أهل الأثرالأرشيف العلمي

.

قال أبو العباس: "وهو من منازل العوام.
وهو انخلاع عن السرور وملازمة الكآبة لتأسف عن (^١) فائت، أو توجع لممتنع، وإنما كان من منازل العامة (^٢) لأن فيه نسيان المنة، والبقاء في رق الطبع.
وهو في مسالك الخواص حجاب؛ لأن معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة؛ فبذلك فليفرحوا.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود: بي (^٣) فافرح، وبذكري فتلذذ، وبمعرفتي فافتخر.
فعما قليل أفرغ الدار من الفاسقين، وأنزل نقمتي على الظالمين" (^٤).

اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين.
ولهذا لم يأمر الله به في موضع قط، ولا أثنى عليه (^٥)، ولا رتب عليه جزاء وثوابا (^٦).
بل نهى سبحانه عنه في غير موضع (^٧)، كقوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (١٣٩)﴾ [آل عمران/ ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (١٢٧)﴾ [النحل/ ١٢٧]. وقال تعالى: ﴿فلا تأس على

(^١) كذا في الأصل وغيره.
وفي محاسن المجالس: "على".
(^٢) "ط": "العوام".
(^٣) "ك، ط": "يا داود بي.
. . ". (^٤) محاسن المجالس (٨٢). (^٥) "ب": "على أهله".
(^٦) "ك، ط": "ولا ثوابا".
(^٧) وانظر: مدارج السالكين (١/ ٥٩٨)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ١٦).

الجزء: 2 - الصفحة: 605

القوم الفاسقين (٢٦)﴾ [المائدة/ ٢٦].
وقال تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة/ ٤٠].
فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله دفعها وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ [فاطر/ ٣٤] فحمدوه سبحانه (^١) على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها.

وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال" (^٢).
فاستعاذ -صلى الله عليه وآله وسلم- من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان.

فالهم والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم.
فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضي أثر الحزن، وإن كان مصدره خوف الآتي أثر الهم.

والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف مصلحة العبد وكماله عنه (^٣) إن كان من عدم القدرة فهو عجز.
وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل.

والجبن والبخل قرينان، فإن الإحسان يفرح القلب، ويشرح الصدر، ويجلب النعم، ويدفع النقم.
وتركه يوجب الغم (^٤) والضيق، ويمنع

(^١) "ط": "فحمده على".
(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (٢٨٩٣) وغيره، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٦) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
وضلع الدين: ثقله.
(^٣) "ط": "مصلحة العبد وبعدها عنه".
(^٤) "ط": "الضيم"، تحريف.

الجزء: 2 - الصفحة: 606

وصول النعم إليه.
فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال.

وضلع الدين وغلبة الرجال (^١) قرينان، فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما منه، وإما من غيره.
وإن شئت قلت: إما بحق، وإما بباطل.
فضلع الدين غلبة سببها منه، وهي غلبة (^٢) بحق.
وغلبة الرجال قهر بباطل (^٣) من غيره (^٤).

والمقصود أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- جعل الحزن مما يستعاذ منه.
وذلك لأن الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم، ويغير (^٥) الإرادة؛ ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا﴾ [المجادلة/ ١٠].

فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب (^٦) على المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما.
وأما أن يكون عبادة مأمورا بتحصيلها وطلبها فلا.
ففرق [بين] (^٧) ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه

(^١) "ك، ط": "وغلبة الدين وقهر الرجال".
وهي رواية أخرى في الحديث.
ومن هنا قال المؤلف في الجملة التالية: "فإن القهر والغلبة".
(^٢) "ف": "عليه"، تصحيف.
(^٣) "فضلع الدين.
. . " إلى هنا ساقط من "ط".
(^٤) وانظر في شرح الحديث أيضا: مفتاح دار السعادة (١/ ٣٧٥)، وبدائع الفوائد (٧١٤). (^٥) "ب": "يفتر"، قراءة محتملة.
وفي "ك، ط": "يضر".
(^٦) "ثواب" ساقط من "ك، ط".
(^٧) ما بين الحاصرتين من "ف" وغيرها، ولعله سقط من الأصل سهوا.
وفي =

الجزء: 2 - الصفحة: 607

من البليات.

ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه، لا لذاته.
فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته، وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته.
وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شعر (^١) قلبه بمثل هذا الألم، فحزن عليه.
ولو كان قلبه ميتا لم يحس بذلك، ولم يحزن، ولم يتألم، فما لجرح بميت إيلام (^٢).
وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكن الحزن لا يجدي عليه، فإنه يضعفه، كما تقدم.
بل الذي ينفعه أن يستقبل السير، ويجد، ويشمر، ويبذل جهده.

وهذا نظير من انقطع عن رفقته في السفر، فجلس في الطريق حزينا كئيبا يشهد انقطاعه وسبق رفقته، فقعوده لا يجدي شيئا.
بل إذا عرف الطريق فالأولى له أن ينهض، ويجد في السير (^٣)، ويحدث نفسه باللحاق بالقوم.
وكلما (^٤) فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته، ووعدها -إن صبرت- أن تلحق بهم، وتزول عنها وحشة الانقطاع.
فهكذا السالك إلى منازل الأبرار، وديار المقربين.

= "ب": "فقرن بين"، تحريف.
(^١) "ك، ط": "شغل"، تحريف.
(^٢) من قول المتنبي (ديوانه ٢٤٥): من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام (^٣) "وسبق رفقته.
. . " إلى هنا ساقط من "ب، ك، ط".
وقد استدركها بعضهم في حاشية "ك".
(^٤) "ك، ط": "فكلما".

الجزء: 2 - الصفحة: 608

وأخمص من هذا الحزن (^١) على قطع الوقت بالتفرقة المضعفة للقلب عن تمام سيره وجده في سلوكه، فإن التفرقة من أعظم البلاء على السالك، ولا سيما في ابتداء أمره.
فالأول حزن على التفريط (^٢) في الأعمال، وهذا حزن على نقص حاله مع الله، وتفرقة قلبه عنه (^٣)، وكيف صار ظرفا لتفرقة حاله، واشتغال قلبه بغير معبوده؟

وأخص من هذا الحزن حزنه على جزء من أجزاء قلبه كيف هو خال من محبة الله؟ وعلى جزء من أجزاء بدنه كيف هو متصرف (^٤) في غير محاب الله؟ فهذا حزن الخاصة.
ويدخل في هذا حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده، من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج.

