النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحاب معاني القرآن:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجدي الهلالي
- الكتاب
- تحقيق الوصال بين القلب والقرآن
- المؤلف
- مجدي الهلالي
- الناشر
- مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على تعليم الصحابة ألفاظ القرآن، فإنه كان حريصًا كذلك على تعليمهم معانيه ..
يقول د. يوسف القرضاوي: ولقد جعل القرآن من مهام النبي صلى الله عليه وسلم: (تعليم الكتاب والحكمة) وهذا في أربع آيات من القرآن.
ولا ريب أن هذا التعليم ليس هو (التحفيظ) بدليل أنه معطوف على تلاوة الآيات عليهم: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164].
فالتعليم أخص من التلاوة.
إن هذا التعلم والتعليم هو الذي عبرت عنه بعض الأحاديث بـ (التدارس).
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
ومعنى تدارس القرآن: محاولة التعرف على ألفاظه ومبانيه، وعلى مفاهيمه ومعانيه، وما يرشد إليه من العبر، وما يدل عليه من الأحكام والآداب 3.
ويقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - ومعنى مدارسة القرآن: القراءة والفهم والتدبر والتبين لسنن الله في النفس والآفاق، ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه 4 ..
ويؤكد على هذا المعنى الإمام ابن تيمية فيقول:
يجب أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] يتناول هذا وهذا.
وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلَمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.
ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا.
وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، وقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 28]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: 68].
وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن!.
وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وعقل الكلام متضمن لفهمه.12
ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه: فهم معانيه دون مجرد ألفاظه .. فالقرآن أولى بذلك، ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًا (1).
ويقول الإمام الزركشي: وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا يتعلمون ما ينبغي أن يوقف عنده، كما يتعلمون القرآن (2). فتعلم الوقف والابتداء أحد ثمرات تعلم المعاني.
من هنا نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على تعليم أصحابه القرآن .. لفظًا ومعنى.
يقول عبد الله بن عمر: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا القرآن، فإذا مر بسجود سجد وسجدنا معه» (3).
(ولاشتهار هذا الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صار أصلاً يقاس عليه غيره، ومن هذا القبيل قول جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن» (4).
فإذا طرأ ما يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مباشرة ذلك بنفسه وكَّل بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة.
ومن هذا ما ورد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشغل، فإذا قدم مهاجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن» (5).
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فأمرهما أن يعلما الناس القرآن» (6).