الملخص الفقهيصفحات 381-420
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 381-420
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب في أحكام الخلع

الخلع: فراق الزوج لزوجته بعوض بألفاظ مخصوصة، سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس؛ لأن كلا من الزوجين لباس للآخر؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ . فمن المعلوم أن الزواج ترابط بين الزوجين وتعاشر بالمعروف، ينتج عنه بناء أسرة جيل؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ، فإذا لم يتحقق هذا المعنى من الزواج؛ بحيث لم توجد المودة من الطرفين، أو لم توجد من الزوج وحده؛ ساءت العشرة، وتعسر العلاج؛ فإن الزوج مأمور بتسريح الزوجة بإحس ان؛ قال تعالى: ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ ، وأما إذا وجدت المحبة من جانب الزوج، ولم توجد من جانب الزوجة؛ بأن كرهت زوجها، أو كرهت خلقه، أو كرهت نقص دينه، أو خافت إثم ابترك حقه؛ فإنه في هذه الحالة يباح لها أن تطلب فراقه على

عوض يبذله له تفيدي به نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه﴾ ؛ أي: إذا علم الزوج أو الزوجة أنهما إذا بقيا على الزوجية لا يؤدي كل واحد منهما الواجب عليه نحو الآخر، فيحصل من جراء ذلك أن يعتدي الزوج على زوجته، أو تخاف المرأة أن تعضي زوجها؛ فلا حرج على الزوجة أن تفتدي نفسها من الزوج بعوض، ولا حرج على الزوج في أخذ ذلك العوض، ويخلي سبيلها.
وحكمة ذلك: أن الزوجة تتلخص من زوجها على وجه لا رجعة فيه؛ ففيه حل عادل للاثنين، ويسن للزوج أن يجبيها حينئذ، وإن كان الزوج يحبها؛ استحب لها أن تصبر ولا تفتدي منه.
والخلع مباح إذا توفر سببه الذي أشارت إليه الآية الكريمة، وهو خوف الزوجين إذا بقيا على النكاح أن لا يقيما حدود الله، وإذا لم يكن هناك حاجة للخلع؛ فإنه يكره، وعند بعض العلماء أنه في هذه الحال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة"، رواه الخمسة إلا النسائي.
قال الشيخ تقي الدين: "الخلع الذي جاءت به السنة أن تكون المرأة مبغضة للرجل، فتفتدي نفسها منه كالأسير".
وإن كان الزوج لا يحبها، ولكنه يمسكها لغرض أن وتفتدي

منه؛ فإنه يكون بذلك ظالم الها، ويحرم عليه أخذ العوض منها، ولا يصح الخلع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنّ﴾ ؛ أي: لا تضاروهن في العشرة لتترك بعض ما أصدقت أو كله أو تترك حق امن حقوقها التي لها على زوجها؛ إلا إذا كان عضله لها في تلك الحال لكونها غير عفيفة من الزنى، ففعل ذلك ليسترجع منها الصداق الذي أعطاها؛ جاز له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ؛ قال ابن عباس في معنى الآية: "هذا في الرجل تكون له المرأة، وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها لتفتدي به، فنهى تعالى عن ذلك، ثم قال: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ؛ يعني: الزنى؛ فله أن يسترجع منها الصداق الذي أعطاها، ويضاجرها حتى تتركه له، ويخالعها".
والدليل على جواز المخالعة عند حصول السبب المسوغ لها: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فالآية التي أسلفنا تلاوتها، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ . وأما السنة؛ ففي "الصحيح" أن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه قالت: يا رسول الله! ما أعيب من دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام "أي: كفران العشير المنهي عنه والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له"، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟ "

قالت: نعم، فقال رسول الله صلى عليه وسلم: "أقبل الحديقة وطلقها تطليقة" وأمره بفراقها.
رواه البخاري.
وأما الإجماع؛ فقد قال ابن عبد البر: "لا نعلم أحدًا خالف في ذلك إلا المزني؛ فإنه زعم أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ ". ويشترط لصحة الخلع: بذل عوض ممن يصح تبرعه، وأن يكون صادرًا من زوج يصح طلاقه، وأن لا يعضلها بغير حق حتى تبذله، وأن يكون بلفظ الخلع، أما كان بلفظ الطلاق، أو بلفظ كناية الطلاق مع نيته؛ فهو طلاق، ولا يملك رجعتها، لكن له أن يتزوجها بعقد جديد، ولو لم تنكح زوج اغيره، إذا لم يسبقه من الطلاق ما يصير به ثلاث ا، أما إن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء، ولم ينوه طلاق ا؛ كان فسخ ا، لا ينقص به عدد الطلاق، ورد ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، واحتج بقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه﴾ ؛ فذكر تطليقتين، ثم ذكر الخلع، ثم ذكر تطليقة بعده، فلو كان الخلع طلاق ا؛ لكان رابع، والله أعلم.

باب في أحكام الطلاق

الطلاق في اللغة: التخلية، يقال: طلقت الناقة: إذا سرحت حيث شاءت.
ومعناه شرع: حل قيد النكاح أو بعضه.
وأما حكمه: فهو يختلف باختلاف الظروف والأحوال: تارة يكون مباح، وتارة يكون مكروه، وتارة يكون مستحب، وتارة يكون واجب ا، وتارة يكون حرام، فتأتي عليه الأحكام الخمسة.
فيكون مباح إذا احتاج إليه الزوج؛ لسوء خلق المرأة، والتضرر بها، مع عدم حصول الغرض من الزواج مع البقاء عليه.
ويكره الطلاق إذا كان لغير حاجة؛ بأن كانت حال الزوجين مستقيمة، وعند بعض الأئمة يحرم في هذه الحال؛ الحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، رواه أبو داود وابن ماجه، ورجاله ثقات.
فسماه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حلالاً، مع كونه مبغوض اعند الله، فدل على كراهته في تلك الحال مع إباحته،