فهذه المراتب من الحزن لا بد منها في الطريق، ولكن الكيس من (^٥) لا يدعها تملكه وتقعده، بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به.
فإن المكروه إذا ورد على النفس، فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرة في الأسباب التي تدفعها (^٦) به، فأورثها الحزن.
وإن كانت نفسا كبيرة شريفة لم تفكر فيه، بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها.
فإن علمت منه مخرجا فكرت في طريق ذلك المخرج وأسبابه، وإن علمت أنه لا مخرج منه، فكرت في عبودية الله فيه،

(^١) "ك، ط": "من هذا الحزن حزنه".
(^٢) "ف": "التوسط"، تحريف.
(^٣) "عنه" ساقط من "ك، ط".
(^٤) "ط": "منصرف".
(^٥) "من" ساقط من "ك، ط".
(^٦) في "ف" وغيرها: "يدفعها" والأصل غير منقوط.
والسياق يقتضي قراءتنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 609

فكان (^١) ذلك عوضا لها من الحزن.
فعلى كل حال لا فائدة لها في الحزن أصلا.
والله أعلم.

وقال بعض العارفين: "ليست الخاصة من الحزن في شيء" (^٢).

وقوله رحمه الله: "معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة" كلام في غاية الحسن.
فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدا.

ولهذا قال تعالى حكاية عن نبيه أنه قال لصاحبه (^٣): ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة/ ٤٠].
فدل على (^٤) أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن؟ وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له، فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله، فبأي شيء يفرح؟ قال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس/ ٥٨].

فالفرح بفضله وبرحمته (^٥) تبع للفرح به سبحانه، فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به، من حبيب أو جاه (^٦) أو مال أو نعمة

(^١) "ط": "وكان".
(^٢) من كلام الهروي في منازل السائرين (٢٠). وانظر: مدارج السالكين (١/ ٦٠٣). (^٣) "ط": "لصاحبه أبي بكر".
(^٤) "على" ساقط من "ك، ط".
(^٥) "ك، ط": "ورحمته".
(^٦) "ك، ط": "حياة"، تحريف.

الجزء: 2 - الصفحة: 610

أو ملك، ففرح (^١) المؤمن بربه أعظم من هذا كله.
ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه ونضرتها (^٢) في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقاهم الله نضرة وسرورا.
فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون! فهذا هو العلم الذي شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا (^٣)

(^١) "ك، ط": "يفرح".
(^٢) "ط": "مضرتها"، تحريف.
(^٣) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه (٤٥٩).

الجزء: 2 - الصفحة: 611

فصل

والمثال السادس: الخوف.

قال أبو العباس: "هو الانخلاع عن طمأنينة الأمن، والتيقظ لنداء الوعيد، والحذر من سطوة العقاب.
وهو من منازل العوام أيضا.
وليس في منازل الخواص خوف، لأنه لا أمان للغافل، إنما يعبد (^١) مولاه على وحشة من نظره، ونفرة من الأنس به عند ذكره.
﴿ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم﴾ [الشورى/ ٢٢].
وأما الخواص أهل الاختصاص (^٢)، فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا، والعذاب فيه عذبا، لأنهم شاهدوا المبتلي في البلاء، والمعذب في العذاب، فاستعذبوا ما وجدوا في جنب ما شاهدوا.
وفي ذلك (^٣) قال قائلهم:

سقمي في الحب عافيتي ... ووجودي في الهوى عدمي

وعذاب ترتضون به ... في فمي أحلى من النعم (^٤)

ومن كان مستغرقا في المشاهدة حل (^٥) في بساط الأنس، فلا يبقى للخوف بساحته ألم (^٦)؛ لأن المشاهدة توجب الأنس، والخوف يوجب

(^١) في محاسن المجالس: ". . خوف؛ لأنه لا يليق للعبد أن يعبد".
(^٢) "ف": "وأهل الاختصاص"، سهو.
(^٣) "ك، ط": "شاهدوا في ذلك".
(^٤) البيتان مع ثالث في المدهش (٤٥١). وذكر في نفح الطيب (٥/ ٥٩٨) أنها تنسب إلى الحلاج.
(^٥) في المجالس: "حال" وفي نسخة منه: "جائلا".
(^٦) كذا في الأصل وغيره.
وفي المجالس: "إلمام".
وهو الصواب الظاهر.

الجزء: 2 - الصفحة: 612

القبض".

ثم ذكر حكاية المضروب الذي ضرب مائة سوط فلم يتألم لأجب نظر محبوبه إليه، ثم ضرب سوطا، فصاح لما توارى عنه محبوبه.
قال: "وقد قيل في قوله تعالى: ﴿والكافرون لهم عذاب شديد﴾ [الشورى/ ٢٦]: دليل خطابه أن المؤمنين لهم عذاب، ولكن ليس بشديد.
وإنما كان عذاب الكافرين شديدا لأنهم لا يشاهدون المعذب لهم.
والعذاب على شهود المعذب عذب، والثواب على الغفلة من المعطي صعب.
فالخوف إذا من منازل العوام" (^١).

والكلام على ما ذكره من وجوه:

أحدها: أن الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها، وهي: الخوف، والرجاء، والمحبة.
وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (٥٦) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ [الإسراء/ ٥٦ - ٥٧]. فجمع بين المقامات الثلاثة، فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه.
ثم قال (^٢): ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾، فذكر الحب، والخوف، والرجاء.
والمعنى أن هؤلاء (^٣) الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده، كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه،

(^١) محاسن المجالس (٨٣ - ٨٤). (^٢) "ط": "يقول".
(^٣) "هؤلاء" ساقط من "ط".

الجزء: 2 - الصفحة: 613

وأنتم وهم عبيد له؟

وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (١٧٥)﴾ (^١) [آل عمران/ ١٧٥]، فجعل الخوف منه شرطا في تحقق الإيمان، وإن كان الشرط داخلا في الصيغة على الإيمان فهو المشروط في المعنى، والخوف شرط في حصوله وتحققه.
وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحامل (^٢) عليه، فحصول (^٣) المسبب شرط في تحقق السبب، كما أن حصول السبب موجب لحصول مسببه.
فانتفاء الإيمان عند انتفاء الخوف انتفاء للمشروط عند انتفاء شرطه، وانتفاء الخوف عند انتفاء الإيمان انتفاء للمعلول عند انتفاء علته.
فتدبره! والمعنى: إن كنتم مؤمنين فخافوني.
والجزاء محذوف مدلول عليه بالأول عند سيبويه وأصحابه، أو هو المتقدم نفسه، وهو جزاء وإن تقدم كما هو مذهب الكوفيين.
وعلى التقديرين فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضي للخوف وهو الإيمان.
وكل منهما مستلزم للآخر، لكن الاستلزام مختلف؛ وكل منهما منتف عند انتفاء الآخر، لكن جهة الانتفاء مختلفة، كما تقدم.
والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته، فلا يتخلف (^٤) عنه.

