أخبار مكة للأزرقيصفحات 296-316

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَبَشِيِّ الَّذِي يَهْدِمُ الْكَعْبَةَ وَمَا جَاءَ فِيمَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ

صفحات 296-316

الْأَلْوَاحِ الَّتِي تَلِي الْمُلْتَزَمَ ثَلَاثَةٌ، وَفِي الْأَلْوَاحِ الَّتِي بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ , وَهِيَ الَّتِي تَلِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ ثَلَاثَةٌ، وَمِنْهَا مِسْمَارٌ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَنِصْفٍ، وَفِي بَقِيَّةِ الْأَلْوَاحِ مِسْمَارٌ أَوْ مِسْمَارَانِ وَالْمَسَامِيرُ مُفَضَّضَةٌ مَقْبُوَّةٌ مَنْقُوشَةٌ تَدْوِيرُ كُلِّ مِسْمَارٍ سَبْعُ أَصَابِعَ، وَالْمَسَامِيرُ مِنْ بَطْنِ الْكَعْبَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَنِصْفٍ وَفَوْقَ الْإِزَارِ إِزَارٌ مِنْ رُخَامٍ مَنْقُوشٍ مُدَارٌ فِي جَوَانِبِ الْبَيْتِ كُلِّهِ وَفِي نَقْشِهِ حَبْلٌ غَيْرُ مَنْقُوشٍ بِذَهَبٍ وَبَيْنَ هَذَا الْإِزَارِ الَّذِي فِيهِ الْحَبْلُ إِزَارٌ صَغِيرٌ كَمَا يَدُورُ الْبَيْتُ مَنْقُوشٌ عَلَيْهِ بِمَاءِ الذَّهَبِ مِنْ تَحْتِ الْإِفْرِيزِ الَّذِي تَحْتَ السَّقْفِ، وَالْإِفْرِيزُ مِنْ فُسَيْفِسَاءَ مَنْقُوشٌ وَاصِلٌ بِالسَّقْفِ

صِفَةُ فَرْشِ أَرْضِ الْبَيْتِ بِالرُّخَامِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَأَرْضُ الْكَعْبَةِ مَفْرُوشَةٌ بِرُخَامٍ أَبْيَضَ وَأَحْمَرَ وَأَخْضَرَ، عَدَدُ الرُّخَامِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رُخَامَةً، مِنْهَا أَرْبَعٌ خُضْرٌ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ وَبَيْنَ جَدْرَيِ الْكَعْبَةِ عَرْضُ كُلِّ رُخَامَةٍ ذِرَاعٌ وَأَرْبَعُ أَصَابِعَ وَعَرْضُهُنَّ مِنْ عَرْضِ كَرَاسِيِّ الْأَسَاطِينِ وَمِنَ الْجَدْرِ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ بَابُ

الْكَعْبَةِ إِلَى الرُّخَامِ الْأَخْضَرِ الَّذِي بَيْنَ الْأَسَاطِينِ سِتَّ عَشْرَةَ رُخَامَةً مِنْهَا سِتٌّ بِيضٌ

وَسَبْعٌ حُمْرٌ طُولُهُنَّ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ أُصْبُعًا، وَبَيْنَ جِدَارِ الدَّرَجَةِ وَبَيْنَ الرُّخَامِ الْأَخْضَرِ ثَلَاثُ رُخَامَاتٍ مِنْهَا اثْنَتَانِ بَيْضَاوَانِ وَوَاحِدَةٌ حَمْرَاءُ طُولُ كُلِّ رُخَامَةٍ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ، وَسِتَّ عَشْرَةَ رُخَامَةً ثَمَانٍ بِيضٌ وَثَمَانٍ حُمْرٌ طُولُ كُلِّ رُخَامَةٍ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَتِسْعُ أَصَابِعَ وَأَطْرَافُهُنَّ فِي حَدِّ الرُّخَامِ الْأَخْضَرِ الَّذِي بَيْنَ الْأَسَاطِينِ وَالْجَدْرَيْنِ , وَأَطْرَافُهُنَّ فِي الْجَدْرِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ بَابَ الْكَعْبَةِ مِنْهَا رُخَامَةٌ بَيْضَاءُ عَرْضُهَا ذِرَاعَانِ وَأُصْبُعَانِ، ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَوْضِعِهَا وَهِيَ الثَّالِثَةُ مِنَ الرُّخَامِ الْبِيضِ مِنْ حَدِّ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَطَرَفُهَا فِي الْأُسْطُوَانَةِ الْأُولَى مِنْ حِيَالِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَعِنْدَ عَتَبَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ رُخَامَتَانِ خَضْرَاءُ وَحَمْرَاءُ مَفْرُوشَتَانِ

ذِكْرُ مَا غُيِّرَ مِنْ فَرْشِ أَرْضِ الْكَعْبَةِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَذَلِكَ إِلَى آخِرِ شُهُورِ سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمُحَمَّدُ الْمُنْتَصِرُ بِاللَّهِ وَلِيُّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَلِي أَمْرَ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ وَغَيْرِهِمَا، فَكَتَبَ وَالِي مَكَّةَ إِلَيْهِ أَنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ فَرَأَيْتُ الرُّخَامَ الْمَفْرُوشَ بِهِ أَرْضُهَا قَدْ تَكَسَّرَ وَصَارَ قِطَعًا صِغَارًا وَرَأَيْتُ

مَا عَلَى جُدُرَاتِهَا مِنَ الرُّخَامِ قَدْ تَزَايَلَ تَهَنْدُمُهُ وَوَهَى عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَحْضَرْتُ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ

وَصُلَحَائِهِمْ جَمَاعَةً وَشَاوَرْتُهُمْ فِي ذَلِكَ فَأَجْمَعَ ظَنُّهُمْ بِأَنَّ مَا عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ مِنَ الْكِسْوَةِ قَدْ أَثْقَلَهَا وَوَهَّنَهَا وَلَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ أَضَرَّ بِجُدُرَاتِهَا، وَأَنَّهَا لَوْ جُرِّدَتْ أَوْ خُفِّفَ عَنْهَا بَعْضُ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْكِسْوَةِ كَانَ أَصْلَحَ وَأَوْثَقَ لَهَا، فَأَنْهَيْتُ ذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَرَى رَأْيَهُ الْمَيْمُونَ فيه، وَيَأْمُرَ فِي ذَلِكَ بِمَا يُوَفِّقُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيُسَدِّدُهُ لَهُ، وَكَانَ فَرْشُ أَرْضِ الْكَعْبَةِ قَدِ انْثَلَمَ مِنْهُ شَيءٌ كَثِيرٌ شَائِنٌ.
وَكَتَبَ صَاحِبُ الْبَرِيدِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا كَتَبَ بِهِ الْعَامِلُ بِمَكَّةَ مِنْ ذَلِكَ وَتَوَاتَرْتُ كُتُبُهُمَا بِهِ وَتَمَالَيَا فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَا فِي بَعْضِ كُتُبِهِمَا أَنَّ أَمْطَارَ الْخَرِيفِ قَدْ كَثُرَتْ، وَتَوَاتَرَتْ بِمَكَّةَ وَمِنًى فِي هَذَا الْعَامِ فَهَدَّمَتْ مَنَازِلَ كَثِيرَةً، وَأَنَّ السَّيْلَ حَمَلَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِبْرَاهِيمَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَعْرُوفِ بِمَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَهَدَمَ سُقُوفَهَ وَعَامَّةَ جُدُرَاتِهِ وَذَهَبَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْحَصْبَاءِ فَأَعْرَاهُ، وَهَدَمَ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ بِمِنًى وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَجَرِ جُدُرَاتٍ وَعِدَّةَ أَبْيَاتٍ، وَهَدَمَ الْعَقَبَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَبِرْكَةَ الْيَاقُوتَةِ وَبِرَكَ الْمَأْزِمَيْنِ وَالْحِيَاضَ الْمُتَّصِلَةَ بِهَا، وَبِرْكَةَ الْعَيْرَةِ وَأَنَّ الْعَمَلَ فِي

ذَلِكَ إِنْ لَمْ يُتَدَارَكْ وَيُبَادَرْ بِإِصْلَاحِهِ كَانَ عَلَى سَيْلِ زِيَادَةٍ وَهُوَ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَا يُفْرَغُ مِنْهُ إِلَّا فِي أَشْهُرٍ كَثِيرَةٍ، وَرَفَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَجَبَةِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ رُقْعَةً ذَكَرُوا فِيهَا أَنَّ مَا كَتَبَ بِهِ الْعَامِلُ بِمَكَّةَ مِنْ ذِكْرِ الرُّخَامِ الْمُتَكَسِّرِ فِي أَرْضِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَزَلْ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ وَطْءِ مَنْ يَدْخُلُ الْكَعْبَةَ مِنَ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِينَ وَالْمُجَاوِرِينَ وَأَهْلِ مَكَّةَ وَأَنَّهُ لَا يَرْزَأَهَا وَلَا يَضُرُّهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي جُدُرَاتِهَا مِنَ الرُّخَامِ الْمُتَزَايِلِ، وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا مِنَ الْكِسْوَةِ مَا يُخَافُ بِسَبَبِهِ وَهَنٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَنَّ زَاوِيَتَيْنِ مِنْ زَوَايَا الْكَعْبَةِ مِنْ دَاخِلِهَا مُلَبَّسٌ ذَهَبًا وَزَاوِيَتَيْنِ فِضَّةً وَأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ ذَهَبًا كُلَّهُ كَانَ أَحْسَنَ وَأَزْيَنَ، وَأَنَّ قِطْعَةَ فِضَّةٍ مُرَكَّبَةٍ عَلَى بَعْضِ جُدُرَاتِ الْكَعْبَةِ شِبْهُ الْمِنْطَقَةِ فَوْقَ الْإِزَارِ الثَّانِي مِنَ الرُّخَامِ تَحْتَ الْإِزَارِ الْأَعْلَى مِنَ الرُّخَامِ الْمَنْقُوشِ الْمُذَهَّبِ فِي زِيقٍ فِي الْوَسَطِ فِيهِ الْجَزْعَةُ الَّتِي تَسْتَقْبِلُ مَنْ تَوَخَّى مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتِلْكَ الْقِطْعَةُ فِي الزِّيقِ مُبْتَدَا مِنْطَقَةٍ كَانَتْ عُمِلَتْ فِي خِلَافَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ عَمِلَهَا سَالِمُ بْنُ الْجَرَّاحِ أَيَّامَ عَمِلَ الذَّهَبَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ جَاءَ خَلْعُ مُحَمَّدٍ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ فَوَقَفَ عَنْ عَمَلِهَا، وَلَوْ كَانَ بَدَّلَ تِلْكَ الْقِطْعَةَ مِنْطَقَةً فِضَّةً مُرَكَّبَةً فِي أَعْلَى إِزَارِ الْكَعْبَةِ فِي تَرْبِيعِهَا كَانَ أَبْهَى وَأَحْسَنَ، وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ الْمَنْصُوبَ الْمُقْعَدَ فِيهِ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

مُلَبَّسٌ صَفَايِحَ مِنْ رَصَاصٍ، وَلَوْ عُمِلَ مَكَانَ الرَّصَاصِ فِضَّةٌ كَانَ أَشْبَهَ بِهِ وَأَحْسَنَ وَأَوْثَقَ لَهُ، فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ بِعَمَلِ ذَلِكَ أَجْمَعَ، فَوَجَّهَ رَجُلًا مِنْ صُنَّاعِهِ يُقَالُ لَهُ: إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ الصَّائِغُ شَيْخٌ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالصِّنَاعَاتِ وَرِفْقٌ وَتَجَارِبٌ، وَوَجَّهَ مَعَهُ مِنَ الصُّنَّاعِ مَنْ تَخَيَّرَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ مِنْ صِنَاعَاتٍ شَتَّى مِنَ الصُّوَّغِ وَالرُّخَامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصُّنَّاعِ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَمِنَ الرُّخَامِ الْأَلْوَاحِ الثِّخَانِ لِيُشَقَّ كُلُّ لَوْحٍ مِنْهَا بِمَكَّةَ لَوْحَيْنِ، وَمِائَةَ لَوْحٍ، وَوَجَّهُ مَعَهُ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَآلَاتٍ لِشِقِّ الرُّخَامِ وَلِعَمَلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَرَفَعَ الْحَجَبَةُ أَيْضًا رُقْعَةً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَذْكُرُونَ لَهُ أَنَّ الْعَامِلَ بِمَكَّةَ إِنْ تَسَلَّطَ عَلَى أَمْرِ الْكَعْبَةِ أَوْ كَانَتْ لَهُ مَعَ إِسْحَاقَ بْنِ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ يَدٌ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى مَا كَانَ صَحِيحًا أَوْ يَتَعَلَّلَ فِيهِ فَيُخَرِّبَهُ أَوْ يَهْدِمَهُ، وَيُحْدِثُ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ لَا تُؤْمَنُ عَوَاقِبُهَا , يَطْلُبُ بِذَلِكَ ضِرَارَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِكِتَابٍ إِلَى الْعَامِلِ بِمَكَّةَ فِي جَوَابِ مَا كَانَ هُوَ وَصَاحِبُ الْبَرِيدِ كَتَبَا بِهِ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ بِتَوْجِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ سَلَمَةَ الصَّايِغَ لِلْوُقُوفِ عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَرَدَّ الْأَمْرَ فِيهَا إِلَى إِسْحَاقَ لَيَعْمَلَ بِمَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَالْإِحْكَامُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَدِمَ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ الصَّائِغُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الصُّنَّاعِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالرُّخَامِ وَالْآلَاتِ، مَكَّةَ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمَعَهُ كِتَابٌ مَنْشُورٌ مَخْتُومٌ فِي أَسْفَلِهِ بِخَاتَمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْعَامِلِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُمَّالِ

بِمَعَاوَنَةِ إِسْحَاقَ بْنِ سَلَمَةَ وَمُكَانَفَتِهِ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ تَرْوِيحِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ وَأَنْ لَا تَجْعَلُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي مُخَالَفَةِ مَا أَمَرُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ سَبِيلًا.
فَدَخَلَ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ الْكَعْبَةَ فِي شَعْبَانَ، بَعْدَ قُدُومِهِ مَكَّةَ بِأَيَّامٍ، وَدَخَلَ مَعَهُ الْعَامِلُ بِمَكَّةَ وَصَاحِبُ الْبَرِيدِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَجَبَةِ وَنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ صُلَحَائِهِمْ مِنَ الْقُرَشِيِّينَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ قَدِمَ بِهِمْ مَعَهُ وَأَحْضَرَ مَنْجَنِيقًا طَوِيلَ الصُّقَّةِ إِلَى جَانِبِ الْجَدْرِ الَّذِي يُقَابِلُ مَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَصَعِدَ عَلَيْهِ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ وَمَعَهُ خَيْطٌ وَسَابُورَةٌ، فَأَرْسَلَ الْخَيْطَ مِنْ أَعْلَى الْمَنْجَنِيقِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَزَلَ وَفَعَلَ ذَلِكَ بِجُدُرَاتِهَا الْأَرْبَعَةِ فَوَجَدَهَا كَأَصَحِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْبِنَاءِ وَأَحْكَمِهِ فَسَأَلَ الْحَجَبَةَ هَلْ يَجُوزُ التَّكْبِيرُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَقَالُوا: نَعَمْ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ مَنْ حَضَرَهُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ وَكَبَّرَ النَّاسُ مِمَّنْ فِي الطَّوَافِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ خَارِجِهَا، وَخَرَّ مَنْ فِي دَاخِلِ الْكَعْبَةِ جَمِيعًا سُجَّدًا لِلَّهِ وَشُكْرًا، وَقَامَ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ بَيْنَ بَابَيِ الْكَعْبَةِ، فَأَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ احْمَدُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عِمَارَةِ بَيْتِهِ، فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ مِنَ الْحَدَثِ مِمَّا كُتِبَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا، بَلْ وَجَدْنَا الْكَعْبَةَ وَجُدُرَاتِهَا وَإِحْكَامِ بِنَائِهَا وَإِتْقَانِهَا عَلَى أَتْقَنِ مَا يَكُونُ، وَابْتَدَأَ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ عَمَلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالرُّخَامِ فِي الدَّارِ الْمَعْرُوفَةِ بِخَالِصَةٍ فِي دَارِ الْخِزَانَةِ عِنْدَ الْخَيَّاطِينَ، وَصَارَ إِلَى مِنًى، فَأَمَرَ بِعَمَلِ ضَفِيرَةٍ تُتَّخَذُ لِيَرُدَّ سَيْلَ الْجَبَلِ

عَنِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ الْإِمَارَةِ، فَاتَّخَذَ هُنَاكَ ضَفِيرَةً عَرِيضَةً مُرْتَفِعَةَ السُّمْكِ وَأَحْكَمَهَا بِالْحِجَارَةِ وَالنَّوْرَةِ وَالرَّمَادِ، فَصَارَ مَا يَنْحَدِرُ مِنَ السَّيْلِ يَتَسَرَّبُ فِي أَصْلِ الضَّفِيرَةِ مِنْ خَارِجِهَا وَيَخْرُجُ إِلَى الشَّارِعِ الْأَعْظَمِ بِمِنًى، وَلَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَلَا دَارَ الْإِمَارَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَصَارَ مَا بَيْنَ الضَّفِيرَةِ وَالْمَسْجِدِ، وَهُوَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ رِفْقًا لِلْمَسْجِدِ وَزِيَادَةً فِي سَعَتِهِ، ثُمَّ هَدَمَ الْمَسْجِدَ وَمَا كَانَ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ مُسْتَهْدَمًا وَأَعَادَ بِنَاءَهُ، وَرَمَّ مَا كَانَ مُسْتَرَمًّا، وَأَحْكَمَ الْعَقَبَةَ وَجُدُرَاتِهَا، وَأَصْلَحَ الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِنًى إِلَى الشِّعْبِ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ: شِعْبُ الْأَنْصَارِ، الَّذِي أَخَذَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَةَ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ قَدْ عَفَتْ وَدَرَسَتْ، فَكَانَتِ الْجَمْرَةُ زَايِلَةً عَنْ مَوْضِعِهَا، أَزَالَهَا جُهَّالُ النَّاسِ بِرَمْيِهِمُ الْحَصَى، وَغُفِلَ عَنْهَا حَتَّى أُزِيحَتْ عَنْ مَوْضِعَهَا شَيْئًا يَسِيرًا مِنْهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَرَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي لَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ، وَبَنَى مِنْ وَرَائِهَا جِدَارًا أَعْلَاهُ، وَمَسْجِدًا مُتَّصِلًا بِذَلِكَ الْجِدَارِ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهَا مَنْ يُرِيدُ الرَّمْيَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ لِمَنْ أَرَادَ الرَّمْيَ أَنْ يَقِفَ مِنْ تَحْتِهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، فَيَجْعَلَ مَكَّةَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِي كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَفَرَغَ مِنَ الْبِرَكِ وَأَحْكَمَ عَمَلَهَا، وَعَمِلَ الْفِضَّةَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمَقَامِ مَكَانَ الرَّصَاصِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَاتَّخَذَ لَهُ قُبَّةً مِنْ خَشَبِ السَّاجِ

مَقْبُوَّةَ الرَّأْسِ بِضِبَابٍ لَهَا مِنْ حَدِيدٍ مُلَبَّسَةَ الدَّاخِلِ بِالْأَدَمِ، وَكَانَتِ الْقُبَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ مُسَطَّحَةً، وَكَانَ الْعَامِلُ بِمَكَّةَ قَدْ أَمَرَ بِكِتَابٍ يُقْرَأُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَجَلَسَ خَلْفَ الْمَقَامِ وَأَقَامَ كَاتِبَهَ قَائِمًا عَلَى الصُّنْدُوقِ، فَقَرَأَ الْكِتَابَ، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ إِعْظَامًا شَدِيدًا وَأَنْكَرُوهُ أَشَدَّ النُّكْرَةِ، وَخَافَ الْحَجَبَةُ أَنْ يَعُودَ لِمِثْلِهَا، فَرَفَعُوا فِي ذَلِكَ رُقْعَةً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذَ كُرْسِيًّا يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْكُتُبَ، وَأَنْ يُنَزَّهَ الْمَقَامُ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَظَّمَ، وَعَمِلَ إِسْحَاقُ الذَّهَبَ عَلَى زَاوِيَتَيِ الْكَعْبَةِ مِنْ دَاخِلِهَا مَكَانَ مَا كَانَ هُنَالِكَ مِنَ الْفِضَّةِ مُلَبَّسًا، وَكَسَّرَ الذَّهَبَ الَّذِي كَانَ عَلَى الزَّاوِيَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَأَعَادَ عَمَلَهُ، فَصَارَ ذَلِكَ أَجْمَعُ عَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ مَنْقُوشَةً مُؤَلَّفَةً نَاتِئَةً، وَعَمِلَ مِنْطَقَةً مِنْ فِضَّةٍ وَرَكَّبَهَا فَوْقَ إِزَارِ الْكَعْبَةِ فِي تَرْبِيعِهَا كُلِّهَا، مَنْقُوشَةً مُؤَلَّفَةً جَلِيلَةً نَاتِئَةً، يَكُونُ عَرْضُ الْمِنْطَقَةِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، وَعَمِلَ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ مَنْقُوشٍ مُتَّصِلًا بِهَذِهِ الْمِنْطَقَةِ، فَرَكَّبَهُ حَوْلَ الْجَزْعَةِ الَّتِي تُقَابِلُ مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْكَعْبَةِ فَوْقَ الطَّوْقِ الذَّهَبِ الْقَدِيمِ الَّذِي كَانَ مُرَكَّبًا حَوْلَهَا مِنْ عَمَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَرِهَ أَنْ يَقْلَعَ ذَلِكَ الطَّوْقَ الْأَوَّلَ لِسَبَبِ تَكَسُّرٍ خَفِيٍّ فِي الْجَزْعَةِ، فَتَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ لِئَلَّا يَحْدُثَ فِي الْجَزْعَةِ حَادِثٌ، وَقَلَعَ الرُّخَامَ الْمُتَزَايِلَ مِنْ جُدُرَاتِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ يَسِيرًا رُخَامَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَأَعَادَ نَصْبَهَ كُلَّهُ بِجِصٍّ صَنْعَانِيٍّ كَانَ كَتَبَ فِيهِ إِلَى عَامِلِ صَنْعَاءَ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ مِنْهُ جِصٌّ مَطْبُوخٌ صَحِيحٌ غَيْرُ مَدْقُوقٍ اثْنَا عَشَرَ حِمْلًا، فَدَقَّهُ وَنَخَلَهُ وَخَلَطَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَنَصَبَ بِهِ هَذَا الرُّخَامَ، وَفِي أَعْلَى

هَذَا الْمِنْطَقَةِ الْفِضَّةِ رُخَامٌ مَنْقُوشٌ مَحْفُورٌ، فَأَلْبَسَ ذَلِكَ الرُّخَامَ ذَهَبًا رَقِيقًا مِنَ الذَّهَبِ الَّذِي يُتَّخَذَ لِلسُّقُوفِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ سَبِيكَةٌ مَضْرُوبَةٌ عَلَيْهِ إِلَى مَوْضِعِ الْفُسَيْفِسَاءِ الَّتِي تَحْتَ سَقْفِ الْكَعْبَةِ، وَغَسَلَ الْفُسَيْفِسَاءَ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَحُمَاضِ الْأُتْرُجِّ، وَنَقَضَ مَا كَانَ مِنَ الْأَصْبَاغِ الْمُزْخَرَفَةِ عَلَى السَّقْفِ وَعَلَى الْإِزَارِ الَّذِي دُونَ السَّقْفِ فَوْقَ الْفُسَيْفِسَاءِ، ثُمَّ أَلْبَسَهَا ثِيَابَ قَبَاطِيٍّ أَخْرَجَهَا إِلَيْهِ الْحَجَبَةُ مِمَّا عِنْدَهُمْ فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ، وَأَلْبَسَ تِلْكَ الثِّيَابَ ذَهَبًا رَقِيقًا وَزَخْرَفَهُ بِالْأَصْبَاغِ، وَكَانَتْ عَتَبَةُ بَابِ الْكَعْبَةِ السُّفْلَى قِطْعَتَيْنِ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ قَدْ رَثَّتَا وَنَخِرَتَا مِنْ طُولِ الزَّمَانِ عَلَيْهِما، فَأَخْرَجَهُمَا وَصَيَّرَ مَكَانَهَا قِطْعَةً مِنْ خَشَبِ السَّاجِ، وَأَلْبَسَهَا صَفَايِحَ فِضَّةٍ مِنَ الْفِضَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الزَّاوِيَتَيْنِ الَّتِي صَيَّرَ مَكَانَهُمَا ذَهَبًا وَلَمْ يَقْلَعْ فِي ذَلِكَ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَحُرِّفَا فَأُزِيلَا شَيْئًا يَسِيرًا، وَهُمَا قَائِمَانِ مَنْصُوبَانِ، وَكَانَ فِي الْجَدْرِ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْبَابِ يَمْنَةَ مَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ رَزَّةٌ وَكُلَّابٌ مِنْ صُفْرٍ يُشَدُّ بِهِ الْبَابُ إِذَا فُتِحَ بِذَلِكَ الْكُلَّابِ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَقَلَعَ ذَلِكَ الصُّفْرَ، وَصَيَّرَ مَكَانَهُ فِضَّةً، وَأَلْبَسَ مَا حَوْلَ بَابِ الدَّرَجَةِ فِضَّةً مَضْرُوبَةً، وَكَانَ الرُّخَامُ الَّذِي قَدِمَ بِهِ مَعَهُ إِسْحَاقُ رُخَامًا يُسَمَّى الْمُسَيَّرَ، غَيْرَ مُشَاكِلٍ لِمَا كَانَ عَلَى جُدُرَاتِ الْكَعْبَةِ مِنَ الرُّخَامِ، فَشَقَّهُ وَسَوَّاهُ وَقَلَعَ

مَا كَانَ عَلَى جُدُرَاتِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي ظَهْرِ الصَّنَادِيقِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا طِيبُ الْكَعْبَةِ وَكِسْوَتُهَا مِنَ الرُّخَامِ، وَقَلَعَ الرُّخَامَ الَّذِي كَانَ عَلَى جَدْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَ بَابِ الصَّفَا وَبَيْنَ بَابِ السَّمَّانِينَ، وَاسْمُ ذَلِكَ الرُّخَامِ الْبَذِنْجِنَا، وَنَصَبَ الرُّخَامَ الْمُسَيَّرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَكَانَهُ عَلَى جُدُرَاتِ الْمَسْجِدِ، وَأَنْزَلَ الْمَعَالِيقَ الْمُعَلَّقَةَ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ، وَنَفَضَهَا مِنَ الْغُبَارِ، وَغَسَلَهَا وَجَلَّاهَا، وَأَلْبَسَ عُمُدَهَا الْحَدِيدَ الْمُعْتَرِضَةَ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ ذَهَبًا مِنَ الذَّهَبِ الرَّقِيقِ، وَأَعَادَ تَعْلِيقَهَا فِي مَوَاضِعِهَا عَلَى التَّأْلِيفِ، وَفَرَغَ مِنْ ذَلِكَ أَجْمَعَ وَمِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الَّتِي بِمِنًى، يَوْمَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَحْضَرَ الْحَجَبَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَجْزَاءَ الْقُرْآنِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ فَتَفَرَّقُوهَا بَيْنَهُمْ وَإِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ مَعَهُمْ حَتَّى خَتَمُوا الْقُرْآنَ، وَأَحْضَرُوا مَاءَ وَرْدٍ وَمِسْكًا وَعُودًا وَسُكًّا مَسْحُوقًا، فَطَيَّبُوا بِهِ جُدُرَاتِ الْكَعْبَةِ وَأَرْضَهَا، وَأَجَافُوا بَابَهَا عَلَيْهِمْ عِنْدَ فَرَاغِهِمْ مِنَ الْخَتْمَةِ، فَدَعَوْا، وَدَعَا مَنْ حَضَرَ الطَّوَافَ، وَضَجُّوا بِالتَّضَرُّعِ وَالْبُكَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدَعَوْا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِوُلَاةِ عُهُودِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَنْفُسِهِمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ يَوْمُهُمْ ذَلِكَ يَوْمًا شَرِيفًا حَسَنًا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَأَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ الصَّائِغُ أَنَّ مَبْلَغَ مَا كَانَ فِي الْأَرْبَعِ الزَّوَايَا مِنَ الذَّهَبِ وَالطَّوْقِ الَّذِي حَوْلَ الْجَزْعَةِ، نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَأَنَّ مَا فِي مِنْطَقَةِ الْفِضَّةِ وَمَا كَانَ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ السُّفْلَى مِنَ الصَّفَايِحِ وَعَلَى كُرْسِيِّ الْمَقَامِ مِنَ الْفِضَّةِ، نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَمَا رُكِّبَ مِنَ الذَّهَبِ الرَّقِيقِ عَلَى جُدُرَاتِ الْكَعْبَةِ وَسُقُفِهَا، نَحْوٌ مِنْ مِائَتَيْ حُقٍّ يَكُونُ فِي كُلِّ حُقٍّ خَمْسَةُ مَثَاقِيلَ، وَخَلَطَ إِسْحَاقُ بْنُ سَلَمَةَ مَا بَقِيَ قِبَلَهُ مَعَ هَذَا الْجِصِّ الصَّنْعَانِيِّ، وَمَا قُلِعَ مِنْ أَرْضِ الْكَعْبَةِ مِنَ الرُّخَامِ الْمُتَكَسِّرِ مِمَّا لَا يَصْلُحُ إِعَادَتُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعَمَلِ، وَثَلَاثَةِ حِقَاقٍ مِنْ هَذَا الذَّهَبِ الرَّقِيقِ، وَجِرَابٍ فِيهِ تُرَابٌ مِمَّا قَشِّرَ مِنْ جُدُرَاتِ الْكَعْبَةِ، وَمَسَامِيرَ فِضَّةٍ صِغَارٍ قِبَلَ الْحَجَبَةِ، لِمَا عَسَى

أَنْ يَحْتَاجُوا إِلَيْهِ لَهَا، وَانْصَرَفَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَجِّ فِي آخِرِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ

صِفَةُ بَابِ الْكَعْبَةِ وَذَرْعُ طُولِ بَابِ الْكَعْبَةِ فِي السَّمَاءِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَعَشَرَةُ أَصَابِعَ، وَعَرْضُ مَا بَيْنَ جِدَارَيْهِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَثَمَانِيَ عَشْرَ أُصْبُعًا، وَالْجِدَارَانِ وَعَتَبَةُ الْبَابِ الْعُلْيَا وَنِجَافُ الْبَابِ مُلَبَّسٌ صَفَايِحَ ذَهَبٍ مَنْقُوشٍ، وَفِي جِدَارِ عِضَادَتَيِ الْبَابِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَلْقَةً مِنْ حَدِيدٍ مُمَوَّهَةً بِالْفِضَّةِ مُتَفَرِّقَةً، فِي كُلِّ

جِدَارٍ سَبْعُ حِلَقٍ يُشَدُّ بِهَا جَوْفُ الْبَابِ مِنْ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَفِي عَتَبَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِسْمَارًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ عَلَى الْبَابِ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ فِي وَجْهِ الْعَتَبَةِ، وَالْمَسَامِيرُ حَدِيدٌ مُلَبَّسَةٌ ذَهَبًا مَقْبُوَّةٌ مَنْقُوشَةٌ، تَدْوِيرُ حَوْلَ كُلِّ مِسْمَارٍ سَبْعُ أَصَابِعَ، وَمَلْبَنُ بَابِ الْكَعْبَةِ الَّذِي يَطَأُ عَلَيْهِ مَنْ دَخَلَهَا دَاخِلٌ فِي الْجَدْرِ عَشْرَ أَصَابِعَ وَالْمَلْبَنُ سَاجٌ مُلَبَّسٌ صَفَايِحَ ذَهَبٍ، وَعَرْضُ وَجْهِ الْمَلْبَنِ عَشْرُ أَصَابِعَ، وَعَرْضُ وَجْهِهِ الْآخَرِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَفِي الْمَلْبَنِ مِنَ الْمَسَامِيرِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِسْمَارًا، مِنْهَا سَبْعَةٌ فِي أَعْلَى الْمَلْبَنِ وَهِيَ تَلِي الْعَتَبَةَ، وَفِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِسْمَارًا، وَفِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ عِشْرُونَ مِسْمَارًا، وَالْمَسَامِيرُ مَقْبُوَّةٌ مُلَبَّسَةٌ ذَهَبًا مَنْقُوشَةٌ، تَدْوِيرُ حَوْلَ كُلِّ مِسْمَارٍ مِنْهَا سَبْعُ أَصَابِعَ، وَذَرْعُ طُولِ بَابِ الْكَعْبَةِ فِي السَّمَاءِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَعَشْرُ أَصَابِعَ وَهُمَا مِصْرَاعَانِ عَرْضُ كُلِّ مِصْرَاعٍ ذِرَاعٌ وَثَمَانِيَ عَشْرَةَ أُصْبُعًا وَعُودُ الْبَابِ سَاجٌ وَغِلَظُهُ ثَلَاثُ أَصَابِعَ

فَإِذَا غُلِقَا فَعَرْضُهُمَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ، وَفِي كُلِّ مِصْرَاعٍ سِتُّ عَوَارِضَ وَالْعَوَارِضُ مِنْ سَاسَمٍ وَظَهْرُ الْبَابِ مِنْ دَاخِلٍ مُلَبَّسٌ صَفَايِحَ فِضَّةٍ، وَفِي الْمِصْرَاعِ الْأَيْمَنِ مِنْ دَاخِلٍ غِلْقٌ رُومِيٌّ وَأُمُّ الْغِلْقِ مُلَبَّسَةٌ فِضَّةً وَطُولُ الْغِلْقِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أُصْبُعًا وَفِي الْمِصْرَاعِ الْأَيْسَرِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ يَكُونُ فِيهَا غِلْقُ الْبَابِ إِذَا غُلِقَ، وَفِي الْبَابِ الْأَيْسَرِ سُكْرَةٌ وَوَجْهُ الْبَابِ مُلَبَّسٌ صَفَايِحَ ذَهَبٍ مَنْقُوشَةً وَصَفَايِحَ سَاذَجٍ مَا بَيْنَ الْمَسَامِيرِ الَّتِي فِي الْعَوَارِضِ صَفَايِحُ مُرَبَّعَةٌ مَنْقُوشَةٌ فِي كُلِّ مِصْرَاعٍ خَمْسُ صَفَايِحَ، وَتَدْوِيرُ حَوْلَ الصَّفَايِحِ السَّاذَجِ صَفَايِحُ مَنْقُوشَةٌ وَفِي الْبَابِ الْأَيْسَرِ أَنْفُ الْبَابِ مُلَبَّسٌ ذَهَبًا مَنْقُوشًا طَرَفَاهُ مُرَبَّعَانِ، وَعَلَى الْأَنْفِ كِتَابٌ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 149] الْآيَةَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَعَدَدُ الْمَسَامِيرِ مِائَتَا مِسْمَارٍمِنْهَا مِائَةٌ كِبَارٌ مِنْهَا فِي الْعَوَارِضِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِسْمَارًا فِي كُلِّ عَارَضَةٍ سِتَّةُ مَسَامِيرَ، وَفِي كُلِّ مِصْرَاعٍ عَشَرَةُ مَسَامِيرَ، وَبَيْنَ كُلِّ عَارِضَتَيْنِ مِسْمَارَانِ فِي طَرَفِ الْبَابِ وَمِنْهَا حَوْلَ خَرْتَةِ الْبَابِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا الرُّومِيُّ اثْنَا عَشَرَ مِسْمَارًا صِغَارًا، وَمِنْهَا فِي الْمِصْرَاعِ الْأَيْمَنِ مِسْمَارَانِ مِنْ فِضَّةٍ سَاذَجٍ مُمَوَّهَانِ تَدْوِيرُ حَوْلَ كُلِّ مِسْمَارٍ سِتُّ أَصَابِعَ وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ يَفْتَحُ فِيهِ الْغِلْقُ الرُّومِيُّ الدَّاخِلُ وَمَا بَيْنَ الْمَسَامِيرِ تِسْعُ أَصَابِعَ، وَالْمَسَامِيرُ مَقْبُوَّةٌ مُلَبَّسَةٌ ذَهَبًا وَهِيَ مَنْقُوشَةٌ، تَدْوِيرُ كُلِّ مِسْمَارٍ سَبْعُ أَصَابِعَ، وَالْمَسَامِيرُ الصِّغَارُ الَّتِي فِي الْمِصْرَاعِ الْأَيْسَرِ خَمْسُونَ مِسْمَارًا وَهِيَ مَضْرُوبَةٌ حَوْلَ

الصَّفَايِحِ الْمُرَبَّعَةِ الْمَنْقُوشَةِ الَّتِي بَيْنَ الْعَوَارِضِ، حَوْلَ كُلِّ صَفِيحَةٍ عَشَرَةُ مَسَامِيرَ، وَالْمَسَامِيرُ مُلَبَّسَةٌ ذَهَبًا مَقْبُوَّةٌ مَنْقُوشَةٌ وَهِيَ عَلَى صَفَايِحَ سَاذَجٍ عَرْضُ الصَّفَايِحِ أُصْبُعَانِ كَمَا يَدُورُ حَوْلَ الصَّفِيحَةِ الْمَنْقُوشَةِ، وَرِجْلَا الْبَابَيْنِ حَدِيدٌ مُلَبَّسَانِ ذَهَبًا وَفِي الْمِصْرَاعَيْنِ سَلُوقِيَّتَانِ فِضَّةٍ مُمَوَّهَتَانِ وَفِي السَّلُوقِيَّتَيْنِ لَبِنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُرَبَّعَتَانِ وَفَوْقَ اللَّبِنَتَيْنِ لَبِنَتَانِ صَغِيرَتَانِ وَفِي طَرَفِ السَّلُوقِيَّتَيْنِ حَلَقَتَا ذَهَبٍ سَعَةُ كُلِّ حَلْقَةٍ ثَمَانِ أَصَابِعَ وَهُمَا حَلَقَتَا قُفْلِ الْبَابِ وَهُمَا عَلَى ذِرَاعَيْنِ وَسِتَّةَ عَشَرَ أُصْبُعًا مِنَ الْبَابِ

بَابُ صِفَةِ الشَّاذَرْوَانِ وَذَرْعِ الْكَعْبَةِ ذَرْعُ الْكَعْبَةِ مِنْ خَارِجِهَا فِي السَّمَاءِ مِنَ الْبَلَاطِ الْمَفْرُوشِ حَوْلَهَا تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَسِتَّ عَشْرَةَ أُصْبُعًا وَطُولُهَا مِنَ الشَّاذَرْوَانِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَعَدَدُ حِجَارَةِ الشَّاذَرْوَانِ الَّتِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ حَجَرًا فِي ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حَدِّ الرُّكْنِ الْغَرْبِيِّ إِلَى

الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ حَجَرًا، وَمِنْهَا حَجَرٌ طُولُهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ وَهُوَ عَتَبَةُ الْبَابِ الَّذِي سُدَّ فِي ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَفِي الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ

حَجَرٌ مُدَوَّرٌ، وَبَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ تِسْعَةَ عَشَرَ حَجَرًا وَمِنْ حَدِّ الشَّاذَرْوَانِ إِلَى الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَاثْنَا عَشَرَ أُصْبُعًا لَيْسَ فِيهِ شَاذَرْوَانُ وَمِنْ حَدِّ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ إِلَى الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ حَجَرًا وَمِنْ حَدِّ الشَّاذَرْوَانِ الَّذِي يَلِي الْمُلْتَزَمَ إِلَى الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ذِرَاعَانِ لَيْسَ فِيهِمَا شَاذَرْوَانُ وَهُوَ الْمُلْتَزَمُ وَطُولُ الشَّاذَرْوَانِ فِي السَّمَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ أُصْبُعًا وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ، وَطُولُ دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ الَّتِي يَصْعَدُ عَلَيْهَا النَّاسُ إِلَى بَطْنِ الْكَعْبَةِ مِنْ خَارِجٍ ثَمَانِيَ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ وَعَرْضُهَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ وَفِيهَا مِنَ الدَّرَجِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دَرَجَةً وَهِيَ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ

ذِكْرُ الْحَجَرِ

حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عَطَاءِ بْنِ خَبَّابٍ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ خَبَّابٍ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ مِنَ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا؟ قَالَ الْحَارِثُ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا , قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ أَعَدْتُ فِيهِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَأُرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ» وَزَادَ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ خَبَّابٍ فِي الْحَدِيثِ «وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ بِالْأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا، وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لَا قَالَ: «تَعَزُّزًا لِئَلَّا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَرِهُوا أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ يَدْخُلُهَا دَفَعُوهُ فَسَقَطَ» ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَنَكَتَ بِعَصَاهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا أُبَالِي صَلَّيْتُ فِي الْحِجْرِ أَوْ فِي الْكَعْبَةِ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الْحِجْرَ فَقَالَ لِي: «صَلِّ فِي الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُبَارَكُ بْنُ حَسَّانَ الْأَنْمَاطِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْحِجْرِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «شَكَا إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّ مَكَّةَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ» أَنِّي أَفْتَحُ لَكَ بَابًا مِنَ الْجَنَّةِ فِي الْحِجْرِ يَجْرِي عَلَيْكَ مِنْهُ الرَّوْحُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ «وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تُوُفِّيَ» قَالَ خَالِدٌ: فَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَا بَيْنَ الْمِيزَابَ إِلَى بَابِ الْحَجَرِ الْغَرْبِيِّ فِيهِ قَبْرُهُ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: حَفَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجْرَ فَوَجَدَ فِيهِ سَفَطًا مِنْ حِجَارَةٍ خُضْرٍ فَسَأَلَ قُرَيْشًا عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ عِلْمًا قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَا تُحَرِّكْهُ» قَالَ: فَتَرَكَهُ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: " دَخَلَ بَيْنَ عَائِشَةَ وَبَيْنَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَى بَكْرٍ كَلَامٌ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهَا فَأَرَادَتْهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهَا فَأَبَى فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ لَهُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَطُوفُهَا فَرَصَدَتْهُ بِبَابِ الْحِجْرِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِهَا أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَجَذَبَتْهُ فَأَدْخَلَتْهُ الْحِجْرَ ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: فُلَانٌ عَبْدِي حُرٌّ وَفُلَانٌ وَالَّذِي أَنَا فِي بَيْتِهِ وَجَعَلَتْ تَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَتَحْلِفُ لَهُ "

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ابْنَةِ أَبِي عَوْفٍ أَنَّ عَائِشَةَ، سَأَلَتْ أَنْ يُفْتَحَ لَهَا بَابُ الْكَعْبَةِ لَيْلًا فَأَبَى عَلَيْهَا شَيْبَةُ ابْنُ عُثْمَانَ فَقَالَتْ لِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقِي بِنَا حَتَّى نَدْخُلَ الْكَعْبَةَ فَدَخَلَتِ الْحِجْرَ "

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: وُجِدَ فِي الْحِجْرِ حَجَرٌ مَدْفُونٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ لَا تَزُولُ حَتَّى تَزُولَ أَخْشَبَاهَا " وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «كَانَ قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَبْرُ أُمِّهِ هَاجَرَ فِي الْحِجْرِ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورَ أَبَا جَعْفَرٍ حَجَّ وَزِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ مَكَّةَ فَطَافَ أَبُو جَعْفَرٍ ثُمَّ دَعَا زِيَادًا فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْحِجْرَ حِجَارَتُهُ بَادِيَةٌ فَلَا أُصْبِحَنَّ حَتَّى يُسْتَرَ جِدَارُ الْحِجرِ بِالرُّخَامِ فَدَعَا زِيَادٌ بِالْعُمَّالِ فَعَمِلُوهُ عَلَى السُّرُجِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا بِحِجَارَةٍ بَادِيَةٍ لَيْسَ عَلَيْهَا رُخَامٌ ثُمَّ كَانَ الْمَهْدِيُّ بَعْدُ قَدْ جَدَّدَ رُخَامَهُ "

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى

وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ بَلَّطَ بَطْنَ الْحِجْرِ بِالرُّخَامِ وَذَلِكَ عَامَ زَادَ الْمَهْدِيُّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ زِيَادَتَهُ الْأُولَى وَشَرَّعَ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ عَلَى الْمَسْعَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ: أَنَا أَدْرَكْتُ هَذَا الرُّخَامَ الَّذِي عَمِلَهُ وَكَانَ رُخَامًا أَبْيَضَ وَأَخْضَرَ وَأَحْمَرَ وَكَانَ مَزْوِيًّا وَشَوَابِيَرَ صِغَارًا وَمُدَاخَلًا بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ ثُمَّ تَكَسَّرَ فَجَدَّدَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ثُمَّ جُدِّدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ

الْجُلُوسُ فِي الْحِجْرِ وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَتَذَاكَرْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَفَضْلَهُ وَعَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الطَّوَافِ وَخَلْفَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَعَجِبْنَا مِنْ تَمَامِ قَامَتِهِمَا وَحُسْنِ وُجُوهِهِمَا فَقَالَ عَطَاءٌ: وَأَيْنَ حُسْنُهُمَا مِنْ حُسْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؟ " مَا رَأَيْتُ الْقَمَرَ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ طَالِعًا مِنْ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ إِلَّا ذَكَرْتُ وَجْهَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا جُلُوسًا مَعَهُ فِي الْحِجْرِ إِذْ أَتَاهُ شَيْخٌ قَدِيمٌ بَدَوِيٌّ مِنْ هُذَيْلٍ يَهْدِجُ عَلَى عَصَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُ فَقَالَ الشَّيْخُ لِبَعْضِ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ: َمَنْ هَذَا الْفَتَى؟ فَقَالُوا: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: سُبْحَانَ الَّذِي مَسَخَ حُسْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى مَا أَرَى، فَقَالَ عَطَاءٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: " كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَطْوَلَ النَّاسِ قَامَةً وَأَحْسَنَ