ووجه كراهته: أن فيه إزالة للنكاح المشتمل على المصالح المطلوبة شرع.
ويستحب الطلاق في حال الحاجة إليه بحيث يكون في البقاء على الزوجية ضرر على الزوجة؛ كما في حال الشقاق بينها وبين الزوج، وفي حال كراهتها له؛ فإن في بقاء النكاح مع هذه الحال ضررًا على الزوجة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا ضرر ولا ضرار".
ويجب الطلاق على الزوج إذا كانت الزوجة غير مستقيمة في دينها؛ كما إذا كانت تترك الصلاة أو تؤخرها عن وقتها، ولم يستطع تقويمها، أو كانت غير نزيهة في عرضها؛ فيجب عليه طلاقها في تلك الحال على أصح القولين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا كانت تزني؛ لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، وإلا؛ كان ديوث ". وكذا إذا كان الزوج غير مستقيم في دينه؛ وجب على الزوجة طلب الطلاق منه، أو مفارقته بخلع وفدية، ولا معه وهو مضيع لدينه.
وكذا يجب على الزوج الطلاق إذا آلى من زوجته؛ بأن حلف على ترك وطئها، ومضت عليه أربعة أشهر، وأبى أن يطأها ويكفر عن يمينه، بل استمر على الامتناع عن وطئها؛ فإنه حينئذ يجب عليه طلاقها، ويجبر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

ويحرم الطلاق على الزوج في حال حيض الزوجة ونفاسها وفي طهر وطئها فيه ولم يتبين حملها، وكذا إذا طلقها ثلاث ا، ويأتي هذا إن شاء الله.
ودليل مشروعية الطلاق الكتاب والسنة والإجماع: قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"، رواه ابن ماجه والدارقطني، ولغيره من الأحاديث.
وقد حكى الإجماع على مشروعية الطلاق غير واحد من أهل العلم.
والحكمة فيه ظاهرة، وهو من محاسن هذا الدين الإسلامي العظيم؛ فإن فيه حلا للمشكلة الزوجية عند الحاجة إليه؛ ق ال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ . فإذا لم يكن هناك مصلحة في البقاء على الزوجية، أو حصل الضرر على الزوجة في البقاء مع الرجل، أو كان أحدهما فاسد الأخلاق غير مستقيم في دينه؛ ففي الطلاق فرج ومخرج.

وكم تعاني المجتمعات التي تمنع الطلاق من الويلات والمفاسد والانتحارات وفساد الأسر؛ العظيم أباح الطلاق ووضع له ضوابط تحقق بها المصلحة وتندفع بها المفسدة شأنه في كل تشريعاته العظيمة المشتملة على المصالح العاجلة والآجلة، فالحمد لله على فضله وإحسانه.
وأما من يصح منه إيقاع الطلاق؛ فهو الزوج المميز المختار الذي يعقله، أو وكيله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق".
وأما من زال عقله وهو معذور في ذلك؛ كالمجنون، والمغمى عليه، والنائم، ومن أصابه مرض أزال شعوره؛ كالبرسام، ومن أكره على شرب مسكر، أو أخذ بنجاً ونحوه لتداو؛ فكل هؤلاء لا يقع طلاقهم إذا تلفظوا به في حال زوال العقل بسبب من هذه الأسباب؛ لق ول على رضي الله عنه: "كل الطلاق جائز؛ إلا طلاق المعتوه"، ذكره البخاري في "صحيحه"، ولأن العقل هو مناط الأحكام.
وأما إن زال عقله بتعاطيه مسكرًا، وكان ذلك باختياره، ثم طلق في هذه الحال؛ ففي وقوع طلاقه خلاف بين أهل العلم على قولين: أحدهما: أنه يقع، وهو قول الأئمة الأربعة وجمع من أهل العلم.
وإن أكره على الطلاق ظلماً، فطلق لرفع الإكراه والظلم؛ لم يقع

طلاقه؛ لحديث: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق"، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجو، والإغلاق: الإكراه، ولقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ﴾ ، والكفر أعظم من الطلاق، وقد عفي عن المكره عليه؛ فالطلاق من باب أولى، فإن الإكراه على الطلاق بحق المؤلي إذا أبي الفيئة؛ وقع طلاقه.
ويقع الطلاق من الغضبان الذي يتصور ما يقول، أما الغضبان الذي أخذه الغضب، فلم يدر ما يقول؛ فإنه لا يقع طلاقه.
ويقع الطلاق من الهازل؛ لأنه قصد التكلم به، وإن لم يقصد إيقاعه.
والله أعلم.

باب في الطلاق السني والطلاق البدعي

الطلاق السني هو: الطلاق الذي وقع على الوجه المشروع الذي شرعه الله ورسوله، وذلك بأن يطلقها واحدة في طهر لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها؛ فهذا طلاق سني من جهة العدد؛ بحيث إنه طلقها واحدة ثم تركها حتى انقضت عدتها، وسني من جهة الوقت؛ حيث إنه طلقها في طاهر لم يصب ها فيه؛ لقوله تع الى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ . قال ابن مسعود رضي الله عنه في معنى الآية الكريمة: "يعني طاهرات من غير جماع"، وقال على رضي الله عنه: "لو أن الناس أخذوا بما أمر الله به من الطلاق؛ ما أتبع رجل نفسه امرأة أبداً؛ يطلقها تطليقة، ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثاً، فإن شاء؛ راجعها"؛ يعني: ما دامت في العدة، وذلك أن الله أعطى المطلَّق فرصة يتمكن فيها من مراجعة زوجته إذا ندم على طلاقها، وهو لم يستغرق ما له من عدد

الطلاق، وهي لا تزال في العدة، فإذا استفد ما له من عدد الطلاق؛ فقد أغلق عن نفسه باب الرجعة.
والطلاق البدعي هو: الذي يوقعه صاحبه على الوجه المحرم، وذلك بأن يطلقها ثلاثاً بلفظ واحد، أو يطلقها وهي حائض أو نفساء، أو يطلقها في طهر وطئها فيه ولم يتبين حملها، والنوع الأول يسمَّى بدعيٍّ في العدد، والنوع الثاني بدعياً في الوقت.
والبدعي في العدد يحرمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ ، يعني: الثالثة: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ والبدعي في الوقت يستحب له أن يراجعها منه، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي صلي الله عليه وسلم بمراجعتها رواه الجماعة، وإذا راجعها وجب عليه إمساكها حتى تطهر ثم إن شاء طلقها ويحرم على الزوج أن يطلق طلاقا ثلاثا، سواء في العدد أو الوقت؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، ولقوله تع الى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ ؛ أي: طاهرات من غير جماع.
ولما بلغ

النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن رجلاً طلق امرأته ثلاث ا؛ قال: "أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! "، وكان عمر إذا أتى برجل طلق ثلاثا؛ أوجعه ضربا، ولما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض؛ تغيَّظ، وأمره بمراجعتها.
كل ذلك مما يدل على وجوب التقيد بأحكام الطلاق عددًا ووقتا، وتجنب الطلاق المحرم في العدد أو الوقت، ولكن كثيرًا من الرجال لا يفقهون ذلك، أو لا يهتمون به، فيقعون في الحرج والندامة، ويلتمسون بعد ذلك المخارج مما وقعوا فيه، ويحرجون المفتين، وكل ذلك من جراء التلاعب بكتاب الله.
وبعض الرجال يجعل الطلاق سلاحا يهدد به زوجته إذا أراد إلزامها بشيء أو منعها من شيء، وبعضهم يجعله محل اليمين في تعامله ومحادثته مع الناس؛ فليتق الله هؤلاء، ويبعدوا عن ألسنتهم التفوه بالطلاق؛ إلا عند الحاجة إليه، وفي وقته وعدده المحددين.
وألفاظ الطلاق تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ألفاظ صريحة، وهي الألفاظ الموضوعة له، التي لا تحتمل غيره، وهي لفظ الطلاق وما تصرف منه؛ من فعل ماض

ك "طلقتك"، واسم فاعل ك "أنت طالق"، واسم المفعول؛ كأن يقول: "أنت مُطَلَّقة"؛ دون المضارع والأمر؛ مثل: "تطلقين" و "اطلقي"، واسم الفاعل م الرباعي؛ ك "أنت مُطَلَّقة"؛ فلا يقع بهذه الألفاظ الثلاثة طلاق؛ لأنها لا تدل على الإيقاع.
القسم الثاني: ألفاظ كنائية، وهي الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره، كأن يقول لها أنت خلية وبرية وبائن، وأنت حرة، أو: اخرجي والحقي بأهلك ... وما أشبه ذلك.
والفرق بين الألفاظ الصريحة وألفاظ الكناية في الطلاق: أن الصريحة يقع بها الطلاق، ولو لم ينوه، سواء كان جادًّا أو هازلاً أو مازح ا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة"، رواه الخمسة إلا النسائي.
وأما الكناية؛ فلا يقع بها طلاق؛ إلا إذا نواه نية مقارنة للفظه؛ أنه هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره من المعاني؛ فلا تتعين للطلاق إلا بنيته، فإذا لم ينو بها الطلاق؛ لم يقع؛ إلا في ثلاث حالات: الأولى: إذا تلفظ بالكناية في حال خصومة بينه وبين زوجته.
الثانية: إذا تلفظ بها في حال غضب.
الثالثة: إذا تلفظ بها في جواب سؤالها له الطلاق.
ففي هذه الأحوال يقع بالكناية طلاق، ولو قال: لم أنوِ؛ لأن القرينة تدل على أنه نواه؛ فلا يصدَّق بقوله: لم أنوه.
والله أعلم.

ويجوز للزوج أن يوكل من يطلق عنه، سواء كان الوكيل أجنبيا أو كانت الزوجة؛ فيجوز أن يوكلها فيه، ويجعل أمرها بيدها، فيقوم الوكيل مقامه في الصريح والكناية والعدد، مالم يحدد له حدّاً فيه.
ولا يقع الطلاق منه ولا من وكيله إلا بالتلفظ به، فلو نواه بقلبه؛ لم يقع، حتى يتلفظ ويحرك لسانه به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"؛ فلا يقع الطلاق إلا بالتلفظ به؛ إلا في حالتين: الحالة الأولى: إذا كتب صريح الطلاق كتابة تقرأ، ونواه؛ وقع، وإن لم ينوه؛ فعلى قولين، والذي عليه الأكثر أنه يقع.
الحالة الثانية: التي يقع فيها الطلاق بدون تلفظ إشارة الأخرس بالطلاق إذا كانت مفهومة.
وأما عدد الطلاق؛ فيعتبر بالرجال حرية ورقاً لا بالنساء؛ لأن الله خاطب به الرجال خاصة؛ كما ق ال تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ ، وق ال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"؛ فيملك الحر

ثلاث تطليقات، وإن كان تحته أمة، ويملك العبد تطليقتين، وإن كان تحته حرة؛ ففي حال حرية الزوجين يملك الزوج ثلاث ابلا خلاف، وفي حال رق الزوجين يملك الزوج طلقتين بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما إذا كان أحد الزوجين حرّاً والآخر رقيقا، والصحيح أن الاعتبار بحالة الزوج حرية ورق اكما سبق؛ لأن الطلاق حق للزوج؛ فاعتبر به.
ويجوز الاستثناء في الطلاق، ويراد به إخراج بعض الجملة بلفظ "إلا" أو ما يقوم مقامها.
والاستثناء هنا إما أن يكون من عدد الطلقات؛ كأن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة.
وإما أن يكون من عدد المطلقات؛ كأن يقول: نسائي طوالق إلا فاطمة مثلاً.
وعلى كل يشترط لصحته في الحالتين أن يكون المستثنى مقدار نصف المستثنى منه فأقل، فإن كان المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، كما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين؛ لم يصح.
ويشترط أيضا التلفظ بالاستثناء إذا كان موضوعه الطلقات، فلو قال: أنت طالق ثلاث ا، ونوى: إلا واحدة؛ وقعت الثلاث؛ لأن العدد نص فيما يتناوله؛ فلا يرتفع بالنية؛ لأنه أقوى منها، ويجوز الاستثناء بالنية من النساء، فلو قال: نسائي طوالق، ونوى: إلا فلانة؛ صح الاستثناء؛ فلا تطلق من نوى استثناءها؛ لأن لفظة "نسائي" تصلح للكل وللبعض؛ فله ما نوى.
ويجوز تعليق الطلاق بالشروط، ومعناه: ترتيبه على شيء حاصل أو غير حاصل ب"إن" أو إحدى أخواتها؛ كأن يقول: إن دخلت

الدار؛ فأنت طالق؛ فقد رتب وقوع الطلاق على حصوله الشرط، وهو دخول الدار، وهذا هو التعليق.
ولا يصح التعليق إلا من زوج؛ فلو قال: إن تزوجت؛ فهي طالق، ثم تزوجها؛ لم يقع؛ لأنه حين التعليق ليس زوج الها، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوع ا: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، والله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُن﴾ ، فدلت الآية والحديث على أنه لا يقع الطلاق على الأجنبية، وهذا بالإجماع إذا كان منجزًا، وعلى قول الجمهور إذا كان معلق اعلى تزوجها ونحوه.
فإذا علق الطلاق على شرط؛ لم تطلق قبل وجوده، وإذا حصل شك في الطلاق، ويراد به الشك في وجود لفظه أو الشك في عدده أو الشك في حصول شرطه: فأما إن شك في وجود الطلاق منه؛ فإن زوجته لا تطلق بمجرد ذلك؛ لأن النكاح متيقَّن؛ فلا يزول بالشك.
وإن شك في حصول الشرط الذي علق عليه الطلاق؛ كأن يقول: إذا دخلت الدار؛ فأنت طالق.
ثم يشك في أنها دخلتها؛ فإنها لا تطلق بمجرد الشك لما سبق.

وإن تيقن وجود الطلاق منه، وشك في عدده؛ لم يلزمه إلا واحدة؛ لأنها متيقنة، وما زاد عليها مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، وهذا قاعدة عامة نافعة في كل الأحكام، وهي مأخوذة من قوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، ومن قوله لمن كان على طهارة متيقَّنة وأشكل عليه حصول الناقض: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"، وغيرهما من الأحاديث.
وهذا مما يدل على سماحة الشريعة وكمالها؛ فالحمد لله رب العالمين.

باب في الرجعة

الرجعة: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد ودليلها: الكتاب، والسنة، وإجماع أهل العلم.
أما الكتاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ ، وقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ . وأما السنة؛ ففي قوله صلى الله عليه وسلم في قضية ابن عمر: "مره فليراجعها"، وطلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها.
وأما الإجماع؛ فقال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث والعبد إن طلق دون أثنتين، أن لهما الرجعة في العدة" والحكمة في ذلك: إعطاء الزوج الفرصة ليتروَّى ويستدرك إذا

ندم على الطلاق وأراد استئناف العشرة مع زوجته، فيجد الباب مفتوح اأمامه، وهذا من رحمة الله بعباده".
وأما شروط صحة الرجعة؛ فهي: أولاً: أن يكون الطلاق دون ما يملك من العدد؛ بأن طلق حر دون الثلاث، وعبد دون اثنتين، فإن استوفى ما يملك من الطلاق؛ لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
ثانيا: أن يكون المطلقة مدخولاً بها، فإن طلقها قبل الدخول؛ فليس له رجعة؛ لأنها لا عدة ع ليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ . ثالثا: أن يكون الطلاق بلا عوض، فإن كان على عوض؛ لم تحل له إلا بعقد جديد برضاها؛ لأنها لم تبدل العوض إلا لتفتدي نفسها منه، ولا يحصل مقصودها مع ثبوت الرجعة.
رابعا: أن يكون النكاح صحيح ا، أما إن طلق في نكاح فاسد؛ فليس له رجعة؛ لأنها تبين بالطلاق.
خامسا: أن تكون الرجعة في العدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك﴾ ؛ أي: أولى برجعتهن في حالة العدة.
سادسا: أن تكون الرجعة منجزة؛ فلا تصح معلقة؛ كما لو قال: إذا حصل كذا؛ فقد راجعتك.
وهل يشترط يقصد الزوجان بالرجعة الإصلاح؟:

قال بعض العلماء: يشترط ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يمكن من الرجعة إلا من أراد إصلاح اوإمساك ابمعروف".
وقال البعض الآخر: لا يشترط ذلك؛ لأن الآية إنما تدل على التحضيض على الإصلاح، والمنع من الإضرار، ولا على اشتراط ذلك، والقول الأول أظهر.
والله أعلم.
وتحصل الرجعة بلفظ: "راجعت امرأتي"، ونحو ذلك؛ مثل: رددتها، أمسكتها، أعدتها ... وما أشبه ذلك.
وتحصل الرجعة أيض ابوطئها إذا نوي الرجعة على الصحيح.
وإذا راجعها؛ فإنه يسن أن يشهد على ذلك، وقيل: يجب الإشهاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال الشيخ تقي الدين: "لا تصح الرجعة مع الكتمان بحال".
والمطلقة الرجعية زوجة ما دامت في العدة، لها ما للزوجات من نفقة وكسوة ومسكن، وعليها ما على الزوجة من لزوم المسكن، وتتزين له لعله يراجعها، ويرث كل منهما صاحبه إذا مات في العدة، وله السفر والخلوة بها، وله وطؤها.
وينتهي وقت الرجعة بانتهاء العدة، فإذا طهرت الرجعية من الحيضة الثالثة؛ لم تحل له؛ إلا بنكاح جديد بولي وشاهدي عدل؛ لمفهوم

قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك﴾ ؛ أي: في العدة؛ فمفهوم الآية أنها إذا فرغت عدتها؛ لم تبح؛ إلا بعقد جديد بشرطه، وإذا راجعها في العدة رجعة صحيحة مستوفية لشروطها؛ لم يملك من الطلاق إلا ما بقي من عدده.
وإذا استوفى ما يملك من الطلاق؛ حرمت عليه؛ حتى يطأها زوج غيره بنكاح صحيح؛ فيشترط لحلها للأول ثلاثة شروط: أن تنكح زوجا غيره، وأن يكون النكاح صحيحا، وأن يطأها الزوج الثاني في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ . قال العلامة ابن القيم: "وإباحتها له بعد زوج من أعظم النعم، وكانت شريعة التوارة ما لم تتزوج، وشريعة الإنجيل المنع من الطلاق ألبتة، وشرعيتنا أكمل وأقوم بمصالح العباد، فأباح له أربعا، وأن يتسرَّى بما شاء، وملكه أن يفارقها، فإن تاقت نفسه إليها؛ وجد السبيل إلى ردها، فإذا طلقها الثالثة؛ لم يبق له عليها سبيل بردها إلا بعد نكاح ثان رغبة" انتهى.
أي: لا بد أن يكون نكاح الثاني لها نكاح رغبة فيها، لا نكاح حلية يقصد به تحليها للأول، وإلا كان تيس امستعارًا؛ كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم، ونكاحه باطل، لا تحل به للأول.
والله أعلم.

باب في أحكام الإيلاء

الإيلاء: هو الحلف، مصدر الى يؤلي إيلاء، والأليَّة اليمين، يقال: آلى من امرأته إيلاء: إذا حلف أن لا يجامعها.
ومن ثم عرفه الفقهاء بأنه: حلف زوج يمكنه الوطء بالله أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها أبدًا أو أكثر من أربعة أشهر.
ومن هذا التعريف يمكننا أن نستخلص أن الإيلاء لا يتم إلا بتوفر شروط خمسة.
الأول: أن يكون من زوج يمكنه الوطء.
الثاني: أن يحلف بالله أو بصفة من صفاته لا بطلاق أو عتق أو نذر.
الثالث: أن يحلف على ترك الوطء في القبل.
الرابع: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر.
الخامس: أن يكون الزوجة ممن يمكن وطؤها.
فإذا توافرت هذه الشروط؛ صار مؤليا، يلزمه حكم الإيلاء، وإن اختل واحد منها؛ لم يكن مؤليا.

ودليل الإيلاء قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي: للأزواج الذين يحلفون على ترك وطء زوجاتهم مهلة أربعة أشهر، فإن وطئوا زوجاتهم وكفروا عن أيمانهم؛ فإن الله يغفر لهم ما حصل منهم، وإن مضت هذه المدة وهم مصرون على ترك وطء زوجاتهم؛ فإنهم يوقفون ويؤمرون بوطء زوجاتهم والتكفير عن أيمانهم، فإن أبوا؛ أمروا بالطلاق بعد مطالبة المرأة.
وهذا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، وفي هذا التشريع الحكيم العادل إزالة للضرر عن المرأة وإزاحة للظلم عنها.
والإيلاء محرم في الإسلام؛ لأنه يمين على ترك واجب.
وينعقد الإيلاء من كل زوج يصح طلاقه، سواء كان مسلما أو كافرًا أو حرًا أو عبدًا، وسواء كان بالغا أو مميزًا ويطالب بعد البلوغ، ومن الغضبان والمريض الذي يرجى برؤه؛ لعموم الآية الكريمة، وحتى من الزوجة التي يدخل بها؛ لعموم الآية.
ولا ينعقد الإيلاء من زوج مجنون ومغمى عليه؛ لعدم تصورهما لما يقولون؛ فالقصد معدوم منهما.
ولا ينعقد الإيلاء من زوج عاجز عن الوطء عجزًا حسيا كالمجبوب والمشلول؛ لأن الامتناع عن الوطء في حقها ليس بسبب اليمين.
فإذا قال لزوجته: والله لا أطؤك أبدًا، أو عين مدة تزيد على أربعة أشهر، أو غياه بشيء لا يتوقع حصوله قبل أربعة أشهر؛ كنزول عيسى

أبن مريم عليه السلام وخروج الدجال؛ فهو مول في كل هذه الصور، وكذا لو غياه بفعلها محرما أو تركها واجبا؛ كقوله: والله لا أطؤك حتى تتركي الصلاة، أو تشربي الخمر؛ فهو مول؛ لأنه علقه بممنوع شرع اأشبة الممنوع حسا.
وفي كل هذه الأحوال تضرب مدة الإيلاء؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر﴾ . وفي "الصحيح" عن ابن عمر؛ قال: "إذا مضى أربعة أشهر ممن حلف على مدة تزيد عليها؛ فهو مول، يوقف حتى يطلق، ولا يقع به الطلاق حتى يطلق"، وذكره البخاري عن بضعة عشر صحابيا.
وقال سليمان بن يسار: "أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يوقفون المولي"، وهو مذهب العلماء؛ كما أنه ظاهر الآية الكريمة.
فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولا تحتسب منها أيام عذرها، فإذا مضت: فإن حصل منه وطء لزوجته؛ فقد فاء؛ لأن الفيئة هي الجماع،

وقد أتى به، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه أن الفيء الجماع"، وأصل الفيء الرجوع إلى فعل ما تركه، وبذلك تحصل المرأة على حقها منه.
وأما إن أبى أن يطأ من آلى منها بعد مضي المدة المذكورة فإن الحاكم يأمره بالطلاق إن طلبت المرأة ذلك منه؛ لق وله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي: إن عزم وحقق إيقاع الطلاق؛ وقع، فإن أبى أن يفيء وأبى أن يطلق؛ فإن الحاكم يطلق عليه أو يفسح؛ لأنه يقوم مقام المؤلي عند امتناع، والطلاق تدخله النيابة.
وقد ألحق الفقهاء بالمؤلي في هذه الأحكام من ترك وطء زوجته إضرارًا بها بلا يمين أكثر من أربعة أشهر وهو غير معذور، وكذا ألحقوا بالمؤلي من ظاهر من زوجته ولم يكفر واستمر على ذلك أكثر من أربعة أشهر؛ لأن كلا من هذين تارك لوطء زوجته إضرارًا بها، فأشبها المولي، والله تعالى أعلم.
قالوا: وإن انقضت مدة الإيلاء، وبأحد الزوجين عذر يمنع الجماع؛ أمر الزوج أن يفيء بلسانه، فيقول: متى قدرت؛ جامعتك؛ لأن القصد بالفيئة ترك ما قصده من الإضرار بها، واعتذاره يدل على ترك الإضرار، ثم متى قدر؛ وطىء أو طلق؛ لزوال عجزه الذي أخر من أجله.

باب في أحكام الظهار

الظهار يراد به هنا: أن يقول الرجل لزوجته إذا أراد الامتناع من الاستمتاع بها: أنت علي كظهر أمي، أو أختي، أو من تحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة؛ فمتى شبه زوجته بمن تحرم عليه أو ببعضها؛ ظاهر منها.
وحكمه: أنه محرم؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ ؛ أي: يقولون كلاما فاحشا باطلاً، لا يعرف في الشرع، بل هو كذب بحث، وحرام محض، وقول منكر، وذلك لأن المظاهر يحرم على نفسه ما لم يحرمه الله عليه، ويجعل زوجته في ذلك أمه، وهي ليست كذلك.
وكان الظهار طلاقا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام؛ أنكره، واعتبره يمينا مكفرة؛ فيحرم على المظاهر والمظاهر منها استمتاع كل منهما بالآخر قبل أن يكفر الزوج عن ظهاره بجماع ودواعيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ الآيات، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر: "لا

تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به"، صححه الترمذي.
فيلزم المظاهر إذا عزم على وطء المظاهر منها أن يخرج الكفارة قبله؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ، فدلت الآيتان الكريمتان على وجوب كفار الظهار بوطء المظاهر منها، وأنه يلزم إخراجها قبل الوطء عند العزم عليه، وأن تحريم زوجته عليه باق حتى يكفر، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وكفارة الظهار تجب على الترتيب: عتق رقبة، فإن لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها؛ صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام لمرض ونحوه؛ أطعم ستين مسكين ا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ . ومعنى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ؛ بأن يقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي ونحوه.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ؛ أي: يريدون أن يجامعوا زوجاتهم اللاتي ظاهروا منهن.
﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ ؛ أي: يجب عليهم أن يكفروا قبل الجماع بتحرير رقبة من

الرق إذا كان يملكها أو يقدر على شرائها بثمن فاضل عن كفايته وكفاية من يمونه.
ويشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة؛ لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ، فيقاس عليها كفارة الظهار، وحملاً للمطلق على المقيد، ويشترط في الرقبة أيض اأن تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل ضررًا بين ا؛ لأن المقصود بالعتق تمليك الرقيق منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررًا بين ا؛ كالعمى وشلل اليد أو الرجل ونحوه ذلك.
ويشترط لصحة التكفير بالصوم: أولاً: أن لا يقدر على العتق.
ثانيا: أن يصوم شهرين متتابعين؛ بأن لا يفصل بين أيام الصيام وبين الشهرين إلا بصوم واجب؛ كصوم رمضان، أو إفطار للعيد وأيام التشريق، أو الإفطار لعذر يبيحه؛ كالسفر والمرض؛ فالإفطار في هذه الأحوال لا يقطع التتابع.
ثالثا: أن ينوي الصيام من الليل عن الكفارة.
وإن كفر بالإطعام؛ اشترط لصحة ذلك: أولاً: أن لا يقدر على الصيام.
ثانيا: أن يكون المسكين المطعم مسلما حرا يجوز دفع الزكاة إليه

ثالثاً: أن يكون مقدار ما يدفع لكل مسكين لا ينقص عن مد من البر ونصف صاع من غيره.
ويشترط لصحة التكفير عموما: النية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرىء ما نوى".
والدليل من السنة المطهرة مع دليل القرآن على كفارة الظهار وترتيبها على هذا النم ط ما روت خولة بنت مالك بن ثعلبة رضي الله عنها؛ قالت: ظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول: "اتقي الله؛ فإنه ابن عمك"، فما برح حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ؛ فقال: "يعتق رقبة".
فقالت: لا يجد.
فقال: "فيصوم شهرين متتابعين".
قالت: يا رسول الله! إنه شيخ كبير؛ ما به من صيام.
قال: "فليطعم ستين مسكينا".
قالت ما عنده من شيء يتصدق به.
قال: "فإني سأعينه بعرق من تمر".
قالت: يا رسول الله! فإني سأعينه بعرق آخر.
قال: "قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكين اوارجعي إلى ابن عمك".
والعرق ستون صاعا، رواه

أبو دواد.
هذا ديننا العظيم، فيه حل لكل مشكلة، ومن ذلك المشاكل الزوجية؛ فها هو يحل مشكلة الظهار، وهي مشكلة كانت مستعصية في أيام الجاهلية، بحيث لم يجدوا لها حلا إلا الفرق بين الزوجين وتشتيت الأسرة؛ فما أعظمة من دين.
ثم نجده في إيجاب الكفارة راعى ظروف الزوج، وشرع لكل حالة ما يناسبها مما يستطيع الزوج فعله؛ من عتق، إلى صيام، إلى إطعام؛ فلله الحمد.

باب في أحكام اللعان

إن الله سبحانه حرم القذف "وهو رمي البريء بفعل الفاحشة"، وتوعد عليه بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ . وأوجب جلد القاذف إذا لم يستطع إقامة البينة بأربعة شهود يشهدون بصحة ما قال ثمانين جلدة، وأن يعتبر فاسقا لا تقبل شهادته؛ إلا إن تاب وأصلح؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . هذا إذا قذف غير زوجته؛ فإنه تتخذ معه هذه الإجراءات الصارمة، أما إذا قذف زوجته بالزنى؛ فله حل آخر، وذلك بأن يعتاض عن هذه الإجراءات بما يسمى باللعان، وهو شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونة بلعنة وغضب؛ كما يأتي بيانه.

فإذا قذف رجل امرأته بالزنى، ولم يستطع إقامة البينة؛ فله إسقاط حد القذف عنه بالملاعنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها إن كانت حاضرة، ويسميها إن كانت غائبة بما تتميز به، ويزيد في الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن من الكاذبين.
ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به الزنى، ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
وخصت بالغصب لأن المغضوب عليه هو الذي يعرف الحق ويجحده.
ويشترط لصحة اللعان أن يكون بين زوجين مكلفين، وأن يقذفها بزنى، وأن تكذبه في ذلك ويستمر تكذيبها له إلى انقضاء اللعان، وأن يتم بحكم حاكم.
فإذا تم اللعان على الصفة التي ذكرنا مستوفي الشروط صحته؛ فإنه يترتب عليه: أولاً: سقوط حد القذف عن الزوج.
ثانيا: ثبوت الفرقة بينهما وتحريمها عليه تحريما مؤبدًا.

ثالثا: ينتفي عنه نسب ولدها إن نفاه في اللعان؛ بأن قال: ليس هذا الولد مني.
ويحتاج الزوج إلى اللعان إذا رأى امرأته تزني ولم يمكنه إقامة البينة، أو قامت عنده قرائن قوية على ممارستها الزنى، كما لو رأي رجلاً يعرف بالفجور يدخل عليها.
والحكمة في مشروعية اللعان للزوج؛ لأن العار يلحقه بزناها، ويفسد فراشه، ولئلا يلحقه ولد غيره، وهو لا يمكنه إقامة البينة عليها في الغالب، وهي لا تقر بجريمتها، وقوله غير مقبول عليها، فلم يبق سوى تحالفهما بأغلظ الأيمان؛ فكان في تشريع اللعان حلا لمشكلته، وإزالة للحرج عنه.
ولما لم يكن له شاهد إلا نفسه؛ مكنت المرأة أن تعارض أيمانه بأيمان مكررة مثله تدرأ بها الحد عنها، وإن نكل عن الأيمان؛ وجب عليه حد القذف، وإن نكلت هي بعد حلفه؛ صارت أيمانه مع نكولها بينة قوية لا معارض لها.
قال العلامة ابن القيم: "وهو الذي يقوم عليه الدليل، ومذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم الحكم بحدها إذا نكلت، وهو الصحيح، ويدل عليه القرآن، وجزم به الشيخ وغيره" انتهى.
والدليل من السنة على مشروعية اللعان عند الحاجة إليه: ما اتفق عليه الشيخان عن ابن عمر؛ أنه لما سئل عن المتلاعنين: أيفرق بينهما؟،

قال: "سبحان الله! نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان؛ قال: يا رسول الله! أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة؛ كيف يصنع؟، إن تكلم؛ تكلم بأمر عظيم، وإن سكت؛ سكت على مثل ذلك.
قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه، ولما كان بعد ذلك؛ أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه ابتليت به، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ، فتلاهن عليه، ووعظه، وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق نبي ا؛ ما كذبت عليها.
ثم دعاها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا؛ إنه لكاذب.
فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان الصادقين، ثم فرق بينهما".

باب في أحكام لحوق النسب وعدم لحوقه

... باب غي أحكام لحوق النسب وعدم لحوقه إذا ولدت زوجة إنسان أو أمته مولودًا يمكن كونه منه؛ فإنه يلحقه نسبه، ويكون ولدًا له، وذلك كأن تلده على فراشه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش".
وإمكان كونه منه في حالات: الحالة الأولى: أن تكون في عصمة زوجها، وتلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه إياها واجتماعه بها، سواء كان حاضرًا أو غائبا، وذلك لتحقق إمكان كونه منه، ولم يوجد ما ينافي ذلك.
الحالة الثانية: أن لا تكون في عصمة زوجها، وتلده لدون أربع سنين منذ إبانها، فيلحقه نسب المولود؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنين، فإذا ولدته لدون هذا الحد؛ أمكن كونه ممن طلقها، فيلحق به.
ويشترط لإلحاق الولد بالزوج أو المطلق في هاتين الحالتين: أن يكون كل منهما ممن يولد لمثله؛ بأن يكون قد بلغ عشر سنين فأكثر؛

