السماع عندى أفضل!!
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجدي الهلالي
- الكتاب
- تحقيق الوصال بين القلب والقرآن
- المؤلف
- مجدي الهلالي
- الناشر
- مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
ومما أبعد البعض عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن ظنه أنه يتأثر بالسماع أكثر من تأثره بالقراءة، ومن ثمَّ فإنه يهمل القراءة، فهو -كما يقول- يجد قلبه عند سماع فلان وفلان من المقرئين .. ولو كان التأثر بالمعنى هو المُسبب لذلك عند السماع، لحسُن هذا الأمر، وكيف لا، والتأثر بالمعنى مع الصوت الحسن ينبت الإيمان في القلب يقول ابن تيمية:
كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون.
وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون.
ويقول: ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف والأحوال الجسيمة ما لا يسعه الخطاب، ولا يحويه كتاب، كما أن في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان ما لا يحيط به بيان 2.
ولقد أعطى لنا القرآن نموذجًا للسماع الصحيح الناتج عن تدبر المعنى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83] فبكاؤهم - كما يقول الطرطوشي - إنما كان لما فهموه من معانيه 3.
أما إذا كان التأثر ناتجًا عن صوت القارئ وتطريبه بالقرآن دون المعنى فهنا تكمن المشكلة.
لأن التطريب وإن كان يستثير المشاعر إلا أنه قد يستثيرها في أمور كامنة لديها لا تخدم الإيمان، فالإيمان ينشأ عند استثارة المشاعر مع فهم ما دلت عليه القراءة.
يقول بكر أبو زيد:
إنما التعبد أن يتحرك (قلب) العبد إلى كلام الله وما فيه من العظة والعبرة، والتذكير بالمصير وبالجنة والنار، وعظيم الحكم والأحكام.
أما لو تحرك عند قراءة القرآن طربا لمجرد حسن الصوت، دون ما يحمله من آيات القرآن الكريم، فهذا ليس من التعبد 4.
فالقلب قد يكون فيه محبة لله ومحبة لغيره، وخشية له وخشية لغيره، فإذا ما سمع المرء القرآن وهو يُقرأ بالتطريب والصوت الحسن، فإنه قد يجد تأثرًا بما يسمعه، ويظن أن هذا كله من دواعي محبة الله وخشيته، بل هي مشاعر ممتزجة (وليس كل ما حرك الكامن في النفوس، يكون مباحًا في حكم الله ورسوله) 5.
فإن قلت: ألم يرد في السُّنة استحباب سماع القرآن من أصحاب الأصوات الحسنة؟!
نعم، ورد ذلك ليكون أدعى لتفهم القرآن والتأثر بمعانيه.
يقول ابن كثير: المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وفهمه، والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة.1
فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن ينزه عن هذا، ويجُل ويُعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك 1.
عن عابس الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف على أمته ست خصال.
إمرة الصبيان، وكثرة الشُّرَط، والرشوة في الحكم، وقطيعة الرحم، واستخفاف بالدم، ونشوًا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفضلهم في الدين ولكن يقدمونه ليغنيهم به غناء» 2.
وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وسلم:
«بادروا بالأعمال ستًا: إمارة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحُكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوًا يتخذون القرآن مزامير، يقدَّمون أحدهم ليغنيهم، وإن كان أقلهم فقهًا» 3.