طريق الهجرتين وباب السعادتينصفحات 532-544
أهل الأثرالأرشيف العلمي

والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده -مع أنه لم يأت نظيره في غيرها من الطاعات- دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله، وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات.
وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها.

فهذا بعض ما احتج به لهذا القول.

وأما الطائفة التي قالت: لا يعود إلى مثل ما كان، بل لا بد أن ينقص عن حاله ١، فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبوديه بلا ريب، فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط في حقوقه، وهذا مما لا يمكن جحده ومكابرته.
فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته ترك مؤاخذته بالذنب والعفو عنه، وأما مقام القرب والمحبة، فهيهات أن يعود!

قالوا: ولأن هذا في زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله.
فلو كان واقفا في موضعه لفاته التقدم، فكيف وهو في زمن المعصية ٢ كان سيره إلى وراء وراء؟ فإذا تاب واستقبل سيره، فإنه يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الموضع الذي تأخر منه.

قالوا: ونحن لا ننكر أنه قد يأتي بطاعات وأعمال تبلغه إلى منزلته، وإنما أنكرنا أن يكون بمجرد التوبة النصوح يعود إلى منزلته وحالته ٣.
وهذا مما لا يكون، فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق، فلا يصل إلى

مكانه الذي رجع منه إلا بسير مستأنف يوصله إليه.
ونحن لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم.

قالوا: وأيضا فلو رجع إلى حاله التي كان عليها أو إلى أرفع منها لكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالا منه، فكيف يكون هذا؟ وأين سير ١ صاحب الطاعة في زمن اشتغال هذا بالمعصية؟ وكيف يلتقي رجلان: أحدهما سائر نحو المشرق، والآخر نحو المغرب، فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر، والآخر مجد على سيره، فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان؟ هذا مما لا يمكن جحده ودفعه.

قالوا: وأيضا فمرض القلب بالذنوب على مثال مرض الجسم بالأسقام، والتوبة بمنزلة شرب الدواء.
والمريض إذا شرب الدواء وصح، فإنه لا تعود ٢ إليه قوته قبل المرض؛ وإن عادت فبعد حين.

قالوا: وأيضا فهذا في زمن معالجة التوبة ملبوك ٣ في نفسه، مشغول بمداواتها ومعالجتها؛ وفي زمن الذنب مشغول بشهوتها.
والسالم من ذلك مشغول بربه، قد قرب منه في سيره.
فكيف يلحقه هذا؟

فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة لقولها.

وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجزدة.
فإما سألته، وإما سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود أكمل مما كان ١، ومنهم من يعود أنقص ٢ مما كان.
فإن كان بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة، وأشد حذرا، وأعظم تشميرا، وأعظم ذلا وخشية وإنابة، عاد إلى أرفع مما كان.
وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور، ولم يعد بعد التوبة إليها، عاد إلى أنقص مما كان عليه.
وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته.
هذا معنى كلامه رضي الله عنه ٣.

[مسألة أخرى]

قلت: وههنا مسألة، هذا الموضع أخص المواضع ببيانها.
وهي أن التائب إذا تاب إلى الله توبة نصوحا، فهل تمحى تلك السيئات، ويذهب لا له ولا عليه، أوإذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ ٤

هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين وغيرهم قديما وحديثا.
فقال الزجاج: "ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة" ٥.

قال ابن عطية: "يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة.
فيكون ذلك سببا لرحمة الله إئاهم.
قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن" ورد على من قال: هو في يوم القيامة.
قال: "وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذر يقتضي أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذي والطبري.
وهذا تأويل سعيد بن المسيب في هذه الآية".
قال ابن عطية: "وهو معنى كرم العفو" ١.
هذا آخر كلامه.

قلت: سيأتي إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه، والكلام عليه.

قال المهدوي: "وروي معنى هذا القول عن سلمان الفارسي وسعيد ابن جبير وغيرهما".

وقال الثعلبي: "قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: ﴿يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان/ ٧٠]: يبدلهم الله بقبائح ٢ أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم ٣ بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنى عفة وإحصانا.
وقال الآخرون ٤: يعني يبذل الله سيئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسنات يوم القيامة" ٥.

و

أصل القولين

أن هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال إنه في الدنيا قال ١: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، وهي حسنات؛ وهذا تبديل حقيقة.
والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفر ويذهب أثرها.
فأما أن تنقلب حسنة فلا، فإنها لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة ٢ مكروهة للرب، فكيف تنقلب محبوبة له ٣ مرضية؟

قالوا: وأيضا فالذي دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، كقوله: ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا﴾ [آل عمران/ ١٩٣]، وقوله: ﴿ويعفو عن السيئات﴾ [الشورى/ ٢٥]، وقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر/ ٥٣].
والقرآن مملوء من ذلك.