وقال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ [المائدة/ ٤٤].
وقد

(^١) في الأصل و"ف": "وخافوني" على قراءة أبي عمرو في الأصل.
انظر: الإقناع (٦٢٦). (^٢) "ك، ط": "الحاصل"، تحريف.
(^٣) "ط": "وحصول".
(^٤) "ط": "يختلف"، تحريف.

الجزء: 2 - الصفحة: 614

أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال تعالى عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء/ ٩٠].
فالرغب: الرجاء والرغبة، والرهب: الخوف والخشية.
وقال عن ملائكته الذين قد آمنهم من عذابه: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (٥٠)﴾ [النحل/ ٥٠].

وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية" (^١).
وفي لفظ آخر: "إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي" (^٢).
وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء (^٣).
وقد قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (٢٨)﴾ [فاطر/ ٢٨] فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف.
قال ابن مسعود: "كفى بخشية الله علما" (^٤).
ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله.
ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له، وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحبا.

فالخوف من أجل منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف

(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب (٦١٠١) وغيره، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٦) عن عائشة رضي الله عنها.
(^٢) أخرجه مسلم في الصيام (١١١٠) عن عائشة رضي الله عنها.
ولفظه: "وإني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي".
(^٣) أخرجه أبو داود (٩٠٤)، والنسائي (٣/ ١٣)، وفي الكبرى له (٥٤٤، ٥٤٥)، وابن خزيمة (٩٠٠)، وابن حبان (٦٥٥، ٧٥٣)، والحاكم (٩٧١) وغيرهم من حديث عبد الله بن الشخير.
وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووافقه الذهبي.
(ز).
(^٤) تقدم تخريجه في ص (٥٨٩).

الجزء: 2 - الصفحة: 615

العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم ألصق (^١)، ولهم ألزم.
فإن العبد إما أن يكون مستقيما، أو مائلا عن الاستقامة.
فإن كان مائلا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف.
وهو ينشأ من ثلاثة أمور:

أحدها: معرفته بالجناية وقبحها.

والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.

والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.

فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه.
فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم علمه بسوء عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان.
فإذا علم قبح الذنب، وعلم سوء مغبته، وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه وبينها = اشتد خوفه.
هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد.
وبالجملة، فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح = هاج من (^٢) قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو.

وأما إن كان مستقيما مع الله، فخوفه يكون مع جريان الأنفاس، لعلمه بان الله مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من

(^١) "ك، ط": "أليق".
(^٢) كذا في الأصل وغيره.
وفي "ط": "في".

الجزء: 2 - الصفحة: 616

أصابع الرحمن عز وجل، فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- (^١).
وكانت أكثر يمينه -صلى الله عليه وآله وسلم-: "لا ومقلب القلوب، لا ومقلب القلوب" (^٢).
وقال بعض السلف: "القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا" (^٣).
وقال بعضهم: "مثل القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن" (^٤).
ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال/ ٢٤].

فأي قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له في كل حال، وإن توارى عنه بغلبة حالة أخرى عليه.
فالخوف حشو قلبه، لكن توارى عنه بغلبة (^٥) غيره، فوجود الشيء غير العلم به.

فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد، وأنه المحرك للقلب، المصرف له، المقلب له كيف يشاء، لا إله إلا هو.

الوجه الثاني:

قوله: "ليس في منازل الخواص خوف" قد تبين

(^١) تقدم تخريجه في ص (١٧). (^٢) تقدم تخريجه في ص (١٣٧). (^٣) حديث مرفوع أخرجه أحمد (٢٣٨١٦)، والطبراني في الكبير (٥٩٩)، والحاكم (٢/ ٢٨٩) من طريقين عن المقداد بن الأسود أحدهما منقطع، والآخر لا بأس به.
قال الحاكم: "هذا حديث على شرط البخاري ولم يخرجاه"، وقال الهيثمي: "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات".
(^٤) تقدم تخريجه في ص (١٣٨). (^٥) "ف": "لغلبة"، خلاف الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 617

فساده، وأن الخاصة أشد خوفا لله (^١) من العامة.

الوجه الثالث:

قوله: "الغافل (^٢) يعبد ربه على وحشة من نظره ونفرة من الأنس به عند ذكره ﴿ترى الظالمين مشفقين﴾ الآية [الشورى/ ٢٢] ".

فهذا إنما هو وحشة ونفار، وهو غير الخوف، فإن الوحشة إنما تنشأ من عدم الخوف.
وأما الخوف فإنه يوجب هروبا إلى الله، وجمعية عليه، وسكونا إليه؛ فهي مخافة مقرونة بحلاوة وطمأنينة وسكينة ومحبة، بخلاف خوف المسيء الهارب من الله، فإنه خوف مقرون بوحشة ونفرة.
فخوف الهارب إليه سبحانه محشو بالحلاوة والسكينة والأنس، لا وحشة معه، وإنما يجد الوحشة من نفسه.
فله نظران: نظر إلى نفسه وجنايته، فيوجب له وحشة؛ ونظر إلى ربه وقدرته عليه وعزه وجلاله، فيوجب له خوفا مقرونا بأنس وحلاوة وطمأنينة.

الوجه الرابع

(^٣): أن استشهاده بقوله: ﴿ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم﴾ [الشورى/ ٢٢] ليس استشهادا صحيحا، فإن هذا وصف لحالهم في الآخرة عند معاينة العذاب أو عند الموت.
فهذا إشفاق مقرون بالاستيحاش؛ لأنه قد علم أنه سائر إليه، كمن قدم إلى العقوبة، ورأى أسبابها، فهو مشفق منها إذا رآها، لعلمه بأنه صائر إليها.

(^١) كلمة "لله" ساقطة من "ب، ك، ط".
(^٢) "ط": "العاقل"، تصحيف.
(^٣) وقع في الأصل: "الثالث" سهوا، ثم استمر الخطأ فيه إلى آخر الوجوه، وهو "الثاني عشر" وصوابه: الثالث عشر.
وقد صحح الترقيم هنا وفي الوجه التالي في "ف، ب، ك".
ولكن لما وصل الكلام -بعد طول الفصل- إلى الوجه السادس تابعت كلها الأصل في سهوه، فأثبتت: "الخامس"، وهلم جرا.

الجزء: 2 - الصفحة: 618

فليست الآية من الخوف المأمور به في شيء.

