخرى، وهي أن عاقلة القاتل لا تتحمل دية الخطأ، وإن تحمل أحد منهم شيئا منها؛ فإنه يظنه من باب التبرع، ولذلك

نرى بعض من حصل منهم القتل الخطأ يسألون الناس سداد الدية، وهذا تعطيل لحكم شرعي عظيم، أدى إلى جهل الكثير به، وربما يكون بعض المتسولين باسم تلك الغرامة متحيلاً، فيجب الأخذ على يده وردعه عن أكل المال بالباطل والتحيل بواسطة حمل بعضهم صور صكوك غير شرعية ولا حقيقة، وقد يكون مضى عليها حين طويل من الدهر.

باب في أحكام القسامة

القسامة لغة: اسم مصدر، من قولهم: أقسم إقساما وقسامة؛ أي: حلف حلفا، والمراد بها هنا الأيمان؛ أي: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
وتشرع القسامة في القتيل إذا وجد ولم يعلم قاتله واتهم به شخص.
والدليل عليها السنة والإجماع.
ففي "الصحيحين" عن سهل بن أبي حثمة؛ أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه، فأتى يهود، فقال: أنتم قتلتموه.
فقالوا: لا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ". وفي رواية: "تأتون بالبينة؟ ". قالوا: ما لنا بينة.
فقال: "أتحلفون؟ ". قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟! فقال: "تبرئكم يهود بخمسين يمينا".
فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟، فوداه بمئة من الإبل.

فدل ذلك على مشروعية القسامة، وأنها أصل من أصول الشرع، مستقل بنفسه، وقاعدة من قواعد الأحكام، فتخصص بها الأدلة العامة.
وأما شروط القسامة: فمن أهمها: وجود اللوث، وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله؛ كالقبائل التي يطلب بعضها بعضا بالثأر، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله من أجله؛ فللأولياء حينئذ أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، وإن كانوا غائبين.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن اللوث لا يختص بالعدواة، بل يتناول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى؛ كتفرق جماعة عن قتيل، وشهادة من لا يثنب القتل بشهادتهم ... ونحو ذلك.
قال أحمد: "أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان قم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل مثل هذا".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا على ذلك: "فذكر أمورًا أربعة: اللطخ: وهو التكلم في عرضه كالشهادة المردودة، والسبب البين كالتفرق عن قتيل، والعداوة، وكون المطلوب من المعروفين بالقتل، وهذا هو الصواب".
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وهذا من أحسن الاستشهاد؛ فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن صدق المدعى، فيجوز له أن

يحلف بناء على ذلك، ويجوز للحاكم بل يجب عليه أن يثبت له حق القصاص أو الدية، ومع علمه أنه لم ير ولم يشهد ... " انتهى.
لكن لا ينبغي للأولياء أن يحلفوا إلا بعد الاستيثاق من غلبة الظن، وينبغي للحاكم أن يعظم ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة من العقوبة.
ومن شروط القسامة: أن يكون المدعى عليه القتل فيها مكلفا؛ فلا يصح الدعوى فيها على صغير ول مجنون.
ومن شروطها: إمكان القتل من المدعى عليه، فإن لم يمكن منه القتل؛ لعبده عن مكان الحادث وقت وقوعه؛ لم تسمع الدعوى عليه.
وصفة القسمة: أنها إذا توفرت شروط إقامتها؛ يبدأ بالمدعين، فيحلفون خمسين يمينا توزع عليهم على قدر إرثهم من القتيل: أن فلانا هو الذي قتله، ويكون ذلك بحضور المدعى عليه.
فإن أبى الورثة أن يحلفوا، أو امتنعوا من تكميل الخمسين يمينا؛ فإنه يحلف المدعى عليه خمسين يمينا إذا رضي المدعون بأيمانه، فإذا حلف برئ، وإن لم يرض المدعون بتحليف المدعى عليه؛ فدى الإمام القتيل من بيت المال؛ لأن الأنصار لما امتنعوا من قبول أيمان اليهود؛ فدى النبي صلى الله عليه وسلم القتيل من بيت المال، ولأنه يبق سيبل لإثبات الدم على المدعى عليه، فوجب الغرم من بيت المال؛ لئلا يضيع دم المعموم هدرًا بلا مبرر لإهداره.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك يثبت في القسامة إذا توفرت شروطها وحلف أولياء القتيل خمسين يمينا، والصحيح أنها إذا توفرت شروط القصاص بعد توفر شروط القسامة وتمامها إنما يثبت بها القصاص على المدعى عليه؛ لقوله النبي صلى الله عليه وسلم: "يحلف خمسون منكم على رجل

منهم، فيدفع إليكم برمته"، وفي لفظ لمسلم: "ويسلم إليكم"، فتقوم القسامة مقام البينة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله عن ثبوت الحكم بالقسامة: "وليس إعطاء بمجرد الدعوى، وإنما هو بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه، فوق تغليب الشاهدين، وهو اللوث والعداوة الظاهرة والقرينة الظاهرة؛ فقوى الشارع هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء المقتول الذين يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس منه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولو يعطى أناس بدعواهم" لا يعارض القسامة بوجه؛ فإنما نفى الإعطاء بدعوى مجردة ... " انتهى.
قال الفقهاء رحمهم الله: ومن مات في زحمة جمعة أو طواف؛ فإنه تدفع ديته من بيت المال؛ لما روي عن عمر وعلي: "أنه قتل رجل في زحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر، فقال: بينتكم على قاتله.
فقال علي: يا أمير المؤمنين! لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال"

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
جارٍ التحميل