أهل الأثرالأرشيف العلمي

ترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمة

قد رتب المؤلف رحمه الله معظم كتبه على المنهج المألوف، فقسمها إلى أبواب أو فصول أو مسائل تقسيما محكما، وصرح بعددها، وسرد عناوينها في مقدمة الكتاب؛ كما ترى في شفاء العليل، وإغاثة اللهفان، وروضة المحبين، وعدة الصابرين، وغيرها.
وقد أشار إلى اجتهاده في الترتيب والتبويب في مقدمة كتاب حادي الأرواح إذ قال: "وهذا كتاب اجتهدت في جمعه وترتيبه وتفصيله وتبويبه.
. . وقد قسمت الكتاب سبعين بابا".
ثم ذكر عناوينها كلها.

أما كتابنا هذا فلم يرتبه ذلك الترتيب.
بل اقتصر في مقدمته على الإشارة إلى مبحثين، وهما المبحث الأول والمبحث الأخير من الكتاب فقال: "وابتدأناه بباب الفقر والعبودية، إذ هو باب السعادة الأعظم وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه، وختمناه بذكر طبقات المكلفين من الجن والإنس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة والشقاء.
فجاء الكتاب غريبا في معناه، عجيبا في مغزاه.
. . ".

وهذه نظرة في البناء العام للكتاب:

# ١ - خطبة الكتاب (٥ - ١١).

# ٢ - "فصل" في الفقر والغنى (١٢ - ١١٥).

# ٣ - "قاعدة شريفة عظيمة القدر حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، بل وإلى الروح التي بين جنبيه" في كون الله سبحانه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه.
(١١٦ - ٣٤٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 25

# ٤ - "قاعدة" في أن كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين (٣٤٧).

# ٥ - "قاعدة" في الابتلاء (٣٤٨ - ٣٤٩).

# ٦ - "قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب" (٣٥٠ - ٣٧٢).

# ٧ - "قاعدة" في الإنابة ودرجاتها (٣٧٣ - ٣٧٦).

# ٨ - "قاعدة في ذكر طريق قريب موصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال" (٣٧٧ - ٣٨٢).

# ٩ - "قاعدة شريفة" في أن الطريق إلى الله واحد (٣٨٣ - ٣٩٦).

# ١٠ - "قاعدة" في أن السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين علمية وعملية (٣٩٧ - ٤٠٢).

# ١١ - "قاعدة نافعة" في أقسام العباد في سفرهم إلى الدار الآخرة، ووصف أحوالهم (٤٠٣ - ٧٦٠).

# ١٢ - "فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها.
وهم ثمان عشرة طبقة" (٧٦١ - ٩٣١).

ونلاحظ هنا أن المؤلف لم يذكر موضوع الفصل أو القاعدة إلا في ثلاثة مواضع (٦، ٨، ١٢). وفي غيرها اكتفى بكلمة "فصل" أو "قاعدة" أو "قاعدة شريفة" أو "قاعدة نافعة".

أما حجم هذه القواعد، فالقاعدة الأولى جاءت في ٢٣٠ صفحة، والقاعدة الأخيرة في ٣٥٧ صفحة.
وبين هاتين القاعدتين الكبيرتين سبع

الجزء: 1 - الصفحة: 26

قواعد لطيفة تراوح حجمها بين ٦ أسطر و٢٢ صفحة.
والقواعد التسع وقعت بين فصلين استغرق أحدهما ١٠٤ صفحة والآخر ١٧٠ صفحة.
وتحت كل فصل وقاعدة -إلا القواعد القصار- فصول كثيرة تطول أو تقصر حسب مقتضى الكلام.

هذا البناء العام للكتاب قد انطوى على عدد كبير من المباحث العظيمة والمطالب الشريفة والمسائل المشكلة، يستحق بعضها أن يفرد بالتأليف، وبعضها إذا استخرج من هذا الكتاب صار رسالة مستقلة في موضوعها.
ونشير هنا بصفة خاصة إلى مبحثين عظيمين، قد وردا في الظاهر عرضا، ثم استتبع الكلام عليهما مسائل أخرى، وسيقف القارئ من خلال عرضهما على بعض طرائق المؤلف رحمه الله في التأليف.

١ - مبحث في القضاء والقدر:

هذا المبحث الذي جاء استطرادا استغرق نحو ٢١٠ صفحة (١٣٧ - ٣٤٦)، ومن المعلوم أن للمؤلف كتابا مفردا في هذا الموضوع كما سبق، ولكن الظاهر أنه لم يكن ألفه إلى ذلك الحين، وإلا لأحال عليه، وأوجز الكلام على المسألة حسب الاقتضاء.
فلننظر كيف تطرق الحديث إلى هذا الموضوع؟

ذكر المؤلف في أحد فصول القاعدة الأولى أن الإنسان ليس عالما بمصلحته ولا قادرا عليها، والله تعالى هو الذي يعلم ويقدر، ويحب الجود والبذل، ويعطي من فضله لا لمعاوضة ولا لمنفعة، فإذا حبس فضله عن الإنسان فهناك أمران لا ثالث لهما.
وذكر الأمر الأول وهو أن يكون الإنسان نفسه واقفا في طريق مصالحه ومعوقا لوصول فضله إليه.
فإن نعمة الله لا تنال إلا بطاعته ولا تستدام إلا بشكره، فآفته من نفسه

الجزء: 1 - الصفحة: 27

وبلاؤه منه.
ثم قال (١٣٧): "فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذي أصبت به وأتيت منه ودهيت منه قد سبق به القدر والحكم، وكان في الكتاب مسطورا، فلا بد منه على الرغم مني.
. . ". وهكذا فتح المؤلف لنفسه بابا واسعا للكلام على القدر.
فأورد على لسان هذا المحتج بالقدر ما جاء في إثبات القدر من الآيات والأحاديث والآثار.
ولما اختلفت الروايات في وقت كتابة المقدور للجنين عقد فصلا في الجمع بينها، ثم عاد إلى سرد الأحاديث الأخرى في إثبات القدر.

وبعدما فرغ من ذلك شرع في الرد على الذي احتج بالقدر فقال (١٧٨): "فالجواب أن ههنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك.
زلت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء.
. . ". فهذا الجواب في ص (١٧٨) عن قوله: "فإن أصررت على اتهام القدر.
. . " الذي سبق في ص (١٣٧). وقد ذكر في مقام الضلال حكايات وأقوالا للمحتجين بالقدر من خصماء الله، ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن القدرية المذمومين في السنة وعلى لسان السلف ثلاث فرق: القدرية النفاة، والقدرية الإبليسية، والقدرية المشركية.
وذكر أن أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين، وأن الناس تفرقوا في الكلام على هذه الآيات أربع فرق، وبين مذاهبها.
ثم ذكر مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة، وأوضح صلة القدر بالقدرة والعلم والحكمة وقال (١٩٩): "فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده، وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره، فمصدر ذلك كله عن الحكمة".

الجزء: 1 - الصفحة: 28

وهنا واجه مسألة كبيرة أخرى من المعضلات، قد أشكلت على الفلاسفة وغيرهم من أصحاب الديانات والمقالات قديما وحديثا، فخبطوا فيها خبط عشواء.
هي مصدر الشر الموجود في العالم وحكمة خلق الأضداد.
فناقش المؤلف هذه المسألة من وجوه مختلفة، وأعاد فيها وأبدأ ذاكرا مذاهب الناس في دخول الشر في القضاء الإلهي، والأصول التي تفرعت عنها تلك المذاهب، وفي أثنائها تعرض لمسألة إيلام الأطفال والبهائم.
وفي الأخير نقل فصلا لفخر الدين الرازي في هذه المسألة من كتابه المباحث المشرقية، وعقب عليه.

وقد اتضح من هذا العرض المقتضب لمسألة القضاء والقدر وما يتصل بها كيف تطرق الكلام إليها، ثم اقتضى خطرها وكثرة التنازع فيها أن يتوسع في مناقشتها.
ولعلك تذكر قول المؤلف في بداية الفصل أن الله سبحانه لا يحبس فضله عن الانسان إلا لأمرين، وأنه ذكر الأمر الأول الذي قاده إلى هذه المسألة العظيمة الواسعة الأطراف، فذهب عليه مع استطالة الكلام أن يذكر الأمر الثاني.
وهذا الموضع ومواضع أخرى تدل على أن المؤلف رحمه الله لم يتمكن من إعادة النظر في الكتاب بعد تسويده.

٢ - نقد كتاب محاسن المجالس لابن العريف في علل المقامات

أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المعروف بابن العريف من أكابر صوفية الأندلس.
ولد في المرية، ومات في مراكش.
كانت له عناية بالقراءات ومشاركة في عدة علوم.
وكان أديبا شاعرا، وكانت بينه وبين القاضي عياض مكاتبات حسنة (^١).
وله كتاب

(^١) وفيات الأعيان (١/ ١٦٨ - ١٦٩).

الجزء: 1 - الصفحة: 29

في علل المقامات سماه "محاسن المجالس".
وقد نشره المستشرق الإسباني آسين بلاسيوس في باريس ١٩٣٣ م. وعن هذه النشرة أعاد نشره نهاد خياطة في مجلة المورد العراقية (المجلد ١٩ العدد ٤ سنة ١٩٨٠) وجاء النص فيها في ٢٥ صفحة.
فهو كتاب لطيف.
وقد ذكر شيخ الإسلام أنه اعتمد فيه على كتاب "علل المقامات" للشيخ الهروي، فقال في كلام له على التوكل: "فقد تبين أن من ظن التوكل من مقامات عامة أهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا، وإن كان من أعيان المشايخ كصاحب "علل المقامات"، وهو من أجل المشايخ.
وأخذ ذلك عنه صاحب "محاسن المجالس"" (^١).

ويؤكد ذلك المقارنة بين محاسن المجالس ومنازل السائرين.
ونذكر هنا مثالا واحدا من فصل الرجاء.
قال صاحب المنازل: "الرجاء أضعف منازل المريدين، لأنه معارضة من وجه، واعتراض من وجه.
وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة إلا ما فيه من فائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة، ودخل في مسالك المحققين.
وتلك الفائدة هي كونه يبرد حرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس".
ثم ذكر درجاته حسب طريقته (^٢).

وقال صاحب المجالس: "وأما الرجاء فهو من منازل العوام.
وهو انتظار غائب وطلب مفقود، وهو من أضعف منازل القوم في هذا الشأن؟ لأنه معارضة من وجه، واعتراض من وجه آخر.
وهو وقوع في الرعونة.
ولفائدة واحدة نطق بها التنزيل فقال تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمت الله﴾

(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٥). (^٢) مدارج السالكين (٢/ ٥٦).

الجزء: 1 - الصفحة: 30

يريد على العوض من أجر المجاهدة.
وقال: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (٥)﴾، ووردت به السنة لفائدة واحدة، وهي تبريد حرارة الخوف لئلا يفضي بصاحبه إلى اليأس والقنوط.
فهو دواء لمرض الخوف، ولا يعرض ذلك المرض إلا لعوام هذه الطائفة.
. . ".

فالنصان متفقان في الفكر وكثير من الألفاظ والتعبيرات، مع أنه ليس بين أيدينا كتاب علل المقامات للهروي، وإنما نقلنا كلامه من منازل السائرين.

وقد ذكر ابن عبد الهادي أن لشيخ الإسلام "قاعدة على كلام ابن العريف في التصوف" (^١) ولا نعرف خبرا عن هذه القاعدة، ولا ندري أتكلم فيها على كتابه محاسن المجالس هذا أم على غيره.

يشتمل كتاب المحاسن على فاتحة، و١٣ فصلا، وخاتمة في أربعين كرامة يكرم الله بها أولياءه في الدنيا والآخرة.
والفصل الأول في المعرفة والعلم، ثم عشرة فصول في الإرادة، والزهد، والتوكل، والصبر، والحزن، والخوف، والرجاء، والشكر، والمحبة، والشوق.
وجعلها جميعا من منازل عوام السالكين، وقرر أنها علل أنف الخواص منها.
ثم عقد الفصل الثاني عشر في منازل الخاصة، وذكر فيه حقيقة زهدهم وتوكلهم وصبرهم.
. . " إلى آخر المقامات.
والفصل الثالث عشر في النظر إلى الله تعالى.

لم يتعرض ابن القيم للفصلين الأول والثالث عشر ولا للخاتمة.

(^١) العقود الدرية (١/ ٥٧).

الجزء: 1 - الصفحة: 31

وإنما تكلم على الفصول التي بين الفصلين المذكورين.
لأن غرضه -وهو الكلام على علل المقامات- كان متعلقا بها.
وقد استغرق الكلام عليها نحو ٢٨٠ صفحة من نشرتنا هذه، أي نحو ثلث الكتاب.
فهو بمنزلة رسالة مستقلة في نقد كتاب ابن العريف.
وإذا كان المبحث السابق وهو القضاء والقدر وما إليه قد يشعر القارئ باستطالته مع خطره وجلالته، وبأن ابن القيم رحمه الله لو كان ألف كتابه الكبير من قبل لأحال عليه وأوجز القول هنا، كما فعل في حاشيته على السنن = فإن هذا المبحث -وهو علل المقامات- قد وقع في حاق موضعه، وهو من صميم موضوع الكتاب.
وذلك لأن هذه المقامات هي مقامات السلوك ومنازله، فيجب على السالك أن يعرف عللها وقوادحها، فيتجنبها ويتحاشاها، لينجح مسعاه ويحمد مسراه.