لقوله صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"؛ فأمره صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين الأولاد في هذا السن دليل على إمكان الوطء، وهو سبب الولادة، فدل على أن ابن عشر سنين يمكن إلحاق النسب به، وإن لم يحكم ببلوغه في هذا السن؛ لأن الحكم بالبلوغ لا يتم إلا بتحقق علاماته، وإنما اكتفينا بإمكان الوطء منه لإلحاق النسب به؛ حفاظ النسب المولود واحتياطيا له.
الحالة الثالثة: إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا، فتلد بعد مضي أربع سنين منذ طلقها، وقبل انقضاء عدتها؛ فإنه يلحقه نسب الولد، وكذا لو ولدت مطلقته الرجعية قبل مضي أربع سنين من انقضاء عدتها؛ فإنه يلحقه نسب مولودها؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات؛ فأشبه ما بعد الطلاق ما قبله.
ومن الأمور التي يلحق السيد بها مولود أمته: أن يعترف شخص بأنه قد وطىء أمته، أو تقوم البينة عليه بذلك، ثم تلد هذه الأمة لستة أشهر فأكثر من هذا الوطء الذي ثبت باعترافه أو بالبينة؛ فإنه يلحقه نسب هذا المولود؛ لأنها بذلك صارت فراشا له، فتدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش".
ومن ذلك: أن يعترف السيد بوطء أمته، ثم يبيعها أو يعتقها بعد اعترافه بذلك، وتلد لدون ستة أشهر من البيع أو العتق لها، ويعيش

المولود؛ فإنه يلحقه نسبة؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا ولدت دونها، وعاش مولودها؛ فإنه بذلك يعلم أنها حملت به قبل أن يبيعها، وهي حينذاك فراش له، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش".
وينتفي كون الولد من الزوج في حالتين: الحالة الأولى: إذا ولدته لدون ستة أشهر منذ زواجها وعاش؛ لأن هذه المدة لا يمكن أن تحمل وتلد فيها، فتكون حينئذ حاملاً به قبل أن يتزوجها.
الحالة الثانية: إذا طلقها بائن ا، ثم تلد بعد مضي أكثر من أربع سنين من طلاقه لها؛ فإنه لا يلحقه نسب ذلك المولود؛ لأننا نعلم أنها حملت بعد ذلك النكاح.
ولا يلحق السيد نسب ولد أمته إذا ادَّعى أنه قد استبرأها بعد وطئه لها؛ لأنه باستبرائه لها تيقن براءة رحمها منه، فيكون هذا المولود من غيره، والقول قوله في حصول الاستبراء؛ لأنه أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه إلا بعسر ومشقة، لكن لا يقبل قوله في ذلك؛ إلا خلف عليه؛ لأنه بذلك ينكر حق الولد في النسب؛ فلا بد من يمينه في ادعاء الاستبراء.
وإذا حصل إشكال في مولود؛ فإنه يقدم الفراش على الشبه؛ كأن يدعي سيد ولد أمته، ويدعيه واطىء بشبهة؛ فهو للسيد؛ عملاً بقولهصلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش".
ويتبع الولد في النسب أباه؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِم﴾ .

ويتبع في الدين خير أبويه دين ا، فلو تزوج نصراني وثنية، أو بالعكس؛ فيكون الولد تابع اللنصراني منهما.
ويتبع الولود في الحرية والرق أمه؛ إلا مع شرط أو غرر.
من هذا العرض السريع لأحكام لحوق النسب؛ تدرك حرص الإسلام على حفظ الأنساب؛ لما يترتب على ذلك من المصالح؛ لصلة الأرحام والتوارث والولاية وغير ذلك؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ؛ فليس المقصود من معرفة الأنساب هو التفاخر والحمية الجاهلية، وإنما المقصود به التعاون والتواصل والتراحم.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

باب في أحكام العدة

من آثار الطلاق: العدة، ويراد بها التربص المحدود شرعا.
ودليلها: الكتاب والسنة والإجماع: فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾ ، هذا بالنسبة للمفارقة في الحياة.
وأما بالنسبة للوفاة؛ فقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ . والدليل من السنة حديث عائشة رضي الله عنها؛ قالت: "أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض"، رواه ابن ماجه، ولغيره من الأحاديث.
وأما الحكمة في مشروعية العدة؛ فهي: استبراء رحم المرأة من لحمل؛ لئلا يحصل اختلاط الأنساب، وكذلك إتاحة الفرصة للزوج المطلق ليراجع إذا ندم وكان الطلاق رجعيا.

ومن الحكمة أيضا: تعظيم عقد النكاح، وأن له حرمة، وتعظيم حق الزوج المطلق.
وفيها أيضا: صيانة حق الحمل فيما لو كانت المفارقة حاملاً.
وبالجملة؛ فالعدة حريم للنكاح السابق.
وأما من تلزمها العدة: فالعدة تلزم كل امرأة فارقت زوجها بطلاق وخلع أو فسخ أو مات عنها؛ بشرط أن يكون الزوج المفارق لها قد خلا بها وهي مطاوعة مع علمه بها وقدرته على وطئها، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، وسواء كانت بالغة أو صغيرة يوطأ مثلها.
وأما من فارقها زوجها حيّا بطلاق أو غيره قبل الدخول بها؛ فلا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ، أي: تحصونها بالأقراء أو الأشهر، ومعنى: ﴿تَمَسُّوهُنّ﴾ ؛ أي: تجامعوهن؛ فدلت الآية الكريمة على أنه لا عدة على من طُلِّقت قبل الدخول بها، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وذكر المؤمنات هنا من باب التغليب؛ لأنه لا فرق بين الزوجات المؤمنات والكتابيات في هذا الحكم باتفاق أهل العلم.
وأما المفارقة بالوفاة؛ فتعتد مطلق ا، سواء كانت الوفاة قبل الدخول أو بعده؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ، ولم يرد ما يخصصها.
وأما أنواع المعتدات: فهن على سبيل الإجمال ست: الحامل.
والمتوفى عنها زوجها من غير حمل منه.
والحائل التي تحيض وقد فورقت في الحياة.
والحائل التي لا تحيض لصغر أو إياس وهي مفارقة في

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
الانتقال إلى صفحة
جارٍ التحميل