الفصل الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجدي الهلالي
- الكتاب
- تحقيق الوصال بين القلب والقرآن
- المؤلف
- مجدي الهلالي
- الناشر
- مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
حبل الودّ
حبل الود
خلق الله عز وجل مخلوقات كثيرة، لكنه - سبحانه - قد اختص منها مخلوقًا واحدًا خلقه لنفسه، ونفخ فيه من روحه، وكرمه، وأحسن خلقه، وأسجد لأبيه الملائكة، وأعد له الجنة لتكون دارًا للنعيم الأبدي، وذلك بعد أن يجتاز اختبارًا يسيرًا على الأرض، جوهره هو عبادته - سبحانه - بالغيب.
جاء في الأثر: يا ابن آدم خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له 1.
ومما لا شك فيه أن الله عز وجل يريد لعباده جميعًا الخير، فما من مولود يولد إلا ويريد الله له الفلاح والنجاح في امتحان الدنيا، ومن ثمَّ دخول الجنة والتنعم فيها ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 221].
أما من يدخل النار فهو الذي يأبى ويُصر على عدم دخول الجنة، وإلا فماذا تقول عن موقف هؤلاء المشركين من دعوة الإسلام؟! ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32].
ومع هذا الإصرار في طلب العقوبة إلا أن الله عز وجل لم يستجب لطلبهم، ولم يَعْجل بعجلتهم، لأنه سبحانه يريد لهم الخير، لذلك فهو يحلم عليهم، ويصبر على كفرهم وظلمهم لأنفسهم، ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة لعلهم ينتبهون قبل فوات الأوان ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129].
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» 2.
ويكفي في تأكيد هذا المعنى ما حدث لأصحاب القرية المذكورة في سورة «يس» الذين شردوا عن الله فأرسل سبحانه لهم رسولين يذكرانهم بحقيقة وجودهم في الدنيا، وضرورة العودة إلى الله قبل فوات الأوان.
فكيف كان استقبال أصحاب القرية لهما؟!
كذبوا الرسولين واستهزؤوا بهما، وسخروا منهما.
فماذا فعل الله عز وجل بهم بعد هذا التكذيب؟!
أرسل إليهم رسولاً ثالثًا .. ففعلوا معه مثل ما فعلوا بأخويه ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ - قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ
تَكْذِبُونَ﴾ [يس: 13 - 15].
فجاءهم رجل من بينهم يعرفونه ويعرفهم .. جاءهم من أقصى المدينة ليؤكد لهم صدق الرسل الثلاثة، فقتلوه ليستدعوا بذلك غضب الله وعقوبته، بعد حلمه وصبره العظيم عليهم، وجاء الأمر بعقابهم لأنهم مجرمون لا يريدون الإيمان، ويصرون على ذلك إصرارًا شديدًا رغم كل الآيات البينات التي أرسلها الله لهم، فكانت العقوبة ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 29].
وبعد بيان القرآن الوافي لحال هؤلاء المكذبين وكيف أنهم هم الذين استدعوا العقوبة بإجرامهم إلا أننا نفاجأ بالتعقيب الإلهي على نهاية هؤلاء بقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: 30].
فالله عز وجل يتأسف عليهم، وعلى المصير الذي آلوا إليه، مع أنهم هم الذين فعلوا ذلك بأنفسهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا، إلا أن هذا لم يمنع من أن يتأسف الله -سبحانه - عليهم .. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾.
نعم - أخي - هذا هو ربك الرحيم الودود الذي لا يرضى لعبد من عباده الضلال والكفر ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7].
لكنه - سبحانه - كتب على نفسه أن يترك للبشر حرية الاختيار، وأن يعبدوه بإرادتهم، فلا يجبرهم على فعل طاعة، أو ترك معصية، وإلا صاروا مثل بقية المخلوقات، وفي نفس الوقت فإنه سبحانه يريد لهم جميعًا الخير ودخول الجنة لذلك فهو لا يُعَجِّل بعقوبتهم إذا ما عصوه، بل يحلم ويحلم لعلهم يرجعون إليه في يوم من الأيام ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: 45].
ألا يكفيك في تأكيد هذا المعنى أن الله عز وجل يرى الناس تكفر به، وتجعل له ندًا، وولدًا وهو مع ذلك يرزقهم ويعطيهم؟!
قال عبد الله بن قيس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» (1).
وعن شهر بن حوشب رضي الله عنه: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك (2).