النَّاسِ وَجْهًا مَا رَآهُ قَطُّ شَيْءٌ إِلَّا أَحَبَّهُ وَكَانَ لَهُ مَفْرَشٌ فِي الْحِجْرِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَكَانَ النَّدِيُّ مِنْ قُرَيْشٍ حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ فَمَنْ دُونَهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ دُونَ الْمَفْرَشِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غُلَامٌ يَدْرِجُ لِيَجْلِسَ عَلَى الْمَفْرَشِ فَجَذَبُوهُ فَبَكَى فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَذَلِكَ بَعْدَ مَا حُجِبَ بَصَرُهُ: مَا لِابْنِي يَبْكِي؟ قَالُوا لَهُ: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْمَفْرَشِ فَمَنَعُوهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: دَعُوا ابْنِي فَإِنَّهُ يَحُسُّ بِشَرَفٍ أَرْجُو أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الشَّرَفِ مَا لَمْ يَبْلُغْ عَرَبِيٌّ قَطُّ، قَالَ: وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ وَكَانَ خَلْفَ جَنَازَتِهِ يَبْكِي حَتَّى دُفِنَ بِالْحَجُونِ "

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَ عِنْدِي سَعَةٌ قَدَّمْتُ فِي الْبَيْتِ مِنَ الْحِجْرِ أَذْرُعًا وَفَتَحْتُ لَهُ بَابًا آخَرَ يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْهُ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ، سَأَلْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْتَحَ لَهَا الْبَابَ لَيْلًا فَجَاءَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بِالْمِفْتَاحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا لَمْ تُفْتَحْ بِلَيْلٍ قَطُّ قَالَ: «فَلَا تَفْتَحْهَا» ثُمَّ قَالَ لِعَائِشَةَ: «إِنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْبَيْتَ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ فَتَرَكُوا بَعْضَ الْبَيْتِ فِي الْحِجْرِ فَادْخُلِي الْحِجْرَ فَصَلِّي فِيهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَتَّابٌ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ فَدَخَلَتِ الْبَيْتَ فِي سِتَارِهِ وَمَعَهَا نِسْوَةٌ فَأَغْلَقَتِ الْحَجَبَةُ الْبَيْتَ دُونَ النِّسَاءِ فَجَعَلْنَ يُنَادِينَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: «عَلَيْكُنَّ بِالْحِجْرِ فَإِنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: " تَذَاكَرُوا الْمَهْدِيَّ عِنْدَ طَاوُسٍ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَهُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْعَدْلَ وَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ زِيدَ الْمُحْسِنُ فِي إِحْسَانِهِ وَحُطَّ عَنِ الْمُسِيءِ مِنَ إِسَاءَتِهِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أَدْرَكَتُهُ وَعَلَامَتُهُ كَذَا وَكَذَا "

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ ثَدْرُسَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1] ، جَاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ فَدَخَلَتِ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَقْبَلَتْ وَهِيَ تُلَمْلِمُ الْفِهْرَ فِي يَدِهَا وَتَقُولُ: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا، وَدِينَهُ قَلَيْنَا، وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أُمُّ جَمِيلٍ وَأَنَا أَخْشَى عَلَيْكَ مِنْهَا وَهِيَ امْرَأَةٌ فَلَوْ قُمْتَ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي» وَقَرَأَ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] قُلْتُ: فَجَاءَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَرَهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ فَأَيْنَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: السَّاعَةَ كَانَ هَاهُنَا قَالَتْ: إِنَّهُ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ هَجَانِي وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَشَاعِرَةٌ وَإِنَّ زَوْجِي لَشَاعِرٌ وَلَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الْوَلِيدُ فِي حَدِيثِهِ: " فَدَخَلَتِ الطَّوَافَ فَعَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: نَفْسُ مُذَمَّمٍ، فَقَالُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تَرَى يَا أَبَا بَكْرٍ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنِّي مِنْ شَتْمِ قُرَيْشٍ؟ يُسَمُّونَنِي مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ» فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ حَكِيمٍ ابْنَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: مَهْلًا يَا أُمَّ جَمِيلٍ، إِنَّى لَحَصَانٌ فَمَا أُكَلَّمُ، وَثَقَافٌ فَمَا أُعَلَّمُ وَكِلْتَانَا مِنْ بَنِي الْعَمِّ، ثُمَّ قُرَيْشٌ بَعْدُ أَعْلَمُ " قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: فَلَمْ يَزَلْ رُخَامُ الْحِجْرِ الَّذِي عَمِلَهُ الْمَهْدِيُّ بَعْدَ عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى حَالِهِ وَكَانَ سَيْلُهُ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الْأَحْجَارِ الَّتِي عَلَى بَابِهَا الْغَرْبِيِّ حَتَّى رَثَّ فِي خِلَافَةِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلِعَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأُلْبِسَ رُخَامًا حَسَنًا قُلِعَ مِنْ جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الشِّقِّ الَّذِي يَلِي بَابَ الْعَجَلَةِ إِلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمِمَّا يَلِي أَبْوَابَ بَنِي مَخْزُومٍ وَالْبَابِ الَّذِي مُقَابِلٌ دَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ أَمَرَ أَنْ يُقْلَعَ لَهُ لَوْحٌ مِنْ رُخَامِ الْحِجْرِ يَسْجُدُ عَلَيْهِ فَقُلِعَ لَهُ فِي الْمَوْسِمِ فَأَرْسَلَ أَحْمَدُ بْنُ طَرِيفٍ مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيِّ بِرُخَامَتَيْنِ خَضْرَاوَيْنِ مِنْ مِصْرَ هَدِيَّةً لِلْحِجْرِ مَكَانَ ذَلِكَ اللَّوْحِ وَهِيَ الرُّخَامَةُ الْخَضْرَاءُ عَلَى سَطْحِ جِدَارِ الْحِجْرِ مُقَابِلَ الْمِيزَابِ عَلَى هَيْئَةِ الزَّوْرَقِ، وَالرُّخَامَةُ الْأُخْرَى هِيَ الرُّخَامَةُ الْخَضْرَاءُ الَّتِي تَحْتَ الْمِيزَابِ تَلِي جَدْرَ الْكَعْبَةِ فَجُعِلَتَا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَهُمَا مِنْ أَحْسَنِ رُخَامٍ فِي الْمَسْجِدِ خُضْرَةً قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ: ثُمَّ حُوِّلَتِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْحِجْرِ فَجُعِلَتْ تَحْتَ الْمِيزَابَ مُقَابِلَ الْمِيزَابِ أَمَامَ الرُّخَامَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى هَيْئَةِ الْمِحْرَابِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ

جارٍ التحميل