أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل ذكر أقسام الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكن

والمقصود أن الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين: أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور، وكمن يزورها فيسلم ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به.
النوع الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء عندها أجوب من غيره، فهذا منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه، والتحريم أقرب، فإن الشخص لو دعا، فاجتاز بصنم من غير قصد لم يكن به بأس، ولو تحرى الدعاء عند الصنم أو الصليب أو في الكنيسة يرجو الإجابة في تلك البقعة لكان هذا من العظائم، فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب، بل قد يكون أشد لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها مساجد وعيدا.
فقصد القبور لم يفعله أحد من الصحابة والتابعين، بل أجدبوا على عهد الصحابة، ودهمتهم نوائب، فهلا جاءوا فاستغاثوا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل قد خرج عمر بالعباس يستسقي به، ولم يرح إلى القبر.
وكذلك لما فتحت تستر وجدوا قبر دانيال، فقيل: إنه كان إذا أجدبت السماء برزوا بسريره فيمطرون، فأمر عمر أن يعمى قبره،

فحفر ثلاثة عشر قبرا متفرقة، ودفن في أحدها ليلا، وسووا القبور كلها؛ لئلا يفتتن به الناس، فأنكر الصحابة ذلك وعموا قبره، فهذا فعل الصحابة المهاجرين والأنصار.
ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، علم قطعا أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها، بل ينهون عن ذلك جهالهم.
فإن قيل قد نقل عن بعضهم أنه قال: "قبر معروف الترياق الأكبر المجرب" وأن معروفا أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وأن بعض من هجره أحمد بن حنبل يأتي إلى قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده، وروي عن جماعات أنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم، وقد ذكر علماء من المصنفين في المناسك إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عنده وأن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له، ورأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرب ذلك أقوام استجابة الدعاء عند القبر، وأدركنا من ذوي الفضل علما وعملا من يتحرى الدعاء عندها والعكوف عليها، وفيهم من له عند الناس كرامات وعلم، فكيف يخالف هؤلاء؟.

وهذا السؤال - مع بعده عن طريق العلم - هو غاية ما يتمسك به المقبريون.
والجواب عن ذلك على وجه الاختصار: أن ذلك لم ينقل في استحبابه - فيما علمناه - شيء ثابت عن القرون الثلاثة المفضلة الذين أثنى عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع شدة المقتضي فيهم لذلك لو كان فضيلة.
وأما من بعدهم فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت، ولا يمكن أن يقال: إن الأمة أجمعت على استحسان ذلك؛ لأن كثيرا من الأمة كره ذلك، وأنكره قديما وحديثا.
وأيضا من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله المتقدمون ولم يفعلوه، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات، وهي لا تتناقض، وإذا اختلف فيه المتأخرون، فالفاصل بينهم هو كتاب الله، والسنة، والإجماع المتقدم نصا واستنباطا، فكيف - والحمد لله - لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع؟ بل المنقول من ذلك إما كذب، كما كذب على الشافعي أنه قال: "إني إذا نزل شيء بي أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأجاب" فهذا كذب معلوم فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده، وقد رأى الشافعي بالحجاز والشام من قبور الأنبياء والصحابة والصالحين من هو أفضل عنده من أبي حنيفة، فما

باله لم يتوخ الدعاء إلا عند قبره؟!.
ثم قد تقدم عن الشافعي قوله: "إني أكره تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها "وإما أن يكون المنقول عن مجهول لا يعرف ونحن لو روي لنا أحاديث مثل هذه الحكايات لما جاز لنا التمسك بها حتى يثبت النقل".
ومنها ما قد يكون صاحبه قد قاله باجتهاد أو فعله باجتهاد يخطئ ويصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، ثم سائر هذه الحجج دائر بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها، وإنما تثبت العبادات بمثل هذه الحكايات النصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات الأحكام كتاب الله والسنة واتباع سبيل السالفين الأولين.
والجواب المحقق عن ذلك من وجهين: مجمل ومفصل.
أما المجمل، فالنقض، فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات من هذا النمط كثير، بل المشركون كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد يستجاب لهؤلاء، بل وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض،

ثم إن كل قوم قد جعلوا لأنفسهم شخصا أو قبرا لا يثقون بغيره، فلا يمكن موافقة الجميع؛ لأنه جمع بين الضدين، وموافقة بعض دون بعض تحكم بلا مرجح، ومن المحال إصابتهم جميعا؛ لأن كل فريق يخطئ الفريق الآخر، ثم قد استجيب لبلعام بن باعوراء في قوم موسى المؤمنين، فسلبه الله الإيمان، والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون.
وأما الجواب المفصل، فنقول: مدار هذه الشبهة على أصلين: منقول، وهو ما يحكى من نقل هذا الدعاء عن بعض الأعيان.
ومعقول، وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة.
أما النقل، فإما كذب أو غلط، وليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك.
وأما المعقول، فعامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء إنما يستجاب لهم أحيانا نادرا، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء وقت الأسحار، وفي سجودهم وأدبار صلواتهم وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا مثل ابتهال المقابريين لم يكد يسقط لهم دعوة إلا لمانع.
وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في

الشرع كالتمريجات الفلكية والتوجيهات النفسانية، كالعين والدعاء المحرم والرقى المحرمة، والتمريجات الطبيعية ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من منفعتها، حتى في نفس ذلك المطلوب، فإنه لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية فكل من حصل له بذلك أمر دنيوي إلا أعقبه شر، أو كانت عاقبته خبيثة، دع الآخرة.
والمخفق من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، فلا يكاد يحصل الغرض إلا نادرا، مع أن مضرتها أكثر من نفعها، بخلاف الأمور المشروعة من الدعاء والتجارة والحراثة والتوكل على الله ونحوه، فإنه يحصل الخير غالبا، فعلم أن الأمور المذكورة ليس فيها خير غالب، ولا خير محض، ومن له خبرة بأحوال العالم يتيقن ذلك بلا شك، والأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض لا يحصيها إلا هو أما أعيانها فبلا ريب، وكذلك أنواعها لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله - سبحانه وتعالى - ولهذا كانت طريقة الأنبياء: الأمر بما فيه الصلاح والنهي عما فيه الفساد.
والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب، قد يكون فيه فتنة لمن

ضعف عقله ودينه، بحيث تختطف عقله.
ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه، أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه، ثم قد يكون سبب قضاء حاجة هؤلاء الداعين الدعاء المحرم؛ لشدة ضرورته لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق توجهه إلى الله -تعالى-، ولو قد استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته؛ فإنه يعاقب على ذلك ويهوي في النار إذا لم يعف الله عنه، كما لو طلب ما يكون فتنة له.
كما أن ثعلبة لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له، وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته، وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته كما فعل

بلعام وثعلبة، وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله تعالى، بل أشد من ذلك: السحر والطلسمات والعين وغير ذلك، قد يقضى بها كثير من أغراض النفوس.
ومع هذا فقد قال - سبحانه -: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وإنما يتشبثون بمنفعة الدنيا قال تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ كذلك أنواع الداعين والسائلين قد يدعو دعاء محرما يحصل معه غرضه ويورثه ضررا أعظم، ثم إن الداعي قد يعلمه وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه بتقصيره في طلب العلم أو ترك الحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن يكون مجتهدا أو مقلدا كالمجتهد قد يتجاوز عنه لكثرة حسناته من صدق قصده أو لمحض رحمة ربه به ونحو ذلك، ثم مع ذلك ينهى عنه، وإن كان قد زال سبب الكراهة في حقه، ومن هنا يغلط كثير من الناس يبلغهم أن بعض الأعيان الصالحين عبد عبادة، أو دعا دعاء وجد أثره، فيجعل ذلك دليلا على استحباب تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد

فعله نبي، وهذا غلط عظيم لما ذكرناه خصوصا إذا كان العمل إنما كان أثره بصدق قام في قلب فاعله حين الفعل ثم تفعله الأتباع صورة، فيضرون به.
ومن هذا الباب ما يحكى عن آثار وجدت في السماع المبتدع، فإن تلك الآثار قد يكون عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا فيه مجتهدين أو مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع، وليس حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقلدين من الصدق ما لأجله عُذروا أو غفر لهم، فيهلكون بذلك، كما يحكى عن بعض الأشياخ أنه رؤي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: يا شيخ السوء! أنت الذي كنت تتمثل بي بسعدى ولبنى! لولا أعلم من صدقك لعذبتك.
ولهذا كان الأئمة المقتدى بهم يقولون: "علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة".
وحكي لنا أن بعض المجاورين أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتهى عليه من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: النبي صلى الله عليه وسلم بعث لك هذا وقال لك: اخرج من عندنا.
وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم ذلك؛ لاجتهادهم، أو قصورهم في العلم، فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر للعالم، ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم سوغ لهم ذلك، فإن الله لم

يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة، أما استحباب المكروهات وإباحة المحرمات فلا فرق بين العفو عن الفاعل وبين إباحة الفعل له، وبالجملة فإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون، وما سوى ذلك من المحدثات فلا، وإن اشتملت أحيانا على فوائد لأن مفسدتها راجحة على فوائدها.

فصول الكتاب · 32 فصل · 201 صفحة
الانتقال إلى صفحة
المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم
تأليف بدر الدين البعلي
الأولى، 1422 هـ
تقدّمك في الكتاب: فصل ذكر أقسام الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكن — 25 من 32
فصول المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم · 201 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المحققوصف النسخة الخطيةترجمة المختصربداية الكلام على خطر التشبه وحرمتهفصل إيراد النصوص الدالة على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم بشيء من البيانفصل الكلام على إجماع العلماء على حرمة التشبه وخطرهفصل بيان حرمة التشبه بالشياطينفصل بيان الفرق المعتبر بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم مع ذكر النصوصفصل أنواع التشبه بالكفار وأقسام العبادات بالنسبة لدينهم ودين الإسلامفصل الكلام على التشبه بالكفار في أعيادهم ولغتهم مع إيراد النصوص والإجماعفصل الاعتبار في مسألة العيد من وجوهفصل ذكر الكلام في مشابهتهم فيما ليس من شرعنافصل الكلام على العيد ومعناه وأحواله عند الكفارفصل لا يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار لمخالفتها بل يكفيه أن سببها من جهتهمفصل ردع المسلم التشبه بهم عند ذلكفصل حكم قبول المسلم الهدية من الكفار يوم عيدهم وإيراد النصوص على جوازهفصل الكلام على صيام أعياد الكفارفصل الكلام على الأعياد والمواسم المبتدعة وأنها من أشنع المنكراتفصل ذكر البيان لحال من حضر تلك الأعياد متأولا مجتهدافصل ذكر بعض الأمثلة على بدع قامت على نصوص باطلة وبيان بطلانهافصل قد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني فيغلظ قبحافصل الأعياد المكانية وأقسامهافصل الكلام على سد ذرائع الشرك والنهي عن الصلاة على القبورفصل ذكر أقسام الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكنفصل أن اعتقاد استجابة الدعاء غير المشروع زمانا ومكانا كرامة الغرورفصل آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكم تكرارها لأهل المدينة وغيرهمفصل الأفعال المشروعة والممنوعة عند مقامات الأنبياء والصالحينفصل ذكر حرمة الإقسام على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهمفصل لا يشرع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة مع ذكر النصوصفصل أصل دين الإسلام ألا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصةفصل افتراق الناس إلى ثلاثة فرق وأن سلف الأمة هم من أصاب الحق والخير
جارٍ التحميل