كتاب القصاصات والجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صالح الفوزان
- الكتاب
- الملخص الفقهي
- المؤلف
- صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
- الناشر
- دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب في أحكام القتل وأنواعه
وقد عرف فقهاؤنا رحمهم الله الجنايات: بأنها جمع جناية، وهي لغة التعدي على بدن أو مال أو عرض.
وقد عقدوا للنوع الأول منها وهو التعدي على البدن كتاب الجنايات.
وعقدوا للنوع الثاني والثالث وهما التعدي على المال والعرض كتاب الحدود.
والتعدي على البدن: هو ما يوجب قصاصا أو مالاً أو كفارة.
وقد أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، ودليل ذلك من الكتاب والسنة.
وقال الله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقّ﴾ .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، رواه مسلم وغيره، والأحاديث بمعناه كثيرة.
فمن قتل مسلما عدوانا؛ فقد توعده الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ .
وحكمه: أنه فاسق؛ لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب.
وأمره إلى الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ؛ فهو داخل تحت المشيئة؛ لأن ذبه دون الشرك.
وهذا إذا لم يتب، أما إذا تاب، فتوبته مقبولة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
لكن لا يسقط عنه حق المقتول في الآخرة بمجرد التوبة، بل يأخذ المقتول من حسنات القاتل بقدر مظلمته، أو يعطيه الله من عنده، ولا يسقط حق المقتول بالقصاص؛ لأن القصاص حق لأولياء المقتول.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "التحقيق: أن القتل تتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعا للولي ندما وخوفا من الله، وتاب توبة نصوحا؛ سقط حق الله بالتوبة، وحق الأولياء باستيفاء القصاص أو الصلح أو العفو، وبقى حق المقتول، يعوضه الله يوم القيامة عن عبده التائب، ويصلح بينه وبينه".
والقتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام عند أكثر أهل العلم، وهي: القتل العمد، والقتل شبه العمد، والقتل الخطأ.
فأما العمد والخطأ؛ فقد ورد ذكرهما في القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ .
وأما شبه العمد؛ فثبت في السنة المطهرة؛ كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عقل شبه مغلط مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح"، رواه أحمد وأبو داود.
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا فيه مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها"، رواه الخمسة إلا الترمذي.
فالقتل العمد: هو أن يقصد من يعلمه آدميا معصوما فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
فنأخذ من هذا التعريف أن القتل لا يكون عمدًا إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط:
الشرط الأول: وجود القصد من القاتل، وهي إرادة القتل.
الشرط الثاني: أن يعلم أن الشخص الذي قصد قتله آدمي معصوم الدم.
الشرط الثالث: أن تكون الآلة التي قتله بها مما يصلح للقتل عادة، سواء كان محددًا أو غير محدد.
فإن اختل شرط من هذه الشروط؛ لم يكن القتل عمدًا؛ لأن عدم القصد لا يوجب القود، وحصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون اتفاقا لسبب أوجب الموت غيره.
وللعمد تسع صور معلومة بالاستقراء:
إحداها: أن يجرحه لما له نفوذ في البدن؛ كسكين وشوكة ونحو ذلك من المحددات.
قال الموفق: "لا اختلاف فيه بين العلماء فيما علمناه".
الثانية: أن يقتله بمثقل كبير الحجر ونحوه، فإن كان الحجر صغيراً فليس بعمد؛ إلا إن كان في مقتل، أو في حال ضعف قوة المجني عليه من مرض أو صغر أو كبر أو حر أو برد ونحوه، أو ردد ضربه الحجر الصغير ونحوه حتى مات، ومثل قتله بالمثقل لو ألقى عليه حائطا أو دهسه بسيارة أو ألقاه من مرتفع فمات.
الثالثة: أن يلقيه إلى حيوان مفترس كأسد، أو إلى حية؛ لأنه إذا تعمد إلقاءه إلى هذه القواتل؛ فقد تعمد قتله بما يقتل غالبا.
الرابعة: أن يلقيه في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما.
الخامسة: أن يخنقه بحبل أو غيره أو يد فمه وأنفه فيموت من ذلك.
السادسة: أن يحسبه ويمنع عنه الطعام والشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالبا، ويتعذر عليه الطلب؛ لأن هذا يقتل غالبا.
السابعة: أن يقتله بسحر يقتل غالبا، والساحر يعلم أن ذلك غالبا يقتل.
الثامنة: أن يسقيه سمّا لا يعلم به، أو يخلطه بطعامه، فيأكله جاهلاً بوجود السم فيه.
التاسعة: أن يشهد عليه شهود بما يوجب قتله من زنى أو ردة أو قتل، فيقتل ثم يرجع الشهود عن شهادتهم، ويقولون: تعمدنا قتله، فيقتلون به؛ لأنهم توصلوا إلى قتله بما يقتل غالبا.
وشبه العمد: قد عرفه الفقهاء رحمهم الله بقولهم: "هو أن يقصد جناية لا تقتل غالبا
1، فيموت بها المجني عليه، سواء كان ذلك بقصد العدوان عليه، أو لأجل تأديبه، فيسرف في ذلك، وسمي هذا النوع من الجنايات شبه العمد؛ لأن الجاني قصد الفعل وأخطأ في القتل".
قال ابن رشد: "من قصد ضرب رجل بعينه بآلة لا تقتل غالبا؛ كان حكمه مترددًا بين العمد والخطأ، فشبهه للعمد من جهة قصد ضربه، وشبهه للخطأ من جهة ضربه بما لا يقصد به القتل" انتهى.
ومن أمثله شبه العمد: ما لو ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغير لكزه بيده أو لكمه في غير مقتل فمات؛ كان ذلك شبه عمد، تجب به الكفارة في مال الجاني، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد؛ صام شهرين متتابعين كما يجب الخطأ، ووجبت الدية مغلظة في مال عاقلة الجاني؛ لحديث أبي هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها"، متفق عليه.
فدل الحديث على عدم وجوب القصاص في شبه العمد، وعلى أن ديته تكون على عاقلة الجاني؛ لأنه قتل لا يوجب قصاصا فكانت ديته على العاقلة كالخطأ.
قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنها على العاقلة".
وقال الموفق وغيره: "لا نعلم خلافا أنها على العاقلة ... " انتهى.
وأما قتل الخطأ؛ فقد عرفه الفقهاء بقولهم: وهو أن يفعل ما له فعله؛ مثل أن يرمي صيدًا أو هدفا، فيصيب آدميا معصوما لم يقصده، فيقتله، أو يقتل مسلما في صف كفار يظنه كافرًا.
وعمد الصبي والمجنون يجري مجرى الخطأ؛ لأنهما ليس لهما قصد؛ فهما كالمكلف المخطئ.
ويجري مجرى الخطأ أيضا القتل بالتسبب؛ كما لو حفر بئرًا أو حفرة في طريق أو قف سيارة، فتلف بسبب ذلك إنسان.
ويجب بالقتل الخطأ: الكفارة في مال القاتل، وهي عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد الرقبة، أو وجدها ولم يقدر على ثمنها؛ صام شهرين متتابعين، وتجب الدية على عاقلته، وهم ذكور عصابته.
ومن قتل مسلما في صف كفار يظنه كافرًا؛ لا يجب فيه إلا الكفارة فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ .
فجعل قتل الخطأ على قسمين:
قسم فيه الكفارة على القاتل والدية على عاقلته، وهو قتل المؤمن خطأ في غير صف الكفار، وفيما إذا كان القتيل من قوم بيننا وبينهم عهد.
وقسم تجب فيه الدية فقط، وهو قتل المؤمن بين الكفار يظنه القاتل كافرًا.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في "فتح القدير": ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ؛ أي: فإن كان المقتول من قوم عدو لكم، وهم الكفار الحربيون، وهذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذي كان منهم، ثم أسلم ولم يهاجر، وهم يظنون أنه لم يسلم وأنه باق على دين قومه؛ فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة.
واختلفوا في وجه سقوط الدية؛ فقيل: وجهه أن أولياء القتيل كفار، لا حق لهم في الدية، وقيل: وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، وقال بعض أهل العلم: إن ديته واجبة لبيت المال...." انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هذا في المسلم الذي هو بين الكفار معذور كالأسير، والمسلم الذي لا تمكنه الهجرة والخروج من صفهم، فأما الذي يقف في صف قتالهم باختياره؛ فلا يضمن بحال؛ أنه عرض نفسه للتلف بلا عذر".
والدليل على وجوب دية قتل الخطأ على عاقلة القاتل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لزوجها وبنتيها، وأن العقل على
عصبتها"، متفق عليه.
فدل الحديث على أن دية الخطأ على العاقلة، وقد أجمعوا على ذلك.
والحكمة في ذلك والله أعلم: أن إيجاب الدية في مال المخطئ فيه ضرر عظيم في غير ذنب تعمده، والخطأ يكثر وقوعه؛ ففي تحميله ضمان خطئه إجحاف بماله، ولا بد من إيجاب بدل للمقتول؛ لأنه نفس محترمة، وفي إهدار دمه ضرر بورثته، لا سيما عائلته؛ فالشارع الحكيم أوجب على من عليهم موالاة القاتل ونصرته أن يعينوه على ذلك، وذلك كإيجاب النفقات، وفكاك الأسر، ولأن العاقلة يرثون المعقول عنه لو مات في الجملة؛ فهم يتحملون عنه جنايته الخطأ من قبيل: "الغنم بالغرم".
وحمل القاتل الكفارة لأمور:
أولاً: احترام النفس الذاهبة.
ثانيا: لكون القتل لا يخلو من تفريطه.
ثالثا: لئلا يخلو القاتل من تحمل شيء حيث لم يحمل من الدية.
فكان في جعل الدية على العاقلة والكفارة على القاتل عدة حكم ومصالح؛ فسبحان الحكيم العليم، الذي شرع للناس ما يصلحهم وينفعهم في دينهم ودنياهم.
ولا يدخل في العاقلة: الرقيق والفقير والصغير والمجنون والأنثى والمخالف لدين الجاني؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل النصرة والمواساة.
وتؤجل دية الخطأ على العاقلة ثلاث سنين، ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يستطيع، ويبدأ بالأقرب فالأقرب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا تؤجل الدية على العاقلة إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك ... " انتهى.
باب في أحكام القصاص
أجمع العلماء على مشروعية القصاص في القتل العمد إذا توفرت شروطه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، وهذا في شريعة التوراة وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "أي: لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم حياة؛ لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصا إذا قتل آخر؛ كف عن القتل؛ وانزجر عن التسرع إليه والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية، وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع؛ فإنه جعل القصاص الذي هو موت حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضا؛ إبقاء على أنفسهم، واستدامة لحياتهم، وجعل هذا الخطاب موجها إلى أولي الألباب؛ لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب، ويتحامون ما فيه الضرر الآجل، وأما من كان مصابا بالحمق والطيش والخفة؛ فإنه لا ينظر عند سورة غضبه وغليان مراجل طيشه إلى عاقبة، ولا يفكر في أمر مستقبل؛ كما قال بعض فتاكهم:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... عليَّ قضاء الله ما كان جالبا
ثم علل سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أن: تتحامون القتل بالمحافظة على القصاص، فيكون ذلك سببا للتقوى ... " انتهى.
وجاءت السنة النبوية بأن ولي القصاص يخير بين استيفائه، وبين العفو إلى أخذ الدية، أو العفو مجانا، وهو أفضل؛ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قتل له قتيل؛ فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما أن يقاد"، رواه الجماعة إلا الترمذي.
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ .
فدلت الآية الكريمة والحديث على أن الولي يخير بين القصاص والدية، فإن شاء؛ اقتص وإن شاء؛ أخذ الدية، وعفوه مجانا أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، ولحديث أبي هريرة: "ما عفا رجل عن مظلمة؛ إلا زاده الله بها عزًا"، رواه أحمد ومسلم والترمذي.
فالعفو عن القصاص أفضل ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة؛ فقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العفو لا يصلح في قتل الغيلة؛ لتعذر الاحتراز منه؛ كالقتل مكابرة، وذكر القاضي وجها أن قاتل الأئمة يقتل حدّاً لأن فساده عام.
وذكر العلامة ابن القيم على قصة العرنيين: "أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدّاً؛ فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهو مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، واختيار الشيخ، وأفتى به رحمه الله ... " انتهى.
ولا يستحق ولي القتيل القصاص؛ إلا بتوفر شروط أربعة:
أحدهما: عصمة المقتول؛ بأن لا يكون مهدر الدم؛ لأن القصاص شرع لحقن الدماء، ومهدر الدم غير محقون، فلو قتل مسلم كافرًا حربيا أو مرتدًا قبل توبته أو قتل زانيا؛ لم يضمنه بقصاص، ولا دية لكنه يعزر لافتياته على الحاكم.
الثاني: أن يكون القاتل بالغا عاقلاً؛ لأن القصاص عقوبة مغلطة، لا يجوز إيقاعها على الصغير والمجنون؛ لعدم وجود القصد منهما، أو لأنه ليس لهما مقصود صحيح، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق".
قال الإمام موفق الدين ابن قدامة: "لا خلاف بين أهل العلم في أنه
لا قصاص على صبي ولا مجنون، وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه؛ كالنائم والمغمى عليه".
الشرط الثالث: المكافأة بين المقتول وقاتله حال جنايته؛ بأن يساويه في الدين والحرية والرق؛ فلا يكون القاتل أفضل من المقتول بإسلام أو حرية:
فلا يقتل مسلم بكافر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يقتل مسلم بكافر"، رواه البخاري وأبو داود.
ولا يقتل حر بعبد؛ لما رواه أحمد عن علي رضي الله عنه: "من السنة ألا يقتل حر بعبد".
ولأن المجني عليه إذا لم يكن مساويا للقاتل فيما ذكر؛ كان أخذه به أخذ الأكثر من الحق.
ولا يؤثر التفاضل بين الجاني والمجني عليه في غير ما ذكرن فيقتل الجميل بالدميم، والشريف بضده، والكبير بالصغير، ويقتل الذكر بالأنثى، والصحيح بالمجنون والمعتوه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرّ﴾ .
الشرط الرابع: عدم الولادة؛ بأن لا يكون المقتول ولدًا للقاتل ولا لابنه وإن سفل، ولا لبنته وإن سفلت؛ فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: "لا يقتل والد بولده".
قال ابن عبد البر: "هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم...." انتهى.
وبهذا الحديث ونحوه تخص العمومات الواردة بوجوب القصاص، وهو قول جمهور أهل العلم.
ويقتل الولد بكل من الأبوين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، وإنما خص منه الوالد إذا قتل ولده بالدليل.
فإذا توافرت هذه الشروط الأربعة؛ استحق أولياء القتيل القصاص.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ؛ فتبّا لقوم يقولون: إن القصاص وحشية وقسوة، وهؤلاء لم ينظروا إلى وحشية الجاني حين إقدامه على قتل البريء، ووإقدامه على بث الرعب في البلد، وإقدامه على ترميل النساء وتيتيم الأطفال وهدم البيوت، هؤلاء يرحمون المعتدي ولا يرحمون البريء؛ فتبا لعقولهم، وتبّا لقصورهم، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
والقصاص هو فعل مجني عليه أو فعل وليه بجان مثل فعله أو شبهه، وحكمته التشفي وبرد حرارة الغيظ؛ فقد شرع الله القصاص زجرًا عن العدوان، واستدراكا لما في النفوس، وإذاقة للجاني ما أذاقه المجني عليه، وفيه بقاء وحياة النوع الإنساني.
وكانت الجاهلية تبالغ في الانتقام، وتأخذ في الجريمة غير المجرم، وهذا جور لا يحصل به المقصود، بل هو زيادة فتنة وإطاشة للدماء، وقد جاء دين الإسلام وشريعته الكاملة بتشريع القصاص وإيقاع العقاب بالجاني وحده؛ فحصل بذلك العدل والرحمة وحقن الدماء.
وقد سبق بيان شرط وجوب القصاص، لكن تلك الشروط لو توفرت ووجب القصاص؛ فإنه لا يجوز تنفيذه؛ إلا بعد توفر شروط أخرى ذكرها الفقهاء رحمهم الله، وسموها:
شروط استيفاء القصاص، وهي ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون مستحق القصاص مكلفا؛ أي: بالغا عاقلاً، فإن كان مستحق القصاص أو بعض مستحقيه صبيا أو مجنونا؛ لم يستوفه لهما وليهما؛ لأن القصاص لما فيه من التشفي والانتقام ولا يحصل ذلك لمستحقه باستيفاء غيره؛ فيجب الانتظار في تنفيذ القصاص، ويحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير وإفاقة المجنون من مستحقيه؛ لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص، حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة، لم ينكر، فكان إجماعا من الصحابة الذين في عصر معاوية.
رضى الله عنه
فإن احتاج الصغير أو المجنون من أولياء القصاص إلى نفقة؛ فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية؛ لأن المجنون لا يدري متى يزول بخلاف الصبي.
الشرط الثاني: اتفاق الأولياء والمشتركين في القصاص على استيفائه، وليس لبعضهم أن ينفرد به دون البعض الآخر؛ لأن الاستيفاء حق مشترك، لا يمكن تبعيضه، فإذا استوفى بعضهم؛ كان مستوفيا لحق غيره بغير إذنه، ولا ولاية عليه.
وإن كان من بقي من الشركاء في استحقاق القصاص غائبا أو صغيرًا أو مجنونا؛ انتظر قدوم الغائب وبلوغ الصغير وعقل المجنون منهم.
ومن مات من مستحقي القصاص؛ قام وارثه مقامه.
وإن عفا بعض المشتركين في استحقاق القصاص؛ سقط القصاص.
ويشترك في استحقاق القصاص جميع الورثة بالنسب والسبب: الرجال والنساء، الكبار والصغار، وقال بعض العلماء: إن العفو يختص بالعصبة فقط، وهو قول الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشرط الثالث: أن يؤمن الاستيفاء أن يتعدى إلى غير الجاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ .
فإذا أفضى القصاص إلى التعدي؛ فهو إسراف، وقد دلت الآية الكريمة على المنع منه، فإذا وجب على حامل أو من حملت بعد وجوب القصاص عليها؛ لم تقتل حتى تضع ولدها؛ لأن قتلها يتعدى إلى الجنين، وهو بريء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ،
ثم بعد وضعه: إن وجد من يرضعه؛ أعطي لمن يرضعه، وقتلت؛ لزوال المانع من القصاص؛ لقيام غيرها مقامها في إرضاع الولد، وإن لم يوجد من يرضعه؛ تركت حتى تفطمة لحولين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قتلت المرأة عمدًا؛ لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً، وحتى تكفل ولدها، وإذا زنت؛ لم ترجم حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً، وحتى تكفل ولدها"، رواه ابن ماجه، ولقوله صلى الله عليه وسلم للمرأة المقرة بالزنى: "ارجعي حتى تضعي ما في بطنك"، ثم قال لها: "ارجعي حتى ترضعيه".
فدل الحديثان والآية على تأخير القصاص من أجل الحمل، وهو إجماع، وهذا يدل على كمال هذه الشريعة وعدالتها، حيث راعت حق الأجنة في البطون، فلم تجز فلم تجز إلحاق الضرر بهم، وراعت حق الأطفال والضعفة، فدفعت عنهم الضرر، وكفلت لهم ما يبقي عليهم حياتهم؛ فلله الحمد على هذه الشريعة السمحاء الكاملة الشاملة لمصالح العباد.
وإذا أريد تنفيذ القصاص؛ فلا بد أن يتم تنفيذ بإشراف الإمام أو نائبه؛ ليمنع الجور في تنفيذه، ويلزم بالوجه الشرعي في ذلك.
ويشترط في الآلة التي ينفذ بها القصاص أن تكون ماضية؛ كسيف وسكين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
ويمنع استيفاء القصاص بآلة كالة؛ لأن ذلك إسراف في القتل.
ثم إن كان الولي يحسن الاستيفاء على الوجه الشرعي، وإلا؛ أمره الحاكم أن يوكل من يقتص له.
والصحيح من قولي العلماء أنه يفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر برض رأس يهودي لرضه رأس جارية من الأنصار.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "والكتاب والميزان على أنه يفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه، كما فعل صلى الله عليه وسلم، وقد اتفق على ذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة ... " انتهى.
فعلى هذا؛ لو قطع يديه، ثم قتله؛ فعل به ذلك، وإن قتله بحجر أو غ قه أو غير ذلك؛ فعل به مثل ما فعل، وإن أراد ولي القصاص أن يقتصر على ضرب عنقه بالسيف؛ فله ذلك، وهو أفضل، وإن قتله بمحرم؛ تعين قتله بالسيف، ومثل قتل السيف في الوقت الحاضر قتله بإطلاق الرصاص عليه ممن يحسن الرمي.
باب في القصاص في الأطراف
القصاص في الأطراف والجروح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ .
وفي "الصحيحين" في قصة كسر ثنية الربيع قال صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله القصاص".
فمن أقيد بأحد في النفس؛ أقيد به في الطرف والجروح إذا توفرت شروط القصاص السابقة، وهي: العصمة، والتكليف، والمكافأة، وعدم الولادة، وذلك بأن يكون المجني عليه معصوما، والجاني مكلفا، ويكون المجني عليه مكافئا للجاني في الحرية والرق، ويكون الجاني غير والد للمجني عليه، ومن لا يقاد بأحد بالنفس؛ لا يقاد به في الطرف والجروح، وهذه هي القاعدة في هذا الباب.
وموجب القصاص في الأطراف والجروح هو موجب القصاص في النفس، وهو العمد المحض؛ فلا قود في الخطأ ولا في شبه العمد، ويجري القصاص في الأطراف، فتؤخذ العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، واليد باليد، والرجل بالرجل، واليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، من كل ما ذكر، ويكسر سن الجاني بسن المجني عليه المماثلة لها، ويؤخذ الجفن بالجفن، الأعلى بالأعلى، والأسفل بالأسفل، وتؤخذ الشفة بالشفة؛ العليا بالعليا، والسفلى بالسفلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاص﴾ ، ولأن كلا من الجفن والشفة له حد ينتهي إليه، وتؤخذ الكف بالكف المماثلة؛ اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، ويؤخذ المرفق بمثله؛ الأيمن بالأيمن، والأيسر بالأيسر؛ للماثلة فيهما، ويؤخذ الذكر بالذكر؛ لأن له حذًا ينتهي إليه، ويمكن القصاص فيه من غير حيف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاص﴾ . ويشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط: الشرط الأول: الأمن من الحيف، وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، فإن لم يكن كذلك؛ لم يجز القصاص؛ فلا قصاص في جراحة لا تنتهي إلى حد؛ كالجائفة، وهي التي تصل إلى باطن الجوف؛ لأنها ليس لها حد تنتهي القطع إليه، ولا قصاص في كسر عظم غير سن؛ ككسر الساق والفخذ والذراع؛ لعدم إمكان المماثلة، أما كسر السن؛ فيحري فيه القصاص؛ بأن يبرد سن الجاني ختى يؤخذ منه قدر ما كسر من سن المجني عليه.
الشرط الثاني: التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه في الاسم والموضع؛ فلا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين الأيدي والأرجل والأعين والآذان ونحوها؛ لأن كل واحد منها يختص باسم، وله منفعة خاصة؛ فلا تماثل، ولا تؤخذ خنصر ببنصر من الأصابع؛ للاختلاف في الاسم، ولا يؤخذ عضو أصلي بعضو زائد.
الشرط الثالث: استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال؛ فلا يؤخذ يد أو رجل صحيحة بيد أو رجل شلاء، ولا تؤخذ يد أو رجل كاملة الأصابع أو الأظفار بناقصتها، ولا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة، وهي التي بياضها وسوادها صافيان غير أنها لا تبصر؛ لعدم التساوي، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس؛ لنقصه، ويؤخذ العضو الناقص بالعضو الكامل، فتؤخذ الشلاء بالصحيحة، وناقصة بكاملة الأصابع؛ لأن المعيب من ذلك كالصحيح في الخلقة، وإنما نقص في الصفة، ولأن المقتص يأخذ بعض حقه؛ فلا حيف، وإن شاء أخذ الدية بدل القصاص.
وأما القصاص في الجروح:
فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم؛ لإمكان الاستيفاء فيه بلا حيف ولا زيادة، وذلك كالشجة الموضحة في الرأس والوجه، وكجرح العضد والساق والفخذ والقدم تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاص﴾ .
وأما ما لا ينتهي إلى عظم؛ فلا يجوز القصاص فيه من الجراحات، سواء كانت شجة أو غيرها؛ كالجائفة، وهي التي تصل إلى
باطن جوف؛ كبطن وصدر ونحر؛ لعدم الأمن من الحيف والزيادة.
روى ابن ماجه مرفوعا: "لا قود في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة"، والمأمومة: هي الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ، والجائفة: هي التي تصل إلى باطن جوف، والمنقلة: هي التي تهشم الرأس وتنقل العظام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "القصاص في الجراح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة، فإذا شجه؛ فله شجه كذلك، فإذا لم يمكن؛ مثل أن يكسر عظما باطنا، أو شجه دون الموضحة؛ فلا يشرع القصاص، بل تجب الديه".
وأما القصاص في الضربة بيده أو بعصا أو سوط ونحوه ذلك:
قال شيخ: "فقالت طائفة: لا قصاص فيه، بل فيه التعزير، والمأثور عند الخلفاء وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب.
قال عمر: إني ما أرسل عمالي ليضربوا أبشاركم، فوالذي نفسي بيده؛ من فعل؛ لأقصنه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه، رواه أحمد.
ومعناه أن يضرب الوالي رعيته ضربا غير جائز، فأما الضرب المشروع؛ فلا قصاص فيه بالإجماع" انتهى كلام الشيخ.
وقال ابن القيم رحمه الله: "قال الشافعية والحنفية والمالكية ومتأخرو الأصحاب: لا قصاص في اللطمة والضربة، وحكى بعضهم الإجماع، وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع الصحابة، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ . فالواجب للملطوم أن يفعل بالجاني عليه كما فعل به، فلطمة، وضربة بضربة، في محلها، بالآلة التي لطمه بها، أو مثلها أقرب إلى المماثلة المأمور بها حسا وشرعا من تعزير بغير جنس اعتدائه وصفته، وهذا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه، ومحض القياس، ونصوص أحمد" انتهى.
باب في القصاص من الجماعة للواحد
إذا اشترك جماعة في قتل شخص عمدًا عدوانا؛ اقتص له منهم جميعا، وقتلوا به على الصحيح من قولي العلماء رحمهم الله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ولإجماع الصحابة على ذلك؛ فقد روى سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً واحدًا، وقال رضي الله عنه: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء؛ لقتلتهم به جميعا".
وثبت عن آخرين من الصحابة أيضا قتل الجماعة بالواحد، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم؛ فكان إجماعا.
قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: "اتفق الصحابة وعامة الفقهاء على قتل الجميع بالواحد، وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء" انتهى.
وقال ابن رشد: "فإن مفهومه [أي: القصاص] : أن القتل إنما شرع لينفي القتل كما نبه عليه القرآن، فلو لم تقتل الجماعة بالواحد؛ لتذرع الناس إلى القتل؛ بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة، ولأن التشفي والزجر لا يحصل إلا بقتل الكل" انتهى.
ويشترط لقتل الجماعة بالواحد: أن يصلح فعل كل واحد منهم للقتل لو انفرد، ذلك بأن يباشر الجميع القتل، ويكون فعل كل واحد منهم قاتلاً لو انفرد.
فإن لم يصح فعل كل واحد منهم للقتل لو انفرد، وكانوا قد تمالؤوا وتواطؤوا على قتل المجني عليه؛ وجب القصاص منهم جميعا، لأن غير المباشر صار ردئا للمباشر.
ومن أكره شخصا على قتل آخر، فقتله؛ وجب القاص على المكرَه والمكرِه إذا توافرت شروطه؛ لأن القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، والمكرِه تسبب إلى القتل بما يفضي إليه غالبا.
ومن أمر صغيرًا أو مجنونا بقتل شخص، فقتله؛ وجب القصاص على الآمر وحده؛ لأن المأمور آلة للآمر، ولا يمكن إيجاب القصاص عليه، فوجب أن يكون على المتسبب به.
وكذا إذا كان المأمور مكلفا "أي: بالغا عاقلاً"، لكنه يجهل تحريم القتل؛ كمن نشأ بغير بلاد الإسلام، فيجب القصاص على الآمر؛ لتعذره في حق المأمور؛ لجهله، فيكون على المتسبب به.
وأما إن كان المأمور بالغا عاقلاً لا يجهل التحريم؛ فإنه يجب القصاص عليه؛ لمباشرته القتل بغير حق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، سواء كان الآمر سلطانا أو سيدًا أو غير ذلك، ويكون على الآمر في هذه الحالة التعزير بما يراه الإمام؛ لأنه ارتكب معصية، وليرتدع عن ذلك.
وإذا اشترك اثنان في قتل شخص عمدًا عدوانا، وكان أحدهما لا تتوفر فيه شروط وجوب القصاص، والآخر تتوفر فيه؛ وجب القصاص على من تتوفر فيه الشروط منهما؛ لأنه شارك في القتل العمد العدوان، وامتنع القصاص في حق شريكه لمعنى فيه، لا لقصور في سبب القصاص؛ فيجب على من لا مانع به منه، ومن أمسك إنسانا لآخر حتى قتله؛ قتل قاتل وحبس ممسك حتى يموت.
وكما يقتص للواحد من الجماعة في النفس؛ فإنه يقتص له منهم في الطرف والجراح، فإذا قطع جماعة طرفا أو جرحوا جرحا يوجب القود، ولم تتميز أفعال بعضهم عن بعض، كما لو وضعوا حديدة على يد شخص، وتحاملوا عليها حتى انقطعت اليد، وجب قطع أيديهم جميعا؛ لما روي عن علي رضي الله عنه؛ أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة، فقطع يده، ثم جاءا بآخر، وقالا: هذا السارق، وأخطأنا في
الأول.
فرد شهادتهما على الثاني وغرمهما دية الأول، وقال: "لو علمت أنكما تعمَّدتما؛ لقطعتكما" رواه البخاري وغيره، فدل على أن القصاص على كل منهما لو تعمدا، وقياسا على قتل الجماعة بالواحد.
وسراية الجناية على النفس وما دونها لها حكم الجناية؛ لأنها أثرها، وأثر المضمون مضمون، فلو قطع إصبعا، فتآكلت الإصبع الأخرى أو اليد وسقطت من مفصله؛ وجب القود في اليد، وإن، سرت الجناية إلى النفس، فمات المجني عليه؛ وجب القصاص.
ولا يجوز أن يقتص في عضو أو جرح قبل برئه؛ لحديث جابر: "أن رجلاً جرح رجلاً، فأراد أن يستقيد، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح"، رواه الدارقطني وغيره، وذلك لمصلحة المجني عليه؛ إذ قد تسري الجناية إلى طرف آخر أو إلى النفس؛ فلا بد أن يعرف مدى نهاية الجناية، فلو اقتص قبل البرء، ثم سرت الجناية بعد ذلك؛ فلا شيء له؛ لأنه استعجل فبطل حقه، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أقدني.
فقال: "حتى تبرأ".
ثم جاء إليه فقال: أقدني.
فأقاده.
ثم جاء إليه فقال يارسول الله! قد عرجت.
قال: "قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك"، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص
من جرح حتى يبرأ منه صاحبه، رواه أحمد والدارقطني.
وبهذا تعلم أيها المسلم محاسن الشريعة، واشتمالها على العدالة التامة والرحمة العامة، وصدق الله العظيم: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
فتبا لقوم يستبدلون بها غيرها من أحكام الطاغوت والقوانين الوضعية الناقصة الظالمة، ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ، والحمد لله رب العالمين.
باب في أحكام الديات
الديات: جمع دية، وهي المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليه بسبب جناية، يقال: وديت القتيل: إذا أعطيت ديته، فالدية مصدر ودي، والهاء فيها بدل من الواو التي حذفت؛ مثل: عدة وصلة من الوعد والوصل.
والدليل على وجوب الدية: الكتاب والسنة، والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الآية.
وفي الحديث الصحيح: "من قتل له قتيل؛ فهو بخير النظرين: إما أن يفدي، وإما أن يقتل"، رواه الجماعة.
فتجب الدية على كل من أتلف إنسانا بمباشرة؛ كما لو ضربه أو دهسه بسيارة، أو قتله بتسبب؛ كمن حفر بئرًا في طريق أو وضع فيه حجرًا فتلف بسبب ذلك إنسان، سواء كان التالف مسلما أو ذميا أو مستأمنا أو مخادنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه﴾ .
فإن كانت الجناية التي تلف بسببها المجني عليه عمدًا محضا؛ فإن الدية تجب كلها في مال الجاني حالة؛ لأن الأصل يقتضي أن بدل المتلف يجب على متلفه.
قال الموفق ابن قدامة: "أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل، لا تحملها العاقلة، وهذا يقتضيه الأصل، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ انتهى.
وإنما خولف هذا الأصل في دية الخطأ لكثرة الخطأ؛ فإن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة؛ فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل تخفيفا عنه؛ لأنه معذور، والعامد لا عذر له؛ فلا يستحق التخفيف عنهن ولأنه قد وجب عليه القصاص، فإذا عفي عنه؛ فإنه تحمل الدية؛ فداء نفسه، وتجب عليه الدية حالة كسائر بدل المتلفات.
وأما دية القتل شبه العمد ودية القتل الخطأ؛ فإنهما يكونان على عاقلة القاتل؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها"، متفق عليه، فدل الحديث على أن دية شبه العمد تتحملها عاقلة القاتل.
وأما دية الخطأ؛ فقال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل
العلم أنها على العاقلة"، وقال الموفق: "لا نعلم خلافا أنها على العاقلة"، وكذا دية ما يجري مجرى الخطأ؛ كانقلاب النائم على إنسان فيقتله، وحفر البئر تعديا فيقع فيها إنسان فيموت.
وما ترتب على الفعل المأذون به شرعا من تلف؛ فهو غير مضمون؛ كما لو أدب الرجل ولده أو زوجته، أو أدب سلطان أحدًا من رعيته، ولم يسرف واحد من هؤلاء في التأديب، ومات المؤدَّب، لم يجب شيء على المؤدب؛ لأنه فعل ما له فعله شرعا، ولم يتعدَّ فيه، فإن أسرف في التأديب فزاد فوق المعتاد، فتلف المؤدَّب؛ ضمنه لتعديه بالإسراف.
وإن كان التأديب لامرأة حامل، فأسقطت حملها بسببه وجب على المؤدب ضمان الحمل بغرة عبد أو أمة؛ لما في "الصحيحين": "أنه صلى الله عليه وسلم في قضى إملاص المرأة بعبد أو أمة"، وهو قول أكثر أهل العلم.
ومن أوقع حاملاً فأسقطت جنينها بسبب ذلك؛ كما لو طلبها سلطان، أو استعدى عليها رجل بالشرط؛ وجب ضمان الجنين على من أفزعها؛ لهلاكه بسببه؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه: "أنه بعث إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، فقالت: يا ويلها! ما لها ولعمر؟، فبينما هي
في الطريق؛ إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدًا فصاح صيحتين ثم مات.
فاستشار عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: ليس عليك شيء.
فقال علي: إن كانوا قالوا في هواك؛ فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها فألقته".
ومن أمر شخصا مكلفا أن ينزل بئرًا أو يصعد شجرة ونحوها، ففعل، وهلك بسبب نزوله أو صعوده؛ لم يضمنه الآمر؛ لأنه لم يجن ولم يتعد عليه في ذلك.
فإن كان المأمور غير مكلف؛ ضمنه الآمر؛ لأنه تسبب في إتلافه.
ولو استأجر شخصا لنزول البئر وصعود الشجرة فمات بسبب ذلك؛ لم يضمنه المستأجر؛ لأنه لم يجن ولم يتعد.
ومن دعا من يحفر له بئرًا بداره، فمات بهدمه لم يلقه عليه أحد؛ فهو هدر؛ لعدم التعدي عليه.
ومن ذلك ندرك مدى اهتمام الإسلام بحفظ الأرواح وحقن دماء الأبرياء.
لكن في وقتنا هذا كثر التهاون بهذه المسؤولية على أيدي أولئك الذين يتهورون في قيادة السيارات، فيعرضون أرواحهم وأرواح غيرهم للهلاك وكم هلك بسبب ذلك من الأرواح البريئة المحرمة فقد تذهب الجماعة بأسرها أو العائلة بأكملها على يد طائش متهور لا يقدر المسؤولية ولا ينظر في العواقب، وقد يكون السبب في ذلك آباء هؤلاء الأطفال
المتهورين، حين يشترون لهم السيارات الفارهة، ويسلمونها لهم؛ ليزهقوا بها الأرواح البريئة؛ إنهم بذلك يسلمونهم سلاحا فتاكا يعبثون به ويحصدون به الأنفس ويروِّعون به الآمنين.
فيجب على هؤلاء أن يتقوا الله في أولادهم وفي أرواح المسلمين، ويجب على ولاة الأمور وفقهم الله أن يأخذوا على يد الجميع بما يضمن سلامة الجميع واستتباب الأمن؛ فإن الله يزع بالسلطان ملا يزع بالقرآن.
باب في مقادير الديات
مقادير ديات النفس تختلف باعتبار الإسلام والحرية والذكورة والأنوثة وكون الشخص المقتول موجودًا للعيان أو حملاً في البطن.
وأكثرها مقدار دية الحر المسلم، حيث تبلغ ألف مثقال من الذهب، أو اثنى عشر ألف درهم من الدراهم الإسلامية التي كل عشرة منها سبعة مثاقيل، أو مئة من الإبل، أو مئتي بقرة، أو ألفي شاة؛ لحديث أبي داود عن جابر رضي الله عنه: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية على أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل البقر مئتي بقرة وعلى أهل الشاء ألقي شاة".
وعن عكرمة عن ابن عباس: "أن رجلاً قتل، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثنى عشر ألف درهم"، رواه أبو داود وابن ماجه.
وفي كتاب عمرو بن حزم: "على أهل الذهب ألف دينار"، رواه النسائي وغيره.
وقد اختلف أهل العلم؛ هل هذه المذكورات أصول للدية؛
بحيث إذا دفع من تلزمه واحدًا منها؛ يلزم الولي قبوله، سواء كان ولي الجناية من أهل ذلك النوع أم لا؛ لأنه أتى بأصل في قضاء الواجب عليه.
هذا قول جماعة من أهل العلم.
والقول الثاني أن الأصل هو الإبل فقط، وهو قول جمهور العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم: "في النفس المؤمنة مئة من الإبل"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ مئة من الإبل".
ولأبي داود أن عمر قام خطيبان فقال: "ألا إن الإبل قد غلت؛ فقوِّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر الفا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة".
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم غلظ في الإبل دية العمد، وخفف بها دية الخطأ، وأجمع على ذلك أهل العلم؛ فهي الأصل.
وهذا القول هو الراجح، وعليه؛ فيكون ما عدا الإبل من الأصناف المذكورة يكون معتبرًا بها من باب التقويم.
وتغلظ الدية في قتل العمد وشبهه، فتجعل المئة من الإبل أرباعا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة؛ لما روى الزهري عن السائب بن يزيد؛ قال: "كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعا: خمسا وعشرين جذعة، وخمسة وعشرين حقة، وخمسا وعشرين لبون،
وخمسا وعشرين بنت مخاض"، فإن جاء بالإبل على هذا النمط؛ لزم ولي الجناية أخذها، وإن شاء دفع قيمتها حسب ما تساوي هذه الأصناف في كل عصر بحسبه.
وتكون الدية في الخطأ مخففة؛ بحيث تجعل المئة من الإبل خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون من بني مخاض، هذه الأصناف أو قيمتها حسب ما تساوي في كل عصر بحسبه.
وبنت المخاض ما تم لها سنة، وبنت اللبون ما تم لها سنتان، والحقة ما تم لها ثلاث سنوات، والجذعة ما تم لها أربع سنين.
ودية الحر الكتابي سواء كان ذميا أو مستأمنا أو معاهدًا نصف دية المسلم؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين"، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
ودية المجوسي الذمي أو المعاهد أو المستأمن ودية الوثني المعاهد أو المستأمن: ثمان مئة درهم إسلامي؛ لما روى ابن عدي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا: "دية المجوسي ثمان مئة درهم"،
وهو قول أكثر أهل العلم.
ونساء أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان على النصف من دية ذكرانهم؛ كما أن دية نساء المسلمين على النصف من دية ذكرانهم.
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وفي كتاب عمرو بن حزم:: "دية المرأة على النصف من دية الرجل".
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "لما كانت المرأة نقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العلم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين؛ لم تكن قيمتها مع ذلك متساوية، وهي الدية؛ فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال؛ فاقتصت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته؛ لتفاوت ما بينهما".
ويستوي الذكر والأنثى فيما يوجب دون ثلث الدية؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديته"، أخرجه النسائي، وقال سعيد بن المسيب: "إنه السنة".
وقال الإمام ابن القيم: "وإن خالف فيه أبو حنيفة والشافعي وجماعة، وقالوا: هي على النصف في القليل والكثير، ولكن السنة أولى، والفرق فيما دون الثلث وما زاد عليه؛ أن ما دونه قليل، فجبرت مصيبة المرأة فيه بمساواتها للرجل، ولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية؛ لقلة ديته، وهي الغرة، فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين ... " انتهى.
ودية القن قيمته، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، بالغة ما بلغت، وهذا مجمع عليه إذا كانت قيمتة دون دية الحر، فإن بلغت دية الحر فأكثر؛ فذهب أحمد في المشهور عنه ومالك والشافعي وأبو يوسف إلى أن فيه قيمته بالغة ما بلغت.
ويجب في الجنين ذكرًا كان أو أنثى إذا سقط ميتا بسبب جناية على أمه عمدًا أو خطأ غرة عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة"، متفق عليه.
وتورث الغرة عنه، كأنه سقط حيا؛ لأنها دية له، وهو مذهب الجمهور، وتقدر الغرة بخمس من الإبل؛ أي: بعشر دية أمه.
باب في ديات الأعضاء والمنافع
أولا: دية الأعضاء
قال بعض العلماء: في الآدمي خمسة وأربعون عضوًا، وهذه الأعضاء منها ما في الإنسان منه شيء واحد، ومنها ما في الإنسان منه اثنان فأكثر:
فإذا تلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف وللسان والذكر؛ ففيه دية تلك النفس التي قطع منها على التفصيل السابق، سواء كان ذكرًا أو أنثى، حرًا أو عبدًا أو ذميا أو غيره؛ لأن في إتلاف هذا العضو الذي لم يخلق الله في الإنسان منه إلا شيئا واحدًا إذهاب منفعة الجنس؛ فهو كإذهاب النفس، فوجبت فيه دية النفس، وهذا محل وفاق، وفي حدي عمرو بن حزم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وفي الذكر الدية، وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية"، رواه أحمد والنسائي واللفظ له، وصححه أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي.
وما في الإنسان منه شيئان؛ كالعينين، والأذنين، والشفتين، واللحيين "وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان"، وثديي المرأة وثندوتي الرجل واليدين والرجلين والأنثيين؛ في إتلاف الاثنين مما ذكر الدية