ومن المصائب أن جميع المقامات التي ذكرت في الكتاب والسنة، ووصف بها الأنبياء وغيرهم من عباد الله الصالحين قد جعلها أرباب الطرق معلولة ومن مقامات العوام من السالكين.
ومراتب الخاصة فوقها، ثم مراتب خاصة الخاصة.
فلم يكن محيص من التعرض لهذه العلل في هذا الكتاب الذي قصد به بيان قواعد السلوك الشرعي.

وكان من السهل أن يعقد ابن القيم رحمه الله بابا كاملا في علل المقامات، ولكنه لم يفعل، بل جاء كلامه عليها عرضا في الظاهر، كأنه لم يصمد إليها صمدا، ولم يكن ذلك من همه ووكده.
ولعل هذا رفق منه بقارئ كتابه، وتلطف وإيناس له، لكيلا يستوحش من البداية، فينفر نفورا.
فلننظر كيف دلف ابن القيم إلى هذا البحث النفيس الخطير.

عقد ابن القيم فصلا (٤٠٣) بعنوان "قاعدة نافعة"، وذكر أن الإنسان

الجزء: 1 - الصفحة: 32

من حين استقرت قدمه في الدنيا فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هو عمره الذي كتب له.
والناس في سفرهم هذا إما مسافرون إلى دار الشقاء وإما إلى دار السلام.
والسائرون إلى دار السلام ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.
والسابقون بالخيرات نوعان: أبرار ومقربون.

ثم عقد فصلا في مسألة أن أصحاب اليمين هل هم الأصناف الثلاثة (المقتصدون والأبرار والمقربون) أو يدخل فيهم الظالمون لأنفسهم أيضا.
وفصل القول فيها على طريقته من ذكر خلاف العلماء وأدلتهم وردودهم في نحو ٣٢ صفحة، ثم رجع فقال: "والمقصود الكلام على مراحل العالمين وكيفية قطعهم إياها، فلنرجع إليه فنقول.
. . " (٤٤١).

ثم وصف حال الأصناف المذكورة، وأفضلها وأعلاها: السابقون المقربون.
وقد تواضع ابن القيم فاعتذر واستغفر قبل وصف حالهم قائلا: "وأما السابقون المقربون، فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة، ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها.
وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة" (٤٤٦). وبعد ذكر هذه الفوائد شرع في وصف حالهم من الجهتين: جهة الإرادة والعمل، وجهة العلم والمعرفة.
فلما وصف حالهم مع الأقدار التي تصيبهم بغير اختيارهم بأنهم يقابلونها بمقتضاها من العبودية ذكر أنهم فيها على ثلاث مراتب: إحداها الرضا عنه فيها والمزيد من حبه والشوق إليه.
والمرتبة الثانية شكره عليها كشكره على النعم.
وهذا فوق الرضا عنه بها، ومنه ينتقل إلى هذه المرتبة، والمرتبتان لأهل هذا الشأن.

الجزء: 1 - الصفحة: 33

والثالثة للمقتصدين، وهي مرتبة الصبر التي إذا نزل منها نزل إلى نقصان الإيمان وفواته.
ثم قال: "فالصبر أول منازل الإيمان ودرجاته، وأوسطها، وآخرها.
فإن صاحب الرضا والشكر لا يعدم الصبر في مرتبته، بل الصبر معه، وبه يتحقق الرضا والشكر، لا تصور ولا تحقق لهما دونه.
وهكذا كل مقام مع الذي فوقه، كالتوكل مع الرضا، وكالخوف والرجاء مع الحب.
فإن المقام الأول لا ينعدم بالترقي إلى الآخر.
. . وإنما يندرج حكمه في المقام الذي هو أعلى منه" (٤٧٧).

ولما وصل هنا قال: "فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه يزل عنك ما يعرض من الغلط في علل المقامات، وتعلم أن دعوى المدعي أنها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من وجهين".
وبعد ذكرهما قال: "ولنذكر لذلك أمثلة".
وهذا هو المدخل لنقد كتاب ابن العريف، فذكر المثال الأول في الإرادة وقال: إن الله جعلها من منازل صفوة عباده، وقالت طائفة: "الإرادة حلية العوام.
. . " (٤٧٩). ونقل كلاما طويلا لابن العريف من كتابه محاسن المجالس ولكن لم يسمه هنا، بل جعله قول "طائفة" لأن المقصود نقد مذهب، لا نقد شخص بعينه.
ثم تكلم عليه من اثني عشر وجها.

وفي الفصل الثاني ذكر المثال الثاني وهو في الزهد وهنا فجأة قال: "قال أبو العباس رحمه الله" (٤٩٢). ولكن من أبو العباس هذا؟ لا يعرف القارئ شيئا عنه إلى أن يصل بعد استطرادات مهمة إلى ص (٥٤٥). فيجده يقول: "ولنرجع الآن إلى المقصود، وهو الكلام على ما ذكره أبو العباس ابن العريف في علل المقامات، فقد ذكرنا كلامه في علة مقام الإرادة والكلام عليه، وذكرنا كلامه في مقام الزهد وقوله إنه من مقامات

الجزء: 1 - الصفحة: 34

العامة، وذكرنا أن الكلام على ذلك من وجوه، هذا آخر الوجه الثاني منها.
والوجه الثالث: ... ".

وهكذا تكلم ابن القيم على فصل فصل من كتاب محاسن المجالس حتى إذا وصل إلى فصل المحبة قال: "والمقصود: الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطأ وصواب.
ولما كان أبو العباس ابن العريف رحمه الله قد تعرض لذلك في كتابه "محاسن المجالس" ذكرنا كلامه فيه وما له وما عليه.
ثم ذكر بعدها فصلا في المحبة وفصلا في الشوق، فنذكر كلامه في ذلك وما يفتح الله به تتميما للفائدة، ورجاء للمنفعة وأن يمن الله العزيز الوهاب بفضله ورحمته، فيرقي عبده من العلم إلى الحال، ومن الوصف إلى الاتصاف، إنه قريب مجيب" (٦٣٩).

فانظر كيف تدرج ابن القيم رحمه الله بقارئه، فقال له أولا: إنه سيذكر أمثلة من علل المقامات، وذكر مثال الإرادة، ونقل (٤٧٩) كلام "طائفة" (وهو فصل من كلام ابن العريف).
وفي المثال الثاني قال (٤٩٢): "قال أبو العباس".
وفي المثال الثالث زاد في تعريفه، فقال (٥٤٥): "أبو العباس بن العريف".
وبعد المثال السادس ذكر (٦٣٩) مع اسمه اسم كتابه أيضا، فجاءت الإحالة إحالة كاملة.
فهل هذا اتفاق أو أسلوب من أساليب التأليف عند ابن القيم رحمه الله؟ أراني أميل إلى الأمر الثاني.
ولعل تطرقه في كتاب "مدارج السالكين" إلى شرح "منازل السائرين" للهروي ونقده أيضا من هذا.

وبقي سؤال، وهو أن ابن العريف قد اعتمد في كتابه على كتاب علل المقامات للشيخ الهروي كما ذكر شيخ الإسلام.
وقد أشار إليه ابن القيم أيضا في مدارج السالكين حينما نقل كلام ابن العريف -دون تسميته- في

الجزء: 1 - الصفحة: 35

التوكل نموذجا لكلام هذه الطائفة في علل المقامات، ورد عليه، ثم قال (٣/ ٤٧١) "وهكذا الكلام في سائر علل المقامات، وإنما ذكرنا هذا مثالا لما يذكر من عللها، وقد أفرد لها صاحب المنازل مصنفا لطيفا وجعل غالبها معلولا".
فلماذا اختار ابن القيم للنقد والنقض كتاب ابن العريف، وترك كتاب الهروي الذي هو الأصل؟ يبدو أن ابن القيم لم يقف على كتاب الهروي لا سيما عند تأليفه طريق الهجرتين ومدارج السالكين.

الجزء: 1 - الصفحة: 36

فصول الكتاب · 53 فصل
طريق الهجرتين وباب السعادتين
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: ترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمة — 8 من 53
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنىالعز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائحالثاني: حمد النعم والآلاءقاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريفالمقدمةالرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حدود أخرى للمحبة]الفصل الأول في حقيقتهفصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسانالطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاةثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل