فصل الكلام على صيام أعياد الكفار
فأما صيام أيام أعياد الكفار مفردة كصوم "يوم النيروز" و"المهرجان " فقد اختلف فيهما لأجل أن المخالفة تحصل بالصوم أو بترك تخصيصه بعمل، فنذكر أولا صوم يوم السبت وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فليمضغه رواه أهل السنن الأربعة.
وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه: فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن صوم يوم السبت يفترد به؟ فيقول: "جاء في ذلك حديث الصماء" يعني هذا الحديث المتقدم، وكان يقول: يحيى بن سعيد يتقيه، قال: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صومه: أن الأحاديث كلها
مخالفة لهذا الحديث، مثل حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر صياما لها؟ فقالت: السبت والأحد، ومثل نهيه عن صوم الجمعة إلا يوم قبله أو يوم بعده ومثل: كان يصوم شعبان ونحو ذلك، ولا يقال: إن النهي عن إفراده؛ لأنه قال في الحديث: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فاستثناؤه منه يدل على دخول غير المستثنى بخلاف يوم الجمعة فإنه نهى عن إفراده، ففهم الأثرم الرخصة في صومه، وذلك أن أحمد علل الحديث بأن يحيى كان يتقيه.
وأما أكثر الأصحاب ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث وحمله على الإفراد، وهؤلاء يكرهون إفراده عملا بالحديث لجودة إسناده.
ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة: فقال ابن عقيل: إنه يوم تمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل، والصائم في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد.
وعلله طائفة من الأصحاب بأنه يوم عيد لأهل الكتاب، فقصده دون غيره فيه تعظيم لما عظمه أهل الكتاب فكره كما كره إفراد عاشوراء، وإفراد رجب لما يعظمه المشركون، وهذه العلة تعارض بيوم الأحد، فإنه عيد النصارى، وقد يقال: إذا كان يوم عيد فمخالفتهم يكون بالصوم لا بالفطر، ويقوي ذلك ما روي عنه أنه كان يصوم يوم السبت والأحد، ويقول: هما يوم عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم رواه أحمد والنسائي وصححه بعض الحفاظ، وهو نص في استحباب صوم يوم عيدهم.
وليس في ذلك حجة على من كره إفراده؛ لأنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة للمشركين.
فصل الكلام على صيام أعياد الكفار (تابع) فصل وأما "النيروز" و"المهرجان" ونحوهما من أعياد المشركين، فمن لم يكره صوم يوم السبت قد لا يكره صوم ذلك، بل ربما استحبه للمخالفة، وكرهها أكثر الأصحاب، وعللوا ذلك بأنه تعظيم لعيدهم، فكره كيوم السبت.
قال الإمام أبو محمد المقدسي "وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم"،
وقد يقال: يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما مما لا يعرف بحساب العرب، بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد؛ لأنه إذا قصد صوم الأيام العجمية كانت ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها، بخلاف السبت والأحد فإنهما من حساب المسلمين، فليس صومهما مفسدة، ففيه توفيق بين الأدلة.