الوجه الخامس:

أن الخوف يتعلق بالأفعال، وأما الحب فإنه يتعلق بالذات والصفات.
ولهذا يزول الخوف في الجنة، وأما الحب فيزداد.
ولما كان الحب يتعلق بالذات كان من أسمائه سبحانه: "الودود".
قال البخاري في صحيحه: "الحبيب" (^١).
وأما الخوف فإن متعلقه أفعال الرب سبحانه، ولا يخرج عن كون سببه جناية العبد، وإن كانت جنايته من قدر الله.
ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن عبد إلا ذنبه" (^٢).
فمتعلق الخوف ذنب العبد وعاقبته، وهي مفعولات للرب، فليس الخوف عائدا إلى نفس الذات.
والفرق بينه وبين الحب أن الحب سببه الكمال، وذاته تعالى لها الكمال المطلق، وهو متعلق الحب التام.
وأما الخوف فسببه توقع المكروه، وهذا إنما يكون في الأفعال والمفعولات.

وبهذا يعلم بطلان قول من زعم أنه سبحانه يخاف لا لعلة ولا لسبب، بل كما يخاف السيل الذي لا يدري العبد من أين يأتيه.
وهذا بناء من هؤلاء على نفي محبته سبحانه وحكمته، وأنه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التي ترجح مثلا على مثل بلا مرجح،

(^١) يعني تفسير "الودود": نقله البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
انظر: كتاب التفسير، سورة البروج (ص).
ووصله الطبري في تفسيره (٣٠/ ١٣٨)، وسنده حسن.
(ز).
(^٢) نقله المصنف ضمن كلام طويل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في مفتاح دار السعادة (١/ ٥٠٩). وقد سئل شيخ الإسلام عن معنى قوله هذا.
وجوابه في مجموع الفتاوى (٨/ ١٦١ - ١٨٠).

الجزء: 2 - الصفحة: 619

ولا يراعى فيها حكمة ولا مصلحة.
وهؤلاء عندهم الخوف يتعلق بنفس الذات من غير نظر إلى فعل العبد وأنه سبب المخافة، إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة، بل إرادة محضة يفعل بها ما يشاء من تنعيم وتعذيب.
وعند هؤلاء فالخوف (^١) لازم للعبد في كل حال، أحسن أم أساء، وليس لأفعالهم (^٢) تأثير في الخوف.
وهذا من قلة نصيبهم من المعرفة بالله وكماله وحكمته.
وأين هذا من قول أمير المؤمنين علي: "لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه"؟ فجعل الرجاء متعلقا بالرب سبحانه وتعالى، لأن رحمته من لوازم ذاته، وهي سبقت غضبه.
وأما الخوف فمتعلق بالذنب، فهو سبب المخافة، حتى لو قدر عدم الذنب بالكلية لم تكن مخافة.

[مسألة]

فإن قيل: فما وجه خوف الملائكة، وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة.
وشدة خوف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأنه أقرب الخلق إلى الله وسيلة (^٣)؟

قبل: عن هذا أربعة أجوبة (^٤):

الجواب الأول: أن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده.
وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد؛ لأنه يطالب

(^١) "ب": "الخوف".
(^٢) كذا في الأصل وغيره.
وفي "ط": "لأفعال"، فصححت في القطرية: "لأفعاله".
(^٣) "وسيلة" ساقط من "ك، ط".
(^٤) وسترى أنه لم يجب إلا ثلاثة أجوبة، وسقط الثاني لسهو في الترقيم كما سيأتي (٦٢٥).

الجزء: 2 - الصفحة: 620

بما لا يطالب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره.
ونظير هذا في الشاهد (^١) أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، وأنه يطالب من حقوق الخدمة وآدابها (^٢) بما لا يطالب به غيره، فهو أحق بالخوف من البعيد.

ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية" (^٣)، وفهم قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "إن الله تعالى لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم.
ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم" (^٤).

وليس المراد أنه (^٥) لو عذبهم لتصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه غير ظالم، كما يظنه كثير من الناس؛ فإن هذا لا يتضمن (^٦) مدحا، والحديث إنما سيق للمدح وبيان عظم حق الله على عباده، وأنه لو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم، ولم يكن تعذيبه ظلما لهم (^٧) بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا.
ولهذا قال

(^١) "ط": "المشاهد"، تحريف.
(^٢) نقطة الباء واضحة في الأصل، ولكن قرأها ناسخ "ف": "أدائها".
وكذا في "ب، ك، ط".
(^٣) تقدم تخريجه قريبا.
(^٤) تقدم تخريجه في ص (١٦٤). (^٥) في "ف" مكان "أنه": "به"، خلاف الأصل.
وكذا في "ب، ك، ط".
(^٦) "ط": "هذا يتضمن".
وكذا في "ك"، واستدرك بعضهم في الحاشية.
(^٧) "وبيان عظم حق الله.
. ." إلى هنا ساقط من "ط".

الجزء: 2 - الصفحة: 621

بعده: "ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" يعني أن رحمته لهم ليست ثمنا لأعمالهم، ولا تبلغ أعمالهم رحمته، فرحمته لهم ليست (^١) على قدر أعمالهم، إذ أعمالهم لا تستقل باقتضاء الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها.
فلو عذبهم -والحالة هذه- لكان تعذيبا لحقه، وهو غير ظالم لهم فيه، ولا سيما فإن أعمالهم لا توازي القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه، عذبهم بحقه (^٢) ولم يكن ظالما لهم.

فإن قيل: فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له سبحانه مقدورا لهم، فكيف يحسن العذاب عليه؟

قيل: الجواب من وجهين:

أحدهما: أن المقدور للعبد لا يأتي به كله، بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة وتوان، وأيضا ففي نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها، بحيث يبذل مقدوره كله في تحسينها وتكميلها ظاهرا وباطنا، فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل.

ولهذا لما (^٣) سأل الصديق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دعاء يدعو به في صلاته، قال (^٤)

(^١) "ثمنا لأعمالهم.
. ." إلى هنا ساقط من "ك، ط".
(^٢) "بحقه" ساقط من "ك، ط".
والجملة: "عذبهم بحقه" وقعت في "ف" بعد "ترك شكرهم"، وهو خطأ من الناسخ.
(^٣) "لما" ساقط من "ط".
(^٤) "ط": "فقال".

الجزء: 2 - الصفحة: 622

له: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (^١).
فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدا له بـ "إن" المقتضية ثبوت الخبر وتحققه، ثم أكده بالمصدر النافي للتجوز والاستعارة، ثم وصفه بالكثرة المتقضية لتعدده وتكثره.
ثم قال: "فاغفر لي مغفرة من عندك" أي: لا ينالها عملي ولا سعيي، بل عملي يقصر عنها، وإنما هي من فضلك وإحسانك، لا بكسبي ولا باستغفاري وتوبتي.
ثم قال: "وارحمني" أي: ليس معولي إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتني وإلا فالهلاك لازم لي.
فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية، وفي ضمنه: إنك (^٢) لو عذبتني لعدلت في ولم تظلمني، وإني لا أنجو إلا بمغفرتك ورحمتك (^٣).

ومن هذا قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "لن ينجي أحدا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (^٤).
فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة، فلو لم ينجه الله لم يكن (^٥) قد بخسه شيئا من حقه ولا ظلمه، فإنه ليس معه ما يقتضي نجاته، وعمله ليس وافيا بشكر القليل من نعمه، فهل يكون ظالما له لو

(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان (٨٣٤) وغيره، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٥). (^٢) "ط": "أنه".
(^٣) "ط": "برحمتك ومغفرتك".
ولشيخ الإسلام رسالة في شرح هذا الحديث ضمن "جامع المسائل" (٤/ ٢٣ - ٦٩). (^٤) أخرجه البخاري في كتاب الرفاق (٦٤٦٣) وغيره، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(^٥) "ط": "فلم يكن"، خطأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 623

عذبه؟ وهل تكون رحمته له جزاء لعمله، ويكون العمل ثمنا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغي له من بذل النصيحة فيه، وكمال العبودية من الحياء والمراقبة، والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدي الله في العمل كله (^١)؟

ومن علم هذا علم السر في كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار، ففي صحيح مسلم عن ثوبان قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا.
وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (^٢).

قال تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (١٧) وبالأسحار هم يستغفرون (١٨)﴾ [الذاريات/ ١٧ - ١٨]. فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل.
قال الحسن: "مدوا الصلاة إلى السحر، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله" (^٣).

وأمر تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة في الحج فقال: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (١٩٩)﴾ [البقرة/ ١٩٩].

وشرع (^٤) -صلى الله عليه وآله وسلم- للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوحيد والاستغفار فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم

(^١) "ك، ط": "له".
(^٢) تقدم تخريجه في ص (٤٤٣). (^٣) تفسير الطبري (٢٦/ ٢٠٠)، تفسير القرطبي (١٧/ ٢٦). (^٤) "ط": "شرع رسول الله".

الجزء: 2 - الصفحة: 624

اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" (^١).

فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر، وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلا.

الجواب الثاني: أنه لو فرض أن العبد يأتي بمقدوره (^٢) كله من الطاعة ظاهرا وباطنا، فالذي ينبغي لربه تعالى فوق ذلك وأضعاف أضعافه.
فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاء.
والذي أتى به لا يقابل أقل النعم، فإذا حرم جزاء العمل الذي ينبغي للرب من عبده كان ذلك تعذيبا له، ولم يكن الرب تعالى ظالما له في هذا الحرمان.
ولو كان عاجزا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقا يستحقه عليه فيكون ظالما بمنعه.
فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه، لا ينالها عمله، بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر، ليست معاوضة عليه.
والله أعلم.

الجواب الثالث (^٣) عن السؤال الأول: أن العبد إذا علم أن الله سبحانه هو مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرء وقلبه، وأنه سبحانه كل يوم هو في شأن، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه يهدي من يشاء، ويضل من

(^١) تقدم تخريجه في ص (٤٦٨). (^٢) "ف": "فرض العبد يأتي مقدوره"، خلاف الأصل.
(^٣) كذا في الأصل وغيره، وهو سهو.
وقد كتب المصنف رحمه الله أولا: "الوجه الخامس: قوله: وأما الخواص أهل الاختصاص"، ثم تذكر أن عليه ثلاثة أجوبة قد وعد بها من قبل (٦٢٠)، فضرب على العبارة السابقة، وكتب: "الجواب الثالث".
ثم وضع علامة اللحق وأضاف في الحاشية: "عن السؤال الأول".
وذهب عليه أنه لم يسبق إلا جواب واحد عنه، فهذا الجواب هو الثاني لا الثالث.

الجزء: 2 - الصفحة: 625

يشاء، ويرفع من يشاء، ويخفض من يشاء؛ فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه، ويحول بينه وبينه، ويزيغه بعد إقامته؟ وقد أثنى الله سبحانه على عباده المؤمنين بقولهم: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ [آل عمران/ ٨]، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم.

وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك" (^١).
و"مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك" (^٢).

وفي الترمذي (^٣) عنه مسلم أنه كان يدعو: "أعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت (^٤) ".

وكان من دعائه -صلى الله عليه وآله وسلم-: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" (^٥).

فاستعاذ -صلى الله عليه وآله وسلم- بصفة الرضا من صفة الغضب، وبفعل العافية من فعل العقوبة، واستعاذ به منه باعتبارين.
وكان استعاذته به (^٦) منه جمعا لما فصله في الجملتين قبله، فإن الاستعاذة به سبحانه منه ترجع إلى معنى لكلام قبلها، مع تضمنها فائدة شريفة وهي كمال التوحيد وأن الذي يستعيذ به العائذ ويهرب منه إنما هو فعل الله ومشيئته وقدره، فهو وحده

(^١) سبق تخريجه في ص (٥٧). (^٢) سبق تخريجه في ص (١٧). (^٣) كذا في الأصل وغيره.
والحديث في الصحيحين كما في مدارج السالكين (٢/ ١٤٠). أخرجه البخاري في كتاب التوحيد (٧٣٨٣)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧١٧) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(^٤) "ك، ط": "لا تموت"، والأصل غير منقوط، وكلاهما ورد في الحديث.
(^٥) تقدم تخريجه في ص (٥٧). (^٦) "به" ساقط من "ط".

الجزء: 2 - الصفحة: 626

المنفرد بالحكم، فإذا أراد بعبده سوءا لم يعذه منه إلا هو.
فهو الذي يريد به ما يسوؤه، وهو الذي يريد دفعه عنه.
فصار سبحانه مستعاذا به منه باعتبار الإرادتين.
﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾ [الأنعام/ ١٧] فهو الذي يمسن بالضر، وهو الذي يكشفه، لا إله إلا هو.
فالمهرب منه إليه، والفرار منه إليه، واللجأ منه إليه، كما أن الاستعاذة منه به (^١)، فإنه لا رب غيره، ولا مدبر للعبد سواه، فهو الذي يحركه ويقلبه ويصرفه كيف يشاء.

الجواب الرابع: أن الله سبحانه هو الذي يخلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلب، ويجعل فيه التوبة والإنابة والإقبال والمحبة والتفويض وأضدادها.
والعبد في كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله في قلبه، وحركات يحركه بها (^٢) في طاعته.
وهذا إلى الله سبحانه، فهو خلقه (^٣) وقدره.

وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (^٤).
وعلم حصين بن المنذر (^٥) أن

(^١) "به" ساقط من "ط".
(^٢) "ف": "يحركها به"، سهو.
(^٣) "ب": "في خلقه".
(^٤) تقدم تخريجه في ص (١٧٠). (^٥) كذا قال المصنف هنا، وفي الوابل الصيب (٤١٠)، ومدارج السالكين (١/ ١٠٨، ٢٩٤). وقال في نونيته: واذكر حديث حصين بن المنذر الثـ ... ـقة الرضا أعني أبا عمران الكافية الشافية (٤٥٥). والظاهر أنه وهم، فإن حصينا ابن عبيد بن خلف الغاضري الخزاعي.
انظر: الإصابة (٢/ ٨٦) وغيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 627

يقول: "اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي" (^١).
وعامة أدعيته -صلى الله عليه وآله وسلم- متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له واستعماله في محابه.

فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره، وهو المالك له ولها، المتصرف فيه بما يشاء، ليس له (^٢) من أمره شيء، من أحق بالخوف منه؛ وهب أنه قد خلق له في الحال الهداية، فهل هو على يقين وعلم (^٣) أن الله سبحانه يخلقها له في المستقبل ويلهمه رشده أبدا؟ فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم، والله المستعان.

ومن ههنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان، كما قال بعض السلف: "أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر" (^٤).
وكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول لحذيفة: "نشدتك الله هل سماني لك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-؟ " يعني في المنافقين، فيقول: "لا، ولا أزكي بعدك أحدا" (^٥) يعني: لا أفتح علي هذا الباب في سؤال الناس لي، وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك.

الوجه السادس: "وأما الخواص فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا، والعذاب فيه عذبا؛ لأنهم شاهدوا المبتلي والمعذب، فاستعذبوا ما

(^١) تقدم تخريجه في ص (١٧٠). (^٢) "له" ساقط من "ط".
(^٣) "ب": "علم من أن".
(^٤) نقله المصنف في الداء والدواء (١١٧). (^٥) زاد هنا في "ط" بين القوسين: "رواه البخاري" وهو غير صحيح (ص).
وفي مسند البزار (٢٨٨٥) نحوه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٢) وقال: "رواه البزار ورجاله ثقات".
وقال ابن حجر: "إسناده صحيح".
انظر: مختصر زوائد البزار (٥٩٠). (ز).

الجزء: 2 - الصفحة: 628

وجدوا في جنب ما شاهدوا.
. ." إلى آخر كلامه.

فيقال: هذا الكلام ونحوه من رعونات النفس، ومن الشطحات التي يجب إنكارها.
فمن الذي جعل وعبد الله وعدا، وعقابه ثوابا، وعذابه عذبا؟ وهل هذا إلا إنكار لوعيده وعذابه في الحقيقة؟ وأي عذاب أشد من عذابه، نعوذ بالله منه؟ قال تعالى: ﴿ولكن عذاب الله شديد (٢)﴾ [الحج/ ٢].
وقال: ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (٢٥) ولا يوثق وثاقه أحد (٢٦)﴾ [الفجر/ ٢٥ - ٢٦]. وهذا أظهر في كل ملة من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه.
وإنما ينسب هذا المذهب للملاحدة (^١) من القائلين بوحدة الوجود، كما قال قائلهم:

ولم يبق إلا صادق الوعد وحده ... فما لوعيد الحق عين تعاين

وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين

نعيم جنان الخلد والأمر واحد ... وبينهما عند التجلي تباين (^٢)

يسمى عذابا من عذوبة طعمه ... وذاك له كالقشر، والقشر صائن (^٣)

فهذا القائل خط على تلك النقطة التي نقطها أبو العباس، ولعل الكلامين من مشكاة واحدة.
وهذا مباين للمعلوم بالاضطرار من دين الرسل، وما أخبرت به عن الله، وأخبر به على لسان

(^١) "ب، ك، ط": "إلى الملاحدة".
(^٢) هذا البيت في "ط" آخر الأبيات.
(^٣) أنشدها ابن عربي في فصوص الحكم.
انظر: شرحه لصائن الدين (٣٩٦ - ٣٩٩). ومن الفصوص نقلها شيخ الإسلام في الصفدية (٢٤٦) والمؤلف في حادي الأرواح (٤٨٩).

الجزء: 2 - الصفحة: 629

رسله (^١).

فإن قيل: ليس مراده ما ذكرتم وفهمتم من كلامه، وإنما مراده أنه سبحانه إذا ابتلى عبده في الدنيا فهو لكمال محبته له يتلذذ بتلك البلوى ويعدها نعمة، وليس مراده عذاب الآخرة (^٢).

قيل: قوله عن الخواص: "أنهم جعلوا الوعيد منه وعدا" ينفي ما ذكرتم من التأويل، فإن ابتلاء الدنيا غير الوعيد.
وأيضا فإنه في مقام الخوف ونفيه عن الخاصة محتجا عليه بأنهم يرون العذاب عذبا والوعيد وعدا، فما لهم وللخوف؟ هذا مقصوده من سياق كلامه واحتجاجه عليه بهذا الهذيان الذي يسخر (^٣) منه العقلاء.
بل نحن لا ننكر أن العبد إذا تمكن حب الله في قلبه حتى ملك جميع أجزائه فإنه يتلذذ بالبلوى أحيانا.
وليس ذلك دائما ولا أكثريا، ولكنه يعرض عند (^٤) هيجان الحب وغلبة الشوق، فيقهر شهود الألم، ثم يراجع طبيعته فيذوق الألم.
ولكن أين هذا من جعل الوعيد وعدا، والعذاب عذبا؟

وإن أحسن الظن بصاحب هذا الكلام ظن به أنه ورد عليه وارد من الحب يخيل في نفسه أن محبوبه إذا تواعده (^٥) كان ذلك منه وعدا، وإن عذبه كان عذابه عنده عذبا، لموافقته مراد محبوبه.
وهذا خيال فاسد

(^١) "ط": "رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-".
(^٢) "ب": "نعيم الآخرة".
(^٣) "ف": "سخر"، خلاف الأصل.
(^٤) "ف": "عن"، خلاف الأصل.
(^٥) كذا في الأصل وغيره.
ولم أجد "تواعده" بمعنى توعده وتهدده.
وفي "ط": "توعده".

الجزء: 2 - الصفحة: 630

وتقدير في النفس، وإلا فالحقيقة الخارجية تكذب هذا الخيال الباطل.
بل لو صب عليه أدنى شيء من عذابه لصاح واستغاث وطلب العفو والعافية.
وحكمة الله سبحانه تقتضي تعجيز هذه النفوس الجاهلة الرعنة الحمقة (^١) بأدنى شيء يكون من الألم والوجع، حتى يتبين لها دعاويها الكاذبة، وشطحها الباطل.

وهذا سيد المحبين وسيد ولد آدم، استعاذته بالله (^٢) من عذابه وبلائه، وسؤاله عافيته ومعافاته معلومة في أدعيته وتضرعه إلى ربه وابتهاله إليه في ذلك، وهي أكثر وأشهر من أن تذكر ههنا.
أفما (^٣) في سيد المحبين أسوة وقدوة؛ ولكن قد ابتلي كثير من أهل الإرادة بالشطح، كما ابتلي كثير من أهل الكلام بالشك.
والمعافى من عافاه الله من هذا وهذا، فنسأل الله عافيته ومعافاته.