وفي الصحيح من حديث قتادة، عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ ٤ فيقول: رب أعرف ٥.
قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم.
فيعطى صحيفة حسناته.
وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على الله عز وجل" ٦.
فهذا الحديث المتفق عليه الذي

يتضمن ١ العناية بهذا العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة، ولم يقل له: وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة؛ فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها.

وقد قال تعالى في حق الصادقين: ﴿ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (٣٥)﴾ [الزمر/ ٣٥].
فهؤلاء خيار الخلق، وقد أخبر ٢ أنه يكفر عنهم سيئات أعمالهم، ويجزيهم بأحسن ما عملوا ٣، وأحسن ما عملوا إنما هو الحسنات لا السيئات؛ فدل على أن الجزاء بالحسنى إنما يكون على الحسنات وحدها.
وأما السيئات فحسبها أن تلغى ٤ ويبطل أثرها.

قالوا: وأيضا فلو انقلبت السيئات أنفسها حسنات في حق التائب لكان أحسن حالا من الذي لم يرتكب منها شيئا، وأكثر حسنات منه، لأنه إذا ٥ شاركه في حسناته التي فعلها، وامتاز عنه بتلك السيئات، ثم انقلبت له حسنات، ترجح عليه.
وكيف ٦ يكون صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئة له؟

قالوا: وأيضا فكما أن العبد إذا فعل حسنات، ثم أتى بما يحبطها،

فإنها لا تنقلب سيئات يعاقب عليها، بل يبطل أثرها، ويكون لا له ولا عليه، وتكون عقوبته عدم ترتب ثوابه عليها؛ فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها، فإنها لا تنقلب حسنات.
فإن قلتم: وهكذا التائب يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته، لم ننازعكم في هذا.
وليس هذا معنى الحسنة، فإن الحسنة تقتضي ثوابا وجوديا.

واحتجت الطائفة الأخرى التي قالت: هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة.
وهذا إنما يكون في السيئة المحققة، وهي التي قد فعلت ووقعت؛ فإذا بدلت حسنة كان معناه أنها محيت وأثبت مكانها حسنة.

قالوا: ولهذا قال سبحانه: ﴿سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان/ ٧٠]، فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها، ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم لأنها من غير صنعهم وكسبهم، بل هي مجرد فضل الله وكرمه.

قالوا: وأيضا فالتبديل في الآية إنما هو فعل الله، لا فعلهم؛ فإنه أخبر أنه هو يبدل سيئاتهم حسنات.
ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم، فإنهم هم الذين بدلوا ١ سيئاتهم حسنات.
والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها، كما قال تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة/ ٥٩].
وأما ما كان من غير الفاعل فإنه يجعله من تبديله هو، كما قال تعالى: ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾ [سبأ/ ١٦].
فلما أخبر سبحانه أنه هو الذي يبدل سيئاتهم حسنات، دل على أنه شيء فعله

هو سبحانه بسيئاتهم، لا أنهم فعلوه من تلقاء أنفسهم، وإن كان سببه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح.

قالوا: ويدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه ١ من حديث الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها.
فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم.
لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه.
فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة.
فيقول: رب، قد عملت أشياء لا أراها ههنا" فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه.
قال: فتعرض عليه، ويخبأ عنه كبارها.
فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من الكبار.
فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة.
قال: فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها".
فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه ٢.

قالوا: وأيضا فروى أبو حفص المستملي، عن محمد بن عبد العزيز

ابن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعي، عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات".
قيل: من هم؟ قال: "الذين بدل الله ١ سيئاتهم حسنات" ٢.

قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة، فإنهم إنما سموا "أبدالا" لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التي عملوها حسنات.

قالوا: وأيضا فالجزاء من جنس العمل، فكما بدلوا هم أعمالهم السيئة بالحسنة، بدلها الله من ٣ صحف الحفظة حسنات جزاء وفاقا.

قالت الطائفة الأولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبي ذر على صحة قولكم، وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار حتى كان آخر أهلها خروجا منها؟ فهذا قد عوقب على سيئاته، فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة منها حسنة.
وهذا حكم غير ٤ ما نحن فيه، فإن الكلام في التائب من السيئات، لا فيمن مات مصرا عليها غير تائب منها ٥، فأين أحدهما من الآخر؟

وأما ١ حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادا ومتنا، إلا أنه مختصر.

وأما حديث أبي هريرة فلا يثبت مثله.
ومن أبو العنبس ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مع شدة حرصه على التنفير من السيئات، وتقبيح أهلها، وذفهم وعيبهم، والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ فكيف يصح عنه ٢ -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه يقول: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منها"؟ ثم كيف يتمنى المرء إكثاره منها، مع سوء عاقبتها، وسوء مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار من الطاعات.
وفي الترمذي مرفوعا: "ليتمنين أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاء" ٣.
فهذا فيه تمني البلاء يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله ٤.
وأما تمني الحسنات، فهذا لا ريب فيه؛ وأما تمني السيئات، فكيف يتمنى العبد أنه كان ٥ أكثر من السيئات؟ هذا ما لا يكون أبدا.
وإنما يتمنى المسيء أن لو لم يكن أساء، وأما تمنيه أنه

ازداد من إساءته، فكلا!

قالوا: وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات الحسنة مكان السيئه، فحق، وكذلك نقول إن الحسنة المفعولة صارت في مكان السيئة التي لولا الحسنة لحلت محلها.

قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات إليهم، وذلك يقتضي أن تكون هي السيئات الواقعة؛ وتنكير الحسنات، وهو يقتضي أن تكون حسنات من فضل الله = فهو حق بلا ريب، ولكن من أين ينفى ١ أن يكون فضل الله بها مقارنا لكسبهم إياها بفضله؟

قالوا: وأما قولكم: إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم، وذلك يقتضي أنه هو الذي بدلها سبحانه من الصحف، لا أنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها؛ فهذا ٢ لا دليل لكم فيه ٣، فإن الله تعالى خالق أفعال العباد، فهو المبدل للسيئات حسنات خلقا وتكوينا، وهم المبدلون لها فعلا وكسبا.

قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاء من جنس العمل، فكما بدلوا سيئات أعمالهم بمحاسنهم ٤، بدلها الله كذلك في صحف الأعمال؛ فهذا حق، وبه نقول، وأنه بدلت السيئات التي كانت مهيأة معدة ٥ أن تحل في الصحف بحسنات حلت موضعها.

فهذا منتهى إقدام الطائفتين، ومحط نظر الفريقين.
وإليك أيها المنصف الحكم بينهما، فقد أدلى كل منهما بحجته، وقام ببينته ١، والحق لا يعدوهما ولا يتجاوزهما ٢.
فأرشد الله من أعان ٣ على هدى، فنال به درجة الداعين إلى الله القائمين ببيان حججه ودينه؛ أو عذر طالبا منفردا في طريق مطلبه، قد انقطع رجاؤه من رفيق في الطريق، فغاية أمنيته أن يخلى بينه وبين سيره، وأن لا يقطع عليه طريقه.
فمن رفع له مثل هذا العلم، ولم يشمر إليه، فقد رضي بالدون، وحصل على صفقة المغبون.
ومن شمر إليه، ورام أن لا يعارضه معارض، ولا يتصدى له ممانع، فقد منى نفسه المحال! وإن صبر على لأوائها وشدتها، فهو -والله- الفوز المبين والحظ الجزيل.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

فالصواب ٤ -إن شاء الله- في هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة، والحسنة إنما هي أمر وجودي يقتضي ثوابا، ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهي، وذلك الكف والحبس أمر وجودي هو ٥ متعلق الثواب.
وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلا، ولم يحدث به نفسه، فهذا كيف يثاب على تركه؟ ولو أثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما

لا يحصى، فإن الترك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كله؟ هذا مما لا يتوهم.
وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرا وجوديا، فالتائب من الذنوب التي قد عملها ١ قد قارن كل ذنب منها ندما عليه، وكف نفسه عنه، وعزمه ٢ على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب، وقد محت التوبة أثر الذنب، وخلفه هذا الندم والعزم، وهو حسنة، فقد بدلت ٣ تلك السيئة حسنة.
وهذا معنى قول بعض المفسرين: "يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة" ٤.
فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها، فتوبته منها حسنة حلت مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة.
ولهذا ٥ قال بعض المفسرين في هذه الآية: "يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة".

وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة.

وأما حديث أبي ذر -وإن كان التبديل فيه في حق المصر الذي عذب على سيئاته- فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته.
فإن الذنوب التي عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن، فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة، لأن

ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة اقتضى ١ زوال أثرها وتبديلها حسنات، فإن الندم لم يكن في وقت ينفعه، فلما عوقب عليها وزال أثرها بدلها الله له حسنات، فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زواله بالعقوبة حسنات، فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى.
وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة، لأن التوبة فعل اختياري أتى به العبد طوعا ومحبة لله وفرقا منه.
وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره ٢، بل بفعل الله، ولا ريب أن تأثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو أثر الذنوب ٣ أعظم من تأثير المصائب التي تناله بغير اختياره.

ولنرجع الآن إلى المقصود، وهو الكلام على ٤ ما ذكره أبو العباس ابن العريف في علل المقامات.
فقد ذكرنا كلامه في علة مقام الإرادة والكلام عليه، وذكرنا كلامه في مقام الزهد وقوله إنه من مقامات العامة ٥، وذكرنا أن الكلام على ذلك من وجوه، هذا آخر الوجه الثاني منها ٦.

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل