فصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]
وإذا كان التلوث بالأعراض (^١) قيدا يقيد القلوب عن سفرها إلى بلد حياتها ونعيمها الذي لا سكن لها غيره، ولا راحة لها إلا فيه، ولا سرور لها إلا في منازله، ولا أمن لها إلا بين أهله؛ فكذلك الذي قد باشر (^٢) قلبه روح التأله، وذاق طعم المحبة، وآنس نار المعرفة، له أعراض دقيقة حالية تقيد قلبه عن مكافحة صريح الحق، وصحة الاضطرار إليه، والفناء التام به، والبقاء الدائم بنوره الذي هو المطلوب من السير والسلوك، وهو الغاية التي شمر إليها السالكون، والعلم الذي أمه العابدون، ودندن حوله العارفون.
فجميع ما يحجب عنه أو يقيد القلب نظره وهمه يكون حجابا يحجب الواصل، ويوقف السالك، وينكس الطالب.
فالزهد فيه على أصحاب الهمم العلية متعين تعين الواجب المعين (^٣) الذي لا بد منه، وهو كزهد السالك إلى الحج في الظلال والمياه التي يمر بها في المنازل.
فالأول مقيد عن الحقائق برؤية الأعراض، والثاني مقيد عن النهايات برؤية الأحوال، فتقيد كل منهما عن الغاية المطلوبة، وترتب على هذا
(^١) ضبطت الكلمة في الأصل هنا بالعين المهملة، وفي الموضع التالي بالمعجمة، ثم بالمهملة، وستأتي مرة أخرى في ص (٤٥) بالمهملة، وفي "ف" في الموضعين الأولين بالمعجمة ثم بالمهملة، ولعل الصواب بالمهملة كما أثبتنا، وكذا في "ن، ك" في المواضع المذكورة كلها.
(^٢) "ك، ط": "الذي باشر".
(^٣) "المعين": ساقط من "ك، ط".
الجزء: 1 - الصفحة: 35
القيد عدم النفوذ (^١)، وذلك مؤخر مخلف.
وإذا عرف العبد هذا وانكشف له علمه تعين عليه الزهد في الأحوال والفقر منها، كما تعين عليه الزهد في المال والشرف وخلو قلبه منهما.
وكما (^٢) كان موجب الدرجة الأولى من الفقر الرجوع إلى الآخرة، فأوجب الاستغراق في هم الآخرة نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا، وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما؛ فكذلك (^٣) كان موجب هذه الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله عز وجل، ومطالعة سبقه للأسباب (^٤) والوسائط.
فبفضل الله وبرحمته (^٥) وجدت منهم (^٦) الأحوال (^٧) الشريفة، والمقامات العلية، وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته وموالاته.
وكان سبحانه هو الأول في ذلك كله، كما أنه الأول في كل شيء؛ وكان هو الآخر في ذلك، كما هو الآخر في كل شيء.
فمن عبده باسمه الأول الآخر (^٨) حصل (^٩) له حقيقة هذا الفقر، فإن انضاف إلى ذلك
(^١) سيأتي تفسير "النفوذ" في ص (٣٨٨ - ٣٨٩).
(^٢) في الأصل وغيره: "لما"، والصواب ما أثبتنا.
(^٣) "ط": "وكذلك".
(^٤) "ك، ط": "الأسباب".
(^٥) "ك، ط": "ورحمته".
(^٦) "ك، ط": "منه".
(^٧) "ك، ط": "الأقوال"، تحريف.
(^٨) "ن، ك، ط": "والآخر".
(^٩) "ك، ط": "حصلت".
الجزء: 1 - الصفحة: 36
عبوديته باسمه "الظاهر الباطن" (^١) فهذا هو العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرا وباطنا.
ف
عبوديته باسمه "الأول
" تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف عندها (^٢) والالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك! وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا.
فمنه الإعداد، ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده لم تكن بوسائل أخرى، فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له ذلك (^٣) فقرا خاصا وعبودية خاصة.
وعبوديته باسمه "الآخر" تقتضي أيضا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها، فإنها تعدم (^٤) لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها.
فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول فالتعلق (^٥) به حقيق أن لا يزول، ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به.
فكما (^٦) نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها،
(^١) " ن، ك، ط": "والباطن".
(^٢) "عندها": ساقط من "ك، ط".
(^٣) "ذلك" ساقط من "ك، ط".
(^٤) "ط": "تنعدم ".
(^٥) "ط": "فالمتعلق"، وهو خطأ.
(^٦) "ط": "كذا".
الجزء: 1 - الصفحة: 37
فكذلك (^١) نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها.
فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه.
فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهي الأمر حيث (^٢) تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيء وآخره.
وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته وحده.
كما أنه لا وجود له إلا بكونه وحده هو ربه وخالقه، فكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تعالى (^٣) وحده هو غايته ونهاية مقصوده (^٤).
فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها (^٥) وإرادتها (^٦) ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ.
فكما كان واحدا في إيجادك، فاجعله واحدا في تألهك وعبوديتك (^٧).
وكما ابتدأ وجودك
(^١) "ط": "وكذلك".
(^٢) "ينتهي الأمر حيث" ساقط من "ط".
(^٣) من قوله "هو غايته وحده" إلى هنا ساقط من "ط".
(^٤) "ط": "نهايته ومقصوده".
(^٥) "ك": "عبوديتها".
(^٦) "ن، ك، ط": "إراداتها".
(^٧) "ط": "تألهك إليه لتصح عبوديتك"، وهو غلط ناشئ من السقط في بعض النسخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 38
وخلقك منه، فاجعل (^١) نهاية حبك وإرادتك وتألهك (^٢) إليه لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر.
وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه "الأول"، وإنما الشأن في التعبد له باسمه "الآخر"، فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده.
وأما عبوديته باسمه "الظاهر" كما (^٣) فسره النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (^٤).
فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته، وأنه ليس شيء فوقه (^٥) البتة، وأنه قاهر فوق عباده، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر/ ١٠] صار لقلبه أمما يقصده، وربا يعبده، وإلها يتوجه إليه؛ بخلاف من لا يدري أين ربه، فإنه ضائع مشتت القلب، ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها، ولا معبود يتوجه إليه قصده.
وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلها يسكن إليه ويتوجه إليه، وقد اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم، وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ويصلى له ويسجد، وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح.
جال قلبه في الوجود
(^١) "ك، ط": "فاجعله"، وهو خطأ.
(^٢) قوله "وعبوديتك" إلى هنا ساقط في "ك" "لانتقال النظر.
(^٣) "ك، ط": "فكما".
(^٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (٢٧١٣).
(^٥) "ك، ط": "ليس فوقه شيء".
الجزء: 1 - الصفحة: 39
جميعه فوقع في الاتحاد ولا بد، وتعلق قلبه بالوجود المطلق الساري في المعينات، فاتخذه إلهه (^١) من دون الإله الحق (^٢)، وظن أنه قد وصل إلى عين الحقيقة! وإنما تأله وتعبد لمخلوق مثله، أو لخيال (^٣) نحته بفكره واتخذه إلها من دون الله، وإله الرسل وراء ذلك كله:
﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (٣) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (٤)﴾ [يونس/ ٣ - ٤].
وقال تعالى: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (٤) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (٥) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (٦) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (٧) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (٨) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (٩)﴾ [السجدة/ ٤ - ٩].
فقد تعرف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفة لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه، وإن زعم أنه مقر به.
(^١) "ك، ط": "فاتخذ إلهه".
(^٢) "ك، ط": "إله الحق"، وقد صحح في حاشية "ك".
(^٣) "ط": "ولخيال".
الجزء: 1 - الصفحة: 40
والمقصود أن التعبد باسم (^١) "الظاهر" يجمع القلب على المعبود، ويجعل له ربا يقصده، وصمدا يصمد إليه في حوائجه، وملجأ يلجأ إليه.
فإذا استقر ذلك في قلبه، وعرف ربه باسمه "الظاهر" استقامت له عبوديته، وصار له معقل وموئل يلجأ إليه، ويهرب إليه، ويفر كل وقت إليه.
وأما تعبده باسمه "الباطن" فامر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته، ويكل اللسان عن وصفه، وتصطلم الإشارة إليه، وتجفو العبارة عنه؛ فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل، مخلصة من فرث التشبيه (^٢)، منزهة عن رجس الحلول والاتحاد؛ وعبارة مؤدية للمعنى كاشفة عنه، وذوقا صحيحا، سليما من أذواق أهل الانحراف.
فمن رزق هذا فهم معنى اسمه "الباطن"، وصح له التعبد به.
وسبحانه الله كم زلت في هذا المقام أقدام، وضلت فيه أفهام! وتكلم فيه الزنديق بلسان الصديق، واشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين، لنبو الأفهام عنه، وعزة تخلص الحق من الباطل فيه، والتباس ما في الذهن بما في الخارج إلا على من رزقه الله بصيرة في الحق، ونورا يميز به بين الهدى والضلال، وفرقانا يفرق به (^٣) بين الحق
(^١) "ك، ط": "باسمه".
(^٢) هذا التعبير مأخوذ من قوله تعالى في سوره النحل ﴿نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين﴾.
وقد لهج به المصنف، فورد في غير موضع من كتبه.
انظر مثلا مقدمة النونية: (٤٢)، وبدائع الفوائد: (٢٩١)، ومدارج السالكين (٣: ١٢٢). وسيأتي مرة أخرى في هذا الكتاب في ص (٥٤). وانظر نحوه في قول الشاشي في نفح الطيب (٥: ٢٨٦).
(^٣) "به" ساقطة من "ك، ط".
وقد استدركت في القطرية.
الجزء: 1 - الصفحة: 41
والباطل، ورزق مع ذلك اطلاعا على أسباب الخطا، وتفرق الطرق، ومثار الغلط، فكان (^١) له بصيرة في الحق والباطل.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب تبارك وتعالى بالعالم وعظمته، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد (^٢)، قال تعالى: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ [الإسراء/ ٦٠]، وقال: ﴿والله من ورائهم محيط (٢٠)﴾ [البروج/ ٢٠]
ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه، كما قال تعالى: ﴿وهو العلي العظيم (٢٥٥)﴾ [البقرة/ ٢٥٥، الشورى/ ٤]، وقال: ﴿وهو العلي الكبير (٢٣)﴾ [سبأ/ ٢٣]، وقال: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (١١٥)﴾ [البقرة/ ١١٥] (^٣).
وهو تبارك وتعالى كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهر على كل شيء وكان (^٤) فوقه،
(^١) "ط": "وكان".
(^٢) يشير إلى قول ابن عباس: "ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم" وقد أخرجه الطبري في في تفسيره (٢٠/ ٢٤٦).
(^٣) وانظر الصواعق: (١٣٦٥).
(^٤) "ك": "وهو فوقه".
"ن": "فكان"، وكذا في "ط".
الجزء: 1 - الصفحة: 42
وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه، وكل شيء في قبضته، وليس (^١) في قبضة نفسه، فهذا قرب الإحاطة العامة (^٢).
وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه "الباطن"، قال الله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة/ ١٨٦]، فهذا قربه من داعيه.
وقال تعالى: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف/ ٥٦] فذكر (^٣) الخبر -وهو"قريب"- عن لفظ "الرحمة" وهي مؤنثة إيذانا بقربه تعالى من المحسن (^٤)، فكأنه قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين (^٥).
وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- (^٦): "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (^٧) و"أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل" (^٨)، فهذا
(^١) "ط": "وليس شيء".
(^٢) "ط": "أقرب للأحاطة العامة"، غلط.
(^٣) في الأصل: "فوحد"، وهو سهو، وكذا في "ف، ن".
(^٤) "ك، ط": "المحسنين".
(^٥) وانظر كلاما مستفيضا للمؤلف على هذه المسألة في بدائع الفوائد (٨٦٢ - ٨٨٩). وانظر أيضا: رسالتي الروذراوري وابن مالك (ط سليمان العايد) ورسالة ابن هشام (ط الحموز).
(^٦) زاد في "ط": "قال".
(^٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٨٢).
(^٨) أخرجه الترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي (٥٧٢)، وابن خزيمة في صحيحه (١١٤٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٣) (١١٦٢) وغيرهم.
قال الترمذي: =
الجزء: 1 - الصفحة: 43
قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون.
وفي الصحيح من حديث أبي موسى أنهم كانوا مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (^١)، فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعني: فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات، وهو لقربه يسمعها، وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت، فإنه سميع قريب؟
وهذا القرب هو من لوازم المحبة، فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر (^٢).
وقد يستولي (^٣) محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيره، ويغلب محبوبه على قلبه حتى كأنه يراه ويشاهده، فإن (^٤) لم يكن عنده معرفة صحيحة بالله وما يجب له ويستحيل (^٥) عليه، وإلا (^٦) طرق باب الحلول إن لم يلجه.
وسببه ضعف تمييزه، وقوة
= "حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم، ولم يتعقبه الذهبي (ز).
(^١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (٢٩٩٢) وغيره.
(^٢) وانظر: المدارج (٢/ ٣٠٥)، والبدائع (٣/ ٨٤٥)، ومجموع الفتاوى (١٥/ ١٧).
(^٣) كذا في الأصل بالياء.
وفي "ك، ط": "وقد استولت".
(^٤) "ك": "فإذا".
(^٥) "ط": "وما يستحيل".
(^٦) وقعت "إلا" هنا في غير موقعها، ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها، ولعله من الأخطاء الشائعة في زمن المصنف، فقد تكرر في كتبه وكتب شيخه.
انظر مثلا =
الجزء: 1 - الصفحة: 44
سلطان المحبة، واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة سواه (^١)، وفي مثل هذه الحال يقول: "سبحاني" أو "ما في الجبة إلا الله" (^٢)، ونحو هذا من الشطحات التي نهايتها أن تغفر (^٣) له ويعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال.
فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله سبحانه أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرا ليس فوقه شيء.
ومن كثف ذهنه وغلظ طبعه عن فهم هذا فليضرب عنه صفحا إلى ما هو أولى به (^٤)، فقد قيل:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع (^٥)
فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة، ومعرفة بقرب المحبوب من محبه غاية القرب، وإن كان بينهما غاية المسافة -ولاسيما إذا كانت المحبة من الطرفين، وهي محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها- فإن المحب كثيرا ما يستولي محبوبه على قلبه وذكره،
= هذا الكتاب ص (٢٢٧، ٢٢٨)، والداء والدواء (٢٣٩)، وشفاء العليل (١٩٨)، وجامع المسائل (١/ ٩٢، ١٧١) و(٢/ ٢٠٢)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٧).
(^١) "ط": "ما سواه".
وانظر: الوابل الصيب (١٥٩).
(^٢) تنسب هذه الكلمات إلى أبي يزيد البسطامي (٢٦١ هـ) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٨).
(^٣) "ك، ط": "يغفر".
(^٤) "به" ساقط من "ك"، وبعده فيها: "وقد قيل".
(^٥) البيت لعمرو بن معد يكرب في مجموع شعره (١٤٥).
الجزء: 1 - الصفحة: 45
ويفنى عن غيره، ويرق قلبه ولتجرد نفسه، فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه، وبينهما من البعد ما بينهما.
وفي هذا (^١) الحال يكون في قلبه وجوده العلمي، وفي لسانه وجوده اللفظي، فيستولي هذا الشهود عليه ويغيب به، فيظن أن في عينه (^٢) وجوده الخارجي، لغلبة حكم القلب والروح، كما قيل:
خيالك في عيني، وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي، فأين تغيب! (^٣)
هذا، ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه من البعد ما بينهما (^٤)، وإن قربت الأبدان وتلاصقت الديار.
والمقصود أن المثال العلمي غير الحقيقة الخارجية وإن كان مطابقا لها، لكن المثال العلمي محله القلب، والحقيقة الخارجية محلها الخارج.
فمعرفة هذه (^٥) الأسماء الأربعة -وهي: الأول، والآخر، والظاهر والباطن- هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه.
واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وباطنا وظاهرا (^٦)، بل كل شي فله أول
(^١) "ك، ط": "هذه".
(^٢) "ف": "غيبة"، تصحيف.
(^٣) أنشده المصنف في روضة المحبين (١٠٠)، والداء والدواء (٢٨٥)، ومع بيت آخر في المفتاح (١/ ٤٣٨)، وهو لأبي الحكم ابن غلندو الأشبيلي الطبيب الشاعر (٥٨١ أو ٥٨٧ هـ). انظر: معجم الأدباء (١١٩٤).
(^٤) "ك": "ما بينها من البعد".
ط: "وما بينهما.
. ".
(^٥) "هذه" ساقط من "ط" ومستدرك في القطرية.
(^٦) "ك، ط": "ظاهرا وباطنا".
الجزء: 1 - الصفحة: 46
وآخر وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس، وأدنى من ذلك وأكبر (^١).
فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه.
فأوليته سبقه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء.
وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه.
وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، وبحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه.
هذا لون، وهذا لون.
فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت (^٢) أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته؛ فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر.
وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا الله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله (^٣) قبله، وما من آخر إلا والله بعده: فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه.
فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه.
فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.
فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في
(^١) "ن، ك، ط": "أكثر".
(^٢) "ك، ط": "فإحاطة"، خطأ.
(^٣) "ك": فالله".
الجزء: 1 - الصفحة: 47
آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
والتعبد بهذه الأسماء له (^١) رتبتان:
الرتبة الأولى: أن يشهد (^٢) الأولية منه تعالى في كل شيء، والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب والدنو دون كل شيء.
فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه، فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب؛ والرب جل جلاله ليس دونه شيء هو (^٣) أقرب إلى الخلق منه.
والمرتبة الثانية من التعبد: أن يعامل كل اسم بمقتضاه، فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء، وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها، بما يقتضيه ذلك من إفراده، وعدم الالتفات إلى غيره، والوثوق بسواه والتوكل على غيره.
فمن (^٤) الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئا مذكورا حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات (^٥) المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك عن (^٦) التزام الرق لمن له شكل ونديد؟ ثم وجه وجهة قلبك إليه تبارك وتعالى دون ما سواه.
(^١) "له" ساقط من "ط".
(^٢) "ك، ط": "تشهد".
(^٣) "هو" ساقط من "ك، ط".
(^٤) "ك، ط": "من ذا".
(^٥) أقطع فلانا أرضا: أعطاه إياها تمليكا أو للانتفاع بها.
والعمالة: أجرة العامل، والإمارة والولاية.
(^٦) "ك، ط": "من".
الجزء: 1 - الصفحة: 48
فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القدم، أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها، وكانت أوليتها منه بلا سبب منك.
واسم بهمتك عن ملاحظة الأغيار (^١)، ولا تركن (^٢) إلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخسيس الدون.
وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله، فان الله عز وجل قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته.
ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد.
ثم اسم بسرك إلى المطلب الأعلى، واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، وهيأها لك (^٣)، وصرف عنك موانعها، وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة.
فتوكل عليه وحده، وعامله وحده، وآثر مرضاته (^٤) وحده، واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفا بها، مستلما لأركانها، واقفا بملتزمها.
فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله! "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (^٥)، سبحانك وبحمدك.
(^١) "ط": "الاختيار".
وكذا كان في "ك"، فأصلحه بعض القراء.
(^٢) "ك، ط": "ولا تركنن".
(^٣) "ط": "وهيأ لك".
(^٤) "ك، ط": "رضاه".
(^٥) من حديث سيأتي في ص (٤٤٣).
الجزء: 1 - الصفحة: 49
ثم تعبد له باسمه "الآخر" بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءه.
فكما انتهت إليه الأواخر، وكان بعد كل آخر، فكذلك اجعل نهايتك إليه، فإن إلى ربك المنتهى، إليه انتهت الأسباب والغايات، فليس وراءه مرمى ينتهى إليه.
وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه "الظاهر".
وأما التعبد باسمه "الباطن" فإذا شهدت إحاطته بالعوالم، وقرب البعيد (^١) منه، وظهور البواطن له، وبدو السرائر له (^٢)، وأنه لا شيء بينه وبينها، فعامله بمقتضى هذا الشهود، وطهر له سريرتك، فإنها عنده علانية؛ وأصلح له غيبك، فإنه عنده شهادة؛ وزك له باطنك، فإنه عنده ظاهر.
فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله، وجماع العبودية له.
فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته، فلا يرى لغيره شيئا إلا به وبحوله وقوته؛ وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه، أو يتحلى به، أو يتخذه عقدة (^٣)، أو يراه ليوم فاقته، أو يعتمد عليه في مهمة من مهماته.
فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع، كما هو شأن الطبيعة والهوى، وموجب الظلم والجهل، والإنسان ظلوم جهول.
فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته، وكمل فطرته، وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها، أصبح
(^١) "ك، ط": "العبيد".
(^٢) "له" ساقط من "ك، ط".
(^٣) "ف": "عقده"، وكذا في "ط".
وفي "ك": "عمده".
ولعل الصواب ما أثبتنا، والعقدة هي المال الذي يقتنيه المرء.
الجزء: 1 - الصفحة: 50
كالمفلس (^١) حقا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه.
يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي، أي من انتسابي إليهما وغيبتي (^٢) بهما عن فضل من ذكرني بهما، وابتدأني بإعطائهما، من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك.
فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبق منته ودوامها (^٣)، فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية (^٤) بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابين:
أحدهما: الخلاص من رؤية الأعمال حيث كان يراها، ويمتدح بها، ويستكثرها؛ فيستغرق بمطالعة الفضل غائبا عنها، ذاهبا عنها، فانيا عن رؤيتها.
الثواب الثاني: أن يقطعه عن شهود الأحوال -أي عن شهود نفسه فيها متكثرة بها- فإن الحال محله الصدر، والصدر بيت القلب والنفس، فإذا نزل العطاء في الصدر للقلب (^٥) وثبت (^٦) النفس لتأخذ نصيبها من العطاء، فتتمدح به، وتدل به، وتزهو، وتستطيل، وتقرر إنيتها، لأنها جاهلة ظالمة، وهذا مقتضى الجهل والظلم.
فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه "المنان"، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه "الأول" ذهل القلب والنفس به، وصار العبد فقيرا
(^١) "ك، ط": "كمفلس".
(^٢) الأصل غير منقوط، وقراءة "ف": "غنيتي"، والمثبت من غيرها.
(^٣) "ك، ط": "دوامه".
(^٤) "ف": "الغالبة لحقيقة"، تصحيف.
(^٥) "ف": "انقلب"، تحريف.
(^٦) "ط": "ثبتت"، تحريف.
الجزء: 1 - الصفحة: 51
إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه، بحيث يكون بشهادته لحاله مفصوما مقطوعا عن رؤية عزة مولاه وفاطره وملاحظة صفاته.
فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منة خالقه وفضله، ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها؛ وغائب بمشاهدة عزة نفسه عن عزة مولاه.
فينعكس هذا الأمر في حق هذا العبد الفقير، وتشغله رؤية عزة مولاه ومنته ومشاهدة سبقه بالأولية عن حال يعتز بها العبد أو يشرف بها.
وكذلك الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعات المقامات، فـ "المقام" ما كان راسخا فيه، "والحال" ما كان عارضا لا يدوم.
فمطالعات المقامات (^١)، وتشرفه (^٢) بها، وكونه يرى نفسه صاحب مقام قد حققه وكمله، فاستحق أن ينسب إليه، ويوصف به، مثل أن يقال: زاهد صابر خائف راج محب راض = فكونه يرى نفسه مستحقا بأن تضاف المقامات إليه وبأن يوصف بها -على وجه الاستحقاق لها- خروج عن الفقر إلى الغنى، وتعد لطور العبودية، وجهل بحق الربوبية.
فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرق همة العبد، ويمحصه، ويطهره (^٣) من مثل هذه الأدناس، فيصير مصفى بنور الله عن رذائل هذه الأرجاس.
(^١) "ك، ط": "المقامة"، ثم أصلحها بعضهم في "ك".
(^٢) "ط": "تشوفه".
(^٣) "ف": "تستغرق.
. . تمحصه وتطهره" تصحيف.
الجزء: 1 - الصفحة: 52
[تفسير الدرجة الثالثة من الفقر]
قوله: "والدرجة الثالثة صحة الاضطرار، والوقوع في يد التقطع الوحداني، والاحتباس في قيد (^١) التجريد، وهذا فقر الصوفية".
هذه (^٢) الدرجة فوق الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك، وهي الغاية التي شمروا إليها وحاموا حولها.
فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنياوية (^٣)، والفقر الثاني فقر عن رؤية المقامات والأحوال، وهذا الفقر الثالث فقر عن ملاحظة الوجود (^٤) الساتر للعبد عن مشاهدة الموجود (^٥)، فيبقى الوجود الحادث (^٦) في قبضة الحق عز وجل كالهباء المنثور في الهواء، يتقلب بتقليبه إياه، ويصير (^٧) في شاهد العبد كما هو في الخارج.
فتمحو رؤية التوحيد عن العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من الأمور، ولو في النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة، إلا بإرادة المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته.
فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صولجانات القضاء والقدر، تقلبها كيف
(^١) "ط": "في بيداء قيد".
والظاهر أن كلمة "بيداء" زيادة الناشر من مدارج السالكين.
ولكن نسخة منازل السائرين التي ينقل المؤلف منها في هذا الكتاب تختلف عن نسخته التي كانت بين يديه عند تأليف المدارج.
(^٢) "ك": "وهذه".
(^٣) "ط": "الدنيوية".
(^٤) "ك، ط": "الموجود".
(^٥) كذا قرأت الأصل، وفي "ف" وغيرها: "الوجود".
(^٦) رسم الكلمة في الأصل غير واضح، وكتب في حاشيته: "ظ"، وكتب ناسخ "ف" في الحاشية: "كذا".
وفي "ن": "الحالي"، وفي حاشيتها: "كذا".
(^٧) "ط": "يسير" تحريف.
الجزء: 1 - الصفحة: 53
شاءت، بصحة شهادة قيومية من له الخلق والأمر، وتفرده بذلك دون ما سواه.
وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم، ولا يعرفه إلا من تحقق به، أو لاح له منه بارق.
وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن الشعور بوجوده لغلبة شهود وجود القيوم عليه، فهناك يصح من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحي القيوم، ويشهد (^١) في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا تاما إليه، من جهة كونه ربا، ومن جهة كونه إلها معبودا لا غنى له عنه، كما لا وجود له بغيره.
فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب تلك الرحى.
وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ومعرفة حقيقة النفس والعبودية، فهنالك تتم له معرفة هذا الفقر.
فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية اتصف بهذا الفقر حالا، فما أغناه حينئذ من فقير! وما أعزه من ذليل! وما أقواه من ضعيف! وما آنسه من وحيد! فهو الغني بلا مال، القوي (^٢) بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفي (^٣) بلا عتاد! قد قرت عينه بالله، فقرت به كل عين؛ واستغنى بالله، فافتقر إليه الأغنياء والملوك.
ولا يتم له ذلك إلا بالبراءة من فرث الجبر ودمه (^٤)، فإنه إن طرق باب الجبر انحل عنه نظام العبودية، وخلع ربقة الإسلام من عنقه، وشهد
(^١) "ط": "شهد".
(^٢) تحته في "ف" بخط مختلف: "الغالب" مع علامة "صح".
(^٣) "ف": "المكتفي".
أخطأ في القراءة وكتب في الحاشية: "ظ" أي انظر.
(^٤) انظر ما سلف عن هذا التعبير في ص (٤١).
الجزء: 1 - الصفحة: 54
أفعاله كلها طاعات للحكم القدري الكوني، وأنشد:
أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني، ففعلي كله طاعات (^١)
وإذا (^٢) قيل له: اتق الله ولا تعصه، يقول: إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لحكمه وإرادته! (^٣) فهذا منسلخ من (^٤) الشرائع، بريء من دعوة الرسل، شقيق لعدو الله إبليس.
بل وظيفة الفقير في هذا الموضع وفي هذه الضرورة مشاهدة الأمر والشرع، ورؤية قيامه بالأفعال وصدورها منه كسبا واختيارا، وتعلق الأمر والنهي بها طلبا وتركا، وترتب الذم والمدح عليها شرعا وعقلا، وتعلق الثواب والعقاب بها آجلا وعاجلا.
فمتى اجتمع له هذا الشهود الصحيح إلى شهود الاضطرار في حركاته وسكناته، والفاقة التامة إلى مقلب القلوب ومن بيده أزمة الاختيار ومن إذا شاء وجب وجوده، وإذا لم يشأ امتنع وجوده، وأنه لا هادي لمن أضله، ولا مضل لمن هداه، وأنه هو الذي يحرك القلوب بالإرادات،
(^١) سيأتي البيت أيضا في ص (٣٥١، ٦٥٠)، وهو لابن إسرائيل محمد بن سوار الشاعر الصوفي الدمشقي (٦٧٧ هـ). أنشده له شيخ الاسلام في مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٧). وانظر أيضا (١١/ ٢٤٥)، ومنهاج السنة (٣/ ٢٥)، والمدارج (١/ ٢٣١، ٢٦٢، ٣٠٥) و(٢: ٢٣٣)، وشفاء العليل (١٩، ٤٠).
(^٢) "ط": "إذ"، خطأ.
(^٣) سيذكر المصنف هذا القول مرة أخرى في (١٨٢، ٣٥٠، ٦٥٠). وانظر شفاء العليل: (٤٠). ونسبه شيخ الإسلام في الفتاوى (٨/ ٢٥٧) إلى بعض أصحاب علي بن حسين الحريري (٦٤٥ هـ).
(^٤) "ك": "عن".
الجزء: 1 - الصفحة: 55
والجوارح بالأعمال، وأنها مدبرة تحت تسخيره مذللة تحت قهره، وأنها أعجز وأضعف (^١) أن تتحرك بدون مشيئته، وأن مشيئته نافذة فيها كما هي نافذة في حركات الأفلاك والمياه والأشجار، وأنه حرك كلا منها بسبب اقتضى تحريكه، وهو خالق السبب المقتضي، وخالق السبب خالق للمسبب، فخالق الإرادة الحادثة (^٢) التي هي سبب الحركة والفعل الاختياري خالق لهما، وحدوث الإرادة بلا خالق محدث محال، وحدوثها بالعبد بلا إرادة منه محال، وإن كان بإرادة فإرادته للإرادة كذلك، ويستحيل هنا (^٣) التسلسل، فلا بد من فاعل أوجد تلك الإرادة التي هي سبب الفعل.
وهنا (^٤) يتحفق الفقر والفاقة والضرورة التامة إلى مالك الإرادات ورب القلوب ومصرفها كيف شاء، فما شاء أن يزيغه منها أزاغه، وما شاء أن يقيمه منها أقامه ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (٨)﴾ [آل عمران/ ٨].
فهذا هو الفقر الصحيح المطابق للعقل والفطرة والشرع، ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى، وعطل ملك الملك الحق وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه.
وحكم هذا الفقير المضطر إلى خالقه في كل طرفة عين وكل نفس أنه إن حرك بطاعة أو نعمة شكرها وقال: هذا من فضل الله ومنه وجوده، فله
(^١) "ط": "أضعف من أن".
(^٢) "ك، ط": "الجازمة"، تحريف.
(^٣) كذا في الأصل و"ن".
وفي "ف" وغيرها: "بها".
(^٤) كذا في الأصل وغيره.
وفي "ط": "فهنا"، وهو مقتضى سياق الكلام الذي طال، فسياقه: "فمتى اجتمع له هذا الشهود.
. . فهنا يتحقق الفقر".
الجزء: 1 - الصفحة: 56
الحمد، وإن حرك بمبادئ معصيته صرخ، ولجأ (^١)، واستغاث، وقال: "أعوذ بك منك" (^٢)، "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" (^٣)، "يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك" (^٤).
فإن تم تحريكه بالمعصية التجأ التجاء أسير قد أسره عدوه، وهو يعلم أنه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفتكه سيده من الأسر، ففكاكه في يد سيده، ليس في يده منه شيء البتة، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؛ فهو في أسر العدو ناظر إلى سيده، وهو قادر على تخليصه (^٥)؛ قد اشتدت ضرورته إليه، وصار اعتماده كله عليه.
قال سهل (^٦): "إنما يكون الالتجاء على معرفة قدر (^٧) الابتلاء".
يعني (^٨): وعلى قدر معرفة (^٩) الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلي.
ومن عرف معنى (^١٠) قوله (^١١) -صلى الله عليه وآله وسلم-: "وأعوذ بك منك" (^١٢)، وقام
(^١) في "ك" فوق السطر: "إلى الله".
(^٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.
أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٨٦).
(^٣) تقدم في ص (١٧).
(^٤) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
أخرجه مسلم في القدر (٢٦٥٤).
(^٥) "على تخليصه" ساقط من "ك، ط".
(^٦) هو سهل بن عبد الله التستري (٢٨٣ هـ) من كبار الزهاد.
طبقات الصوفية: (٢٠٦)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).
(^٧) "قدر" ساقط من "ط".
(^٨) "ك": "حتى"، تحريف.
(^٩) "معرفة" ساقط من "ك، ط".
(^١٠) "معنى" ساقط من "ط".
(^١١) "ف": "قول النبي"، خلاف الأصل.
(^١٢) مر آنفا.
الجزء: 1 - الصفحة: 57
بهذه المعرفة شهودا وذوقا، وأعطاها حقها من العبودية، فهو الفقير حقا.
ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة، فمن رزق فهمها (^١) فهم سر الفقر المحمدي.
فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيذ من نفسه (^٢) بنفسه، وهو الذي يدفع ما منه بما منه.
فالأمر كله له، والحكم كله له، والخلق كله له (^٣).
وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئته، وما لم يشأ لم يكن أن يجلبه إلا مشيئته.
فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو.
﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾ [يونس/ ١٠٧].
والتحقق (^٤) بمعرفة هذا يوجب صحة الاضطرار وكمال الفقر والفاقة، ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله، والاستغناء بها، والخروج عن ربقة (^٥) العبودية إلى دعوى ما ليس له.
وكيف يدعي مع الله حالا أو ملكة أو مقاما من قلبه وإراداته (^٦) وحركاته الظاهرة والباطنة بيد ربه ومليكه، لا يملك هو منها شيئا، وإنما هي بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف شاء (^٧)، فالإيمان بهذا والتحقق به نظام التوحيد،
(^١) "ك": "فمن فهم سرها".
"ط": " .. سر هذا".
(^٢) "ك، ط": "يعيذ بنفسه من نفسه".
(^٣) وقعت هذه الجملة في "ك، ط" قبل "والأمر كله له".
(^٤) "ن": "التحقيق"، خطأ.
(^٥) "ط": "رفقة"، تحريف.
(^٦) "ك، ط": "وإرادته".
(^٧) "ك، ط": "يشاء".
الجزء: 1 - الصفحة: 58
فمتى (^١) انحل من القلب انحل نظام التوحيد.
فسبحان من لا يوصل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من كرامته (^٢) إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته.
فعاد الأمر كله إليه، كما ابتدأ الأمر كله منه، فهو الأول والآخر، وإن إلى ربك المنتهى.
ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام التوحيد الخاصي.
فإن التوحيد نوعان: عامي وخاصي، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القرب كذلك خاصية وعامية.
فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك.
فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقها (^٣) باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز وجل.
وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص (^٤) أن يشهد العبد المحرك له، ويغيب عن المتحرك وعن الحركة، فيغيب بشاهده (^٥) عن حركته، فيشهد (^٦) نفسه شبحا فانيا تجري عليه (^٧) تصاريف المشيئة، كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعه طورا وتخفضه طورا، فهو غائب بها
(^١) "ك، ط": "ومتى".
(^٢) "ك، ط": "الكرامة".
(^٣) "بحقها": ساقط من "ط".
(^٤) "ط": "الخاصي".
(^٥) "ط": "بشهوده".
(^٦) "ط": "ويشهد".
(^٧) "ك، ط": "يجري على".
الجزء: 1 - الصفحة: 59
عن ملاحظة حركته في نفسه، بل قد اندرجت حركته في ضمن حركة الموج، فكأنه (^١) لا حركة له بالحقيقة.
وهذا، وإن ظنه كثير من القوم غاية، وظنه بعضهم لازما من لوازم التوحيد، فالصواب أن وراءه (^٢) ما هو أجل منه.
وغاية هذا الفناء في توحيد الربوبية، وهو (^٣) أن لا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا الله، وهذا حق (^٤)، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي فى النجاة فضلا عن أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم.
بل الغاية (^٥) التي لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء في توحيد الإلاهية.
وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه، وبتألهه عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذل له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل والفقر (^٦) إلى كل ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه.
فيرى أنه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله، ثم يتصف بذلك حالا (^٧)، وينصبغ به قلبه صبغة، ثم يفنى بذلك عما سواه.
فهذا هو التوحيد الخاص (^٨) الذي شمر إليه العارفون، والورد الصافي الذي حام
(^١) "ك، ط": "وكأنه".
(^٢) "ط": "من ورائه".
(^٣) "ك": "وهي".
(^٤) "ك، ط": "هو الحق".
(^٥) "ط": "فالغاية".
(^٦) "الفقر" ساقط من "ك، ط"، ومستدرك في حاشية "ك".
(^٧) "ك": "تتصف بذلك حاله".
(^٨) "ط": "الخاصي".
الجزء: 1 - الصفحة: 60
حوله المحبون.
ومتى وصل إليه العبد صار في يد التقطع والتجريد، واشتمل بلباس الفقر الحقيقي، ومزق (^١) حب الله من قلبه كل محبة، وخوفه كل مخافة (^٢)، ورجاؤه كل رجاء، فصار حبه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره وإرادته ومعاملته = كل ذلك واحدا (^٣) لواحد، فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه.
فتعدد المطلوب وانقسامه قادح في التوحيد والإخلاص، وانقسام الطلب قادح في الصدق والإرادة.
فلا بد من توحيد الطلب والإرادة، وتوحيد المطلوب المراد.
فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره، وبمذكوره عن ذكر غيره، وبمألوهه عن تأله غيره، صار من أهل التوحيد الخاص (^٤).
وصاحبه مجرد عن ملاحظة سوى محبوبه أو إيثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه.
وصاحب توحيد الربوبية في قيد التجريد عن ملاحظة فاعل غير الله، وهو مجرد عن ملاحظة وجوده هو، كما (^٥) كان صاحب الدرجة الأولى مجردا عن أمواله، وصاحب الثانية مجردا عن أعماله وأحواله.
وصاحب (^٦) الفناء في توحيد الإلهية مجرد عن سوى مراضي محبوبه وأوامره، قد فني بحبه وابتغاء مرضاته عن حب غيره وابتغاء مرضاته.
(^١) "ك، ط": "فرق".
(^٢) "ك، ط": "خوف".
(^٣) "ط": "واحد".
(^٤) "ط": "الخاصي".
(^٥) "ك، ط": "وهو كما".
(^٦) "ط": "فصاحب".
الجزء: 1 - الصفحة: 61
وهذا هو التجريد الذي سمت إليه همم السالكين.
فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعلمه (^١)، ثم تجرد عن شهود تجريده، فهو المجرد عندهم حقا، وهذا هو (^٢) تجريد القوم الذي عليه يحومون، وإياه يقصدون.
ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده، وبقائه بموجوده، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، ولا غاية عندهم وراء هذا.
ولعمر الله إن وراءه تجريدا أكمل منه، ونسبته إليه كتفلة في بحر، وشعرة في ظهر بعير.
وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ، فيتوحد حبه كما توحد محبوبه، ويتجرد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه منه، بل يبقى مراد محبوبه منه هو (^٣) نفس مراده.
وهنا يعقل الاتحاد الصحيح، وهو اتحاد المراد، فيكون عين مراد المحبوب هو عين مراد المحب.
وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية، ولا تتجرد المحبة عن العلل والحظوظ التي تفسدها إلا بهذا.
فالفرق بين محبة حظك ومرادك من المحبوب وأنك إنما تحبه لذلك، وبين (^٤) محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته وأنه أهل أن يحب.
وأما الاتحاد في الإرادة فمحال، كما أن الاتحاد في المريد محال، فالإرادتان متباينتان.
وأما مراد المحب والمحبوب إذا خلصت المحبة من العلل والحظوظ فواحد.
ف