الوجه السابع:

قوله: "إن عذاب الكافرين إنما كان شديدا لأنهم لا يشاهدون المعذب لهم، والمؤمنون يشاهدونه فلم يكن عذابهم شديدا" ليس كذلك، فإن عذاب الكافرين شديد في نفسه لغلظ جرمهم وهو الكفر، وهو دائم لا انقطاع له.
وأما المؤمنون الذين يعذبون بذنوبهم فعذابهم أضعف من عذاب الكافرين؛ لأن عذابهم على الذنوب وهي دون الكفر، وهو منقطع.
والآية لم يرد بها إثبات عذاب المؤمنين دون عذاب (^٤) الكافرين، وإنما سيقت لبيان عذاب الكافرين حسب،

(^١) كذا في الأصل وغيره.
ولم تذكر كتب اللغة وصفا من الرعونة إلا "الأرعن" ومؤنثه "الرعناء".
وفي "ط": "الرعناء والحمقاء".
(^٢) "ف": "استعاذ بالله"، سهو.
(^٣) "ط": "وإن".
(^٤) "عذاب" ساقط من "ف".

الجزء: 2 - الصفحة: 631

فمفهومها نفي العذاب عن المؤمنين، لا إثبات عذاب غير شديد.
والله أعلم.

الوجه الثامن:

قوله: "وللخواص الهيبة، وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف.
والخوف يزول بالأمن وينتهي به خوف الشخص على نفسه من العقاب، فإذا أمن العقاب زال الخوف.
والهيبة لا تزول أبدا لأنها مستحقة للرب بوصف التعظيم والإجلال، وذلك الوصف مستحق على الدوام، وهذه المعارضة والهيبة (^١) تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصون (^٢) المشاهد أحيان المشاهدة وتعصم (^٣) المعاين (^٤) بصدمة العزة، ومنه (^٥) قال قائلهم:

أشتاقه، فإذا بدا ... أطرقت من إجلاله

لا خيفة، بل هيبة ... وصيانة لجماله

وأصد عنه تجلدا ... وأروم طيف خياله" (^٦)

فيقال: من العجائب أن المعنى الذي أمر الله به في كتابه،

(^١) في المجالس: "وهذه الهيبة".
(^٢) "ط": "تصدم"! (^٣) كذا في الأصل وغيره.
وفي المجالس: "تقصم".
وفي منازل السائرين الذي اعتمد عليه ابن العريف في كلامهم هذا: "تفصم" بالفاء، وعليه فسره ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٦١٢). (^٤) "ك، ط": "العاين"، تحريف.
(^٥) "المجالس": "فيه".
(^٦) محاسن المجالس (٨٤).

الجزء: 2 - الصفحة: 632

وأثنى به على خاصة عباده وأقربهم إليه -وهم أنبياؤه ورسله وملائكته- يجعل ناقصا من منازل العوام، ويعمد إلى معنى لم يذكره الله ولا رسوله، ولا علق به المدح (^١) والثناء في موضع واحد، فيجعل هو الكمال، وهو للخواص من العباد! فأين في القرآن والسنة ذكر الهيبة والأمر بها ووصف خاصته بها؟ ونحن لا ننكر أن الهيبة من لوازم الإيمان وموجباته، ولكن المنكر أن يكون الوصف الذي وصف به أنبياءه وملائكته ناقصا، والوصف الذي لم يذكره هو الكامل التام!

وهذا المعنى المعبر عنه بالهيبة حق، ولكن لم تجئ العبارة عنه في القرآن والسنة بلفظ "الهيبة"، وإنما جاءت بلفظ "الإجلال" كقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، والإمام العادل" (^٢).
فالإجلال هو التعظيم، وكذلك الهيبة.
يوضح هذا:

الوجه التاسع:

وهو أن الهيبة والإجلال يجوز تعلقها (^٣) بالمخلوق، كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم" الحديث.
وقال ابن عباس عن عمر: "هبته وكان مهيبا" (^٤).
وأما الخشية

(^١) "ط": "على المدح"، خطأ.
(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٣)، والبيهقي في سننه (٨/ ١٦٢)، والمدخل (٦٦٢) وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري.
وجاء موقوفا وهو الصواب.
أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨٨ - زوائد المروزي) وابن أبي شيبة (٢١٩١٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٥٧) وغيرهم، وهو مع وقفه فيه أبو كنانة تابعي مجهول.
(ز).
(^٣) "ط": "تعلقهما".
(^٤) أخرجه البخاري (٤٦٢٩)، ومسلم (١٤٧٩) بلفظ: "مكثت سنة أريد أن أسأل =

الجزء: 2 - الصفحة: 633

والمخافة فلا تصلح إلا لله وحده.
قال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ [المائدة/ ٤٤].
وقال: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ (^١) [آل عمران/ ١٧٥]. وقال: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (١٨)﴾ [التوبة/ ١٨].

فالخوف عبودية القلب فلا يصلح إلا لله وحده (^٢)، كالذل والمحبة والإنابة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب.
فكيف تجعل (^٣) المهابة المشتركة أفضل منه وأعلى؟

وتأمل قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (٥٢)﴾ (^٤) [النور/ ٥٢] كيف جعل الطاعة له (^٥) ولرسوله، والخشية والتقوى له وحده.
وقال: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ (^٦) [الفتح/ ٩] كيف جعل التعزير والتوقير (^٧) للرسول وحده.
و"التوقير" هو

= عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له.
. .". (ز).
(^١) في الأصل وغيره: "خافوني" على قراءة أبي عمرو في الوصل.
وقد تقدم مثله في ص (٦١٤). (^٢) "وحده" ساقط من "ك، ط".
(^٣) "ك، ط": "وكيف يجعل".
(^٤) ضبط "ب": "ويتقه" بكسر القاف وسكون الهاء، على قراءة أبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر.
انظر: الإقناع (٥٠١). (^٥) "ك، ط": "لله".
(^٦) ضبطت الأفعال الثلاثة في "ف، ب" بالياء على قراءة ابن كثير وأبي عمرو.
والأصل غير منقوط.
انظر: الإقناع (٧٦٩). (^٧) "ك، ط": "التوقير والتعزير".

الجزء: 2 - الصفحة: 634

التعظيم الصادر عن الهيبة والإجلال.
هذا (^١) حقيقته، فعلم أن الخوف من أجل مقامات الخواص، وأنهم إليه أحوج، وبه أقوم من غيرهم.

الوجه العاشر: قوله: "الخوف يزول بالأمن، والهيبة لا تزول أبدا" إلى آخره.
فيقال: هذا حق، فإن الخوف إنما يكون قبل دخول الجنة، فإذا دخلوها زال عنهم الخوف الذي كان يصحبهم في الدنيا وفي عرصات القيامة، وبدلوا به أمنا؛ لأنهم قد أمنوا العذاب، فزايلهم الخوف منه.
ولكن لا يدل هذا على أنه كان مقاما ناقصا في الدنيا، كما أن الجهاد من أشرف المقامات، وقد زال عنهم في الآخرة.
وكذلك الإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق، وقد زال في الآخرة، وصار الأمر شهادة.
وكذلك الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النفس لله، وهي من أشرف الأعمال، وكلها تزول في الجنة.
وهذا لا يدل على نقصانها، فإن الجنة ليست دار سعي وعمل، إنما هي دار نعيم وثواب.

الوجه الحادي عشر: أن الخوف إنما زال في الجنة لأن تعلقه إنما هو بالأفعال لا بالذات -كما تقدم- وقد آمنهم ما كانوا يخافون منه.
فقد أمنوا أن يفعلوا (^٢) ما يخافون منه، وأن يفعل بهم ربهم ما يخيفهم.
ولكن كان الخوف في الدنيا أنفع شيء (^٣) لهم، فيه وصلوا إلى الأمن التام.
فإن الله سبحانه لا يجمع على عبده مخافتين ولا أمنين (^٤)، فمن خافه في

(^١) "ط": "هذه".
(^٢) "ك، ط": "أن لا يفعلوا".
(^٣) "شيء" ساقط من "ك، ط".
(^٤) "ك، ط": "مخافتين اثنتين"، تحريف.

الجزء: 2 - الصفحة: 635

الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن آمنه في الدنيا ولم يخفه أخافه في الآخرة.
وناهيك شرفا وفضلا بمقام ثمرته الأمن الدائم المطلق.

الوجه الثاني عشر:

أن الإجلال والمهابة والتعظيم إنما لم تزل لأنها متعلقة بنفس الذات، وهي موجودة في دار النعيم.
وأما الخوف فإنه إنما زال لأنه وسيلة إلى توفية العبودية والقيام بالأمر.
والوسيلة تزول عند حصول الغاية، ولكن زوال الوسيلة عند حصول الغاية لا يدل على أنها ناقصة.
وإذا كانت تلك الغاية لا كمال للعبد بدونها، فالوسيلة إليها كذلك.

الوجه الثالث عشر:

قوله: "وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصون المشاهد أحيان المشاهدة، وتعصم المعاين (^١) بصدمة العزة".

فيقال: لا ريب أن الحب والأنس المجرد عن الإجلال والتعظيم (^٢) يبسط النفس، ويحملها على بعض الدعاوى والرعونات والأماني الباطلة، وإساءة الأدب، والجناية على حق المحبة.
فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب، وإجلاله وتعظيمه، وشهود عز جلاله وعظيم سلطانه = انكسرت نفسه له، وذلت لعظمته، واستكانت لعزته، وتصاغرت لجلاله، وصفت من رعونات النفس وحماقاتها، ودعاويها الباطلة، وأمانيها الكاذبة.

ولهذا في الحديث: "يقول الله عز وجل: أين المتحابون بجلالي؟

(^١) "ط": "المعاني"، تحريف.
(^٢) "ط": "التعظيم والإجلال".

الجزء: 2 - الصفحة: 636

اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (^١).
فقال: "أين المتحابون بجلالي"، فهو حب بجلاله سبحانه وتعظيمه ومهابته، ليس حبا لمجرد جماله، فإنه سبحانه الجليل الجميل.
والحب الناشئ عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم في ظل عرشه يوم القيامة.
فشهود الجلال وحده يوجب خوفا وخشية وانكسارا، وشهود الجمال وحده يوجب حبا بانبساط وإدلال ورعونة.
وشهود الوصفين معا يوجب حبا مقرونا (^٢) بتعظيم وإجلال ومهابة، وهذا هو غاية كمال العبد.
والله أعلم.

وإنشاده هذه الأبيات الثلاثة في هذا المقام في غاية القبح، فإن هذا المحب نفى (^٣) خوفه من محبوبه، وأخبر أنه يصد عن محبوبه (^٤) ويعرض عنه إظهارا للتجلد إما على محبوبه (^٥)، وذلك قبيح في حكم المحبة، فإن التذلل للمحبوب وتملقه واستعطافه والانكسار له أولى بالمحب من تجلده وتعززه، كما قيل:

اخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد (^٦)

(^١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة (٢٥٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(^٢) في الأصل: "مقرون".
وهو سهو.
(^٣) "ط": "ينفي".
(^٤) "وأخبر أنه.
. ." إلى هنا ساقط من "ط".
(^٥) "ط": "للتجلد أمام رقيبه"، وهو غلط، فإن الكلام الآتي في التجلد على المحبوب.
أما التجلد على الرقيب فسيذكره بعد قليل.
(^٦) أنشده المصنف في مدارج السالكين (١/ ٢٨١)، وروضة المحبين (٢٩٠)، والبيت في بدائع البدائه (١٧).

الجزء: 2 - الصفحة: 637

ثم أخبر أنه يروم طيف خياله، فهو طالب لحظه من محبوبه، لا لمراد محبوبه منه.
فهذا محب لنفسه، وقد جعل طيف محبوبه وسيلة إلى حصول مراده، فأحبه حب الوسائل، بخلاف من قد أحب محبوبه لذات المحبوب، ففني عن مراده هو منه بمراد محبوبه، فصار مراده مراد محبوبه، فحصل الاتحاد في المراد، لا في الإرادة، ولا في المريد.

هذا إن كان صد (^١) عنه تجلدا عليه.
وإن كان تجلدا على الرقيب خوفا منه فهو ضعيف المحبة، لأن فيه بقية ليست مع محبوبه بل مع رقيبه، فهلا ملأ الحب قلبه، فلم يبق فيه بقية يلاحظ بها الرقيب والعاذل (^٢)؟ كما قيل:

لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل (^٣)

وبالجملة فهذه أبيات ناقصة المعنى لا يصلح الاستشهاد (^٤) بها في هذا المقام (^٥).
والله أعلم.

(^١) "ط": "صبره"، تحريف.
(^٢) "ف": "الغافل".
قراءة محتملة.
(^٣) تقدم في ص (٥٠٣). (^٤) "ب": "الاحتجاج".
(^٥) "في هذا المقام" ساقط من "ب، ك، ط".

الجزء: 2 - الصفحة: 638

فصول الكتاب · 53 فصل
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنىالعز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائحالثاني: حمد النعم والآلاءقاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريفالمقدمةالرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حدود أخرى للمحبة]الفصل الأول في حقيقتهفصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسانالطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاةثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل