فصل ذكر الكلام في مشابهتهم فيما ليس من شرعنا
مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان: أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم، فهذا إما أن يفعل بمجرد موافقتهم، وهو قليل، وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا أو في الآخرة، وكل هذا لا شك في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة الشرعية، وإما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم فهو نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذا عنهم: إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا غالب ما يبتلى به العامة في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير والميلاد ونحوهما، فإنهم قد نشئوا على اعتياد ذلك وتلقاه الأبناء عن الآباء، وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يعرف صاحبه حكمه، فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول.
النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه مشابهتهم؛ إذ ليس كوننا تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا.
أما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه، وقد توجب عليهم مخالفتنا، كما في الزي ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين والسحور، وقد تبلغ الكراهة كما في تأخير المغرب والفطور، بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذا عنهم، فإن الأصل فيه التحريم؛ لما قدمناه.