كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صالح الفوزان
- الكتاب
- الملخص الفقهي
- المؤلف
- صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
- الناشر
- دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب في أحكام البيوع
...
كتاب البيوع (قسم المعاملات وغيرها)
باب في أحكام البيوع
وضح الله في كتابه الكريم وبين النبي صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة أحكام المعاملات؛ لحاجة الناس إلى ذلك؛ لجاجتهم إلى الغذاء التي تقوى به أبدانهم، وإلى الملابس والمساكن والمراكب وغيرها من ضروريات الحياة ومكملاتها.
والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار مالم يتفرقا، فإن صدقا وبينا؛ بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما؛ محقت بركة بيعهما ".
وقد أجمع العلماء على ذلك في الجملة.
وأما القياس؛ فمن ناحية؛ أن حاجة الناس داعية إلى وجود البيع؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما يد صاحبه من ثمن أو مثمن، وهو لا يبذله إلا بعوض، فاقتضت جواز البيع للوصول إلى الغرض المطلوب.
وينعقد البيع بالصيغة القولية أو الصيغة الفعلية.
والصيغة القولية تتكون من: الإيجاب، وهو اللفظ الصادر من البائع، كأن يقول: بعث.
والقبول، وهو اللفظ الصادر من المشتري، كأن يقول: اشتريت.
والصيغة الفعلية هي المعاطاة التي تتكون من الأخذ والإعطاء، كأن يدفع إليه السلعة، فيدفع له ثمنها المعتاد.
وقد تكون الصيغة مركبة من القولية والفعلية.
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: "بيع المعاطاة له صور:
إحداها: إن يصدر من البائع إيجاب لفظي فقط، ومن المشتري أخذ؛ كقول: خذ هذا الثوب بدينار.
فيأخذه، وكذلك لو كان الثمن معينا؛ مثل أن يقول: خذ هذا الثوب بثوبك.
فيأخذه.
الثانية: أن يصدر من المشتري لفظ، ومن البائع إعطاء، سواء كان الثمن معينا أو مضمونا في الذمة.
الثالثة: أن لا يلفظ واحد منهما، بل هناك عرف بوضع الثمن وأخذ المثمن" انتهى.
ويشترط لصحة البيع شروط، منها ما يشترط في العاقدين، ومنها ما يشترط في المعقود عليه، إذا فقد منها شرط؛ لم يصح البيع:
فيشترط في العاقدين:
أولاً: التراضي منهما؛ فلا يصح البيع إذا كان أحدهما مكرها بغير حق؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما البيع عن تراض"، رواه ابن حبان وابن ماجه وغيرهما، فإن كان الإكراه بحق؛ صح البيع؛ كما لو أكرهه الحاكم على بيع ما له لوفاء دينه؛ فإن هذا إكراه بحق.
ثانيا: يشترط في كل من العاقدين أن يكون جائز التصرف؛ بأن يكون حرأ مكلفا رشيدًا؛ فلا يصح البيع والشراء من صبي وسفيه ومجنون ومملوك بغير إذن سيده.
ثالثا: يشترط في كل من العاقدين أن يكون مالكا للمعقود عليه أو قائما مقام مالكه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك"، رواه ابن ماجه والترمذي وصححه؛ أي لا تبع ما ليس في ملكك من الأعيان.
قال الوزير: "اتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده ولا في ملكه، ثم يمضي فيشتريه له، وأنه باطل".
ويشترط في المعقود عليه في البيع:
أولاً: أن يكون مما يباح الانتفاع به مطلقا؛ فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به؛ كالخمر، والخنزير، وآله اللهو، والميتة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم بيع الميته والخمر والأصنام"، متفق عليه، ولأبي داود: "حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه"، ولا يصح بيع الأدهان النجسة ولا المتنجسة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئا؛ حرم ثمنه"، وفي المتفق عليه: أرأيت شخوم الميتة؛ فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام".
ثانيا: ويشترط في المعقود عليه في البيع من ثمن ومثمن أن يكون مقدورًا على ذ؛ لأن ما لا يقدر على تسليمه بالمعدوم، فلم يصح بيعه؛ فلا يصح بيع عبد آبق، ولا بيع جمل شادر، ولا طير في الهواء، ولا بيع مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه من الغاصب.
ثالثا: يشترط في الثمن والمثمن أن يكون كل منهما معلوما عند المتعاقدين؛ لأن الجهالة غزر، والغزر منهي عنه؛ فلا يصح شراء ما لم يره، أو رآه وجهله، ولا بيع حمل في بطن ولبن في ضرع منفردين، ولا يصح بيع الملامسة؛ كأن يقول: أي ثوب لمسته؛ فهو عليك بكذا، ولا بيع المنابذة كأن يقول: أي ثوب نبذته إلي أي طرحته؛ فهو بكذا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة"، متفق عليه.
ولا يصح بيع الحصاة؛ كقوله: ارم هذه الحصاة؛ فعلى أي ثوب وقعت؛ فهو لك بكذا.
باب في بيان البيوع المنهي عنها
الله سبحانه أباح لعباده البيع والشراء؛ ما لم يترتب على ذلك تفويت لما هو أنفع وأهم؛ كأن يزاحم ذلك أداء عبادة واجبة، أو يترتب على ذلك إضرار بالآخرين.
فلا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد ندائها الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، فقد نهى الله سبحانه تعالى: عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها، وخص البيع من أهم ما يشتغل به المرء من أسباب المعاش، والنهي يقتضي التحريم وعدم صحة البيع، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ ؛ يعني: الذي ذكرت لكم من ترك البيع وحضور الجمعة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الاشتغال بالبيع، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مصالح أنفسكم، كذلك التشاغل بغير البيع عن الصلاة محرم.
وكذلك بقية الصلوات المفروضة لا يجوز التشاغل عنها بالبيع
والشراء وغيرهما بعد ينادى لحضورها في المساجد؛ قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
وكذلك لا يصح بيع الشيء على من يستعين به على معصية لله ويستخدمه فيما حرم الله؛ فلا يصح بيع العصير على من يتخذه خمرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، وذلك إعانة على العدوان.
وكذا لا يجوز ولا يصح بيع سلاح في وقت الفتنة بين المسلمين؛ لئلا يقتل به مسلما، وكذا جميع آلات القتال لا يجوز بيعها في مثل هذه الحالة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولقوله: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
قال ابن القيم: "قد تظاهرت أدلة الشرع على أن المقصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حله وحرمته؛ فالسلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله؛ فهو طاعة وقربة، وكذا لا يجوز بيع سلاح لمن يحاربون المسلمين أو يقطعون به الطريق؛ لأنه إعانة على معصية".
ولا يجوز بيع عبد مسلم لكافر إذا لم عليه؛ لما في ذلك من الصغار وإذلال المسلم للكافر، وقال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
ويحرم بيعه على بيع أخيه المسلم؛ كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك خيرًا منها بثمنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا بيع بعضكم على بيع بعض"، متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا بيع الرجل على بيع أخيه"، متفق عليه.
وكذا يحرم شراؤه على شرائه؛ كأن يقول لمن باع سلعته بتسعة: أشتريها منك بعشرة.
وكم يحصل اليوم في أسواق المسلمين من أمثال هذه المعاملات المحرمة؛ فيجب على المسلم اجتناب ذلك، والنهي عنه، وإنكاره على من فعله.
ومن البيوع المحرمة: بيع الحاضر للبادي، والحاضر: هو
المقيم في المدن والقرى، والبادي: القادم من البادية أو غيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبع حاضر لباد".
قال ابن عباس رضي الله عنه: "لا يكون له سمسارًا [أي: دلالاً] يتوسط بين البائع والمشتري".
وقال صلى الله عليه وسلم: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
وكما أنه لا يجوز للحاضر أن يتولى بيع سلعة البادي، كذلك لا ينبغي له أن يشتري له.
والممنوع هو أن يذهب الحاضر إلى البادي ويقول له: أنا أبيع لك أو أشتري لك.
أما إذا جاء البادي للحاضر، وطلب منه أن يبع له أو يشتري له؛ فلا مانع من ذلك.
ومن البيوع المحرمة: بيع العينة، وهو أن يبيع سلعة على شخص بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بخمسة عشر ألفا حالة يسلمها له، وتبقى العشرون الألف في ذمته إلى حلول الأجل؛ فيحرم ذلك؛ لأنه حيلة يتوصل بها إلى الربا، فكأنه باع دراهم مؤجلة بدراهم حالة مع التفاضل، وجعل السلعة حيلة فقط.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم".
وقال صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع".
باب في أحكام الشروط في البيع
الشروط في البيع كثيرة الوقوع، وقد يحتاج المتبايعان أو أحدهما إلى شرط أو أكثر؛ فاقتضي ذلك في الشروط، وبيان ما يصح ويلزم منها وما لا يصح.
والفقهاء رحمهم الله يعرفون الشرط في البيع بأنه إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، ولا يعتبر الشرط في البيع عندهم ساري المفعول إلا إذا اشترط في صلب العقد؛ فلا يصح الاشتراط قبل العقد ولا بعده.
والشروط في البيع تنقسم إلى قسمين: صحيحة وفاسدة:
أولاً: الشروط الصحيحة: وهي الشروط التي لا تخالف متقتضى العقد، وهذا القسم يلزم العمل بمقتضاه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم"، ولأن الأصل في الشروط الصحة؛ إلا ما أبطله الشارع ونهى عنه.
والقسم الصحيح من الشروط نوعان:
النوع الأول: شرط لمصلحة العقد؛ بحيث يتقوى به العقد، وتعود مصلحته على المشترط؛ كاشتراط التوثيق بالرهن، أو اشتراط الضامن، وهذا يطمئن البائع، واشتراط تأجيل الثمن أو تأجيل بعضه إلى مدة معلومة، وهذا يستفيد منه المشتري، فإذا وفي بهذا الشرط؛ لزم البيع، وكذلك لو اشترط المشتري صفة في البيع، مثل كونه من النوع الجيد أو من الصناعة الفلانية أو الإنتاج الفلاني؛ لأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك، فإن أتى المبيع على الوصف المشترط، لزم البيع، وإن اختلف عنه؛ فللمشتري الفسخ أو الإمساك مع تعويضه عن فقد الشرط؛ بحيث يقوم المبيع مع تقدير وجود الصفة المشترطة، ثم يقوم مع فقدها، ويدفع له الفرق بين القيمين إذا طلب.
النوع الثاني من الشروط الصحيحة في البيع: أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر بذل منفعة مباحة في المبيع؛ كأن يشترط البائع سكنى الدار المبيعة مدة معينة، أو أن يحمل على الدابة أو السيارة المبيعة إلى موضع معين؛ لما روى جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم باع جملاً واشترط ظهره إلى المدنية"، متفق عليه؛ فالحديث يدل على جواز بيع الدابة مع استثناء ركوبها إلى موضع معين، ويقاس عليها غيرها، وكذا لو اشترط المشتري على البائع بذل عمل في المبيع؛ كأن
يشتري منه حطبا، ويشترط عليه حمله إلى موضع معلوم، أو يشتري منه ثوبا، ويشترط عليه خياطته.
ثانيا: الشروط الفاسدة: وهذا القسم أنواع:
النوع الأول: شرط فاسد يبطل العقد من أصله، ومثاله: أن يشترط أحدهما على الآخر عقداً آخر، كأن يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أن تؤجرني دارك، أو يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أن تشركني معك في عملك الفلاني أو في بيتك، أو يقول: بعتك هذه السلعة بكذا بشرط أن تقرضني مبلغ كذا من الدراهم؛ فهذا الشرط فاسد، وهو يبطل العقد من أساسه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، وقد فسر الإمام أحمد رحمه الله الحديث بما ذكرنا.
النوع الثاني من الشروط الفاسدة في البيع: ما يفسد في نفسه، ولا يبطل البيع؛ مثل أن يشترط على البائع أنه إن خسر في السلعة؛ ردها عليه، أو شرط البائع على المشتري أن لا يبيع السلعة، ونحو ذلك؛ فهذا شرط فاسد؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى البيع أن يتصرف المشتري في السلعة تصرفا مطلقا، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله؛ فهو باطل، وإن كان مئة شرط"، متفق عليه،
والمراد بكتاب الله هنا حكمه؛ ليشمل ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والبيع لا يبطل مع بطلان هذا الشرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بريرة حينما اشترط بائعها ولاءها له إن أعتقت؛ أبطل الشرط، ولم يبطل العقد، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق".
إنه ينبغي للمسلم الذي يشتغل بالبيع والشراء أن يتعلم أحكام البيع وما يصح فيه من الشروط وما لا يصح؛ حتى يكون على بصيرة في معاملته، ولتنقطع الخصومات والمنازعات بين المسلمين؛ فإن غالبها ينشأ من جهل المتبايعين أو أحدهما بأحكام البيع، واشتراطهم شروطا فاسدة.
باب في أحكام الخيار في البيع
دين الإسلام دين سمح شامل، يراعي المصالح والظروف، ويرفع الحرج والمشقة عن الأمة، ومن ذلك ما شرعة في البيع من إعطاء الخيار للعاقد؛ ليتروى في أمره وينظر في مصلحته من وراء تلك الصفقة؛ فيقدم على ما يؤمل من ورائه الخير، ويحجم ويتراجع عما لا يراه في مصلحته.
فالخيار في البيع معناه: طلب خير الأمرين الإمضاء أو الفسخ.
وهو ثمانية أقسام:
أولاً: خيار المجلس، أي: المكان الذي جرى فيه التبايع؛ فلكل من المتبايعين الخيار ما داما في المجلس، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايع الرجلان؛ فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا وكانا جميعا".
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "في إثبات الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضى الذي شرطه تعالى بقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ؛ فإن العقد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة؛ فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حرما يتروى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما؛ فلكل من المتبايعين الخيار هذا الحديث الشريف؛ ما لم بأبدانهما من مكان التبايع، فإن أسقطا الخيار؛ بأن تبايعا على أن لا خيار لهما، أو أسقطه أحدهما؛ سقط، ولزم البيع في حقهما أو حق من أسقطه منهما بمجرد العقد؛ لأن الخيار حق للعاقد، فيسقط بإسقاطه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ما لم يتفرقا، أو يختر أحدهما الآخر"، ويحرم على أحدهما أن يفارق أخاه بقصد إسقاط الخيار؛ لحديث عمرو بن شعيب، فيه: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله".
ثانيا: خيار الشرط: بأن يشترط المتعاقدان الخيار في صلب العقد أو بعد العقد في مدة خيار المجلس مدة معلومة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم"، ولعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ،
ويصح أن يشترط المتبايعان الخيار لأحدهما دون الآخر؛ لأن الحق لهما؛ فكيفما تراضيا؛ جاز.
ثالثا: خيار الغبن، إذا غبن في البيع غبنا يخرج عن العادة؛ فيخير المغبون منهما بين الإمساك والرد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرار"، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه"، والمغبون لم تطب نفسه بالغبن، فإن كان الغبن يسيرًا قد جرت به العادة؛ فلا خيار.
وخيار الغبن في ثلاث صور:
الصورة الأولى من صور خيار الغبن: تلقي الركبان، والمراد بهم القادمون لجلب سلعهم في البلد، فإذا تلقاهم، واشترى منهم، وتبين أنه قد غبنهم عبنا فاحشا؛ فلهم الخيار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق؛ فهو بالخيار"، رواه مسلم؛ فنهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب خارج السوق الذي تباع فيه السلع، وأمر أنه إذا أتى البائع السوق الذي تعرف فيه قيم السلع، وعرف ذلك؛ فهو بالخيار بين أن يمضي البيع أو يفسخ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للركبان الخيار إذا تلقوا؛ لأن فيه نوع تدليس وغش".
وقال ابن القيم: "نهى عن ذلك؛ لما فيه من تغرير البائع؛ فإنه لا يعرف السعر، فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار إذا دخل السوق، ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن؛ فإن الجالب إذا لم يعرف السعر؛ كان جاهلاً بثمن المثل، فيكون المشتري غارًا له، وكذا البائع إذا باعهم شيئا؛ فلهم الخيار إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم غبنوا غبنا يخرج عن العادة" انتهى.
الصورة الثانية من صور خيار الغبن: الغبن الذي يكون سببه زيادة الناجش في ثمن السلعة، والناجش: هو الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد رفع ثمنها على المشتري، وهذا عمل محرم، قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ولا تناجشوا"؛ لما في ذلك من تغرير المشتري وخديعته؛ فهو في معنى الغش.
ومن صور النجش المحرم أن يقول صاحب السلعة: أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب، اشتريتها بكذا وهو كاذب.
ومن صور النجش المحرم أن يقول صاحب السلعة: لا أبيعها إلا بكذا أو كذا؛ لأجل أن يأخذها المشتري بقريب مما قال، كأن يقول في سلعة ثمنها خمسة: أبيعها بعشرة؛ ليأخذها المشتري بقريب من العشرة.
الصورة الثالثة من صور الغبن الذي يثبت به الخيار: غبن المسترسل.
قال الإمام ابن القيم: "وفي الحديث: "غبن المتسرسل ربا" والمسترسل: هو الذي يجهل القيمة ولا يحسن أن يناقص الثمن، بل يعتقد على صدق البائع لسلامة سريرته، فإذا غبن غبنا فاحشا؛ ثبت له الخيار".
والغبن محرم؛ لما فيه من التغرير للمشتري.
ومما يجري في بعض أسواق المسلمين وهو محرم: أن بعض الناس حينما يجلب إلى السوق سلعة، يتفق أهل السوق على ترك مساومتها، ويعمدون واحدًا منهم يسومها من صاحبها، فإذا لم يجد من يزيد عليه؛ اضطر لبيعها عليه برخص، ثم اشترك البقية مع المشتري، وهذا غبن وظلم محرم، وثبت لصاحب السلعة إذا علم بذلك الخيار وسحب سلعته منهم؛ فيجب على من يفعل مثل هذا التغرير أن يتركه ويتوب منه، ويجب على من علم ذلك أن ينكره على من يفعله ويبلغ المسؤولين لردعهم عن ذلك.
رابعا: خيار التدليس، أي: الخيار الذي يثبن بسبب التدليس، والتدليس: هو إظهار السلعة المعيبة بمظهر السليمة، مأخوذ من الدلسة، بمعنى: الظلمة؛ كأن
البائع بتدليسه صير المشتري في ظلمة، فلم يتم إبصاره للسلعة، وهو نوعان.
النوع الأول: كتمان عيب السلعة.
والنوع الثاني: أن يزوقها وينمقها بما يزيد به ثمنها.
والتدليس حرام، وتسوغ به الشريعة للمشتري الرد؛ لأنه إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على خلافها؛ لما بذل ماله فيها.
ومن أمثلة التدليس الواردة: تصرية الغنم والبقر والإبل، وهي حبس لبنها في ضروعها عند عرضها للبيع، فيظنها المشتري كثيرة اللبن دائما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها؛ فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر".
ومن أمثلة التدليس: تزويق البيوت المعيبة للتغرير بالمشتري والمستأجر، وتزويق السيارات حتى تظهر بمظهر غير المستعملة للتغرير بالمشتري، وغير ذلك من أنواع التدليس.
يجب على المسلم أن يصدق ويبين الحقيقة، قال صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، صدقا وبينا؛ بورك لهما في بيعها، وإن كذبا وكتما؛ محقت بركة بيعهما"، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصدق في البيع والشراء من
أسباب البركة، وأن الكذب من أسباب محق البركة؛ فالثمن وإن قل مع الصدق؛ يبارك الله فيه، وإن كثر الثمن مع الكذب؛ فهو ممحوق البركة لا خير فيه.
خامسا: خيار العيب، أي: الخيار الذي يثبت للمشتري بسبب وجود عيب في السلعة لم يخبره به البائع أو لم يعلم به البائع، لكنه تبين أنه موجود في السلعة قبل البيع، وضابط العيب الذي يثبت به الخيار هو ما تنقص بسببه قيمة المبيع عادة أو تنقص به عينه، ويرجع معرفة ذلك إلى التجار المعتبرين؛ فما عدوه عيبا؛ ثبت الخيار به، وما لم يعدوه عيبا ينقص القيمة أو عين المبيع؛ لم يعتبر، فإذا علم المشتري بالعيب بعد العقد؛ فله الخيار بين أن يمضي البيع ويأخذ عوض العيب، وهو مقدار الفرق بين قيمة المبيع صحيحا وقيمته معيبا، وله أن يفسخ البيع ويرد السلعة ويسترجع الثمن الذي دفعة للمشتري.
سادسا: ما يسمى بخيار التخبير بالثمن، هو ما إذا باع السلعة بثمنها الذي اشتراها به، فأخبره بمقداره، ثم تبين أنه أخبر بخلاف الحقيقة، كأن تبين أن الثمن أكثر أو أقل مما أخبره به، أو قال: أشركتك معي في هذه السلعة برأس مالي، أو قال: بعتك هذه السلعة بربح كذا وكذا على رأس مالي فيها،
أو قال: بعتك هذه السلعة بنقص كذا وكذا عما اشتريتها به: ففي هذه الصور الأربع، إذا تبين أن رأس المال خلاف ما أخبره به؛ فله الخيار بين الإمساك والرد، على قول في المذهب، والقول الثاني: أنه في هذه الحالة لا خيار للمشتري، ويجري الحكم على الثمن الحقيقي، ويسقط عنه الزائد، والله أعلم.
سابعا: خيار يثبت إذا اختلف المتبايعان في بعض الأمور، كما إذا اختلفا في مقدار الثمن، أو اختلفا في عين المبيع، أو قدره، أو اختلفا في عين المبيع، أو قدره، أو اختلفا في صفته، ولا بينة لأحدهما؛ فحينئذ يتخالفان، فيحلف كل منهما على ما يدعيه، ثم بعد التحالف لكل منهما الفسخ إذا لم يرض بقول الآخر.
ثامنا: خيار يثبت للمشتري إذا اشترى بناء على رؤية سابقة، ثم وجده قد تغيرت صفته؛ فله الخيار حينئذ بين إمضاء البيع وفسخه، والله أعلم.
باب في أحكام التصرف في البيع قبل قبضه والإقالة
نتناول في هذا الباب إن شاء الله أحكام التصرف في المبيع قبل قبضه ما يصح وما لا يصح، مع بيان ما يحصل به قبض المبيع ويعد قبضا صحيحا، وما لا يعد قبضا صحيحا.
اعلم أنه لا يصح التصرف في المبيع قبل قبضه إذا كان مكيلاً أو موزونا أو معدودًا أو مذروعا باتفاق الأئمة، وكذا إذا كان غير ذلك على الصحيح الراجح من قولي العلماء رحمهم الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع طعاما؛ فلا يبعه حتى يستوفيه"، متفق عليه، وفي لفظ: "حتى يقبضه"، ولمسلم: "حتى يكتاله".
قال ابن عباس رضي الله عنهما "ولا أحسب غيره إلا مثله"؛ أي: غير الطعام، بل ورد ذلك صريحا؛ كما روى الإمام أحمد: "إذا اشتريت شيئا؛ فلا تبعه حتى تقبضه"، وروى أبو داود: "نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التاجر إلى رحالهم".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله: "علة النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح؛ فإنه يسعى في رد البيع؛ وإما بجحد، أو احتيال على الفسخ، وتأكيد ذلك بالنهي عن ربح ما لم يضمن" انتهى.
فيجب على المسلمين أن يتقيدوا بذلك، فإذا اشتري المسلم سلعة؛ لم يقدم على التصرف فيها ببيع أو غيره يقبضها قبضا تاما، وهذا مما يتساهل فيه كثير من الناس أو يتجاهلونه، فيشترون السلع ثم يبيعونها وهم لم يقبضوها من البائع أصلاً أو قبضوها ناقصا لا يعد قبضا
صحيحا؛ كأن يعد الأكياس أو الطرود أو الصناديق وهي في محل البائع، ثم يذهب ويبيعها على آخر، وهذا لا يعد قبضا صحيحا، يترتب عليه جواز تصرف المشتري فيها.
فإن قلت: ما هو القبض الصحيح الذي يسوغ للمشتري التصرف في السلعة؟ فالجواب أن قبض السلع يختلف باختلاف نوعيتها، وكل نوع له قبض يناسبه، فإذا كان المبيع مكيلاً؛ فقبضه بالكيل، وإن كان موزونا؛ فقبضه بالوزن، وإن كان معدودًا؛ فقبضه بالعد، وإن كان مذروعا؛ فقبضه بالذرع، مع حيازة هذه الأشياء إلى مكان المشتري، وما كان كالثياب والحيوانات والسيارات؛ فقبضه بنقله إلى مكان المشتري، وإن كان المبيع مما يتناول باليد كالجواهر والكتب ونحوها؛ فقبضه يحصل بتناول المشتري له بيده وحيازته، وإن كان المبيع مما لا يمكن نقله من مكانه؛ كالبيوت والأراضي والثمر على رؤوس الشجر؛ فقبضه يحصل بالتخلية؛ بأن يمكن منه المشتري، ويخلي بينه وبينه ليتصرف فيه تصرف المالك، وتسليم الدار ونحوها بأن يفتح له بابها أو يسلمه مفتاحها.
وقد مر من الأحاديث في النهي عن التصرف في المبيع قبل قبضه المعتبر شرعا؛ لما في ذك من المصلحة للمشتري والبائع؛ من قطع
النزاع، والسلامة من الخصومات التي كثيرًا ما تنشب بين الناس بسبب تساهلهم في القبض وعدم تفقد المشتري واستيفائها بالوفاء والتمام وانقطاع عهدة البائع بها، وهذا أمر ينبغي للمسلم التقيد به وتطبيقه في معاملته.
وكثير من الناس اليوم يتساهلون في قبض السلع، ويتصرفون فيها قبل القبض الشرعي، فيرتكبون ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقعون في الخصومات والمنازعات، أو يصابون بالندامة عندما تنكشف لهم السلعة على حقيقتها وقد تورطوا فيها؛ فلا يستطيعون الخلاص منها إلا بمرافعات ومدافعات، وهكذا كل من خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يندم ويقع في الحرج.
ومما حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيه: إقالة أحد المتعاقدين للآخر بفسخ البيع عندما يندم على العقد أو تزول حاجته بالسلعة أو يعسر بالثمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أقال مسلما؛ أقال الله عثرته يوم القيامة"، الإقالة معناها: رفع العقد، ورجوع كل من المتعاقدين بما كان له من غير زيادة ولا نقص، وهي من حق المسلم على أخيه المسلم عندما يحتاج إليها، وهي من حسن المعاملة ومن مقتضى الأخوة الإيمانية.
باب في بيان الربا وحكمه
هذا الموضوع من أخطر المواضيع، وهو موضوع الربا الذي أجمعت الشرائع على تحريمه، وتوعد الله المتعامل به بأشد الوعيد:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ﴾ ؛ فأخبر سبحانه أن الذين يتعاملون بالربا ﴿لا يَقُومُونَ﴾ ؛ أي: من قبورهم عند البعث؛ ﴿إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ﴾ ؛ أي: كما يقوم المصروع حال صرعه، وذلك لتضخم بطونهم؛ بسبب أكلهم الربا من الدنيا.
كما توعد سبحانه الذي يعود إلى أكل الربا بعد معرفة تحريمه بأنه من أصحاب النار الخالدين فيها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
كما أخبر الله سبحانه أنه يمحق بركة الربا، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ ؛ أي: يمحق بركة المال الذي خالطه الربا، فمهما كثرت أموال المرابي وتضخمت؛ فهي ممحوقة البركة، لا خير فيها، وإنما هي وبال على صاحبها، تعب في الدنيا، وعذاب في الآخرة، ولا يستفيد منها.
وقد وصف الله المرابي بأنه كفار أثيم، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ .
فأخبر الله سبحانه أنه لا يحب المرابي، وحرمانه من محبة الله يستلزم أن الله يبغضه ويمقته، وتسميته كفارًا أي: مبالغا في كفر النعمة، وهو الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ فهو كفار لنعمة الله لأنه لا يرحم العاجز، ولا يساعد الفقير، ولا ينظر المعسر، أو المراد أنه كفار الكفر المخرج من الملة إذا كان يستحل الربا، وقد وصفه الله في هذه الآية بأنه أثيم؛ أي: مبالغ في الإثم، منغمس في الأضرار المادية والخلقية.
وقد أعلن الله الحرب منه ومن رسوله على المرابي لأنه عدو لهما إن لم يترك الربا، ووصفه بأنه ظالم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ .
وإلى جانب هذه الزواجر القرآنية عن التعامل بالربا جاءت زواجر في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد عدة النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر الموبقة؛ أي: المهلكة، ولعن صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، كما
أخبر صلى الله عليه وسلم أن درهما واحدًا من الربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية في الإسلام، أو ست وثلاثين زنية، وأخبر أن الربا اثنان وسبعون بابا، أدناها مثل إتيان الرجل أمه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر، وهو القمار؛ لأن المرابي قد أخذ فضلاً محققا من محتاج، والمقامر قد يحصل له فضل وقد لا يحصل له فضل؛ فالربا ظلم محقق؛ لأن فيه تسليط الغني على الفقير؛ بخلاف القمار؛ فإنه قد يأخذ فيه الفقير من الغني، وقد يكون المتقامران متساويين في الغنى والفقر؛ فهو وإن كان أكلاً للمال بالباطل، وهو محرم؛ فليس فيه ظلم المحتاج وضرره ما في الربا، ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم من ظلم غير المحتاج" انتهى.
وأكل الربا من صفات اليهود التي استحقوا عليها اللعنة الخالدة والمتواصلة، قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ
لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} .
والحكمة في تحريم الربا: أن فيه أكلاً لأموال الناس بغير حق؛ لأن المرابي يأخذ منهم الربا من غير أن يستفيدوا شيئا في مقابلة، وأن فيه إضرار بالفقراء والمحتاجين بمضاعفة الديون عليهم عند عجزهم عن تسديدها، وأن فيه قطعا للمعروف بين الناس، وسدًّا لباب القرض الحسن، وفتحا لباب القرض بالفائدة التي تثقل كاهل الفقير، وفيه تعطيل للمكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها؛ لأن المرابي إذا تحصل على زيادة ماله بواسطة الربا بدون تعب؛ فلن يلتمس طرقا أخرى للكسب الشاق، والله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم قائما على أن تكون استفادة كل واحد من الآخر في مقابل عمل يقوم به نحوه أو عين يدفعها إليه، والربا خال عن ذلك؛ لأنه عبارة عن إعطاء المال مضاعفا من طرف لآخر بدون مقابلة من عين ولا عمل.
والربا في اللغة معناه الزيادة، وهو في الشرع زيادة في أشياء مخصوصة، وينقسم إلى قسمين: ربا النسيئة، وربا الفضل.
بيان ربا النسيئة:
وربا النسيئة مأخوذ من النسء، وهو التأخير.
وهو نوعان:
أحدهما: قلب الدين على العسر، وهذا هو أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، فإذا حل الأجل؛ قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاة، وإلا؛ زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال، فيتضاعف المال في ذمة المدين، فحرم الله ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ، فإذا حل الدين وكان الغريم معسرًا؛ لم يجز أن يقلب الدين عليه، بل يجب إنظاره، وإن كان موسراً؛ كان عليه الوفاء؛ فلا حاجة إلى زيادة الدين مع يسر المدين ولا مع عسره.
النوع الثاني من ربا النسيئة: ما كان في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما؛ كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، وكذا بيع جنس بجنس من هذه المذكورات مؤجلاً، وما شارك هذه الأشياء في العلة يجري مجراها وسيأتي بيان ذلك.
بيان ربا الفضل:
وربا الفضل مأخوذ من الفضل، وهو عبارة عن الزيادة في أحد العوضين.
وقد نص الشارع على تحريمه في ستة أشياء هي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
فإذا بيع أحد هذه الأشياء بجنسه؛ حرم التفاضل بينهما قولاً واحدًا؛ لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعا: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير
بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ مثلاً بمثل، يدًا بيد"، رواه الإمام أحمد ومسلم، فدل الحديث على تحريم بيع الذهب بالذهب؛ إلا مثلاً بمثل، يدًا بيد، سواء بسواء، وعن بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر؛ بجميع أنواعها، والملح بالملح؛ إلا متساوية، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد.
ويقاس على هذه الأشياء الستة ما شاركها في العلة فيحرم فيه التفاضل عند جمهور أهل العلم؛ إلا أنهم اختلفوا في تحديد العلة:
والصحيح أن العلة في النقدين الثمينة، فقياس عليهما كل ما جعل أثمانا؛ كالأوراق النقدية المستعملة في هذه الأزمنة، فيحرم فيها التفاضل إذا بيع بعضها ببعض مع اتحاد الجنس؛ بأن تكون صادرة من دولة واحدة.
والصحيح أن العلة في بقية الأصناف الستة: البر، والشعير، والتمر، والملح: هي الكيل أو الوزن، مع كونها مطعومة، فيتعدى الحكم إلى ما شاركها في تلك العلة مما يكال أو يوزن وهو مما يطعم، فيحرم فيه ربا التفاضل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والعلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم، وهو رواية أحمد" انتهى.
فعلى هذا؛ كل ما شرك هذه الأشياء الستة المنصوص عليها في تحقق هذه العلة فيه؛ بأن يكون مكيلاً مطعوما أو موزونا مطعوما أو تحققت فيه علة الثمينة إن كان من النقود؛ فإنه يدخله الربا: فإن انضاف إلى العلة اتحاد الجنس؛ كبيع بر ببر مثلاً؛ حرم فيه التفاضل والتأجيل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ مثلاً بمثل، يدًا بيد".
رواه مسلم وأبو دواد.
ومعنى قوله: "يدًا بيد" أي: حالا مقبوض في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر.
وإن اختلف العلة والجنس؛ جاز الأمران: التفاضل، والتأجيل؛ كالذهب بالبر، والفضة بالشعير.
ثم لنعلم أنه لا يجوز بيع مكيل بجنسه إلا كيلاً ولا موزون بجنسه إلا وزنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب وزنا بوزن، والفضة بالفضة وزنا بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل، والشعير بالشعير كيلاً بكيل"، ولأن ما خولف فيه معياره الشرعي لا يتحقق فيه التساوي؛ فلا يجوز بيع مكيل
بجنسه جزافا، ولا بيع موزون بجنسه جزافا؛ لعدم العلم بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
ثم إن الصرف هو بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف، وسواء كان النقد من الذهب أو الفضة أو من الأوراق النقدية المتعامل بها في هذا الزمان فإنها تأخذ حكم الذهب أو الفضة؛ لاشتراكها معها في علة الربا، وهي الثمنية.
فإذا بيع نقد بجنسه؛ كذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو ورق نقدي بجنسه؛ كدولار بمثله، أو دراهم ورقية سعودية بمثلها؛ وجب حينئذ التساوي في المقدار والتقايض في المجلس.
وإن بيع نقد بنقد من غير جنسه؛ كدراهم سعودية ورقية بدولارات أمريكية مثلاً، وكذهب بفضة؛ وجب حينئذ شيء واحد، وهو الحلول والتقابض في المجلس، وجاز التفاضل في المقدار، وكذا إذا بيع حلي من الذهب بدراهم فضة أو بورق نقدي؛ وجب الحلول والتقابض في المجلس، وكذا إذا بيع حلي من الفضة بذهب مثلاً.
أما إذا بيع الحلي من الذهب أو الفضة بحلي أو نقد من جنسه؛ كأن يباع الحلي من الذهب بذهب، والحلي من الفضة بفضة؛ وجب الأمران:
التساوي في الوزن، والحلول والتقابض في المجلس.
وخطر الربا عظيم، ولا يمكن التحرز منه إلا بمعرفة أحكامه، ومن لم يستطع معرفتها بنفسه؛ فعليه أن يسأل أهل العلم عنها، ولا يجوز له أن يقدم على معاملة إلا بعد تأكده من خلوها من الربا؛ ليسلم بذلك
دينه، وينجو من عذاب الله الذي توعد به المرابين، ولا يجوز تقليد الناس فيما هم عليه من غير بصيرة، خصوصا في وقتنا هذا الذي كثر فيه عدم المبالاة بنوعية المكاسب، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يكثر استعمال الربا، ومن لم يأكله؛ ناله من غباره.
ومن المعاملات الربوية المعاصرة قلب الدين على المعسر: إذا حل ولم يكن عنده سداد؛ زيد عليه الدين بكميات ونسبة معينة حسب التأخير، وهذا هو ربا الجاهلية، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ .
ففي هذه الآية الكريمة جملة تهديدات عن تعاطي هذا النوع من الربا:
أولاً: أنه سبحانه نادي عباده باسم الإيمان، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ فدل على أن تعاطي الربا لا يليق بالمؤمن.
ثانيا: قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؛ فدل على أن الذي يتعاطى الربا لا يتقي الله ولا يخافه.
ثالثا: قال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ، أي: اتركوا، وهذا أمر بترك الربا، والأمر يفيد الوجوب؛ فدل على أن من يتعاطى الربا قد عصى أمر الله.
رابعا: أنه سبحانه أعلن الحرب على من لم يترك التعامل بالربا؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ؛ أي: لم تتركوا الربا؛ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي: اعلموا أنكم تحاربون الله ورسوله.
خامسا: تسمية المرابي ظالما، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ .
ومن المعاملات الربوية: القرض بالفائدة؛ بأن يقرضه شيئا؛ بشرط أن يوفيه أكثر منه، أو يدفع إليه مبلغا من المال على أن يوفيه أكثر منه بنسبة معينة؛ كما هو المعمول به في البنوك وهو ربا صريح؛ فالبنوك تقوم بعقد صفقات القروض بينها وبين ذوي الحاجات وأرباب التجارات وأصحاب المصانع والحرف والمختلفة، فتدفع لهؤلاء مبالغ من المال نظير فائدة محددة بنسبة مئوية، وتزداد هذه النسبة في حالة التأخر عن السداد في الموعد المحدد، فيجتمع في ذلك الربا بنوعيه؛ ربا الفضل، وربا النسيئة.
ومن المعاملات الربوية: ما يجري في البنوك من الإيداع بالفائدة، وهي الودائع الثابتة إلى أجل، يتصرف فيها البنك إلى تمام الأجل، ويدفع لصاحبها فائدة ثابتة بنسبة معنية في المئة؛ كعشرة أو خمسة في المئة.
ومن المعاملات الربوية: بيع العينة، وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل على شخص، ثم يعود ويشتريها منه بثمن حال أقل من الثمن المؤجل، وسميت هذه المعاملة بيع العينة؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينا؛ أي: نقدًا حاضرًا، والبيع بهذه الصورة إنما هو حيلة للتوصل إلى الربا، وقد جاء النهي عن هذه المعاملة في أحاديث وآثار كثيرة؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"، رواه أبو داود، وقال صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع".
فاحذروا من دخول الربا في معاملاتكم، واختلاطه بأموالكم؛ فإن أكل الربا وتعاطيه من أكبر الكبائر، وما ظهر الربا والزنى في قوم إلا ظهر فيهم الفقر والأمراض المستعصية وظلم السلطان، والربا يهلك الأموال ويمحق البركات.
لقد شدد الله الوعيد على أكل الربا، وجعل أكله من أفحش الخبائث وأكبر الكبائر، وبين عقوبة المرابي في الدنيا والآخرة، وأخبر أنه محارب لله ولرسوله؛ فعقوبته في الدنيا أنه يمحق بركة المال ويعرضه للتلف والزوال؛ فكم تسمعون من تلف الأموال العظيمة بالحريق والغرق والفيضان، فيصبح أهلها فقراء بين الناس،
وإن بقيت هذه الأموال الربوية بأيدي أصحابها؛ فهي ممحوقة البركة، لا ينتفعون منها بشيء، إنما يقاسون أتعابها، ويتحملون حسابها، ويصلون عذابها، والمرابي مبغوض عند الله وعند خلقه؛ لأنه يأخذ ولا يعطي، يجمع ويمنع، لا ينفق ولا يتصدق، شحيح جشع، جموع منوع، تنفر منه القلوب، وينبذه المجتمع، وهذه عقوبة عاجلة، وعقوبته الآجلة أشد وأبقى؛ كما بينها الله في كتابة، وما ذاك إلا لأن الربا مكسب خبيث، وسحت ضارٍ، وكابوس ثقيل على المجتمعات البشرية.
باب في أحكام بيع الأصول
الأصول هي الدور والأراضي والأشجار، وما يتبع تلك الأصول إذا بيعت مما يتعلق بها؛ فيكون للمشتري، وما لا يتبعها؛ فيبقى على ملك البائع، ومعرفة ذلك ينحسم بها النزاع بين الطرفين، ويعرف كل ماله وما عليه؛ لأن ديننا لم يترك شيئا لنا فيه مصلحة أو علينا فيه مضرة إلا بينه، فإذا طبق هذا الدين ونفذت أحكامه؛ لم يبق مجال للنزاع والخصومات، ومن ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه؛ فقد يبيع الإنسان شيئا من ماله، وهذا الشيء يتعلق به توابع ومكملات ومرافق، أو يكون له نماء متصل أو منفصل، فيقع اختلاف بين المتابعين: أيهما يستحق هذه التوابع؟، ولأجل الحكم بينهما في هذا الاختلاف؛ عند الفقهاء رحمهم الله بابا في الفقه الإسلامي سموه: "باب بيع الأصول الثمار"، بينوا فيه ذلك.
فإذا باع دارًا؛ شمل البيع بناءها وسقفها؛ لأن ذلك كله داخل في مسمى الدار، وشمل أيضا ما يتصل بها مما هو من مصلحتها؛ كالأبواب المنصوبة، والسلالم، والرفوف المسمرة بها، والآليات المركبة فيها، كالرافعات، والأدوات الكهربائية، والقناديل المعلقة للإضاءة، وخزانات
المياه المدفونة في الأرض، أو المثبتة فوق السطوح، والأنابيب الممدة لتوزيع الماء، وأدوات التكييف المثبتة في أماكنها لتكييف الهواء أو لتسخين الماء، ويشمل البيع أيضا ما في الدار من أشجار وزراعة، وما أقيم فيها من مظلات، ويشمل البيع أيضا ما في باطن أرض الدار من معدن جامد.
أما ما كان مودعا في الدار وما هو منفصل عنها؛ فلا يشمله البيع؛ كالأخشاب، والحبال، والأواني، والفرش المنفصلة، وما دفن في أرضها للحفظ؛ كالحجارة، والكنوز، وغيرها؛ فكل هذه الأشياء لا يشملها البيع؛ لأنها منفصلة عن الدار، فلا تدخل في مسماها؛ إلا ما كان يتعلق بمصلحتها؛ كالمفاتيح؛ فإنه يتبعها، ولو كان منفصلاً عنها.
وإذا باع أرضا؛ شمل البيع كل ما هو متصل بها مما يستمر بقاؤه فيها؛ كالغراس، والبناء.
وكذا لو باع بستانا؛ شمل البيع أرضه، وشجره وحيطانه، وما فيه من منازل، وباع أرضا فيها زرع لا يحصد إلا مرة؛ كالبر والشعير؛ فهو للبائع، ولا يشمله العقد، وإن كان في الأرض المبيعة زرع يجز مرارًا؛ كالقث، أو يلقط مرارًا؛ كالقثاء، والباذنجان؛ فإن أصوله تكون لمشتري الأرض؛ تبعا للأرض، وأما الجزة واللقطة الظاهرتان عند البيع؛ فإنهما تكونان للبائع.
وكل ما ذكر من هذا التفصيل فيما يتبع للبائع وما يتبع للمشتري عند بيع الأصول إذا لم يوجد شرط بينهما،