طريق الهجرتين وباب السعادتينصفحات 176-215
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى

صفحات 176-215

القدر ١ ويكذبون به.
والله لو أعلم أنك منهم أو ٢ هذين معك لجاهدكم.
إن زنى فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر" ٣.

وصح عن ابن عمر أن يحيى بن يعمر قال له: إن ناسا يقولون: لا قدر، وإن الأمر أنف ٤.
فقال: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء ٥، وأنهم برآء منه" ٦.

وقد تقدم قول أبي بن كعب، وحذيفة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: "لو أنفقت مثل أحد ٧ ذهبا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ٨ ما أخطاك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار" ٩.

وتقدم قول عبادة بن الصامت: "لن تؤمن حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك" ١٠.

وقال قتادة، عن أبي السوار، عن الحسن بن علي قال: "قضي القضاء، وجف القلم، وأمور تقضى ١ في كتاب قد خلا" ٢.

وقال عمرو بن العاص: "انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه.
ويرى في عين أخيه القذاة فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها.
ويكون في دابته الضغن ٣ فيقومها جهده، ويكون في نفسه الضغن فلا يقومها" ٤.

وقال أبو الدرداء: "ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب" ٥.

وقال الحجاج الأزدي: سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر؟ فقال: "أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك" ٦.

وقال سلمان أيضا: "إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو

ذارئ ١ إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال ٢ والشقوة ٣ والسعادة.
فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعل الشر ٤ ومجالس الشر" ٥.

وقال جابر بن عبد الله: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره ٦، ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" ٧.

وقال هشام ٨ عن أبيه عن عائشة: "إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة، وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار" ٩.

والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر، وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة.

فصل

فالجواب ١٠ أن ههنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك، زلت فيه أقدام، فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء.

فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأنه ١ ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه ٢ الناس.
وهذه الآثار التي ذكرت ٣ كلها تحقق هذا المقام، وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد أنسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه، وهذا في كل كتاب أنزله الله على كل رسول أرسله ٤.

وأما المقام الثاني -وهو مقام الضلال والردى والهلاك- فهو الاحتجاج به على الله ٥، وحمل العبد ذنبه على ربه، وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء، وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من إبليس؛ كما صرح به بعضهم، واحتج عليه بما خصمه فيه من لا تدحض حجته ولا تطاق مغالبته، حتى يقول قائل هؤلاء:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء ٦

ويقول قائلهم:

دعاني وسد الباب دوني فهل إلى ... دخولي سبيل؟ بينوا لي قصتي ١

ويقول الآخر:

وضعوا اللحم للبزا ... ة على ذروتي عدن

ثم لاموا البزاة إذ ... خلعوا عنهم الرسن

لو أرادوا صيانتي ... ستروا وجهك الحسن ٢

وقال بعضهم -وقد ذكر له من ٣ يخاف من إفساده- فقال: لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غيره!

وصعد رجل يوما على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجر بجاريته، فنزل، وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك.
فقال: لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل

شيء، أنت حر لوجه الله ١.

ورأى آخر رجلا ٢ يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة، وهي تقول: القضاء والقدر.
فقال: يا عدوة الله أتزني وتعتذري ٣ بمثل هذا؟ فقالت: أوه تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباد ٤! فتنبه ورمى السوط ٥ من يده، واعتذر إليها، وقال: لولاك لضللت!

ورأى آخر رجلا آخر يفجر بامرأته فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره.
فقال: الخيرة فيما قضى الله! فلقب بـ "الخيرة فيما قضى الله"، وكان إذا دعي به غضب!

وقيل لبعض هؤلاء: أليس الله عز وجل ٦ يقول: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر/ ٧] فقال: دعنا من هذا، رضيه وأحبه وأراده، وما أفسدنا غيره!

ولقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال: القدر عذر لجميع العصاة، وإنما مثلنا في ذلك كما قيل:

إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر ١

وبلغ بعض هؤلاء أن عليا مر بقتلى النهروان فقال: "بؤسا لكم، لقد ضركم من غركم".
فقيل: من غرهم؟ فقال: "الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والأماني".
فقال هذا القائل: كان علي قدريا، وإلا فالله غرهم، وفعل بهم ما فعل، وأوردهم تلك الموارد.

واجتمع جماعة من هؤلاء يوما، فتذاكروا القدر، فجرى ذكر الهدهد وقوله: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [النمل/ ٢٤] ٢، فقال: كان الهدهد قدريا، أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان، وجميع ذلك فعل الله ٣.

وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص/ ٧٥]: أيمنعه، ثم يسأله ما منعه؟ فقال ٤: نعم، قضى عليه في السر ما منعه منه ٥ في العلانية، ولعنه عليه! قال له: فما معنى قوله:

﴿وماذا عليهم لو آمنوا﴾ [النساء/ ٣٩] ١ إذا كان هو الذي منعهم؟ قال: استهزاء بهم! قال: فما معنى قوله: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء/ ١٤٧] قال: قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه، بل ابتدأهم بالكفر ثم عذبهم عليه، وليس للآية معنى!

وقال بعض هؤلاء -وقد عوتب على ارتكابه معاصي الله فقال-: إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لإرادته ٢.

وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم، فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه، فقال: إلى متى هذا ٣ اللوم؟ ولو خلي لسجد، ولكن منع.
وأخذ يقيم عذره، فقال له ٤ بعض الحاضرين: تبا لك سائر اليوم، أتذب عن الشيطان، وتلوم الرحمن؟

وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء، فلم يجدوه، فلما رجع قال: كنت أصلح بين قوم.
فقيل له: وأصلحت بينهم؟ قال: أصلحت، إن لم يفسد الله.
فقيل له: بؤسا لك، أتحسن الثناء على نفسك، وتسيء الثناء على ربك؟ ٥

ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء فقال: مسكين، مظلوم، أجبره على السرقة، ثم قطع يده عليها!

وقيل لبعضهم: أترى الله كلف عباده ما لا يطيقون، ثم يعذبهم عليه؟ قال: والله قد فعل ذلك، ولكن لا نجسر أن نتكلم! ١

وأراد رجل من هؤلاء السفر، فودع أهله وبكى.
فقيل له ٢: استودعهم الله، واستحفظهم إياه.
فقال: ما أخاف عليهم غيره!

وقال بعض هؤلاء: زنية أزنيها ٣ أحب إلي من عبادة الملائكة.
قيل؟ ولم؟ قال: لعلمي بأن الله قضاها علي وقدرها، ولم يقضها إلا والخيرة لي فيها.

وقال بعض هؤلاء: العارف لا ينكر منكرا، لاستبصاره بسر الله في القدر ٤.

ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلدا، فأول ما بدأ به من المزارات ٥ زيارة المواخير المشتملة على البغايا والخمور، فجعل يقول: كيف أنتم في قدر الله؟ كيف أنتم في قدر الله؟ ٦

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: عاتبت بعض شيوخ هؤلاء فقال لي: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون

كله مراد، فأي شيء أبغض منه؟ قال: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون وعاداهم ولعنهم، فأحببتهم أنت وواليتهم، أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له؟ قال: فكأنما ألقم حجرا ١.

وقرأ قارئ بحضرة بعض هؤلاء: ﴿قال ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص/ ٧٥] فقال: هو والله منعه! ولو قال إبليس ذلك كان ٢ صادقا، وقد أخطأ إبليس الحجة، ولو كنت حاضرا لقلت ٣: أنت منعته!

وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت/ ١٧] فقال: ليس من هذا شيء، بل أضلهم وأعماهم.
قالوا: فما معنى الآية؟ قال: مخرقة يمخرق بها ٤.

فيقال: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقا الذين ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا نزهوه عما يليق به، وبغضوه إلى عباده وبغضوهم إليه سبحانه، وأساؤوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم.

وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث: "يقال يوم القيامة: أين خصماء الله؟ فيؤمر بهم إلى النار" ٥.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته: ١

ويدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرا فرقة القدرية

سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة ٢

وسمعته يقول: القدرية المذمومون في السنة، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة ٣: نفاته، وهم القدرية المجوسية.
والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ [الأنعام/ ١٤٨] وهم القدرية المشركية ٤.
والمخاصمون به للرب، وهم أعداء الله وخصومه، وهم القدرية الإبليسية، وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: ﴿فبما أغويتني﴾ [الأعراف/ ١٦] ولم يعترف بالذنب ويبؤ به، كما اعترف به آدم.
فمن أقر بالذنب، وباء به، ونزه ربه، فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم ٥.
ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس ٦.

ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والمشركية ٧ شر من القدرية

النفاة، لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب تعالى وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب، ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه البتة، بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه وحوله ١ ونحو ذلك.
كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة فأتي بطرار ٢ أحول، فقال له الوالي: ما ترى فيه؟ فقال: اضربه خمسة عشر سوطا ٣.
فقال له بعض الحاضرين ممن ينفي الجبر: بل ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا: خمسة عشر لطره، ومثلها لحوله.
فقال الجبري: كيف يضرب على الحول، ولا صنع له فيه؟ فقال: كما يضرب على الطر، ولا صنع له فيه عندك، فبهت الجبري.

وأما القدرية الإبليسية والمشركية فكثير منهم منسلخ من ٤ الشرع، عدو لله ورسله، لا يقر بأمر ولا نهي.
وتلك وراثة عن شيوخه ٥ الذين قال الله فيهم: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (١٤٨)﴾ [الأنعام/ ١٤٨].

وقال تعالى: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على

الرسل إلا البلاغ المبين (٣٥)﴾ [النحل/ ٣٥].

وقال تعالى: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (٢٠)﴾ [الزخرف/ ٢٠].

وقال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (٤٧)﴾ [يس/ ٤٧].

فهذه أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل.

وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع ١ فرق:

الفرقة الأولى: جعلت هذه الحجة حجة صحيحة، وأن للمحتج بها الحجة على الله.
ثم افترق هؤلاء فرقتين:

فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلما، والله لا يظلم من خلقه أحدا.

وفرقة صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وقالت: ليس ذلك بظلم، والله يتصرف في ملكه كما ٢ يشاء، ويعذب ٣ العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده، إذ

العبد لا فعل له، والملك ملكه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة التي حكاها الله عنهم استهزاء منهم، ولو قالوها اعتقادا للقضاء والقدر وإسنادا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم ينكر ذلك ١ عليهم! ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء، فيكون للمشركين على الله الحجة.
وكفى بهذا القول فسادا وبطلانا.

الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة، إذ لو صحت المشيئة العامة، وكان الله عز وجل قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان، لكانوا قد قالوا الحق، وكان الله عز وجل يصدقهم عليه، ولم ينكر عليهم.
فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب، ونفى عنهم العلم، دل على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح، وأنهم كاذبون فيه.
إذ لو كان علما لكانوا صادقين في الإخبار به، ولم يقل لهم: ﴿هل عندكم من علم﴾ [الأنعام/ ١٤٨].

وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر، وزعمت بها أنه ٢ يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة، بل ٣ ولا على أفعال الحيوانات، وأنه لا يقدر أن يضل أحدا ولا يهديه، ولا يوفقه ٤ أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من الذنوب والكفر،

ولا يلهمه رشده، ولا يجعل في قلبه الإيمان، ولا هو الذي جعل المصلي مصليا، والبر برا، والفاجر فاجرا، والمؤمن مؤمنا، والكافر كافرا، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك.

فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر: فالأولى تحيزت إلى القدر، وحاربت الشرع.
والثانية تحيزت إلى الشرع، وكذبت بالقدر.

والطائفتان ضالتان، وإحداهما أضل من الأخرى.

الفرقة ١ الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر، وأقرت بالأمر والنهي، ونزلوا كل واحد منزلته.
فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهي يمتثل ويطاع.
فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول الله.
وقالوا: من لم يقر بالقضاء والقدر ويقم ٢ بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين، وإن نطق بهما بلسانه.

ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين:

فرقة قالت: إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك.
فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه ٣، فإن الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفعه ومنع من وقوعه.

وإذا ١ لم يمنع من وقوعه لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته، وكلاهما ممتنع في حق الله، فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به!

وقد وافق هؤلاء من قال: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها، ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم في نصف قولهم، وخالفهم في الشطر الآخر.

وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأن مشيئة الله تعالى العامة وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره.
وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم، وأنكر عليهم، وأخبر أنه لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون، فإن محبة الله تعالى للشيء ورضاه به إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله لا بمجرد خلقه له ٢.
فإنه خلق إبليس وجنوده، وهم أعداؤه، وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم، وهم خلقه.
فهكذا في الأفعال خلق خيرها وشرها، وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه، ويبغض شرها وينهى عنه ويعاقب عليه، وكلاهما خلقه.
ولله تعالى الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال، كل صادر عن حكمته وعلمه، كما هو صادر عن قدرته ومشيئته.

وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر، ودفع الأمر بالمشيئة.
فلما قامت عليهم حجة الله، ولزمهم أمره ونهيه دفعوه

بقضائه وقدره، فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل ودفعا لما جاؤوا به.
وشاركهم في ذلك إخوانهم وورثتهم ١ الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم، وخالفوهم في النصف الآخر، وهو إقرارهم بالأمر والنهي.

فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام، وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم إما في جميع تركتهم، وإما في كثير منها، وإما في جزء منها.

وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد.
وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا، والمصلي مصليا، والمتقي متقيا.
وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار.
وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها، وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.
وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه، ولو شاء لخذلهم فعصوه؛ وأنه حال بين الكفار وقلوبهم، فإنه يحول بين المرء وقلبه، فكفروا به، ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنه من يهده ٢ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه، ويقبل منهم، ويرضى به عنهم.
وأنه لو شاء ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه

فذرهم وما يفترون (١١٢)﴾ [الأنعام/ ١١٢].

والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب ١ جاء بها نبيهم، وأخبربها عن ربه:

الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم.

الثانية: كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض.

الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته، كما لا خروج له عن علمه.

الرابعة: خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء، فالخالق عندهم واحد، وما سواه فمخلوق، ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق.

ويؤمنون مع ذلك بحكمته، وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه، وأن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره، كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك.
وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأمات فأحيا، وأسعد وأشقى، وأضل وهدى، ومنع وأعطى.

وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفي للغايات وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم

لنفي الوسيلة، فنفي الوسيلة -وهي الفعل- لازم لنفي الغاية وهي الحكمة.
ونفي قيام الفعل والحكمة به نفي لهما في الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل.
وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته.
وهذا لازم لمن نفى ذلك، لا محيد ١ له عنه وإن أبى التزامه.

وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة، بل قوله حق، ولازم الحق حق كائنا ما كان.

والمقصود: أن ورثة الرسل وخلفاءهم -لكمال ميراثهم لنبيهم- آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي، وصدقوا بالوعد والوعيد.
فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد ٢ والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب.
فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما -كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر ٣ فكانوا ٤ أسعد الناس بالحق ٥ وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل

العظيم.

واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولب العالم.
وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني ١، ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ونهيه، ويفسر ٢ مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر.
وكذلك الحكمة، فإن الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد ٣ حقيقتها، فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه، وإرادته لمراده.
فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته.
والقدرية النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقة، ويثبتون حكمة زائدة على ذلك، لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وإرادته.
فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ الحكمة، وجحدوا معناها وحقيقتها.

وكذلك الأمر والشرع، فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا؛ وجميع الكائنات محبوبة له، وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحب، ولا يحب ٤، ولا يرضى، ولا يغضب؛ ولا فرق في نفس الأمر بين

الصدق والكذب، والبر والفجور ١، والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين ٢ السجود له.
ولم يكلف أحدا ما يقدر عليه، بل كل تكاليفه ٣ تكليف ما لا يطاق، ولا قدرة للمكلف عليه البتة.
ويجوز أن يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء، ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالا، وسودا حيث لم يكونوا بيضا، وعكسه ٤.
ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين، ويرسل رسولا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور.

ولا ريب ٥ أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها.

والمقصود: أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتهم.

والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: "القدر قدرة الله" ٦.
واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد

غاية الاستحسان، وقال: إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر ١.

ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته، وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة.
وفرقة جحدت كمال القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورة لله تعالى، وصرحت بأن الله لا يقدر عليها.
فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمال علمه.
وقابلتهم الجبرية، فحافظت ٢ على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة.

ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين ٣ من هذه الثلاث ٤ كثيرا كقوله: ﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (٦)﴾ [النمل/ ٦]، وقال: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (١)﴾ [الزمر/ ١].
وقال: ﴿حم﴾ [غافر/ ١ - ٢].

وقال في حم فصلت ٥ بعد ذكر تخليق العالم: ﴿ذلك تقدير العزيز العليم (١٢)﴾ [فصلت/ ١٢].
وذكر نظير هذا في الأنعام، فقال: ﴿فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز

العليم (٩٦)﴾ [الأنعام/ ٩٦] ١.

فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته، وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى.
وكذلك ارتباط ٢ أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو عليم بخلقه وأمره، حكيم في خلقه ٣ وأمره، عزيز في خلقه وأمره ٤.

ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة ٥ من صفاته العلى.
والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة.
والحكمة هي سنة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهي تتضمن العلم بالحق، والعمل به، والخبر عنه، والأمر به؛ فكل ٦ هذا يسمى "حكمة".
وفي الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن" ٧.
وفي

الحديث: "إن من الشعر حكمة" ١.

فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده.
وهو ٢ محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره.
فمصدر ذلك كله عن الحكمة، فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة ٣.

فصل

وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كل ما خلقه الله وأمر به، وبيان أنه كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنه من تلك الإضافة خير وحكمة، وأن جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال النبي ٤ -صلى الله عليه وآله وسلم- في دعاء الاستفتاح: "لبيك وسعديك، الخير في يديك، والشر ليس إليك" ٥.

فهذا النفي يقتضي امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضاف إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله.
فإن ذاته تعالى منزهة عن كل شر، وصفاته كذلك، إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب،

وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة؛ وهو المحمود على ذلك كله، فيستحيل إضافة الشر إليه.

وتحقيق ذلك أن الشر ليس هو إلا الذنوب وعقوبتها، كما في خطبته -صلى الله عليه وآله وسلم-: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا" ١.
فتضمن ذلك الاستعاذة من شرور النفوس، ومن سيئات الأعمال وهي عقوباتها.
وعلى هذا فالإضافة على معنى "اللام" من باب ٢ إضافة المتغايرين.
أو يقال: المراد السيئات من الأعمال، فعلى هذا الإضافة بمعنى "من"، وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه.

ويدل على الأول قوله تعالى: ﴿وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته﴾ [غافر/ ٩].
قال شيخنا رحمه الله ٣: وهذا أشبه، لأنه ٤ إذا أريد السيئات من الأعمال، فإن أريد ما وقع منها فالاستعاذة إنما تكون من عقوباتها، إذ الواقع لا يمكن رفعه؛ وإن استعاذ منها قبل وقوعها لئلا يقع، فهذا هو الاستعاذة ٥ من شر النفس.

وأيضا فلا يقال في هذه التي لم توجد بعد: "سيئات أعمالنا"، فإنها

لم تكن بعد أعمالا فضلا عن أن تكون سيئات، وإضافة الأعمال إلينا تقتضي وجودها، إذ ما ١ لم يوجد بعد ليس هو من أعمالنا، إلا أن يقال: من سيئات الأعمال التي إذا عملناها كانت سيئات.

ولمن رجح التقدير الثاني أن يقول: العقوبات ليست لجميع الأعمال، بل للمحرمات منها، والأعمال أعم، وحملها على المحرمات خاضة خلاف ظاهر اللفظ.
بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى "من"، فتكون الأعمال على عمومها، والسيئات بعضها، فتكون السيئات على عمومها، والأعمال على عمومها ٢.

ويترجح أيضا بأن ٣ الاستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشر كله، وهي ٤ شر النفس الكامن فيها الذي لم يخرج إلى العمل، وشر العمل الخارج الذي سولته النفس.
فالأول شر الطبيعة والصفة التي في النفس، والثاني شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة.
ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من موجبهما، وهو العقوبة؛ فتكون الاستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة واللزوم.
وهذا هو اللائق بمن أوتي جوامع الكلم، فإن هذا من جوامع كلمه البديعة العظيمة الشأن التي لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان ٥.

وإذا عرف هذا، وأنه ١ ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، وكونها ذنوبا ناشئ ٢ من نفس العبد، فإن سبب الذنب الظلم والجهل، وهما من نفس العبد؛ كما أن سبب الخير والحمد العلم ٣ والحكمة والغنى، وهي أمور ذاتية للرب تعالى.

فذات ٤ الرب تعالى مستلزمة للحكمة والخير والجود، وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم، وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه، وهو أمر خارج عن نفسه.
فمن أراد الله به خيرا أعطاه هذا الفضل، فصدر منه موجبه ٥ من الإحسان والبر والطاعة.
ومن أراد به شرا أمسكه عنه، وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها، فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح.
وليس منعه لذلك ظلما منه تعالى، فإنه فضله، وليس من منع فضله ظالما، لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به.

وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده، ويوفقه، ويعينه، ولا يخلي بينه وبين نفسه؛ وهذا محض فعله وفضله، وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل، ويليق به، ويثمر فيه ٦، ويزكو به.

وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (٥٣)﴾ [الأنعام/ ٥٣] فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها.
فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها؛ ومن عرفها ولم يعرف ١ المنعم بها لم يشكرها أيضا؛ ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه ٢ فقد كفرها.
ومن عرف النعمة والمنعم، وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له، ويحبه، ويرض به ٣ وعنه، لم يشكرها أيضا.
ومن عرفها، وعرف المنعم بها، وأقر بها ٤، وخضع للمنعم بها، وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها.

فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له، كما في صحيح البخاري ٥ عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
من قالها إذا أصبح موقنا

بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة".

فقوله: "أبوء لك بنعمتك علي" يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته، فإن المباءة هي التي يبوء إليها الشخص، أي يرجع إليها رجوع استقرار، والمباءة هي المستقر.
ومنه قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ١ أي ليتخذ مقعده من النار مباءة يلزمه ويستقر فيه، لا كالمنزل الذي ينزله ثم يرحل عنه.

فالعبد يبوء إلى الله عز وجل بنعمته عليه، ويبوء بذنبه، فيرجع ٢ إليه بالاعتراف بهذا وبهذا، رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه، ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه، بل رجوع من لا يعرض عن ربه، بل لا يزال مقبلا عليه، إذ ٣ كان لا بد له منه ٤.
فهو معبوده، وهو مستعانه ٥، لا صلاح له إلا بعبادته، فإن لم يكن معبوده هلك وفسد، ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته.
وفي الحديث: "مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته ٦: يجول ثم يرجع إلى آخيته.
كذلك المؤمن يجول ثم يرجع

إلى الإيمان" ١.

فقوله: "أبوء" يتضمن أني وإن جلت كما يجول الفرس -إما بالذنب وإما بالتقصير في الشكر- فإني راجع منيب أواب إليك، رجوع من لا غنى له عنك.

وذكر النعمة والذنب لأن ٢ العبد دائما يتقلب بينهما، فهو بين نعمة من ربه وذنب منه هو، كما في الأثر الإلهي: "ابن آدم خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد.
كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك! وكم تتبغض إلي بالمعاصي، وأنت فقير إلي! ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح" ٣.

وكان في زمن الحسن البصري شاب لا يرى إلا وحده، فسأله الحسن عن ذلك فقال: إني أجدني بين نعمة في الله وذنب مني، فأريد أن أحدث

للنعمة شكرا وللذنب استغفارا، فذلك الذي شغلني عن الناس، أو كما قال.
فقال له: "أنت أفقه عندي ١ من الحسن" ٢.

فالخير كله من الله كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل/ ٥٣].
وقال تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (٧) فضلا من الله ونعمة والله﴾ [الحجرات/ ٧ - ٨].

وقال تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (١٧)﴾ [الحجرات/ ١٧].

وقال تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾ [الفاتحة/ ٦ - ٧]. وهؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (٦٩)﴾ [النساء/ ٦٩].

فالنعم كلها -من ٣ نعم الدين والدنيا، وثواب الأعمال في الدنيا والآخرة ٤ - من نعم الله ومنه ٥ وفضله على عبده.
وهو تعالى، وإن

كان أجود الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فإنه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله.

ولو رأى العقلاء أحدا منهم قد وضع المسك في الحشوش والأخلية، ووضع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة لاشتد نكيرهم عليه والقدح في عقله، ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمة.
وكذلك لو وضع العقوبة موضع الإحسان، والإحسان موضع العقوبة لسفهوه، وقدحوا في عقله، كما قال القائل:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى ١

وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء، والغذاء موضع الدواء، والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه، والإمساك حيث يليق الاستفراغ.
وكذلك وضع الماء موضع الطعام، ووضع ٢ الطعام موضع الماء، وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة، بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه ما لم يخلق له من العلوم والصنائع.
فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف ينبغي له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة بها؟

ومن المعلوم أن أجل نعمه على عبده نعمة الإيمان به، ومعرفته، ومحبته، وطاعته، والرضا به، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتزام عبوديته.
ومن المعلوم أيضا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث

منه، ومنها الطيب، وبين ذلك؛ وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي، والقلب الخسيس الخبيث.
وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار، والبر والبحر ١، والحر والبرد ٢، والداء والدواء، والعلو والسفل؛ وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها، وإيداعها عندها، ويزكو بذرها ٣ فيها، فيكون تخصيصه لها بهذه النعم ٤ كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر.
فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ ٥، وفاعل ذلك غير حكيم، فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال.

فالله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا، فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة، والنصيحة، وتعظيم المرسل، والقيام بحقه، والصبر على أوامره، والشكر لنعمه، والتقرب إليه؛ ومن لا يصلح لذلك.
وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله، والقيام بخلافتهم، وحمل ما بلغوه عن ربهم.

قال عبد الله بن مسعود: "إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فرأى قلب محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- خير قلوب أهل الأرض، فاختصه برسالته.
ثم نظر في

قلوب العباد، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته" ١.
وفي أثر إسرائيلي ٢: أن الله تعالى قال لموسى: أتدري لم اخترتك لكلامي؟ قال: لا يا رب.
قال: لأني ٣ نظرت في قلوب العباد، فلم أر فيها أخضع من قلبك لي.
أو نحو هذا ٤.

فالرب سبحانه إذا علم من المحل ٥ أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب إليه ذلك، ووضعه فيه، وكتبه في قلبه، ووفقه له، وأعانه عليه، ويسر له طرقه، وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك.
ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أعظم ٦ من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه.
فلا يزال يعامله بلطفه، ويختصه بفضله، ويؤثره برحمته، ويمده بمعونته، ويؤيده بتوفيقه، ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به؛ فيزداد العبد به معرفة، وله محبة، وإليه إنابة، وعليه توكلا؛ ولا يتولى معه غيره، ولا يعبد ٧ سواه.
وهذا هو الذي عرف قدر النعمة، وعرف المنعم، وأقر بنعمته، وصرفها في مرضاته؛ فاقتضت ٨ حكمة الرب تعالى وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر

في هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة، وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح، وأطلع عليه من نوره شمس الهداية، وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة، فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم، كما في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال:

"مثل ما بعثني الله به ١ من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.
وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فسقى الناس وزرعوا.
وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع في بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ٢.

فمثل القلوب بالأرض التي هي محل النبات والثمار، ومثل الوحي الذي وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذي ينزله على الأرض.
فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات، فلما أصابها الماء أنبتت ما انتفع به الآدميون والبهائم: أقوات ٣ المكلفين وغيرهم.
وهذه بمنزلة القلب القابل لهدى الله ووحيه، المستعد لزكائه ٤ وثمرته ونمائه، وهذا خير قلوب العالمين.

ومن الأرض أرض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية، قابلة لحفظ الماء واستقراره فيها، ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات؛ فلما

حصل فيها الماء أمسكته وحفظته، فورده الناس لشربهم وشرب مواشيهم، وسقوا منه زروعهم ١.
وهذا بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي، وضبطه، وأداه إلى من هو أفهم له منه، وأفقه منه فيه ٢، وأعرف بمراده؛ وهذا في الدرجة الثانية.

ومن الأرض أرض قيعان -وهي المستوية التي لا تنبت إما لكونها سبخة ٣ أو رمالا، ولا يستقر فيها الماء- فإذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا لم تمسكه لشرب الناس، ولم تنبت به كلأ، لأنها غير قابلة لحفظ الماء ولا لنبات الكلأ والعشب.
وهذا حال أكثر الخلق، وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا، ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين.
بل لابد لكل مسلم أن يزكو الوحي في قلبه، فينبت من العمل الصالح، والكلم الطيب، ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته.
فمن لم ينبت قلبه شيئا من الخير البتة، فهذا من أشقى الأشقياء.
فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله ٤.

والمقصود: أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومن يصلح لها ممن ٥ لا يصلح، وأن حكمته تأبى أن تضع ٦ ذلك عند

غير أهله، كما تأبى أن تمنعه ١ من يصلح له.
وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحا وجعله أهلا وقابلا، فمنه الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبب.

ومن اعترض بقوله: فهلا جعل المحال كلها كذلك، وجعل القلوب على قلب واحد! فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم، وهو بمنزلة من يقول: لم خلق الأضداد، وهلا جعلها كلها شيئا ٢ واحدا! فلم خلق الليل والنهار، والفوق والتحت، والحر والبرد، والداء والدواء ٣، والشياطين والملائكة، والروائح الطيبة والكريهة، والحلو والمر، والحسن والقبيح؟ وهل يسمح خاطر من له أدنى مسكة من عقل بمثل هذا السؤال الدال على حمق سائله وفساد عقله؟ وهل ذلك إلا موجب ٤ ربوبيته وإلهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته، ويستحيل أن يتخلف موجب صفات كماله عنها.

وهل حقيقة الملك إلا بإكرام الأولياء وإهانة الأعداء؟ وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات والمختلفات، وترتيب آثارها عليها، وإيصال ما يليق بكل منها إليه؛ وهل ظهور آثار أسمائه وصفاته في العالم إلا من لوازم ربوبيته وملكه؛ فهل يكون رزاقا وغفارا وعفوا ٥ ورحيما وحليما ٦، ولم يوجد من يرزقه، ولا من يغفر له،

ويعفو عنه، ويحلم عنه، ويرحمه؟ وهل انتقامه إلا من لوازم ربوبيته وملكه؟ فممن ينتقم إن لم يكن له أعداء ينتقم منهم، ويري أولياءه كمال نعمته واختصاصه إياهم دون غيرهم بكرامته وثوابه؟

وهل في الحكمة الإلهية تعطيل الخير الكثير لأجل شر جزئي يكون من لوازمه؟ فهذا الغيث الذي يحيى الله به ١ البلاد والعباد والشجر والدواب، كم يحبس من مسافر، ويمنع من قصار ٢، ويهدم من بناء، ويعوق عن مصلحة ٣؟ ولكن أين هذا مما يحصل به من المصالح؟ وهل ٤ هذه المفاسد في جنب مصالحه إلا كتفلة في بحر؟ وهل تعطيله لئلا تحصل به هذه المفاسد إلا موجبا ٥ لأعظم المفاسد والهلاك؟

وهذه الشمس التي سخرها الله لمنافع عباده ٦ وإنضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان الحيوانات والطير، وفيها من المنافع والمصالح ما فيها = كم تؤذي مسافرا وغيره بحرها، وكم تجفف رطوبة وكم تعطش حيوانا، وكم تحبس عن مصلحة، وكم تنشف من مورد، وتحرق من زرع! ولكن أين يقع هذا في جنب ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية، والمكملة؟ فتعطيل الخير الكثير لأجل الشر

اليسير شر كبير ١، وهو خلاف موجب الحكمة الذي تنزه الله سبحانه عنه.

قلت لشيخ الإسلام ٢: فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة عن المفاسد، مشتملة على المصلحة الخالصة.
فقال: خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه، ولكان عالما آخر غير هذا.

قال: ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمة لنوع من الأمور لا ينفك عنه، كالحركة مثلا المستلزمة لكونها لا تبقى.
فإذا قيل: لم لم تخلق الحركة المعينة باقية؟ قيل: لأن ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان إلى مكان والتحول من حال إلى حال، فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة.
ونفس الإنسان هي في ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل/ ٧٨] وإنما يأتيها العلم والقدرة والغنى من الله بفضله ورحمته، فما حصل لها من كمال وخير فمن الله، وماحصل لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها.
وهذه أمور عدمية، وليس لها من نفسها وجود ولا كمال.
والأمور العدمية من لوازم وجودها، ولو خلقت ٣ على غير ذلك لم تكن هي هذه النفس الإنسانية بل مخلوقا آخر.

فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة، والشر الذي يحصل لها نوعان: عدم، ووجود.

فالأول كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات، وعدم العمل بها.
وهذا العدم ليس له فاعل، إذ العدم المحض لا يكون له فاعل؛ لأن تأثير الفاعل إنما هو في أمر وجودي.
وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات هو عدم محض ليس له فاعل، فإن العدم ليس بشيء ١ أصلا، وما ليس بشيء لا يقال إنه مفعول لفاعل، فلا يقال إنه من الله، إنما يحتاج إلى الفاعل الأمور الوجودية.
ولهذا من قول المسلمين كلهم: "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"، فكل كائن فبمشيئته كان، وما لم يكن فلعدم مشيئته ٢.

والعدم يعلل بعدم السبب أو الشرط تارة، وبوجود المانع أخرى.
وقد يقال: علة العدم عدم العلة.
وبعض الناس يقول: الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ٣ إلا بمرجح، فلا يوجد إلا بسبب، ولا يعدم إلا بسبب.
قال ٤: والتحقيق في هذا أن العدم ليس له فاعل ولا علة فاعلة أصلا، بل ٥ إذا أضيف إلى عدم السبب أو عدم الشرط فمعناه الملازمة، أي عدم العلة استلزم عدم المعلول، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط، فإذا قيل: عدم لعدم علته ٦، أي عدم علته ٧

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل