الملخص الفقهيصفحات 133-171
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 133-171
عن هذه الطبعة
عَلَم
صالح الفوزان
الكتاب
الملخص الفقهي
المؤلف
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الناشر
دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1423هـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الثامن: الجلوس للتشهد الأول لفعله ذلك، ومداومته عليه، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
ومن ترك واجبا من هذه الواجبات القولية والفعلية الثمانية متعمدًا، بطلت صلاته؛ لأنه متلاعب فيها، ومن تركه سهوًا أو جهلاً؛ فإنه يسجد للسهو؛ لأنه ترك واجبا يحرم تركه، فيجبره بسجود السهو.
سنن الصلاة: والقسم الثالث أفعال وأقوال الصلاة غير ما ذكر في القسمين الأولين: سنة، لا تبطل الصلاة بتركه.
وسنن الصلاة نوعان: النوع الأول: سنن الأقوال، وهي كثيرة؛ منها: الاستفتاح، والتعوذ، البسملة، والتأمين، والقراءة بعد الفاتحة بما تيسر من القرآن في صلاة الفجر وصلاة الجمعة والعيد وصلاة الكسوف والركعتين الأولين من المغرب والعشاء والظهر والعصر.
ومن سنن الأقوال: قول: "ملء السماء وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد"؛ بعد قوله: "بنا ولك الحمد"،وما زاد على المرة الواحدة في تسبيح ركوع وسجود، والزيادة على المرة في قول: "رب اغفر لي"؛ بين الجدتين، وقوله: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"، وما

زاد على ذلك الدعاء في التشهد الأخير.
والنوع الثاني: سنن الأفعال؛ كرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع، وعند الرفع منه، ووضع اليد اليمنى على اليسرى، ووضعهما على صدره أو تحت سرته في حال القيام، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومجافاة بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه في السجود، ومد ظهره في الركوع معتدلاً، وجعل رأسه حياله؛ فلا يخفضه ولا يرفعه، وتمكين جبهته وأنفه وبقية الأعضاء من موضع السجود، وغير ذلك من سنن الأقوال والأفعال مما هو مفصل في كتب الفقه.
وهذه السنن لا يلزم الإتيان بها في الصلاة، بل من فعلها أوشيئا منها؛ فله زيادة أجر، ومن تركها أو بعضها؛ فلا حرج عليه؛ شأن سائر السنن.
ومن هنا لا نرى مررًا لما يفعله بعض الشباب اليوم من التشدد ي أمر السنن في الصلاة، حتى ربما أدى بهم هذا التزيد في تطبيقها بصورة غريبة؛ كأن يحنى أحدهم رأسه في القيام إلى قريب من الركوع، ويجمع يديه على ثغرة نحره بدلاً من وضعها على صدره أو تحت سرته؛ كما وردت به السنة، وتشددهم في شأن السترة، حتى إن بعضهم يترك القيام في الصف لأداء النافلة، ويذهب إلى مكان آخر، يبحث فيه عن سترة،

وكذا مد أحدهم رأسه إلى أمام ورجليه إلى خلف في السجود، حتى يصبح كالقوس أو قريبا من المنبطح، وكذا فحج أحدهم رجليه في حال القيام حتى يضيِّق على من بجانبه، وهذه صفات غريبة، ربما تؤدي إلى الغلو الممقوت.
ونسأل الله لنا ولهم التوفيق للحق والعمل به.

باب في صفة الصلاة

بعد أن بينَّا أركان الصلاة وواجباتها وسننها القولية والفعلية نريد أن نذكر صفة الصلاة المشتملة على تلك الأركان والواجبات والسنن حسبما وردت به النصوص من صفة صلاة النبي؛ لتكون قدوة للمسلم؛ عملاً بقوله: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، وإليك سياق ذلك.
كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة؛ استقبل القبلة، ورفع يديهن واستقبل ببطون أصابعها القبلة، وقال: "الله أكبر".
ثم يمسك شماله بيمينه، ويضعهما على صدره.
ثم يستفتح، ولمن كن يداوم على استفتاح واحد؛ فكل الاستفتاحات الثابتة عنه يجوز الاستفتاح بها، ومنها: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم يقرأ فاتحة الكتاب، فإذا ختمها؛ قال: "آمين".

ثم يقرأ بعد ذلك سورة طويلة تارة وقصيرة تارة ومتوسطة تارة، وكان يطيل قراءة الفجر أكثر من سائر الصلوات، وكان يجهر بالقراءة في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء ويسر القراءة فيما سوى ذلك، وكان يطيل الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية.
ثم يرفع يديه كما رفعها في الاستفتاح، ثم يقول: "الله أكبر"، ويخر راكعا، ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع، ويمكنهما، ويمد ظهره، ويجعل رأسه ياله، لا يرفعه ولا يخفضه، ويقول: "سبحان ربي العظيم".
ثم يرفع رأسه قائلاً: "سمع الله لمن حمده"، ويرفع يديه كما يرفعهما عند الركوع.
فإذا اعتدل قائما؛ قال: "ربنا لك الحمد"، وكان يطيل هذا الاعتدال.
ثم يكبر، ويخر ساجدًا، ولا يرفع يديه، فيسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه، ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة، ويعتدل في سجوده، ويمكن جبهته وأنفه من الأرض، ويعتمد على كفيه، ويرفع مرفقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى".
ثم يرفع رأسه قائلاً: " الله أكبر"، ثم يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع يديه على فخذيه، ثم يقول: "اللهم اغفر لي، وارحمن، واجبرني، واهدني، وارزقني".

ثم يكبر ويسجد، ويصنع في الثانية مثل ما صنع في الأولى.
ثم يرفع رأسه مكبرًا وينهض على صدور قدميه، معتمدًا على ركبتيه وفخذيه.
فإذا استتم قائما؛ أخذ في القراءة، ويصلي الركعة الثانية كالأولى.
ثم يجلس للتشهد الأول مفترشا كما يجلس بين السجدتين، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع إبهام يده اليمنى على إصبعه الوسطى كهيئة الحلقة، ويشير بإصبعه السبابة، وينظر إليها، ويقول: "التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وكان يخفف هذه الجلسة.
ثم ينهض مكبرًا، فيصلي الثالثة والرابعة، ويخففهما عن الأوليين، ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب.
ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا؛ يفرش رجله اليسرى، بأن يجعل طهرها على الأرض، وينصب رجله اليمنى، ويخرجهما عن يمينه، ويجعل أليتيه على الأرض.
ثم يتشهد التشهد الخير، وهو التشهد الأول، ويزيد عليه: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد".

ويستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسح الدجال، ويدعوا بما ورد من الأدعية في الكتاب والسنة.
ثم يسلم عن يمينه؛ فيقول: "السلام عليكم ورحمة الله"، وعن يساره كذلك؛ يبتدئ السلام متوجها إلى القبلة، وينهيه مع تمام الالتفات.
فإذا سلم؛ قال: "أستغفر الله "ثلاثا "، اللهم إنك أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام"، ثم يذكر الله بما ورد.
أيها المسلم، هذه جملة مختصرة في صفة الصلاة حسبما ورد في النصوص؛ فعليك أن تهتم بصلاتك غية الاهتمام، وأن تكون صلاتك متفقة حسب الإمكان مع صلاة النبي؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ . ونسأل الله للجميع التوفيق والقبل.

باب في بيان ما يكره في الصلاة

يكره في الصلاة الالتفات بوجهه وصدره؛ لقول النبي: "وهو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، رواه البخاري؛ إلا أن يكون ذلك لحاجة؛ فلا بأس به؛ كما في حالة الخوف، أو كان لغرض صحيح.
فإن استدار بجميع بدنه، أو استدبر الكعبة في غير حالة الخوف؛ بطلت صلاته؛ لتركه الاستقبال بلا عذر.
فتبين بهذا أن الالتفات في الصلاة في حالة الخوف لابأس به؛ لأن ذلك من ضروريات القتال، وغن كان في غيرة حالة الخوف، فإن كان بالوجه والصدر فقط بقية دون بقية البدن، فإن كان لحاجة؛ فلا بأس، إن كان لغير حاجة؛ فهو مكروه، وإن كان بجميع البدن؛ بطلت صلاته.
يكره في الصلاة رفع بصره إلى السماء؛ فقد أنكر النبي على من يفعل ذلك؛ فقال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في

صلاتهم؟! "، واشتد قوله في ذلك، حتى قال: "لينتهن أو لتخطفن أبصارهم"، رواه البخاري.
وقد سبق أنه ينبغي أن يكون نظره إلى موضع سجوده؛ فلا ينبغي له أن يسرح ببصره فيما أمامه من الجدران والنقوش والكتابات ونحو ذلك؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته.
ويكره في الصلاة تغميض عينيه بغير حاجة؛ لأن ذلك من فعل اليهود، وإن كان التغميض لحاجة، كأن يكون أمامه ما يشوش عليه صلاته؛ كالزخارف والتزويق؛ فلا يكره إغماض عينيه عنه، هذا معنى ما ذكره ابن القيم رحمه الله.
ويكره في الصلاة إقعاؤه في الجلوس، وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه؛ لقوله: "إذا رفعت رأسك من السجود؛ فلا تقع كما يقعي الكلب"، رواه ابن ماجه، وما جاء بمعناه من الأحاديث.
ويكره في الصلاة أن يستند إلى جدار ونحوه حال القيام؛ إلا من حاجة؛ لأنه يزيل مشقة القيام، فإن فعله لحاجة كالمرض ونحوه؛ فلا بأس.

ويكره في الصلاة افتراش ذراعيه حال السجود؛ بأن يمدهما على الأرض مع إلصاقهما بها، قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب"، متفق عليه، وفي حديث آخر: "ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب".
ويكره في الصلاة العبث وهو اللعب وعمل ما لا فائدة فيه بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك، منه مسح الأرض من غير حاجة.
ويكره في الصلاة التحضر، وهو وضع اليد على الخاصرة، وهي الشاكلة ما فوق رأس الورك من المستدق، وذلك لأن التحضر فعل الكفار والمتكبرين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وقد ثبت في الحديث المتفق عليه النهي عن أن يصلي الرجل متخصرًا.
ويكره في الصلاة فرقعة أصابعه وتشبيكها.
ويكره أن يصلي وبين يديه ما يشغله ويلهيه؛ لأن ذلك يشغله عن إكمال صلاته.
وتكره الصلاة في مكان فيه تصاوير؛ لما فيه من التشبه بعبادة

الأصنام، سواء كانت الصورة منصوبة أو غير منصوبة على الصحيح.
ويكره أن يدخل في الصلاة وهو مشوش الفكر بسبب وجود شيء يضايقه؛ كاحتباس بول، أو غائط، أو ريح، أو حالة برد أو حر شديدين، أو جوع أو عطش مفرطين؛ لأن ذلك يمنع الخشوع.
وكذا يكره دخوله في الصلاة بعد حضور طعام يشتهيه؛ لقوله: "لا صلاة يحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"، رواه مسلم.
وذلك كله رعاية لحق الله تعالى ليدخل العبد في العبادة بقلب حاضر مقبل على ربه.
ويكره للمسلم أن يخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأن ذلك من شعار الرافضة؛ ففي ذلك الفعل تشبه بهم.
ويكره في الصلاة مسح جبهته وأنفه مما علق بهما من أثر السجود، ولا بأس بمسح ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
ويكره في الصلاة العبث بمسح لحيته وكف ثوبه وتنظيف أنفه ونحو ذلك؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته.
والمطلوب من المسلم أن يتجه إلى صلاته بكليته، ولا يتشاغل عنها بما ليس منها، يقول الله سبحانه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ؛

فالمطلوب إقامة الصلاة بحضور القلب والخشوع، والإتيان بما يشرع لهما، وترك ما ينافيهما أو ينقصهما من الأقوال والأفعال؛ لتكون صلاة صحيحة مبرئة لذمة فاعلها، ولتكون صلاة في صورتها وحقيقتها، لا في صورتها فقط.
وفق الله الجميع لما فيه الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

باب في بيان ما يستحب أو يباح فعله في الصلاة

يسن للمصلي رد المار من أمامه قريبا منه؛ لقول النبي: "إذا كان أحدكم يصلي؛ فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى؛ فليقاتله؛ فإن معه القرين"، رواه مسلم.
لكن إذا كان أمام المصلي سترة "أي: شيء مرتفع من جدار أو نحوه "؛ فلا بأس أن يمر من ورائها، وكذا إذا احتاج إلى المرور لضيق المكان؛ فيمر، ولا يرده المصلي، وكذا إذا كان يصلي في الحرم؛ فلا يمنع المرور بين يديه؛ لأن النبي كان يصلي بمكة والناس يمرون بين يديه وليس دونهم سترة، رواه الخمسة.
واتخاذ السترة سنة في حق المنفرد والإمام؛ لقوله: "إذا صلى أحدكم؛ فليصل إلى سترة، وليدن منها"، رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد، وأما المأمون؛ فسترته سترة إمامه.

وليس اتخاذ السترة بواجب؛ لحديث ابن عباس؛ أنه صلى في فضاء ليس بين يديه شيء، رواه أحمد وأبو داود.
وينبغي أن تكون السترة قائمة كمؤخرة الرحل؛ أي: قدر ذراع، سواء كانت دقيقة أو عريضة.
والحكمة في اتخاذها؛ لتمنع المار بين يديه، ولتمنع المصلي من الانشغال بما وراءها.
وإن كان في صحراء؛ صلى إلى شيء شاخص من شجر أو حجر أو عصا، فإن لم يمكن غرز العصا في الأرض؛ وضعه بين يديه عرضا.
وإذا التبست القراءة على الإمام؛ فللمأموم أن يسمعه القراءة الصحيحة.
ويباح للمصلي لبس الثوب ونحوه، وحمل شيء ووضعه، وفتح الباب، وله قتل حية وعقرب؛ لأنه أمر بقتل الأسودين في الصلاة؛ الحية والعقرب، رواه أبو داود والترمذي وصححه، لكن؛ لا ينبغي له أن يكثر من الأفعال المباحة في الصلاة إلا لضرورة، فإن أكثر منها من غير ضرورة، وكانت متوالية؛ أبطلت الصلاة؛ لأن ذلك مما ينافي الصلاة ويشغل عنها.

وإذا عرض للمصلي أمر؛ كاستئذان علين، أو سهو أمامه، أو خاف على إنسان الوقوع في هلكة؛ فله التنبيه على ذلك؛ بأن يسبح الرجل وتصفق المرأة؛ لقوله: "إذا نابكم شيء في صلاتكم؛ فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء"، متفق عليه.
ولا يكره السلام على المصلي إذا كان يعرف كيف يرد، وللمصلي حينئذ رد السلام في حال الصلاة بالإشارة لا باللفظ؛ فلا يقول: وعليكم السلام، فإن رده باللفظ؛ بطلت به صلاته؛ لأنه خطاب آدمي، وله تأخير الرد إلى ما بعد السلام.
ويجوز للمصلي أن يقرأ عدة سور في ركعة واحدة؛ لما في "الصحيح": أن النبي قرأ في ركعة من قيامه بالبقرة وآل عمران والنساء، ويجوز له أن يكرر قراءة السورة في ركعتين، وأن يقسم السورة الواحدة بين ركعتين، ويجوز له قراءة أواخر السور وأوسطها؛ لما روى أحمد ومسلم عن ابن عباس؛ أن النبي كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، وفي الثانية الآية في آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْه﴾ ، لكن؛ لا ينبغي

الإكثار من ذلك، بل يفعل أحيانا.
وللمصلي أن يستعيذ عند قراءة آية فيها ذكر عذاب، وأن يسأل الله عند قراءة آيه فيه ذكر رحمه، وله أن يصلي على النبي عند قراءة ذكره؛ لتأكد الصلاة عليه عند ذكره.
هذه جملة من الأمور التي يستحب لك أو يباح لك فعلها حال الصلاة، عرضناها عليك رجاء أن تستفيد منها وتعمل بها، حتى تكون على بصيرة من دينك، ونسأل الله لنا ولك المزيد من العلم النافع والعمل الصالح.
وليعلم أن الصلاة عبادة عظيمة، لا يجوز أن يُفعل أو يُقال فيها إلا في حدود الشرع الوارد عن الرسول؛ فعليك بالاهتمام بها ومعرفة ما يكملها وما ينقصها، حتى تؤديها على الوجه الأكمل.

باب في السجود للسهو

لما كان الإنسان عرضة للنسيان والذهول، وكان الشيطان يحرص على أن يشوش عليه صلاته ببعث الأفكار وإشغال باله بها عن صلاته، ربما ترتب على ذلك نقص في الصلاة أو زيادة فيها بدافع النسيان والذهول؛ فشرع الله للمصلي أن يسجد في آخر صلاته؛ تفاديا لذلك، وإرغاما للشيطان، وجبرًا للنقصان، وإرضاء للرحمن، وهذا السجود هو ما يسميه العلماء سجود السهو والسهو هو النسيان، وقد سهى النبي في الصلاة، وكان سهو من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو؛ فقد حفظ عنه وقائع السهو في الصلاة، سلم في اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وقام في اثنتين ولم يتشهد فسجد، وغير ذلك، وقال: "إذا سها أحدكم؛ فليسجد" سجدتين.

ويشرع سجود السهو لأحد ثلاث أمور.
أولاً: إذا زاد في الصلاة سهوًا.
ثانيا: إذا نقص منها سهوًا.
ثالثا: إذا حصل عنده شك في زيادة أو نقص.
فيسجد لأحد هذه الثلاثة حسبما ورد به الدليل، لا لكل زيادة أو نقص أو شك.
ويشرع سجود السهو إذا وجد سببه، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة؛ لعموم الأدلة.
فالحالة الأولى من الأحوال التي يشرع لها سجود السهو: هي حالة الزيادة في الصلاة، وهي إما زيادة أفعال أو زيادة أقوال: فزيادة الأفعال إذا كانت زيادة من جنس الصلاة؛ كالقيام في محل القعود، والقعود في محل القيام، أو زاد ركوعا أو سجودًا، فإذا فعل ذلك سهوًا؛ فإنه يسجد للسهو؛ لقوله في حديث ابن مسعود: "فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته؛ فليسجد سجدتين"، رواه مسلم، ولأن الزيادة في الصلاة نقص من هيئتها في المعنى، فشرع السجود لها؛ لينجبر النقص.
وكذا لو زاد ركعة سهوًا، ولم يعلم إلا بعد فراغه منها؛ فإنه يسجد للسهو، أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة؛ فإنه يجلس في الحال، ويتشهد إن لم يكن تشهد، ثم يسجد للسهو ويسلم.

وإن كان إماما؛ لزم من علم من المأمومين بالزيادة تنبيهه بأن يسبح الرجال وتصفق النساء، ويلزم الإمام حينئذ الرجوع إلى تنبيههم إذا لم يجزم بصواب نفسه؛ لأنه رجوع إلى الصواب، وكذا يلزمهم تنبيهه على النقص.
وأما زيادة الأقوال؛ كالقراءة في الركوع والسجود، وقراءة سورة في الركعتين الأخيرتين من الرباعية والثالثة من المغرب، فإذا فعل ذلك سهوًا استحب له السجود للسهو.
وأما الحالة الثانية، وهي ما إذا نقص من الصلاة سهوًا بأن ترك منها شيئا: فإن كان المتروك ركنا، وكان هذا الركن تكبيرة الإحرام؛ لم تنعقد صلاته ولا يغني عنه سجود السهو.
وإن كان ركنا غير تكبيرة الإحرام؛ كركوع أو سجود، وذكر هذا المتروك قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فإنه يعود وجوبا، فيأتي به وبما بعده، وإن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ بطلت الركعة التي تركه منها، وقامت الركعة التي تليها مقامها؛ لأنه ترك ركنا لم يمكنه استدراكه؛ لتلبسه بالركعة التي بعدها.
وإن لم يعلم بالركن المتروك إلا بعد السلام؛ فإنه يعتبره كترك ركعة كاملة، فإن لم يطل الفصل، وهو باق على طهارته؛ أتى بركعة كاملة، وسجد للسهو، وسلم،

وإن طال الفصل، أو انتقض وضوؤه؛ استأنف الصلاة من جديد؛ إلا أن يكون المتروك تشهدًا أخيرًا أو سلاما؛ فإنه لا يعتبر كترك ركعة كاملة، بل يأتي به ويسجد ويسلم.
وإن نسي التشهد الأول، وقام إلى الركعة الثالثة؛ لزمه الرجوع للإتيان بالتشهد؛ ما لم يستتم قائما، كره رجوعه؛ لأنه تلبس بركن آخر؛ فلا يقطعه.
وإن ترك التسبيح في الركوع أو السجود؛ لزمه الرجوع للإتيان به؛ ما لم يعتدل قائما في الركعة الأخرى، ويسجد للسهو في كل هذه الحالات.
وأما الحالة الثالثة وهي حالة الشك في الصلاة: فإن شك في عدد الركعات؛ بأن شك أصلى ثنتين أم ثلاثا مثلاً؛ فإنه يبني على الأقل؛ لأنه المتيقن، ثم يسجد للسهو قبل السلام؛ لأن الأصل عدم ما شك فيه، ولحديث عبد الرحمن بن عوف: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين؛ فليجعلها واحدة، أو لم يدر ثنتين أو ثلاثا؛ فليجعلها اثنتين"، رواه أحمد ومسلم والترمذي.

وإن شك المأموم أدخل مع الإمام في الأولى أو في الثانيه؛ جعله في الثانية، أو شك هل أدرك الركعة أو لا؛ لم يعتد بتلك الركعة، ويسجد للسهو.
وإن شك في ترك ركن؛ فكما لو تركه، فيأتي به وبما بعده على التفصيل السابق.
وإن شك في ترك واجب؛ لم يعتبر هذا الشك، ولا يسجد للسهو، وكذا لو شك في زيادة؛ لم يلتفت إلى هذا الشك؛ لأن الأصل عدم الزيادة.
هذه جمل من أحكام سجود السهو، ومن أراد الزيادة؛ فليراجع كتب الأحكام، والله الموفق.

والصحيح أنها سنة مؤكدة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وهي شكر لله على تجدد نعمته على الوالدين بولادة المولود، وفيها تقرب إلى الله تعالى، وتصدق على الفقراء، وفداء للمولود.
ومقدار ما يذبح عن الذكر شاتان متقاربتان سنا وشبها، وعن الأنثى شاة واحدة، لحديث أم كرز الكعبية؛ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة"، رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عائشة.
والحكمة في الفرق بين الذكر والأنثى في مقدار العقيقة؛ أنها على النصف من أحكام الذكر، والنعمة على الوالد بالذكر أتم، والسرور والفرحة به أكمل، فكان الشكر عليه أكثر.
ووقت ذبح العقيقة ينبغي أن يكون في اليوم السابع من ولادته، ولو ذبحها قبل اليوم السابع أو بعده؛ جاز.
والأفضل أن يسمى في هذا اليوم؛ ففي "السنن" وغيرها: "يذبح عنه يوم سابعه ويسمى"، ومن سماه في يوم ولادته؛ فلا بأس، بل هو عند بعض العلماء أرجح من اليوم السابع.

باب في الذكر بعد الصلاة

قال الله سبحانه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . وخصَّص سبحانه الأمر بذكره بعد أداء العبادات: فأمر بذكره بعد الفراغ من الصلوات؛ فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وأمر بذكره بد إكمال صيام رمضان، فقال سبحانه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ْ﴾ . وأمر بذكره بعد قضاء مناسك الحج؛ فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ .

وذلك والله أعلم جبرُ لما يحصل في العبادة من النقص والوساوس، ولإشعار الإنسان أنه مطلوب منه مواصلة الذكر والعبادة؛ لئلا يظن أنه إذا فرغ من العبادة؛ فقد أدى ما عليه.
والذكر المشروع بعد صلاة الفريضة يجب أن يكون على الصفة الواردة عن النبي، لا على الصفة المحدثة المبتدعة التي يفعلها الصوفية المبتدعة.
ففي "صحيح مسلم" عن ثوبان رضي الله عنه؛ قال: كان رسول الله: إذا انصرف في صلاته؛ استغفر الله ثلاثا، وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام" وفي "الصحيحين " عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه؛ أن رسول الله كان إذا فرغ من الصلاة؛ قال: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وفي "صحيح مسلم " عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما؛ أن رسول الله كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه،

له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون".
وفي "السنن " من حديث أبي ذر: أن رسول الله قال: "من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويمت، وهو على كل شيء قدير؛ عشر مرات؛ كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم؛ إلا الشرك بالله"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح "، وورد أن هذه التهليلات العشر تقال بعد صلاة المغرب أيضا في حديث أم سلمة عند أحمد، وحديث أبي أيوب الأنصاري في "صحيح ابن حبان ". ويقول بعد المغرب والفجر أيضا: "رب أجرني من النار"؛ سبع مرات؛ لما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

ثم يسبح الله بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ويحمده ثلاثا وثلاثين، ويكبره ثلاثا وثلاثين، ويقول تمام المئة: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"؛ لما روى مسلم أن رسول الله قال: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين؛ فتلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر".
ثم يقرأ آية الكرسي، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ؛ لما رواه النسائي والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه؛ قال ك قال: رسول الله: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة؛ لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت"؛ يعني: لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت، وفي حديث آخر: "كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى"، وفي "السنن " عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛ قال: "أمرني رسول الله أن اقرأ المعوذتين دبر كل صلاة".

لقد دلت هذه الأحاديث الشريفة على مشروعية هذه الأذكار بعد الصلوات المكتوبة، وعلى ما يحصل عليه من قالها من الأجر والثواب؛ فينبغي لنا المحافظة عليها، والإتيان بها؛ على الصفة الواردة عن النبي، وأن تأتي بها بعد السلام من الصلاة مباشرة، قبل أن نقوم من المكان الذي صلينا فيه، ونرتبها على هذا الترتيب: فإذا سلمنا من الصلاة؛ نستغفر الله ثلاثا.
ثم نقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
ثم نقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد"؛: أي لا ينفع الغنيَّ منك عناهُ، وإنما ينفعه العمل الصالح.
ثم نقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
ثم نسبح الله ثلاثا وثلاثين، ونحمده ثلاثا وثلاثين، ونكبره ثلاثا وثلاثين، ونقول تمتم المئة: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".
وبعد صلاة المغرب وصلاة الفجر نأتي بالتهليلات العشر، ونقول: "رب أجرني من النار"؛ سبع مرات.

ثم بعد أن نفرغ من هذه الأذكار على هذا الترتيب؛ نقرأ آية الكرسي، وسور: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، والمعوذتين.
ويستحب تكرار قراءة هذه السور بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر ثلاث مرات.
ويستحب الجهر بالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة، لكن لا يكون بصوت جماعي، وإنما يرفع به كل واحد صوته منفراً.
ويستعين على ضبط عدد التهليلات وعدد التسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلاة، لكن لا يكون بصوت جماعي، وإنما يرفع به كل واحد صوته منفردًا.
ويستعين على ضبط عدد التهليلات وعدد التسبيح والتحميد والتكبير بعقد الأصابع؛ لأن الأصابع مسؤولات مستنطقات يوم القيامة.
ويباح استعمال السبحة ليعد بها الأذكار والتسبيحات، من غير اعتقاد أن فيها فضيلة خاصة، وكرهها بعض العلماء، وإن اعتقد أن لها فضيلة؛ فاتخاذها بدعة، وذلك مثل السبح التي يتخذها الصوفية، ويعلقونها في أعناقهم، أو يجعلونها كالأسورة في أيديهم، وهذا مع كونه بدعة؛ فإن فيه رياء وتكلفا.
ثم بعد الفراغ من هذه الأذكار يدعو سراً بما شاء؛ فإن الدعاء عقب هذه العبادة وهذه الأذكار العظيمة أحرى بالإجابة، ولا يرفع يديه بالدعاء بعد الفريضة كما يفعل بعض الناس؛ فإن ذلك بدعة، وإنما يفعل هذا بعد النافلة أحيانا، ولا يجهر بالدعاء، بل يخفيه؛ لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص والخشوع، وأبعد عن الرياء.

وأما يفعله بعض الناس في بعض البلاد من الدعاء الجماعي بعد الصلوات بأصوات مرتفعة مع رفع الأيدي، أو يدعو الإمام والحاضرون يؤمنون رافعي أيديهم؛ فهذا العمل بدعة منكرة؛ لأنه لم ينقل عن النبي أنه كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الفراغ من الصلاة على هذه الصفة؛ لا في الفجر، ولا في العصر ولا غيرهما من الصلوات، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من نقل ذلك عن الإمام الشافعي؛ فقد غلط عليه، فيجب التقيد بما جاء عن النبي في ذلك وفي غيره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .

باب في صلاة التطوع

اعلموا أن ربكم سبحانه تعالى شرع لكم بجانب فرائض الصلوات التقرب إليه بنوافل الصلوات؛ فالتطوع بالصلاة من أفضل القربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم؛ لمداومة النبي على التقرب إلى ربه بنوافل الصلوات، وقال عليه الصلاة والسلام: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
والصلاة تجمع أنواعا من العبادة؛ كالقراءة، والركوع، والسجود، والدعاء، والذل، والخضوع، ومناجاة الرب سبحانه وتعالى، والتكبير، والتسبيح، والصلاة على النبي.
وصلوات التطوع على نوعين: النوع الأول: صلوات مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المقيدة.

والنوع الثاني: صلوات غير مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المطلقة.
والنوع الأول، أنواع متعددة، بعضها آكد من بعض، وآكد أنواعة صلاة الكسوف، ثم صلاة الترويح، ثم صلاة الوتر، وكل من هذه الصلوات سيأتي عنه حديث خاص إن شاء الله تعالى

باب في صلاة الوتر وأحكامها

ولنبدأ الآن بالحديث عن صلاة الوتر لأهميته، فقد قيل: إنه آكد التطوع، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه، وما اختلف وجوبه؛ فهو آكد من غيره مما لم يختلف في عدم وجوبه.
اتفق المسلمون على مشروعية الوتر، فلا ينبغي تركه، ومن أصر على تركه؛ فإنه ترد شهادته: قال الإمام أحمد: "من ترك الوتر عمداً؛ فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل شهادته"، وروى أحمد وأبو داود مرفوعا: "من لم يوتر؛ فليس منا".
والوتر: اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، ولثلاث الركعات وللخمس والسبع والتسع والإحدى عشرة "إذا كانت هذه الركعات متصلة بسلام واحد"، فإذا كانت هذه الركعات بسلامين فأكثر؛ فالوتر اسم للركعة المنفصلة وحدها.

ووقت الوتر يبدأ من بعد صلاة العشاء الآخرة ويستمر إلى طلوع الفجر؛ ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: "من كل الليل أوتر رسول الله؛ من أوله، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر".
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن جميع الليل وقت للوتر؛ إلا ما قبل صلاة العشاء، فمن كان يثق من قيامه في آخر الليل؛ فتأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل، ومن كان لا يثق من قيامه في آخر الليل؛ فإنه يوتر قبل أن ينام، بهذا أوصى النبي؛ فقد روى مسلم من حديث جابر عن النبي: "أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل؛ فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيامه من آخر الليل؛ فليوتر من آخره؛ فإن قراءة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل".
وأقل الوتر ركعة واحدة؛ لورود الأحاديث بذلك، وثبوته عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم، لكن الأفضل والأحسن أن تكون مسبوقة بالشفع.
وأكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، يصليها

ركعتين ركعتين، ثم يصلي ركعة واحدة يوتر بها؛ لقول عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة "، رواه مسلم، وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة".
وله أن يسردها، ثم يجلس بعد العاشرة، ويتشهد ولا يسلم، ثم يقوم ويأتي بالحادية عشرة، ويتشهد ويسلم.
وله أن يسردها، ولا يجلس إلا بعد الحادية عشرة، ويتشهد ويسلم.
والصفة الأولى أفضل.
وله أن يوتر بتسع ركعات، يسرد ثمانيا، ثم يجلس عقب الركعة الثامنة، ويتشهد التشهد الأول ولا يسلم، ثم يقوم، فيأتي بالركعة التاسعة، ويتشهد التشهد الأخير ويسلم.
وله أن يوتر بسبع ركعات أو بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخر، ويتشهد ويسلم؛ لقول أم سلمة رضي الله عنها: "كان رسول الله يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام ". وله أن يوتر بثلاث ركعات، يصلي ركعتين ويسلم، ثم يصلي الركعة الثالثة وحدها، ويستحب أن يقرأ في الأولى ب ﴿سَبَّحَ﴾ ، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، والثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .

وقد تبين مما مر أن لك أن الوتر: بإحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، وبتسع ركعات، وبخمس ركعات، وبثلاث ركعات، وبركعة واحدة؛ فأعلى الكمال إحدى عشرة، وأدنى الكمال ثلاث ركعات، والمجزئ ركعة واحدة.
ويستحب لك أن تقنت في الركوع في الوتر؛ بأن تدعو الله سبحانه، فترفع يديك، وتقول: "اللهم اهدني فيمن هديت ... " إلخ الدعاء الوارد.

باب في صلاة التراويح وأحكامها

مما شرعة نبي الهدى محمد في شهر رمضان المبارك صلاة التراويح، وهي سنة مؤكدة، سميت تراويح لأن الناس كانوا يستريحون فيها بين كل أربع ركعات 1؛ لأنهم يطيلون الصلاة.
وفعلها جماعة في المسجد؛ فقد صلاها النبي بأصحابه في المسجد ليالي، ثم تأخر عن الصلاة بهم؛ خوفا من أن تفرض عليهم؛ كما ثبت في "الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، لم يخرج إليهم،

فلما أصبح؛ قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم"، وذلك في رمضان، وفعلها صحابته من بعده، وتلقتها أمته بالقبول، وقال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة"، وقال: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له من ما تقدم من ذنبه"، متفق عليه.
فهي سنة ثابته، لا ينبغي للمسلم تركها.
أما عدد ركعاتها؛ فلم يثبت فيه شيء عن النبي، والأمر في ذلك واسع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا

وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة، وكل حسن؛ فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره.
وعمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أُبي؛ صلى بهم عشرين ركعة، والصحابة رضي الله عنهم منهم من يقل ومنهم من يكثر، والحد المحدود لا نص عليه من الشارع.
وكثير من الأئمة "أي: أئمة المساجد " في التراويح يصلون صلاة لا يعقلونها، ولا يطمئنون في الركوع ولا في السجود، والطمأنينة ركن، والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى، واتعاظه بكلام الله إذ يتلى، وهذا لا يحصل في العجلة المكروهة، وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة أولى من عشرين ركعة مع العجلة والمكروهة؛ لأن لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله عز وجل، ورب قليل خير من كثير، وكذلك ترتيل القراءة أفضل من السرعة، والسرعة المباحة هي التي لا يحصل معها إسقاط شيء من الحروف، فإن أسقط بعض الحروف لأجل السرعة؛ لم يجز ذلك، وينهى عنه، وأما إذا قرا قراءة بينة ينتفع بها المصلون خلفه؛ فحسن.
وقد ذم الله الذين يقرؤون القرآن بلا فهم معناه، فقال تعالى:

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي﴾ ؛ أي: تلاوة بلا فهم، والمراد من إنزال القرآن فهم معانيه والعمل به لا مجرد التلاوة انتهى كلامه رحمه الله.
وبعض أئمة المساجد لا يصلون التراويح على الوجه المشروع؛ لأنهم يسرعون في القراءة سرعة تخل بأداء القرآن على الوجه الصحيح، ولا يطمئنون في القيام والركوع والسجود، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ويأخذون بالعدد الأقل من الركعات.
فيجمعون بين تقليل الركعات وتخفيف الصلاة وإساءة القراءة، وهذا تلاعب بالعبادة1، فيجب عليهم أن يتقوا الله ويحسنوا صلاتهم، ولا يحرموا أنفسهم ومن خلفهم أداء التراويح على الوجه المشروع2

وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والفلاح.

فصول الكتاب · 19 فصل · 667 صفحة
الانتقال إلى صفحة
جارٍ التحميل